المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْمَسِيح) الْكثير السياحة
(الْمَسِيح) عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام والممسوح بِمثل الدّهن وبالبركة ليَكُون ملكا أَو نَبيا وَهَذِه من عادات الْيَهُود وَالنَّصَارَى والأعور وَرجل مسيح الْوَجْه لَيْسَ على أحد شقي وَجهه عين وَلَا حَاجِب (ج) مسحاء ومسحى والعرق يمسح من الْوَجْه والمنديل الخشن يمسح بِهِ |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
دَيْرُ عَبْدِ المَسيح:
بن عمرو بن بقيلة الغساني، وسمّي بقيلة لأنه خرج على قومه في حلّتين خضراوين فقالوا: ما هذا إلّا بقيلة، وكان أحد المعمرين، يقال إنه عمّر ثلاثمائة وخمسين سنة: وهذا الدير بظاهر الحيرة بموضع يقال له الجرعة، وعبد المسيح هو الذي لقي خالد بن الوليد، رضي الله عنه، لما غزا الحيرة وقاتل الفرس فرموه من حصونهم الثلاثة حصون آل بقيلة بالخزف المدوّر، وكان يخرج قدّام الخيل فتنفر منه فقال له ضرار بن الأزور: هذا من كيدهم، فبعث خالد رجلا يستدعي رجلا منهم عاقلا، فجاءه عبد المسيح بن عمرو وجرى له معه ما هو مذكور مشهور، قال: وبقي عبد المسيح في ذلك الدير بعد ما صالح المسلمين على مائة ألف حتى في ذلك الدير بعد ما صالح المسلمين على مائة ألف حتى مات وخرب الدير بعد مدّة فظهر فيه أزج معقود من حجارة فظنوه كنزا ففتحوه فإذا فيه سرير رخام عليه رجل ميت وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة: حلبت الدهر أشطره حياتي، ... ونلت من المنى فوق المزيد فكافحت الأمور وكافحتني، ... فلم أخضع لمعضلة كؤود وكدت أنال في الشرف الثّريّا، ... ولكن لا سبيل إلى الخلود |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
مَسِيحَةُ:
بالفتح ثم الكسر، والياء ساكنة، من السّيح وهو الماء الفائض: اسم ماء، قال عرّام: إن فصلت من عسفان لقيت البحر وتذهب عنك الجبال والقرى إلا أودية مسمّاة بينك وبين مرّ الظهران يقال لواد منها مسيحة، وقال أبو جندب الهذلي: فأبلغ معقلا عنّي رسولا ... مغلغلة وواثلة بن عمرو إلى أيّ نساق وقد بلغنا ... ظماء من مسيحة ماء بثر |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
مَسِيحَة
من (م س ح) مؤنث مسيح. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بيان الجواب الصحيح، لمن بدل دين المسيح
للشيخ، تقي الدين: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلي. المتوفى: سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. أوله: (كلمتا الشهادة...). وهو مجلد. ذكر فيه: أنه وجد رسالة. لبولص الراهب، أسقف صيدا الأنطاكي. كتبها إلى: بعض أصدقائه. وهي: عمدتهم، التي يعتمد عليها علماؤهم. ومضمونها: على ستة فصول. الأول: في أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - لم يبعث إليهم، بل إلى أهل الجاهلية وأن في القرآن ما يدل على ذلك. الثاني: أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - أثنى في القرآن على دينهم، ومدحه. الثالث: أن نبوات الأنبياء - عليهم السلام - تشهد لدينهم بأنه حق، فيجب التمسك به. الرابع: تقرير ذلك بالمعقول، وأن ما هم عليه من التثليث ثابت. الخامس: دعواهم أنهم موحدون. السادس: أن المسيح - عليه السلام -، جاء بعد موسى - عليه السلام - بغاية الكمال، فلا حاجة إلى شرع يزيد على الغاية. انتهى. فذكر ابن تيمية مدعاه، وأجاب عنها، فأبطل جميع ما حكاه عنه. |
تكملة معجم المؤلفين
|
حصل على جوائز عديدة، ودكتوراه فخرية من أكاديمية الفنون (¬1).
أصدر مذكراته بعنوان: - عشت ألف عام: مذكرات فنان الشعب يوسف وهبي. - القاهرة: دار المعارف، 93 - 1396 هـ، 3 مج. وصدر أيضاً: - مذكرات عميد المسرح العربي يوسف وهبي/محمد رفعت المحامي. - بيروت: دار الثقافة، د. ت. يوسف عبد المسيح ثروت (1340 - 1414 هـ) (1921 - 1994 م) أديب، مترجم. ولد في ديار بكر بتركيا. توفي في السابع من شهر شعبان عن عمر يناهز 70 عاماً، بعد أن أسهم في الساحة الثقافية العراقية بترجماته. ¬__________ (¬1) الفيصل ع 68 (صفر 1403 هـ)، عمالقة ظرفاء ص 32 - 44، المشاهير بين الخجل والحياء 1/ 197 - 198، جسور إلى القمة ص 313، أيام من شبابهم ص 189. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
هو العاقب. تقدم.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
الصديقة بنت عمران بن ماهان بن الغار، رسول اللَّه، وكلمته ألقاها إلى مريم.
ذكره الذّهبيّ «في التّجريد» ، مستدركا على من قبله، فقال: عيسى ابن مريم رسول اللَّه، رأى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبيّ وصحابيّ، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته في آخر القواعد له، فقال: من باتّفاق جميع الخلق أفضل من ... خير الصّحاب أبي بكر ومن عمر ومن عليّ ومن عثمان وهو فتى ... من أمّة المصطفى المختار من مضر وأنكر مغلطاي على من ذكر خالد بن سنان في الصحابة كأبي موسى، وقال: إن كان ذكره لكونه ذكر النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، فكان ينبغي له أن يذكر عيسى وغيره من الأنبياء، أو من ذكره هو من الأنبياء غيرهم. ومن المعلوم أنهم لا يذكرون في الصحابة. انتهى. ويتّجه ذكر عيسى خاصة لأمور اقتضت ذلك. أولها- أنه رفع حيّا، وهو على أحد القولين. الثاني- أنه اجتمع بالنبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ببيت المقدس على قول، ولا يكفي اجتماعه به في السماء لأن حكمه من حكم الظاهر. الثالث- أنه ينزل إلى الأرض، كما سيأتي بيانه بيانه، فيقتل الدجال، ويحكم بشريعة محمد صلى اللَّه عليه وسلّم، فبهذه الثلاث يدخل في تعريف الصحابي، وهو الّذي عوّل عليه الذهبي. وقد رأيت أن أذكر له ترجمة مختصرة: ساق ابن إسحاق في كتاب المبتدإ نسب مريم إلى داود عليه السلام، فكان بينها وبينه ستة وعشرون أبا، وكانت أمّ مريم لا تحمل، فرأت طيرا يزق فرخا، فاشتهت الولد، فاتفق أن حملت، فنذرت إن تمّ حملها، ووضعت، أن تجعل حملها خادما لبيت المقدس، وكانوا يفعلون ذلك، الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف 172] ، قال: جمعهم، فجعلهم أرواحا. ثم صوّرهم، ثم استنطقهم، فتكلموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق أن لا إله غيره، وأنّ روح عيسى كانت في تلك الأرواح، فأرسل إلى مريم ذلك الروح، فسئل مقاتل بن حيان: أين دخل ذلك الروح؟ فذكره عن أبي العالية، عن أبيّ أنه دخل من فيها. أخرجه أبو جعفر الفريابي في كتاب القدر، وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات كتاب الزّهد، وسنده قوي. وثبت في الصحيحين من طريق الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: «ما من وليد «1» إلّا ويمسّه الشّيطان حين يولد فيستهلّ صارخا إلّا مريم وابنها» . وأخرجه مسلم من طريق أبي يونس، وأحمد من طريق عجلان وعن طريق الأعرج، من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، والطبري، من طريق أبي سلمة، ومن طريق أبي صالح كلّهم عن أبي هريرة. وذكر السّدّيّ في تفسيره بأسانيد إلى ابن مسعود وغيره أنّ أخت مريم قالت لمريم: أشعرت أني حبلى؟ قالت: فإنّي أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذكره مالك من رواية ابن القاسم، عنه، قال: بلغني أن عيسى ويحيى ابنا خالة، وكان حملهما معا، فذكره بمعناه، أخرجه ابن أبي حاتم، من طريقه. وقد ثبت في حديث الإسراء أنّ عيسى ويحيى ابنا خالة، ومن طريق مجاهد، قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت به حدّثني، وإذا كنت بين الناس سبح في بطني. واختلف في مدة حملها به، فقيل ساعة، وقيل ثلاث، وقيل تسع ساعات، وقيل ثمانية أشهر، وقيل سنة، وقيل تسعة أشهر. وقال ابن إسحاق: لما ظهر حملها لم يدخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وتكلم فيها اليهود، فتوارت مريم عنهم، واعتزلتهم فكان ما قص اللَّه تعالى عنها في سورة مريم في قوله تعالى: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا، فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ... [مريم 22] إلى قوله: رُطَباً جَنِيًّا [مريم 22] ، فجاء عن عليّ «1» عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: «أطعموا نساءكم حتّى الحاملات الرّطب، فإن لم يكن رطبا فتمرا، فليس من الشّجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ... «2» » الحديث. وفيه: «أكرموا عمّتكم النّخلة فإنّها خلفت من الطّينة الّتي خلق منها آدم» . وفي سنده ضعف وانقطاع. والمشهور أنها ولدته «3» ببيت لحم من بيت المقدس. وأخرجه النسائي من حديث أنس مرفوعا بسند لا بأس به، وله شاهد عند البيهقي من حديث شداد بن أوس، وجاء عن وهب بن منبه أنها ولدته «4» بمصر، وجزم غيره بأنها ولدته ببيت لحم «5» ، فخافت عليه فتوجّهت به إلى مصر، فنشأ بها حتى صار عمره اثنتي عشرة سنة. وقيل إنها لم تحض قبل الحمل به إلّا حيضة واحدة. وذكر وهب أنه لما ولد تكسّرت الأصنام في الشرق والغرب، واشتهر أمره منذ تكلّم في المهد، وظهرت على يده الخوارق. واختلف متى تكلم بعد أن قال في المهد ما قال؟ ففي تفسير مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس: لم يتكلم بعد حتى بلغ ما يبلغ الأطفال الكلام، فنطق بالحكمة. وذكر أبو حذيفة البخاريّ في «المبتدإ» ، وهو واهي الحديث، من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد، ومن طريق مكحول، عن أبي هريرة «1» ، قال: أول ما نطق لسان عيسى به بعد كلامه في المهد أنه مجّد اللَّه تمجيدا لم تسمع الآذان مثله، وكان كلامه في المهد، وهو ابن أربعين يوما. وذكر السّدّيّ بأسانيد عن مشايخه في حديث ذكره أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره، فجاء عيسى، فدعا اللَّه فأحياه. وأخرج أبو داود في كتاب «القدر» ، من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لقي عيسى إبليس، فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك؟ قال: نعم. قال: فارق بذروة هذا الجبل فتردّى منه، فانظر تعيش أو لا، قال عيسى: أما علمت أنّ اللَّه قال: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت؟ لفظ طاوس. وفي رواية الزهري: فقال عيسى إن العبد لا يبتلي ربّه، لكن اللَّه يبتلي عبده. وأخرجه من طريق خليد «2» بن زيد، عن طاوس. وأخرجه ابن أبي الدنيا من وجه آخر نحوه. ونشأ عيسى زاهدا في الدنيا لم يتخذ بيتا ولا زوجة، وكان يسبح في الأرض، ويتقوّت بما يخرج منها، ولا يدّخر شيئا، وكان يخبر الناس بما يأكلون وما يدّخرون، كما قال اللَّه تعالى، ويحيى الموتى، ويخلق الطير، فقيل هو الخفاش. قيل: كان لا يعيش إلّا يوما واحدا. وقال وهب: كان يطير بحيث يغيب عن الأعين، فيقع ميتا ليتميز خلق اللَّه من فعل غيره. وقال الثّعلبيّ: إنما خص الخفّاش، لأنه [يجتمع فيه] «1» الطير والدابة، فله ثدي وأسنان، ويحيض ويلد ويطير. واتفق أنّ عصر عيسى كان فيه أعيان الأطباء، فكان من معجزاته الإتيان «2» بما لا قدرة لهم عليه، وهو إبراء الأكمه والأبرص. ونزلت عليه المائدة، وأرسل إلى بني إسرائيل، وعلم التوراة، وأنزل عليه الإنجيل، فكان يقرؤهما ويدعو إليهما، فكذّبه «3» اليهود، وصدّقه الحواريّون، فكانوا أنصاره وأعوانه، وأرسلهم إلى من بعث إليه يدعونهم إلى التوحيد. ثم إن اليهود تمالئوا على قتله، فألقى اللَّه شبهه على واحد من أتباعه، ورفعه اللَّه، فأخذوا ذلك الرجل فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنهم قتلوا عيسى، فأكذبهم اللَّه في ذلك. وثبت «في الصّحيحين» ، عن ابن عمر- أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم وصف عيسى، فقال: «ربعة آدم، كأنّما خرج من ديماس، أي حمام» . وفي لفظ: «آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرّجال» . وفي لفظ: سبط الشعر. وفي البخاريّ، من حديث ابن عباس رفعه: «رأيت ليلة أسري بي ... » فذكر الحديث. وفيه: «ورأيت عيسى أحمر ربعة سبطا» . ومن حديث أبي هريرة مثله. وعند أحمد من طريق عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة- رفعه: «ينزل عيسى ويكسر «4» الصّليب ... » الحديث. وفيه: «وتعطّل الملل كلّها، فلا يبقى إلّا الإسلام، ويقع الأمن في الأرض» . وفي «الصّحيحين» عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: «والّذي نفسي بيده يوشك أن ينزل عليكم عيسى ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ... » «5» الحديث. وفي صحيح مسلم عنه أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «ينزل عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق» . وفيهما عنه: «ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدّجّال» . «1» وقال النووي في ترجمته في تهذيب الأسماء: إذا نزل عيسى كان مقررا للشريعة المحمدية، لا رسولا إلى هذه الأمة، ويصلّي وراء إمام هذه الأمة تكرمة من اللَّه لها من أجل نبيها. وفي الصحيح: كيف إذا نزل عيسى ابن مريم وإمامكم منكم؟ قال: وقد جاء أنه يتزوج بعد نزوله ويولد له، ويدفن عند النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم. انتهى. واختلف في مدة إقامته في الأرض بعد أن ينزل آخر الزمان، فقيل سبع سنين. وقيل أربعين. وقيل غير ذلك. وقد وقع عند أحمد من حديث أبي هريرة بسند صحيح رفعه أنه يلبث في الأرض مدة أربعين سنة. واختلف في عمره في الدنيا منذ ولد إلى أن رفع، فقيل ثلاث وثمانون سنة، وهذا أشهر. وقيل أربع وثمانون، وفي مرسل سعيد بن المسيب أنه عاش ثمانين، ذكره من رواية علي بن زيد، عنه، وهو ضعيف. وفي مستدرك الحاكم عن فاطمة رضي اللَّه عنها أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلّم أخبرها أنّ عيسى عاش مائة وعشرين سنة في حديث ذكره. وأخرج النسائيّ وابن ماجة من طريق الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلا. فقال: إن منكم من يكفر بي بعد أن آمن ... ثم قال: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، فيكون رفيقي في الجنة؟ فقام شاب- أحدثهم سنّا، فقال: أنا، قال: اجلس، ثم عاد فعاد، فقال: اجلس، ثم عاد فعاد الثالثة، فقال: أنت هو، فألقى عليه شبهه، وأخذ الشابّ فصلب بعد أن رفع عيسى إلى السماء من البيت، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشّاب، وهذا أصحّ «2» مما حكاه الفراء أنّ رأس الجالوت، وهو كبير اليهود، هاجم البيت الّذي فيه عيسى، فألقى اللَّه عيسى عليه، ورفع عيسى، فخرج على اليهود والسيف في يده مشهور، فقال: لم أجد عيسى فرأوا شبهه عليه، فقالوا: أنت عيسى، فأخذوه وقتلوه وصلبوه. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
هو العاقب. تقدم.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
الصديقة بنت عمران بن ماهان بن الغار، رسول اللَّه، وكلمته ألقاها إلى مريم.
ذكره الذّهبيّ «في التّجريد» ، مستدركا على من قبله، فقال: عيسى ابن مريم رسول اللَّه، رأى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبيّ وصحابيّ، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته في آخر القواعد له، فقال: من باتّفاق جميع الخلق أفضل من ... خير الصّحاب أبي بكر ومن عمر ومن عليّ ومن عثمان وهو فتى ... من أمّة المصطفى المختار من مضر وأنكر مغلطاي على من ذكر خالد بن سنان في الصحابة كأبي موسى، وقال: إن كان ذكره لكونه ذكر النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، فكان ينبغي له أن يذكر عيسى وغيره من الأنبياء، أو من ذكره هو من الأنبياء غيرهم. ومن المعلوم أنهم لا يذكرون في الصحابة. انتهى. ويتّجه ذكر عيسى خاصة لأمور اقتضت ذلك. أولها- أنه رفع حيّا، وهو على أحد القولين. الثاني- أنه اجتمع بالنبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ببيت المقدس على قول، ولا يكفي اجتماعه به في السماء لأن حكمه من حكم الظاهر. الثالث- أنه ينزل إلى الأرض، كما سيأتي بيانه بيانه، فيقتل الدجال، ويحكم بشريعة محمد صلى اللَّه عليه وسلّم، فبهذه الثلاث يدخل في تعريف الصحابي، وهو الّذي عوّل عليه الذهبي. وقد رأيت أن أذكر له ترجمة مختصرة: ساق ابن إسحاق في كتاب المبتدإ نسب مريم إلى داود عليه السلام، فكان بينها وبينه ستة وعشرون أبا، وكانت أمّ مريم لا تحمل، فرأت طيرا يزق فرخا، فاشتهت الولد، فاتفق أن حملت، فنذرت إن تمّ حملها، ووضعت، أن تجعل حملها خادما لبيت المقدس، وكانوا يفعلون ذلك، الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف 172] ، قال: جمعهم، فجعلهم أرواحا. ثم صوّرهم، ثم استنطقهم، فتكلموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق أن لا إله غيره، وأنّ روح عيسى كانت في تلك الأرواح، فأرسل إلى مريم ذلك الروح، فسئل مقاتل بن حيان: أين دخل ذلك الروح؟ فذكره عن أبي العالية، عن أبيّ أنه دخل من فيها. أخرجه أبو جعفر الفريابي في كتاب القدر، وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات كتاب الزّهد، وسنده قوي. وثبت في الصحيحين من طريق الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: «ما من وليد «1» إلّا ويمسّه الشّيطان حين يولد فيستهلّ صارخا إلّا مريم وابنها» . وأخرجه مسلم من طريق أبي يونس، وأحمد من طريق عجلان وعن طريق الأعرج، من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، والطبري، من طريق أبي سلمة، ومن طريق أبي صالح كلّهم عن أبي هريرة. وذكر السّدّيّ في تفسيره بأسانيد إلى ابن مسعود وغيره أنّ أخت مريم قالت لمريم: أشعرت أني حبلى؟ قالت: فإنّي أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذكره مالك من رواية ابن القاسم، عنه، قال: بلغني أن عيسى ويحيى ابنا خالة، وكان حملهما معا، فذكره بمعناه، أخرجه ابن أبي حاتم، من طريقه. وقد ثبت في حديث الإسراء أنّ عيسى ويحيى ابنا خالة، ومن طريق مجاهد، قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت به حدّثني، وإذا كنت بين الناس سبح في بطني. واختلف في مدة حملها به، فقيل ساعة، وقيل ثلاث، وقيل تسع ساعات، وقيل ثمانية أشهر، وقيل سنة، وقيل تسعة أشهر. وقال ابن إسحاق: لما ظهر حملها لم يدخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وتكلم فيها اليهود، فتوارت مريم عنهم، واعتزلتهم فكان ما قص اللَّه تعالى عنها في سورة مريم في قوله تعالى: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا، فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ... [مريم 22] إلى قوله: رُطَباً جَنِيًّا [مريم 22] ، فجاء عن عليّ «1» عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: «أطعموا نساءكم حتّى الحاملات الرّطب، فإن لم يكن رطبا فتمرا، فليس من الشّجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ... «2» » الحديث. وفيه: «أكرموا عمّتكم النّخلة فإنّها خلفت من الطّينة الّتي خلق منها آدم» . وفي سنده ضعف وانقطاع. والمشهور أنها ولدته «3» ببيت لحم من بيت المقدس. وأخرجه النسائي من حديث أنس مرفوعا بسند لا بأس به، وله شاهد عند البيهقي من حديث شداد بن أوس، وجاء عن وهب بن منبه أنها ولدته «4» بمصر، وجزم غيره بأنها ولدته ببيت لحم «5» ، فخافت عليه فتوجّهت به إلى مصر، فنشأ بها حتى صار عمره اثنتي عشرة سنة. وقيل إنها لم تحض قبل الحمل به إلّا حيضة واحدة. وذكر وهب أنه لما ولد تكسّرت الأصنام في الشرق والغرب، واشتهر أمره منذ تكلّم في المهد، وظهرت على يده الخوارق. واختلف متى تكلم بعد أن قال في المهد ما قال؟ ففي تفسير مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس: لم يتكلم بعد حتى بلغ ما يبلغ الأطفال الكلام، فنطق بالحكمة. وذكر أبو حذيفة البخاريّ في «المبتدإ» ، وهو واهي الحديث، من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد، ومن طريق مكحول، عن أبي هريرة «1» ، قال: أول ما نطق لسان عيسى به بعد كلامه في المهد أنه مجّد اللَّه تمجيدا لم تسمع الآذان مثله، وكان كلامه في المهد، وهو ابن أربعين يوما. وذكر السّدّيّ بأسانيد عن مشايخه في حديث ذكره أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره، فجاء عيسى، فدعا اللَّه فأحياه. وأخرج أبو داود في كتاب «القدر» ، من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لقي عيسى إبليس، فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك؟ قال: نعم. قال: فارق بذروة هذا الجبل فتردّى منه، فانظر تعيش أو لا، قال عيسى: أما علمت أنّ اللَّه قال: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت؟ لفظ طاوس. وفي رواية الزهري: فقال عيسى إن العبد لا يبتلي ربّه، لكن اللَّه يبتلي عبده. وأخرجه من طريق خليد «2» بن زيد، عن طاوس. وأخرجه ابن أبي الدنيا من وجه آخر نحوه. ونشأ عيسى زاهدا في الدنيا لم يتخذ بيتا ولا زوجة، وكان يسبح في الأرض، ويتقوّت بما يخرج منها، ولا يدّخر شيئا، وكان يخبر الناس بما يأكلون وما يدّخرون، كما قال اللَّه تعالى، ويحيى الموتى، ويخلق الطير، فقيل هو الخفاش. قيل: كان لا يعيش إلّا يوما واحدا. وقال وهب: كان يطير بحيث يغيب عن الأعين، فيقع ميتا ليتميز خلق اللَّه من فعل غيره. وقال الثّعلبيّ: إنما خص الخفّاش، لأنه [يجتمع فيه] «1» الطير والدابة، فله ثدي وأسنان، ويحيض ويلد ويطير. واتفق أنّ عصر عيسى كان فيه أعيان الأطباء، فكان من معجزاته الإتيان «2» بما لا قدرة لهم عليه، وهو إبراء الأكمه والأبرص. ونزلت عليه المائدة، وأرسل إلى بني إسرائيل، وعلم التوراة، وأنزل عليه الإنجيل، فكان يقرؤهما ويدعو إليهما، فكذّبه «3» اليهود، وصدّقه الحواريّون، فكانوا أنصاره وأعوانه، وأرسلهم إلى من بعث إليه يدعونهم إلى التوحيد. ثم إن اليهود تمالئوا على قتله، فألقى اللَّه شبهه على واحد من أتباعه، ورفعه اللَّه، فأخذوا ذلك الرجل فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنهم قتلوا عيسى، فأكذبهم اللَّه في ذلك. وثبت «في الصّحيحين» ، عن ابن عمر- أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم وصف عيسى، فقال: «ربعة آدم، كأنّما خرج من ديماس، أي حمام» . وفي لفظ: «آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرّجال» . وفي لفظ: سبط الشعر. وفي البخاريّ، من حديث ابن عباس رفعه: «رأيت ليلة أسري بي ... » فذكر الحديث. وفيه: «ورأيت عيسى أحمر ربعة سبطا» . ومن حديث أبي هريرة مثله. وعند أحمد من طريق عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة- رفعه: «ينزل عيسى ويكسر «4» الصّليب ... » الحديث. وفيه: «وتعطّل الملل كلّها، فلا يبقى إلّا الإسلام، ويقع الأمن في الأرض» . وفي «الصّحيحين» عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: «والّذي نفسي بيده يوشك أن ينزل عليكم عيسى ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ... » «5» الحديث. وفي صحيح مسلم عنه أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «ينزل عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق» . وفيهما عنه: «ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدّجّال» . «1» وقال النووي في ترجمته في تهذيب الأسماء: إذا نزل عيسى كان مقررا للشريعة المحمدية، لا رسولا إلى هذه الأمة، ويصلّي وراء إمام هذه الأمة تكرمة من اللَّه لها من أجل نبيها. وفي الصحيح: كيف إذا نزل عيسى ابن مريم وإمامكم منكم؟ قال: وقد جاء أنه يتزوج بعد نزوله ويولد له، ويدفن عند النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم. انتهى. واختلف في مدة إقامته في الأرض بعد أن ينزل آخر الزمان، فقيل سبع سنين. وقيل أربعين. وقيل غير ذلك. وقد وقع عند أحمد من حديث أبي هريرة بسند صحيح رفعه أنه يلبث في الأرض مدة أربعين سنة. واختلف في عمره في الدنيا منذ ولد إلى أن رفع، فقيل ثلاث وثمانون سنة، وهذا أشهر. وقيل أربع وثمانون، وفي مرسل سعيد بن المسيب أنه عاش ثمانين، ذكره من رواية علي بن زيد، عنه، وهو ضعيف. وفي مستدرك الحاكم عن فاطمة رضي اللَّه عنها أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلّم أخبرها أنّ عيسى عاش مائة وعشرين سنة في حديث ذكره. وأخرج النسائيّ وابن ماجة من طريق الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلا. فقال: إن منكم من يكفر بي بعد أن آمن ... ثم قال: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، فيكون رفيقي في الجنة؟ فقام شاب- أحدثهم سنّا، فقال: أنا، قال: اجلس، ثم عاد فعاد، فقال: اجلس، ثم عاد فعاد الثالثة، فقال: أنت هو، فألقى عليه شبهه، وأخذ الشابّ فصلب بعد أن رفع عيسى إلى السماء من البيت، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشّاب، وهذا أصحّ «2» مما حكاه الفراء أنّ رأس الجالوت، وهو كبير اليهود، هاجم البيت الّذي فيه عيسى، فألقى اللَّه عيسى عليه، ورفع عيسى، فخرج على اليهود والسيف في يده مشهور، فقال: لم أجد عيسى فرأوا شبهه عليه، فقالوا: أنت عيسى، فأخذوه وقتلوه وصلبوه. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى:
المسيح عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله عزَّ وجلَّ، وبلَّغ رسالة ربه عزَّ وجلَّ، وقد ذكر الله عزَّ وجلَِّ هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِما أنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِين [آل عمران: 45 - 60. هذا هو المسيح عليه السلام في كلام الله عزَّ وجلَّ، بشر خلقه الله بكلمته، كما خلق من قبله آدم عليه السلام بكلمته، وهي قوله: (كن) وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر، بل كانت- رضوان الله عليها- عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد. وبيَّن الله عزَّ وجلَّ لنا حقيقة دعوة المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا إلى عبادة الله عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له، وقد وجَّه دعوته لبني جنسه، وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيراً عن دين موسى عليه السلام، إلا أن قومه كذَّبوه وسعوا إلى قتله، فأنجاه الله منهم ورفعه إلى السماء. وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرَّحت بما ذكره القرآن تصريحاً واضحاً لا لبس فيه، ومن ذلك: 1 - بشرية المسيح: ذكر الله عزَّ وجلَّ بشرية المسيح في الآيات السابقة، وقد قصَّ لنا الربُّ جلَّ وعلا خبره من لدن جدته امرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته. وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم، وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم، والأكل والشرب والتعب والنوم والموت، وسائر الخصال البشرية. 2 - أنه رسول الله: وذلك في قوله عز وجل: ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [المائدة: 75. وقد صرَّّح النصارى أن المسيح عليه السلام قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (10/ 40): (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني). وفي إنجيل لوقا (4/ 43): (فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشِّر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل). ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا (10/ 16): (الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني). وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (4/ 34): (قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله). وفي (17/ 3) يذكر عن المسيح أنه قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته). 3 - أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة: قال الله عزَّ وجلَّ في الآيات السابقة: وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائيلَ [آل عمران:49. وقد ورد في إنجيل متى (15/ 24) أن المسيح عليه السلام لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). وكذلك في إنجيل متى (10/ 5) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية، وقال لهم: (إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). 4 - أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له: قال جلَّ وعلا عن المسيح أنه قال: إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [آل عمران: 51. وذكر متى في إنجيله (4/ 10) عن المسيح أنه قال: (للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي إنجيل مرقص (12/ 29) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: (إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك). وفي إنجيل لوقا (4/ 8) أن المسيح قال للشيطان لما طلب منه أن يسجد له: (اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي إنجيل يوحنا (17/ 3) أن المسيح قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته). وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (20/ 17): (قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم). 5 - إنه متبع لشريعة موسى عليه السلام ومكمل لها: قال عزَّ وجلَّ: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. [آل عمران: 50. قال متى في إنجيله (5/ 17) عن المسيح أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل). 6 - أنه دعا إلى التوبة: وهو معنى قوله عزَّ وجلَّ: وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُون [آل عمران: 50 وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لبَّ دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى عليه السلام. وفي هذا ورد في إنجيل متى (9/ 13): (لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة). وفي إنجيل مرقص (1/ 14): (وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). فهذه النصوص يظهر منها واضحاً بشرية المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الاتفاق مع ما ذكره الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس. وهذا بخلاف ما تدَّعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى. ¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 167 |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
تمهيد:
إن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد، ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلاً مطبقاً، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ النصراني غموضاً وأشدها صعوبة وخطورة؛ إذ أفرزت هذه الفترة- وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ- بروز الأناجيل الكثيرة، التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضارباً شديداً. كذلك برزت للوجود الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانته، وهي أيضاً أقوال متضاربة متباينة. يقول الكاتب النصراني حبيب سعيد متحدثاً عن تلك الفترة: (ومع أنه من اليسير جمع نتف من هنا وهناك عن هذه الفترة- نهاية عصر الحواريين - إلا أن الأربعين سنة من (70) إلى (110) م - تبقى أكثر فترات التاريخ المسيحي غموضاً وإبهاماً، وهو أمر يؤسف له؛ لأن هذه الفترة حفلت بكثير من معالم التغيير في الكنيسة نفسها، ولأن فيها برز كثيرون من دعاة المسيحية المجهولين بعد (بولس)، وظهر كثير من الأفكار التي حملها- بلا شك- المتنصرون الوثنيون من مصادر غير مسيحية، وخاصة حول العقائد والممارسات المسيحية، مثل الأسرار، والأصوام وأشكال العبادة، ودستور الكنيسة نفسه خضع لبعض التعديلات). ويميز هذه الفترة المتقدمة من تاريخ النصارى حادثة مهمة جدًّا لعلها من أهم الحوادث التي وقعت على النصارى بعد رفع المسيح عليه السلام ألا وهي حادثة تدمير بيت المقدس من قبل القائد الروماني تيطس سنة (70) م, في عهد الإمبراطور (لوسباسيانوس) حيث قضى هذا القائد على اليهود في فلسطين، وخاصة في القدس قضاء شبه تام بسبب ثورتهم ضد الرومان. ولاشك أن عملية القتل والإبادة هذه قد طالت أكبر عدد من النصارى في ذلك التاريخ؛ لأنه لم يكن هناك فرق بين اليهودي والمتنصر إبان تلك الفترة، كما أن البلاء والقتل والإبادة كان شبه عام لجميع المناطق التي يتواجد فيها اليهود في فلسطين خاصة، والمناطق المجاورة لها. ومن هنا فإن الحديث عن تلك الفترة فيه عسر واضح؛ إذ إنها حلقة مجهولة في تاريخ النصرانية، حتى إن نهاية أتباع المسيح عليه السلام- وكذلك بولس- تعتبر مجهولة بسبب ذلك البلاء الطويل الذي حلَّ باليهود متتابعاً متلاحقاً من قبل الرومان، منذ رفع المسيح عليه السلام إلى تدمير تيطس لبيت المقدس سنة (70) م، ثم استمرَّ البلاء على من بقي منهم إلى التدمير الثاني في عهد الإمبراطور (أدريان) حيث تجمَّع مجموعة من اليهود وأمَّروا عليهم رجلاً يسمَّى (بركوكبا) وزعموا أنه المسيح المنتظر فخرج بهم على الرومان، فما كان من الإمبراطور الروماني (أدريان) حوالي عام (130) م, إلَّا أن أرسل حملة كبيرة، وأمرها بتدمير جميع المحلات التي يمرون عليها، محلًّا، محلًّا، واستمرَّ في ذلك سنتين حتى دمَّر بلاد اليهود، وقضى عليهم، وأعاد تدمير بيت المقدس، وبنى محله هيكلاً للمشتري، معبود الرومان في ذلك الوقت، وحرَّم على اليهود الدخول إلى بيت المقدس إلا يوماً واحداً في السنة بعد دفع غرامة مالية كبيرة. فلا شكَّ أن أحداثاً جساماً كهذه كانت سبباً من الأسباب المباشرة للانقطاع التاريخي البيَّن في تاريخ النصارى الذين كانوا في ذلك الوقت لا يتميزون عن اليهود بشيء خاصة لدى من هو خارج إطارهم مثل الرومان واليونان الوثنيين. كما أن الثقل الديني والالتزام بمبادئ المسيح عليه السلام كان متمركزاً في بيت المقدس، وكان سبق أن حدث انقسام بين دعاة النصارى في مسألة شريعة موسى عليه السلام، ووجوب التزامها، وإلزام المتنصرين من الوثنيين بها، وكان المحافظون على الشريعة والموجبون للالتزام بها من المتبعين للمسيح من اليهود هم القوة الغالبة في ذلك الوقت. إلا أن تدمير بيت المقدس وقتل اليهود وجَّه لهذه الفئة بالذات ضربة قاصمة، وأفسح المجال لبولس وأتباعه المنادين بإلغاء العمل بالشريعة الموسوية، وفصلها عن ديانة المسيح عليه السلام. يقول حبيب سعيد: (أما خراب أورشليم في الشرق إثر التمرد اليهودي سنة (70) م, فكان له أثر عميق في المسيحية، وذلك لأنه قضى على الجماعات الفلسطينية، وتضخم أعداد متنصري الوثنية، من العوامل التي جعلت كفاح (بولس) للتخلص من اليهودية الناموسية الضيقهة، غير ذي موضوع، وغدت أنطاكيه ورومية وبعدها أفسس أهم المراكز في تطور التاريخ المسيحي). ظهور المذاهب والأقوال المختلفة في المسيح وديانته: والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت إفرازات خطيرة جدًّا في الديانة النصرانية حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، نذكر منها: الفرع الأول: الغنوصية: وهو اسم يطلقه النصارى على فرق عديدة، تجمع في عقيدتها بين إلهين اثنين أو أكثر، وتبني مطالبها على المعرفة. المارسيونية أو الماركونية: وهم أتباع مارسيون الذي ولد في آسيا سنة (85) م، وبعضهم يقول: (120) م، ومن معتقداته القول بإلهين: أحدهما إله اليهود، وهو في زعمه إله قاس شرس، وهو الذي خلق هذا العالم المادي. ومع ذلك فهو أقل مستوى من الإله الآخر الذي هو إله الرحمة والمحبة، حيث هو الإله الحقيقي المحتجب، والذي ظهر في شخص المسيح، ويرى أن المسيح لم يمت على الصليب، ولم يدفن، ولم يقم من القبر، ولكنه اختفى فجأة؛ ليبشر الموتى في الهاوية، ثم رجع بعد ذلك ليقوم بعمله كالأب المحتجب في السماء. الفرع الثاني: المونتانية: وهي تنسب إلى رجل اسمه (مونتانس) ادَّعى النبوة بعد منتصف القرن الثاني الميلادي، وزعم أن الروح القدس يتكلم إليه، وتنبَّأ معه أيضاً امرأتان أعلنتا قرب نهاية العالم، وقرب رجوع المسيح عليه السلام. ولكي يستعدوا لهذا المجيء أمرت المتنبئتان الناس بالكفِّ عن الزواج، وعن شرب الخمر، وعن الأطعمة الشهية، وصاروا ينتظرون مجيء المسيح، حتى خرج مجموعة منهم إلى الصحراء لاستقبال المسيح، وكادوا أن يهلكوا من الجوع والعطش لولا أن السلطات أنقذتهم. وقد استمرت المونتانية قائمة إلى القرن الخامس الميلادي. الفرع الثالث: البنويون: وقولهم: أن المسيح إنسان ولد من مريم بطريقة إعجازية، وأن الله عزَّ وجلَّ في وقت تعميد المسيح تبناه ووهبه قوة لعمل المعجزات، واستمرَّ بشراً إنساناً إلى أن صلب ثم مات، وقام من الموت، ورفع إلى السماء، وهم ينتظرون مجيئه؛ ليخلص أتباعه من العار الذي أصابهم بسبب صلبه، وهم يتمسكون بالشريعة الموسوية. الفرع الرابع: الانتحالية أو الوحدوية: • أولا: السابليوسية:. • ثانيا: الآريوسية:. أولا: السابليوسية: نسبة إلى الكاهن سابليوس المتوفى سنة (261) م, وهو كما قيل عنه يعتقد: بأن الله واحد غير قابل للتجزئة، وينكر الثالوث إلا أنه يرى أن الله الخالق تجسد بعد في صورة المسيح فصار ابناً، فتألم وصلب، ثم تحوَّل بعد ذلك إلى الروح القدس الذي صار مرشداً للتلاميذ. فعنده أن الله واحد قد أخذ هذه الأدوار الثلاثة كلها. بولس السميساطي: وهو أسقف أنطاكيه الذي رُسِّم أُسقفًّا لها سنة (260) م، وكان يقول: إن الله واحد، وأن كلمته وحكمته من صفاته، وأن هذه الصفة (الكلمة) حلَّت على المسيح الذي هو بشر ولد من مريم فحين حلَّت عليه الكلمة صار المسيح الفادي والمخلص، ورفعه الله مكافأة له، وأعطاه اسماً فوق كل اسم. ثانيا: الآريوسية: نسبة إلى الأسقف الليبي (آريوس) الذي درس على تلميذ بولس السميساطي وهو (لوقيانوس)، وكان آريوس يعلم بأن الله إله واحد غير مولود، أزلي، أما الابن فليس أزليًّا، بل وجد وقت لم يكن الابن فيه موجوداً، وهو خرج من العدم مثل غيره من المخلوقات حسب مشيئة الله، فهو ليس إلهاً، ولايملك شيئاً من الصفات الإلهية، إلا أن الله منحه مجداً جعله فوق كل الخلائق. وقد انتشرت الآريوسية انتشاراً عظيماً، وهي التي انعقد مجمع نيقية سنة (325) م, بأمر الإمبراطور قسطنطين للنظر فيها وغيرها من المذاهب التي كان يتوزع إليها النصارى في ذلك الوقت. فهذه المذاهب والأقوال المتباينة كانت منتشرة بين النصارى في ذلك الوقت، ولأتباعها نشاط قوي أيضاً، وكانت المواجهات القوية كثيراً ما تحدث بينهم وبين من يخالفهم، وخاصة أتباع مذهب (بولس) الذي كان له تلاميذ وأتباع فيما يظهر أقوياء وذوي نشاط في دعوتهم، وقد استطاعوا أن يترأسوا المراكز الدينية في ذلك الوقت، بعد سقوط عاصمة الديانة الأولى، وهي بيت المقدس، وتلك المراكز تمثَّلت في أنطاكية، والإسكندرية، وروما، وكانت في الغالب في يد أتباع بولس، وقد كان من أولئك الأتباع: أسقف أنطاكية إغناطيوس الأنطاكي الذي نصب أسقفًّا لكنيسة أنطاكية، وذلك في سنة (70) م. وأسقف كنيسة روما إكلميندس الروماني الذي نصب فيما يظن من سنة (92 - 101) م. وأسقف سميرنا (أزمير) بوليكاربوس: الذي قتل في اضطهادات الحاكم ماركوس أوريليوس سنة (156) م. وأسقف ليون إيريناوس: الذي يعتقد أنه توفي بين سنتي (190 - 202) م. جاستين- يوستينوس مارتر الذي فتح مدرسة في روما ثم أعدم في سنة (165) م. وإكلميندس الإسكندري: الذي ولد سنة (150) م, في بلاد اليونان، ثم انتقل إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها التي تدعى (مدرسة التعليم المسيحي) وتولى إدارتها، ويعتقد أنه توفي سنة (215) م. وإريجانوس المصري: الذي ولد حوالي (185) م, في الإسكندرية، وتولى إدارة المدرسة اللاهوتية فيها بعد مديرها السابق، توفي في صور سنة (253) م. وإثناسيوس: الذي نُصِّبَ أسقفًّا على الإسكندرية سنة (328) م خلفاً لإسكندروس، واللذان كان لهما أكبر الأثر في تحريف دين المسيح عليه السلام بترسيخ عقيدة ألوهية المسيح في مجمع نيقية الذي دعا إليه الإمبراطور قسطنطين سنة (325) م، ونبذ دعوة التوحيد التي كان يتزعمها آريوس الليبي. وكانت هذه المواجهات بين المختلفين من دعاة النصارى وأساقفتهم تنتهي في الغالب بالدعوة إلى مجمع من المجامع، الذي يعلن في نهايته بحرمان من قصد حرمانه، وطرده من الشركة النصرانية، وفي الغالب لا ينصاع المطرود والمحروم لتلك القرارات، بل يستمر في نشر تعاليمه. ومن المعلوم أن النصارى في تلك الفترة لم تكن لهم دولة، ولم يقم لهم تجمع متكامل بحيث يمكن أن يقال عنهم: إنهم أمة مجتمعه، بل كانوا أول الأمر يعيشون بين بني جنسهم اليهود ثم بين الوثنيين، وهذا جعلهم في حالة من البلاء والعذاب شديدة، فحين كانوا بين بني جنسهم اليهود كانوا يُضْطَهدون؛ لأن اليهود اعتبروهم خارجين عن شريعتهم، وفي نفس الوقت يضطهد الجميع الرومان الوثنيون الذين كانوا لا يعرفون فرقاً بين اليهودي والنصراني، لهذا فقد كان لثورات اليهود على الرومان أسوأ الأثر على النصارى، وبعد القضاء على اليهود، وطرد من بقي منهم خارج فلسطين واجه النصارى الذين كانوا بين الوثنيين اضطهاداً شبه متواصل من قبل حكام الرومان الوثنيين استمر قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تولَّى الإمبراطور قسطنطين عرش روما، فأوقف الاضطهاد بمرسوم ميلان سنة (313) م، وابتدأ النصارى منذ ذلك التاريخ، يظهرون على السطح، وبدأت ديانتهم تنتشر انتشاراً فعليًّا على حساب الوثنية التي كانت تدين بها أكثر الشعوب في ذلك الوقت، إلا أن النصرانية نفسها في هذه الفترة المتأخرة قد وصلت إلى الوثنيين، وقد أثرت في كثير من دعاتها السنون العجاف المتطاولة التي مرَّت بهم، فانحرفوا عن دين المسيح عليه السلام، وجعلوه ديناً وثنيًّا يقوم على تأليه ثلاثة آلهة في ثلاثة أقانيم يزعمون أنها إله واحد، ويعتمدون في شرح الديانة وتفصيل العقيدة على الفلسفة، وخاصة الأفلاطونية الحديثة والرواقية، وكان من يسمون بالمدافعين عن النصرانية في تلك العهود جلهم قد درس الفلسفة الوثنية، وربما كان تابعاً لها فترة طويلة ثم تحوَّل إلى النصرانية بفلسفته وسابق تصوراته، فهذا كله جعل الوثني لا يجد فرقاً كبيراً بين ما كان يعتقد وما يدعوا إليه النصارى. وكان لتنصر أباطرة الرومان- وأولهم قسطنطين- أكبر الأثر في انتشار النصرانية في الدولة الرومانية المترامية الأطراف - والناس على دين ملوكهم- إلا أن تنصر الأباطرة قد جعل النصارى يواجهون مشكلة كبرى، وهي وصاية الأباطرة على الديانة وتعاليمها، حيث صارت بعد ذلك في يد الأباطرة الرومان الذين يسيِّرون العقائد النصرانية وفق أهوائهم، فينصرون من المذاهب ما يتفق مع أهوائهم، فإذا كان هناك أحد يدعو إلى تعاليم لا يميلون إليها فإنهم يطلبون من النصارى عقد مجمع، ويوعز إليهم بطرد ولعن من لا يرغبون، يقول حبيب سعيد: (وباحتضان الإمبراطورية للكنيسة، تعرَّضت القوى الروحية في الكنيسة لخطر الاختناق والفناء، وغدا تنفيذ القانون الكنسي، واستدعاء المجالس العامة وتنفيذ قرارتها، وتعيين الأساقفة في المراكز الهامة، وحق الاختصاص الأعلى للمحاكم الروحية، والقول الفصل في المشاكل الجدلية، والتي قد تنشأ حول العقائد، غدت كلها من الحقوق التي طالبت بها الدولة الرومانية، وأصرت على انتزاعها من السلطات الدينية). يؤكد لنا هذا التسلط ويوضحه أن الذي دعا إلى مجمع نيقية سنة (325) م, هو الإمبراطور قسطنطين، وكان حاضراً في ذلك المجمع، وقرَّر فيه أُلوهية المسيح، وطرد آريوس وجماعته، ثم صدق بعده بعشر سنوات على قرارات مجمع صور التي فيها إعادة آريوس إلى الكنيسة، وطرد إثناسيوس الذي كان وراء إقرار ألوهية المسيح عليه السلام. ثم دعا كل من الإمبراطور الغربي قسطنطين الثاني والإمبراطور الشرقي قسطنديوس إلى مجمع في مدينة سارديكا سنة (343) م, بغرض توحيد النصارى، لكن النصارى لم يتفقوا، وخرجوا أشد اختلافاً وتفرقاً. ثم بعد مقتل الإمبراطور قسطنطين الثاني دعا الإمبراطور قسطنديوس إلى مجمع ميلانو سنة (355) م, وطلب من الأساقفة إصدار حكم بخلع إثناسيوس، ووقعت الأغلبية على ما أراد، ثم دعا ذلك الإمبراطور أيضاً إلى مجمعين في نفس الوقت مجمع في تركيا ومجمع في إيطاليا سنة (359) م، وأمر الذين يشرفون على مجمع إيطاليا بإرغام المجتمعين على التوقيع على قرار المجمع الذي يوافق نوعاً ما مذهب الآريوسيين الذين يسمون (الأريوسيين المعتدلين). كما استخدم القوة العسكرية من أجل إرغام المجتمعين في تركيا على التوقيع، ثم جاء الإمبراطور ثيود وسيوس- وكانت ميوله ضد الآريوسية- فدعا إلى مجمع القسطنطينة سنة (381) م، وقرر المجمع العودة إلى قانون الإيمان النيقوي، وزادوا عليه: ألوهية الروح القدس، واعتبار الآريوسية ضد القانون الروماني، وهو المذهب الذي عليه الغالبية العظمى من النصارى إلى الآن. وهكذا نجد أن النصرانية صارت ألعوبة بيد أباطرة الرومان يسيرونها وفق أهوائهم ورغباتهم إلى أن سقطت الدولة الرومانية أمام هجمات القبائل القادمة من الشرق والشمال الشرقي التي استولت على روما سنة (410) م. وبهذا نكون قد عرضنا في هذا المبحث التاريخ النصراني المبكر بشكل مختصر ولعله يكون وافياً بالغرض ولابد أن نبين هنا أن انتصار أتباع بولس ومذهبه قد جعل مصادر دارسي مثل هذه الموضوعات تعتمد عليهم فهم الذين نقلوا كل هذه المعلومات عن معلميهم وعن الفرق الأخرى ومعلميها لذا فإن الحكم على صحة المعلومات عن تلك الفرق وأولئك الناس- وخاصة في مجال العقيدة- لا يكون صحيحاً دقيقا إلا في حالة الاطلاع على كلام صاحب المقالة أو كلام تلاميذه وأتباعه عنه فعلى المطالع لذلك الانتباه في هذا الموضوع والحذر والله تعالى أعلم دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 173 |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
يزعم النصارى أن المسيح عليه السلام سوف يتولَّى يوم القيامة محاسبة الناس وإدانتهم، ولهم على ذلك نصوص من إنجيل يوحنا وغيره. ومن ذلك ما ورد في (إنجيل يوحنا) (5/ 26): (كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً؛ لأنه ابن الإنسان).
وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (5/ 10): (لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً). وثبوت هذه العقيدة فرع عن ثبوت أصلها، وهي الأناجيل أو الرسائل، أما الأناجيل فقد سبق الحديث عنها، و (إنجيل يوحنا) أقلها نصيباً من الصحة. أما كلام بولس في رسائله فإنه غير مقبول؛ لأنه كما سيتبين يهودي متعصب، وهو أول من انحرف بالديانة النصرانية عن وجهها إلى الشرك ودعوى ألوهية المسيح إلى غير ذلك من الضلالات. وما نعتقده في ذلك أن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يتولَّى حساب الناس يوم القيامة، ويكون الرسل شهوداً على أقوامهم. ¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 333 |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
من الدعاوى التي أطلقها بولس هي ادعاؤه أن المسيح عليه السلام ابن الله- تعالى الله عن ذلك - فمن ذلك ما ورد في سفر أعمال الرسل عن بداية دعوة بولس (9/ 20) قال: (وللوقت جعل- يعني بولس- يكرز في المجامع أن هذا هو ابن الله).
ويقول بولس في رسالته إلى غلاطية (4/ 4) (ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس). فهذه الدعوى ظهرت أولاً في كلام بولس ودعوته، ثم ظهرت قوية في المجامع النصرانية، وقامت عليها الديانة كلها، وهذا كله خلاف ما صرَّح المسيح عليه السلام به مراراً من أنه رسول لبني إسرائيل، وأنه إنسان، وابن إنسان، وابن داود، وغيرها من الألقاب التي تؤكد أنه بشر ابن بشر، ومن ذلك قول (إنجيل متى) (8/ 20) (فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه؟). وفي (إنجيل يوحنا) يقول (8/ 40) (وأنا إنسان علمكم بالحق الذي سمعه من الله) فهذه النصوص قد أكَّد بها المسيح بشريته إلا أن بولس بعدُ، قد أضفى على المسيح صفة (ابن الله) وأعطاها ذلك المضمون الذي أخذت به النصرانية من اعتقادهم أن المسيح إله، ابن إله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيراً. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
وفي هذا يقول بولس في رومية (3/ 23): (إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدَّمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة). ويقول في رومية أيضاً في (5/ 6) (لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار ... ولكن الله بيَّن محبته لنا؛ لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا).
وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (5/ 21) يقول (لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا؛ لنصير نحن بر الله فيه). فهذه الدعوى التي علَّل بها بولس حياة المسيح وموته هي التي قامت عليها النصرانية بعد، ولم يكن لها في الحقيقة شيء من الصدى في حياة المسيح ولا كلامه، بل ورد عن المسيح عليه السلام التصريح بأنه جاء ليدعو إلى التوبة والإنابة. وفي هذا ورد في إنجيل متى (9/ 13) قوله: (لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة). وفي (إنجيل مرقص) (1/ 12) يقول: (وبعد ما أُسْلِم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). فهذا ظاهر منه أن المسيح عليه السلام قد صرَّح بأن الهدف من رسالته هو الدعوة إلى التوبة، إلا أن بولس اخترع من عند نفسه هدفاً آخر للمسيح لم يصرح به المسيح ولم يقله، وهو أنه إنما جاء ليصلب تكفيراً للخطايا. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
ادَّّعى بولس أن المسيح عليه السلام رسول لجميع الأمم ثم زعم لنفسه بأنه مرسل إلى جميع البشر، وفي هذا يقول في رومية (11/ 13): (فإني أقول لكم أيها الأمم، بما أني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي).
وفي غلاطية (1/ 15) يقول: (ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم). وفي أفسس (3/ 8) يقول: (أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم). وهذه الدعوى منه تخالف ما ذكره المسيح عن نفسه وما وصَّى أيضا به تلاميذه، حيث يقول عن نفسه في (إنجيل متى) (15/ 24): (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). ووصَّى تلاميذه بقوله في (إنجيل متى) (10/ 5): (إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة). الفرع الرابع: إلغاؤه لشريعة موسى عليه السلام، ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرَّد بدون عمل. ألغى بولس شريعة موسى عليه السلام، وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (2/ 16): (إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس؛ لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما ..... فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي، لست أبطل نعمة الله؛ لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب). ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح عليه السلام لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسوية، وتصوَّر أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرَّر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولاً تمَّ بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيء من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والامتناع عن الزنا. وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى عليه السلام خلاف ما أكَّده المسيح عليه السلام ودعا إليه، فقد ورد في (إنجيل متى) (5/ 17) أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحقَّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكلُّ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات، وأما من عمل وعلم، فهذا يُدعَى عظيماً في ملكوت السموات. فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات). فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موسى عليه السلام وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تماماً؛ لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح عليه السلام أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركَّز تركيزاً خاصًّا على التوبة والتخلص من الخطايا. وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح عليه السلام دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح عليه السلام بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى عليه السلام وَوَجْهِ إلغائها، وتكرَّر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهمِّ ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلاً واحداً يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفراً بالديانة ونقضاً لها من أساسها. كما يُعتبر بكل المعايير فشلاً في الدعوة، وليس نجاحاً كما يظن النصارى؛ لأن النجاح في الدعوة هو أن تنجح في الدعوة إلى كامل المنهج الذي تدعو إليه بأصوله وفروعه، أما تغييره أو الاكتفاء بجزء شكلي منه، فلاشك أن ذلك فشل كبير. الفرع الخامس: إلغاؤه للختان: اختتن المسيح عليه السلام والتزم به؛ لأنه من شريعة موسى، فقد ذكر اليهود في كتابهم أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام كما في التكوين (17/ 11): (يختن منكم كل ذكر فَتُخْتَنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم ... وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي). ومع هذا التأكيد على الختان، فقد ألغاه بولس من ضمن ما ألغى من شريعة موسى عليه السلام، وفي هذا يقول في رومية (2/ 28) (لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًّا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان). هذه بعض الأمور التي يلاحظها الإنسان الذي يطَّلع اطلاعة سريعة على رسائل بولس التي تكونت بعدُ منها النصرانية، وقامت عليها وغطت تعاليمه على تعاليم المسيح عليه السلام، بل ألغتها وحلَّت محلَّها، كما سبق ذكره، ومن الجدير بالذكر أن أتباع المسيح الأوائل لم يقبلوا تلك الدعاوى من بولس، بل ردوها، وفي هذا يقول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (1/ 15): (إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني). وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح عليه السلام وتتلمذوا عليه. إلا أن تلك الدعاوى وجدت رواجاً لدى الرومان واليونان، وخاصة في غرب أوربا حيث كان الغالبية وثنيين، فناسبتهم هذه المبادئ فأخذوا بها، ثم طبعها بطابع الشمول والإلزام مجمع نيقية سنة (325) م, حيث قرروا فيه ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه نزل ليصلب تكفيراً لخطايا البشر كما تقدَّم، فأصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط. الفرع السادس: التأثر بالوثنيات والفلسفات الوثنية: لقد نادى المسيح عليه السلام بأنه لم يرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة، بل نهى أتباعه عن الذهاب إلى قرى غير اليهودية، إلا أن أتباعه فيما بعد خالفوا ذلك، وتوجهوا إلى الوثنيين من الرومان واليونان والفرس وغيرهم في المناطق المجاورة، والأماكن التي أمكنهم الوصول إليها، ولما كانت الديانة المسيحية تفتقر للمقومات التي تكفل لها التأثير في تلك المجتمعات، حيث كانت دعوة لبني إسرائيل خاصة، وليس لها الصبغة العالمية التي يمكن أن تتغلب بها على تلك الأديان والفلسفات. لذا فقد غُلبت وأمكن للديانات الوثنية أن تصبغها بصبغتها، بل ألغتها تماماً، واحتلت مكانها، وأخذت مسمَّاها، هذا أمر يتضح لكل ناظر في الديانة النصرانية المحرَّفة، وقد أكَّد علماء الأديان والتاريخ ذلك، وأن الديانة النصرانية قد اصطبغت بالصبغة الوثنية، وأنها أخذت عقيدتها وعبادتها من تلك الوثنيات فضمتها إليها ووضعت عليها اسمها. ومن الأمثلة على أن النصارى قد ردَّدوا عقائد الوثنيين الذين كانوا قبلهم ما يلى: 1 - أن التثليث موجود عند الهنادكة والبوذيين قبل النصارى، وفي هذا يقول (فابر) في كتابه (أصل الوثنية): (وكما نجد عند الهنود ثالوثاً مؤلفاً من برهمة وفشنو وسيفا، هكذا نجد عند البوذيين فإنهم يقولون: إن بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثلاثة ... ). كما كان يوجد ذلك أيضاً لدى المصريين والفرس واليونان والرومان والأشوريين والفينيقيين والاسكندنافيين والتتر والمكسيكيين والكنديين. وكذلك المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن الآلهة ثلاثة وهم: (أتوم وشو وتفنوت) أو أوزيريس وأيزيس وهورس. 2 - إن الصلب - فداءً للبشر- عقيدة وثنية كانت موجودة لدى الهنادكة، وفي هذا يقول (هوك) في كتابه (رحلة هوك): (ويعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن الناس من الخطيئة). وقال (دوان) في كتابه (خرافات التوراة والإنجيل) ما نصه: (ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو والذي لا ابتداء ولا انتهاء له على رأيهم، تحرَّك حنوا كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلَّص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه). وقالت (مسز جمسون) في كتابها (تاريخ سيدنا من الآثار): (كان الميليتيون يمثلون الإله إنساناً مصلوباً مقيد اليدين والرجلين بحبل خشبة وتحت رجليه صورة حمل، والسوريون يقولون: إن تموز الإله المولود البكر من عذراء تألَّم من أجل الناس، ويدعونه المخلِّص، والفادي، والمصلوب). 3 - الاعتقاد بأن إلهاً تجسَّد ووُلد من عذراء هو كذلك من عقائد الوثنيين، ففي هذا يقول (دوان) في كتابه السابق: (والهنود يقولون: إن كرشنة هو ابن العذراء النقية الطاهرة ديفاكي، ويدعونها والدة الإله. ويقول المصريون: إن هورس (حورس) المخلِّص وُلد من العذراء إيسيس (ايزيس)، وأنه المنبثق الثاني من عامون، ويقولون: الابن المولود. ويصورونه إما على يدي أمه أو على حضنها). فهذه أمثلة واضحة على تأثر الديانة النصرانية بالأديان الوثنية قبلها، بل إن الأديان الوثنية تغلَّبت على ديانة المسيح عليه السلام وصبغتها بصبغتها، وقد صرَّح المؤرخ (هـ. فيشر) بذلك التشابه حيث قال: (غير أنه ليس ثمة شك أن اتخاذ المسيحية- فيما بعد- ديانة رسمية للبلاد - يعني الإمبراطورية الرومانية - ساعد على ازدياد صفوف المسيحيين زيادة سريعة، سيما أن التحول عن الوثنية إلى المسيحية لم يكن انتقالاً إلى جو غريب تمام الغرابة، أو شعوراً بانقلاب باغت مفاجئ، بل بدا الولوج في المسيحية عملية رفيقة في كثير من التدرج الشعوري العاطفي، إذ شابهت طقوس الديانة المسيحية وأسرارها المقدسة ما للديانة القديمة من طقوس وأسرار، كما اشتملت تعاليمها على تعاليم الأفلاطونية الحديثة، يضاف إلى ذلك أن القول بوجود واسطة بين الله والناس أمر مألوف عند الفرس وأهل الأفلاطونية الحديثة سواء). وفي نفس الموضوع يقول (شارل جنيبر) رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس: (إن المسيحية لم تكن تستطيع مدافعة أمام هذه النزعات والشعائر السائدة، وإذا كانت- أي: النصرانية- قد انتصرت في القرن الثالث على سائر ألوان (التأليف) الديني الوثني، فذلك لأنها كانت قد تطورت هي الأخرى إلى تأليف ديني تجتمع فيه سائر العقائد الخصبة والشعائر الجوهرية النابعة من العاطفة الدينية الوثنية، قامت هي- أي: النصرانية- بترتيبها، وتركيبها، وأضفت عليها الإنسجام الذي تفتقر إليه، بحيث استطاعت أن تقف مفردها أمام أشتات المعتقدات والشعائر التي يؤمن بها أعداؤها دون أن تظهر ضعفاً أو نقصاً عليها في أي من المجالات الهامة. وتمت ظاهرة التشرب هذه- وهي من الظواهر الأساسية في تاريخ المسيحية - في بطء بطيء معتمدة على الاتصال الدائب بتطور الإيمان بين جميع طبقات المجتمع الوثني، ذلك المجتمع الذي اختلفت فيه صور الإيمان باختلاف بيئاته، وباختلاف العهود التي مرَّ بها، ... وإنها لظاهرة تفسر لنا كيف جاء العصر الذي استطاعت فيه المسيحية أن تكسب عطفاً نشيطاً بين رحاب العالم اليوناني الروماني). فهذا يكفي للدلالة على تشرب الديانة النصرانية للأديان الوثنية التي توجَّهت إليها، وهذا في عرف الدين الحق انحلال وكفر بالدين الإلهي، الذي يجب أن يكون صحيح النسبة إلى الله تعالى، في أصوله وفروعه، نقيًّا في عقائده وتشريعاته من خرافات البشر، وإملاءات الشياطين. ولكن كيف تشرَّبت الديانة النصرانية الأديان الوثنية؟ إن الناظر في كبار الدعاة إلى النصرانية في العصور الأولى، والذين يُشار إليهم بأنهم من أعظم الناس أثراً وتأثيراً في الديانة النصرانية، هم فلاسفة متعمقون في الفلسفات الوثنية، وبعد تنصرهم نقلوا تلك الفلسفات معهم إلى الدين الجديد، وحاولوا أن يسدوا الثغرات التي يجدوها في الديانة النصرانية- وما أكثرها- بمزيج من الفلسفات التي كانوا عليها من قبل، ومن هؤلاء الذين كان لهم دور في ذلك: بولس (شاؤول اليهودي) وسبق الحديث عنه. (يوستينيوس) الذي وُلد سنة (100أو 105) م, فقد وُلد من أبوين وثنيين، وتربَّى على الديانة الوثنية وتعلَّم الفلسفة الرواقية، ثم درس فلسفة الأكاديميين والفيثاغوريين. قال عنه القس حنا الخضري: (مما لاشك فيه أن الدراسات الفلسفية الكثيرة التي درسها يوستينوس قبل تجديده تركت في تعاليمه بعض الآثار الوثنية) (تاتيان السوري) المولود عام (110) م, من عائلة وثنية، درس الفلسفة في بلاد اليونان، ثم ذهب إلى روما ودرس دياناتهم وفلسفاتهم، ثم تتلمذ على يوستينوس. (أثينا غورس الأثيني): كان معاصراً (لتاتيان السوري) كان يحب الفلسفة، وكتاباته مليئة بالاقتباسات الشعرية والفلسفية. (ثيوفيلوس الأنطاكي): ولد من أبوين وثنيين، وكانت ثقافته يونانية وثنية، وهو أول من استعمل كلمة الثالوث في تاريخ العقيدة النصرانية. (إكلميندوس الإسكندري) ولد على ما يحتمل سنة (150) م, في أثينا من أبوين وثنيين، وكان محبًّا للعلم شغوفاً به مولعاً بالبحث عنه أينما وجد، ورحل في ذلك رحلات عديدة، إلى أن حطت به الرحال في الإسكندرية ملتقى الثقافات المتنوعة، وصار بعد أن دخل النصرانية مديراً لمدرسة التعليم المسيحي في الإسكندرية والتي أسسها باثنيوس الذي كان قبل دخوله النصرانية وثنيًّا رواقيا. وكان إكلميندوس الإسكندري متأثراً جدًّا بـ يوستنيوس وفلسفته، فأدخل هذه الأمور في تعاليمه عن المسيح، وفي هذا يقول القس حنا الخضري: (مما لا شك فيه أن العلوم والفلسفات الوثنية الكثيرة التي درسها والبيئة التي نشأ فيها إكلميندس، تركت فيه أثراً عميقاً لم يكن من السهل محوه محواً تامًّا). (أغسطينوس) ولد سنة (354) م, في مدينة سقسطة في الجزائر، وتوفي سنة (430) م، الذي تميَّزت سنوات شبابه بالصراع العقلي والأدبي، فقد جذبته الفلسفة الثنائية لجماعة المانويين، وصار تابعاً أميناً للعقيدة المانوية وفلسفتها، ثم ضاق بالمانوية وصار اهتمامه بالأفلاطونية الحديثة، والتي من خلالها صار يعتبر نفسه مسيحيًّا، ثم خلع عنه فيما بعد حياة المجون والفساد، واستقبل الحياة النصرانية، وبرز فيها إلى أن صار أسقفًّا لهيبو في منطقة تونس، إلى أن توفي سنة (430) م، وصار من أعظم قادة الكنيسة بعد بولس، إلا أن أفكار الأفلاطونية الحديثة أثَّرت على تعاليمه، يقول جون لوريمر: (كانت معالجة أغسطينوس للأوجه الرسمية الخاصة بالفكر اللاهوتي متأثرة بخلفيته عن الأفلاطونية الحديثة). ولا نريد أن نطيل في عرض هذا الموضوع، إنما المراد الإشارة إلى أن العقائد الأجنبية التي اصطبغت بها النصرانية دخلتها عن طريق هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا رواداً للديانة في بداية انطلاقها إلى البلدان الوثنية، فقد عبرت إلى الوثنيين عن طريق هؤلاء المتشبعين بالفلسفات والوثنيات، حيث صبغوها بفهومهم ومعارفهم وعقائدهم السابقة، وقدَّموها للناس - شارحين ومدافعين - ديانة مخلوطة بالفلسفة الوثنية في ثوب ديانة توحيدية سماوية. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
كان لليهود المهاجرين من إسبانيا إلى أوربا- وبخاصة فرنسا وهولندا- أثرهم البالغ في تسرب الأفكار اليهودية إلى النصرانية من خلال حركة الإصلاح، وبخاصة الاعتقاد بأن اليهود شعب الله المختار، وأنهم الأمة المفضلة، كذلك أحقيتهم في ميراث الأرض المباركة.
في عام (1523) م, أصدر مارتن لوثر كتاب عيسى وُلِد يهوديًّا متأثراً فيه بالأفكار الصهيونية. وفي عام (1544) م, أصدر لوثر كتاباً آخر فيما يتعلق باليهود وأكاذيبهم. كانت هزيمة القوات الكاثوليكية وقيام جمهورية هولندا على أساس المبادئ البروتستانتية الكالفينية عام (1609) م, بمثابة انطلاقة للحركة الصهيونية المسيحية في أوربا، مما ساعد على ظهور جمعيات وكنائس وأحزاب سياسية عملت جميعاً على تمكين اليهود من إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. ومن أبرز هذه الحركات: الحركة البيوريتانية التطهيرية التي تأسست على المبادئ الكالفينية بزعامة السياسي البريطاني أوليفر كروميل (1649 - 1659) م, الذي دعا حكومته إلى حمل شرف إعادة إسرائيل إلى أرض أجدادهم، حسب زعمه. في عام (1807) م, أُنشئت في إنجلترا جمعية لندن؛ لتعزيز اليهودية بين النصارى، وقد أطلق أنطوني إشلي كوبر اللورد ريرل شانتسبري (1801 - 1885) م، أحد كبار زعمائها شعار: (وطن بلا شعب لشعب بلا وطن) الأمر الذي أدَّى إلى أن يكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس وليم برنج أحد أتباعها، ويعتبر اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا (1784 - 1765) م, من أكبر المتعاطفين مع أفكار تلك المدرسة الصهيونية المسيحية، وأيضاً فإن تشارلز. هـ. تشرشل الجد الأعلى لونستون تشرشل - رئيس الحكومة البريطانية الأسبق - أحدُ كبار أنصارها. انتقلت الصهيونية المسيحية إلى أمريكا من خلال الهجرات المبكرة لأنصارها نتيجة للاضطهاد الكاثوليكي، وقد استطاعت تأسيس عدة كنائس هناك من أشهرها الكنيسة المورمونية. يعتبر سايسروس سكلوفليد (1843) م, الأب اللاهوتي للصهيونية المسيحية في أمريكا. لعبت تلك الكنائس دوراً هامًّا في تمكين اليهود من احتلال فلسطين، واستمرار دعم الحكومات الأمريكية لهم - إلا ما ندر- من خلال العديد من اللجان والمنظمات والأحزاب التي أنشئت من أجل ذلك، ومن أبرزها: الفيدرالية الأمريكية المؤيدة لفلسطين التي أسسها القس تشارلز راسل عام (1930) م، واللجنة الفلسطينية الأمريكية التي أسسها في عام (1932) م, السناتور روبرت واضر، وضمَّت (68) عضواً من مجلس الشيوخ، و (200) عضو من مجلس النواب، وعدد من رجال الدين الإنجيليين، ورفعت هذه المنظمات شعارات: الأرض الموعودة، والشعب المختار. وفي العصر الحديث تعتبر الطائفة التدبيرية التي يبلغ عدد أتباعها (40) مليون نسمة تقريباً والمعروفة باسم الأنجلو ساكسون، البروتستانت البيض من أكثر الطوائف مغالاة في تأييد الصهيونية، وفي التأثير على السياسة الأمريكية في العصر الحاضر. ومن أشهر رجالها اللاهوتيين: بيل جراهام، وجيري فولويل، جيمي سويجارت. ومن أبرز رجالها السياسيين الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان. اهتمَّت الكنيسة البروتستانتية بنشر الإنجيل في أوروبا وأمريكا منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم تطور عملها في شكل منظمات وإرساليات، ووضعت اللوائح والقوانين المنظمة لها وكذلك الميزانيات اللازمة. ومن ثم انتقل العمل التبشيري البروتستانتي إلى القارتين الأفريقية والآسيوية، وبخاصة التي كانت تستعمرها الدول الغربية ذات العقيدة البروتستانتية. ومن أوائل الذين قادوا حركة التبشير: جوف وسلي، ووليام ولبرفورس، ووليام كيري، أبو المبشرين في العصر الحديث. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
الجواب:
إن نشاط الغرب النصراني، ودعم المنصرين بسخاء؛ لنشر دين المسيح- بزعمهم- أمر لا مبرِّر له، ولا يستند على حقٍّ فهل جاء المسيح بديانة عالمية؟ الجواب بداهة بالنفي، فلم يأت المسيح بديانة عالمية، وإنما أرسله الله إلى بني إسرائيل بخصوصهم، ولم يرسل الله قبل نبينا محمد ﷺ بديانة عالمية أي رسول، قال ﷺ: (( ... وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة)) (¬1) أما بالنسبة للمسيح عليه السلام فقد صرَّح في أكثر من نصٍّ في الأناجيل بأنه جاء لهداية خراف بني إسرائيل الضالة ليس إلا، وهذا هو ما تفيده نصوص الأناجيل (العهد الجديد) فقد جاء فيه قول المسيح لتلاميذه الاثني عشر الذين أرسلهم للدعوة قائلا لهم: (إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بني إسرائيل الضالة) (¬2) بل هناك ما هو أوضح من هذا النص في تحديد رسالته إلى بني إسرائيل حيث جاءت امرأة كنعانية تصيح به أن يشفي ابنتها، فامتنع بحجة أنه لم يرسل إلا إلى بني إسرائيل، ولكن بعد أن ألحَّت عليه وحاجته لبَّى طلبها، كما في النص الآتي: (ثم خرج يسوع من هناك، وانصرف إلى نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيدي يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدا. فلم يجبها بكلمة، فتقدَّم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها؛ لأنها تصيح وراءنا. فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيدي أعنّي. فأجاب وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب. فقالت: نعم يا سيدي والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة (¬3) تعقيب: تلك النصوص وغيرها مما جاء في معناها في كتابهم الذي يقدِّسونه واضحة الدلالة على أن المسيحية التي جاء بها المسيح ليست ديانة عالمية، وإنما هي خاصة باليهود لم تتعدَّ ديارهم طول فترة وجود المسيح بينهم باعتراف الأناجيل التي يدعون قداستها، فإما أن يؤمنوا بكل ما دُوِّن في الأناجيل، فيعترفوا بأن ديانة المسيح ليست ديانة عامة، وإما أن يكذِّبوا أناجيلهم في تقريرها، ولهم أن يدعوا ما يشاؤون، أما أن يجمعوا بين المتناقضات فهو مرفوض في بدائه العقول، وهذا الجواب يوجَّه للمنصِّرين والمستشرقين الذين يجوبون الأرض؛ للدعوة إلى نصرانيتهم المحرفة الوثنية البولسيَّة باسم المسيح، والمسيح عليه السلام براء منهم، ومن اعتقاداتهم الوثنية التي أنشأها بولس؛ لتحويل النصرانية إلى الوثنية، ثم تغطية الوثنية بالنصرانية التي انتشرت باسم المسيح عليه السلام، فاتَّضح أن الديانة التي تحوَّلت إلى عالمية هي النصرانية التي يزعمون انتسابها إلى المسيح، وإنما هي الوثنية التي قررها بولس والحكام الوثنيون في وقته ومن بعده إلى اليوم؛ لميل كثير من الناس إلى عبادة الأوثان. ¬_________ (¬1) أخرجه البخاري (335) واللفظ له ومسلم (521). (¬2) ((إنجيل متى الإصحاح العاشر)) , رقم (5 - 7). (¬3) ((إنجيل متى، الإصحاح الخامس عشر))، رقم (21 - 28). |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإمبراطورية البيزنطية
The Byzantine Empire «الإمبراطورية البيزنطية» هو الاسم الذي يُطلَق على القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية بعد انقسامها عام 395 ثم سقوط الإمبراطورية الغربية عام 475. والقسطنطينية هي العاصمة القديمة لبيزنطة (إستنبول فيما بعد) . وكانت تُوجَد جماعات يهودية في الإمبراطورية البيزنطية عبر تاريخها، من أهمها جماعة الرومانيوت (أو الجريجوس) في المدن التي كانت تتحدث اليونانية. وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضم أعداداً كبيرة من السامريين ثم القرّائين، وكان لكل جماعة يهودية تنظيمها الإداري والقضائي المستقل وهو النظام الذي ورثته الدولة العثمانية واستمر العمل به. ويرتبط تاريخ الجماعات اليهودية بتاريخ الإمبراطورية الذي يمكن تقسيمه إلى فترتين: الفترة الأولى وتمتد من عهد قسطنطين الأول حتى فترة تحطيم الأيقونات (حوالى عام 720) ، وكانت توجد في هذه الفترة جماعات يهودية كثيرة لا تتَّسم بأي تجانس حضاري في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر) . وقد شجعت الإمبراطورية سكانها على تبنِّي المسيحية باعتبارها دين الدولة وأيديولوجيا الحكم فيها. ولذا، اعتُبر التهود جريمة يعاقب عليها القانون، ومُنع التجار اليهود من ختان عبيدهم. وحُرِّم الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين، كما مُنع الآباء اليهود من حرمان أولادهم الذين يتنصرون من الميراث. وقد حدث تمرُّد صغير في فلسطين في عهد الحاكم البيزنطي جالوس عام 351 ولكنه أُخمد بسهولة. وشهدت هذه الفترة اختفاء مجموعات المزارعين اليهود المتحدثين بالآرامية في ريف فلسطين بشكل شبه تام، وتَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى التجارة. كما أن عدد اليهود الكلي في فلسطين تَناقَص بشكل حاد، فيُقال إن عدد اليهود إبان التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (132 ـ 135) ، كان يتراوح بين 750 ألفاً و800 ألف، ولكنه انخفض في أوائل القرن السابع، أي عند دخول الفرس إلى فلسطين، إلى نحو 150 ـ 200 ألف. كما شهدت هذه الفترة ثورات اليهود السامريين في عامي 484 و529 حيث تركزت معظم هذه الثورات في نيابوليس (نابلس) . ونجح الثوار السامريون في الاستيلاء على بعض المدن وفي إقامة ما يشبه الإدارة الحكومية، كما قاموا بجمع الضرائب بل عيَّنوا ملكاً من بينهم إلى أن جاءت قوات الإمبراطورية وأخمدت التمرد. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية من أتباع اليهودية الحاخامية لم يتعاونوا مع السامريين في التمرد، وقد ألغت الإمبراطورية منصب أمير اليهود (ناسي أو بطريرك) في فلسطين عام 425، وهو بذلك آخر تعبير رمزي عن مركزية فلسطين في حياة يهود العالم. وبإلغاء هذا المنصب، استقلت الجماعات اليهودية كافة وأصبح لكلٍّ مسارها وقيادتها وخطابه الحضاري. ومن أهم الأحداث في هذه الفترة وقوع فلسطين لفترة وجيزة في يد الفرس (عام 614) . ويبدو أن هجوم القوات الفارسية كان يمثل بارقة أمل للجماعات اليهودية في الإمبراطورية لتحسين أحوالهم، فتعاونوا مع القوات الغازية (التي كانت تضم جنوداً يهوداً) وانخرطوا في سلكها مقاتلين وجواسيس، واشتركوا معها في فتح المدن الأخرى للإمبراطورية، مثل صور وقيصرية بمساعدة السكان اليهود داخل هذه المدن. ويبدو أن ارتباط الفرس في الوجدان اليهودي بالعودة من بابل واسترجاع العبادة القربانية في الهيكل الثاني (بمقتضى مرسوم قورش) أحييا الآمال المشيحانية في استرجاع قدر من استقلال اليهود الإداري في فلسطين. ويبدو أن الفرس سايروا الجماعة اليهودية في ذلك لاستخدامها في عملية الغزو. وما إن تحققت الأهداف وظنوا أن حكمهم قد استقر حتى قرروا التخلي عن الجماعة اليهودية التي كانت تشكل أقلية منبتة الصلة بالجماهير المسيحية أو الريف. كما قرروا التعاون مع المسيحيين في فلسطين وقياداتهم والتضحية بالجماعة اليهودية (ولا يختلف هذا كثيراً عما حدث في شبه جزيرة أيبريا حينما تحالف أعضاء الجماعة اليهودية، كعناصر استيطانية وكمموِّلين، مع القوات المسيحية التي قضت على الحكم الإسلامي فيها. ولكن، بعد أن حقق الغزو المسيحي مآربه، طُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد ستة شهور) . ويبدو أن الإمبراطورية البيزنطية أدركت أهمية الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية ومالية، ولم تُطبِّق على اليهود النافعين وظيفياً ما طبقته على يهود فلسطين. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن ضابطاً فارسياً احتل جزيرة بالقرب من خليج العقبة وطرد ممثلي الإمبراطورية البيزنطية وبدأ يجمع الضرائب لحسابه. ويبدو أنه كان هناك جماعة استيطانية يهودية شرقي خليج العقبة (في جزيرة جوباكابا) تعمل بالتجارة وتتمتع باستقلال إداري. ولكن، حينما قامت قوات الدولة البيزنطية بطرد الضابط الفارسي عام 498، فإنها لم تتعرض للجماعة اليهودية التي ظلت تمارس نشاطها وتتمتع باستقلالها الإداري في هذه المنطقة الحدودية التي لم يستقر فيها حكم الإمبراطورية. ولكن الإمبراطورية البيزنطية اتجهت في فترة لاحقة نحو توسيع رقعة تجارتها الدولية، وحاولت السيطرة على مداخل البحر الأحمر الجنوبية (باب المندب) ، وذلك حتى يتسنى لها الوصول إلى الهند بالالتفاف حول الدولة الفارسية التي كانت تسد الطريق البري. واصطدم البيزنطيون بالنخبة اليهودية الحاكمة في حمير (في اليمن) ، وتحالفت الإمبراطورية البيزنطية مع الأسرة الحاكمة القبطية في إثيوبيا. أما ذو النواس، ملك حمير اليهودي، فتحالف مع الفرس، كما أرسل رسله إلى المنذر، حاكم الحيرة العربي الذي كان يدور في فلك الفرس. ولكن الفرس لم يرسلوا قواتهم، وسقط ذو النواس عام 525 أمام هجمات الإثيوبيين، ومن ثم أصبح مضيق باب المندب ضمن النفوذ البيزنطي. وحتى تُحكم قبضتها على البحر الأحمر، قامت الإمبراطورية البيزنطية بتصفية الجيب الاستيطاني اليهودي في جزيرة جوباكابا في خليج العقبة إذ لم يَعُد له نفع كبير سواء كعنصر استيطاني أو كعنصر تجاري. وتمتد الفترة الثانية من تاريخ الجماعات اليهودية في الدولة البيزنطية من فترة تحطيم الأيقونات (720) حتى الفتح العثماني للقسطنطينية (1453) . وُجِّه الاتهام لدعاة تحطيم الأيقونات باعتبارهم يهوداً. ويبدو أن لهذا الاتهام أساساً من الصحة، إذ تشير المراجع إلى أن الإمبراطور ليو الخامس (الأرمني) وميخائيل الثاني (من فريجيا) كلاهما تَعلَّم على يد يهود، ولكن الأرجح أن المصدر الأكبر لهذه الحركة هو المد الإسلامي الذي لم يكن بُدٌ من أن يكون له صداه داخل الإمبراطورية. ويُقال إن أعداداً كبيرة من اليهود هربت في هذه الفترة إلى دولة الخزر اليهودية، وازداد اشتغال أعضاء الجماعة اليهودية بالتجارة وبعدد من الحرف مثل الصباغة وغزل الحرير. ومع الفتح الإسلامي للقسطنطينية، سقطت الإمبراطورية البيزنطية في يد المسلمين، ودخلت الجماعات اليهودية في فلك الدولة العثمانية. إسبانيا المسيحية Christian Spain يعود وجود أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا إلى القرن الأول الميلادي، واستمر وجودهم فيها، إلى ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تحت حكم القوط. ويبدو أن وضعهم كان مستقراً هادئاً حتى عام 589 حينما تَحول القوط عن مذهبهم المسيحي الآريوسي واعتنقوا الكاثوليكية وأصبحت إسبانيا جزءاً من التشكيل الكاثوليكي في العصر الوسيط. وتدهور وضع اليهود تماماً، ولم يحسِّن وضعهم إلا وصول العرب مع الفتح الإسلامي (711) . وكان أعضاء الجماعات اليهودية قد تحولوا حينذاك إلى جماعة وظيفية وسيطة. ومع هذا، كانت هناك جماعة يهودية في جبال البرانس (في الشمال) سمح لهم شارلمان (771 ـ 814) بالإقامة ليكونوا حاجزاً ضد التوسع الإسلامي في المنطقة التي كانت تُسمَّى «ماركا هسبانيكا» . كما سُمح لهم بامتلاك الأراضي في هذه المنطقة، ومُنحوا حقوقاً كثيرة لتشجيعهم على الاستيطان والبقاء في هذا الجيب المسيحي والمنطقة الحدودية، أي أنهم كانوا جماعة وظيفية قتالية تعمل بالزراعة. وكان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من عملية الغزو المسيحي لاستعادة إسبانيا، سواء كعنصر قتالي أو كعنصر زراعي أو إداري، كانت الجيوش المسيحية تضم في صفوفها أعداداً من اليهود. وحينما كانت المدن الإسلامية تقع في قبضة الجيوش الغازية، فإن حقوق سكانها من المسلمين واليهود كانت تُصان من الناحية النظرية سواء بسواء. أما من الناحية العملية، فكان أعضاء الجماعة اليهودية مُفضَّلين على أعضاء الجماعة الإسلامية، حيث كان يُسمَح لليهود بالاستمرار في سكنى منازلهم بينما كان المسلمون يضطرون إلى السكنى خارج المدينة كما حدث في توديللا عام 1115 وسرقسطة عام 1118. وكان يُسمَح لأعضاء الجماعة اليهودية ببناء معابدهم. وشَكَّل اليهود عنصراً استفاد منه الحكام المسيحيون الجدد في بناء المجتمع الجديد إذ استخدموهم دبلوماسيين ومترجمين للتراث العربي وغيره. ولكن الاستفادة منهم كانت أساساً كجماعة وظيفية استيطانية يُوطَّن أعضاؤها في المناطق المفتوحة وموظفين لتنميتها كما حدث في مورشيا وبلنسية ولامنشا والأندلس وغيرها. وكانوا يُمنحون الأراضي ليزرعوها. فعلى سبيل المثال، كان اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين يملكون ثُلث الأراضي في مقاطعة برشلونة. كما كانوا يُعطَون حق فتح المحال التجارية شريطة أن يستوطنوا هم وأسرهم فيها، وكانت حقوقهم تزيد أحياناً على حقوق السكان العاديين من المسيحيين. وابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي بدأ أعضاء الجماعة اليهودية في الانتقال من إسبانيا الإسلامية إلى إسبانيا المسيحية بأعداد متزايدة. ولعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً أساسياً في النظام المالي وفي تزويد الحكام الجدد بما يريدون من أموال إما بشكل مباشر أو غير مباشر (عن طريق الإشراف على جمع الضرائب) . وعلى سبيل المثال، كانت مملكة قشطالة تحصل عام 1294 على 22% من دخلها من الضرائب المفروضة على اليهود. وكان لكل بلاط ملكي يهوديِّه الخاص الذي كان يشرف على هذه العمليات. ويمكن أن نسمِّي هؤلاء «يهود البلاط» مع أن المصطلح لم يظهر إلا في القرن السابع عشر الميلادي في ألمانيا. وأدَّى هذا الوضع إلى ارتباط اليهود بالمطالب الظالمة والأعباء المالية التي كان يفرضها التاج. ومن ثم حينما طُرد اليهود من إسبانيا، كان من الضروري البحث عن بديل لهم للقيام بمهمة ملتزمي الضرائب. والواقع أن اختيارهم كيهود بلاط، وكعنصر استيطاني زراعي، يرجع إلى أنهم كانوا لا يطمحون للاستيلاء على السلطة السياسية، فهو أمر غير مطروح بالنسبة لهم نظراً لعدم إمكان التحالف بينهم وبين أية طبقات أخرى مثل الفلاحين أو النبلاء أو القساوسة بسبب العداوة بين أعضاء هذه الطبقات وأعضاء الجماعة. وعلاوة على هذا، لم يكن أعضاء الجماعة يملكون أية قوة عسكرية، الأمر الذي يعني إمكانية التخلص منهم بسهولة. كما أن تَوزُّعهم على هيئة وحدات بشرية صغيرة منعزلة كان يُيسِّر عملية التخلص منهم إن نشأت حاجة إلى ذلك. أما قوتهم المالية، فلم يكن عائدها يفيدهم كثيراً حيث كان يَصبُّ في خزائن الملك الذي كان له مطلق الحرية في مصادرة أموالهم والاستيلاء على ثرواتهم. أما أوضاع أعضاء الجماعة المسلمة فكانت مختلفة تماماً حيث كان عددهم كبيراً كما كانوا يُعتبَرون جماهير بمعنى الكلمة. بل ويُقال إن الموريسكيين (المسلمين المتنصِّرين) كانوا يشكلون بعد استعادة إسبانيا نحو 60% من عدد السكان، كما كانوا آخذين في التكاثر بسبب عدم وجود مقاتلين بينهم (ولذا لم تكن أعدادهم تَنقُص أثناء الحروب) كما لم يكن بينهم رهبان أو راهبات. وأثناء الغزو المسيحي، كان العنصر الإسلامي أو العربي المتنصِّر (الموريسكيون) مشكوكاً فيه، فالدويلات الإسلامية كانت تشكل مركزاً لولائهم العاطفي إن لم يكن الفعلي. وحتى بعد اكتمال الغزو وتنصُّر المسلمين، ظل الموريسكيون موضع شك السلطات المسيحية لأن الدول الإسلامية المحيطة كانت تشكل عمقاً إستراتيجياً بالنسبة إليهم، وكان من الممكن أن تزودهم هذه الدول بالمساعدات لاستعادة السلطة، وخصوصاً أن القوة العثمانية الصاعدة كانت تشكل أملاً إسلامياً جديداً. كان هذا الأمر محتمل الوقوع بل كاد يتحقق مع ثورة البشارات الثانية. وعلى أساس من كل هذا، يمكن فهم سبب تحوَّل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة على يد المسيحيين، كما يمكن فهم سبب استبعاد جماهير المسلمين أو الموريسكيين أو أعضاء النخبة بينهم. تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بقسط كبير من الإدارة الذاتية داخل تنظيم الجماعة وتحت قيادة رئيسها الذي كان يُعرَف باسم «المقدَّم» ، وظل يُعرَف باسمه العربي كما هو الحال في كثير من المؤسسات الإسبانية المسيحية. وكان للجماعة استقلالها الإداري والقضائي، وكان يشرف عليها موظف ملكي هو حاخام البلاط (بالإسبانية: «راب دي لاكورتي rab de la corté» ) . وكان لأعضاء الجماعة مجالسهم المستقلة التي كان يتم انتخاب أعضائها. وإلى جانب هذه المجالس المنتخبة، كانت تُوجَد مجالس أخرى مغلقة في بعض الدويلات لا تضم سوى الوجهاء والأثرياء. وبطبيعة الحال، كان الملك يساند هذه المجالس باعتبارها وسيلته للتحكم في أعضاء الجماعة الوسيطة. ولذا، فقد كان يمنحها سلطات كاملة. وكان يتبع هذه المجالس ما يُسمَّى بقضاة الذنوب (بوليس آداب وأخلاق عامة) تُوكَل إليهم مهمة القبض على أي يهودي يخرق الشريعة، كما كان يتبعها قضاة شرعيون (بالعبرية: ديانيم) . وكان لبعض هذه المحاكم صلاحية الحكم بالإعدام على أي عضو من أعضاء الجماعة بل وصلاحية تنفيذ هذه الأحكام. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية (كجماعة وظيفية وسيطة) يُكوِّنون جزءاً عضوياً من المجتمع الإسباني المسيحي الإقطاعي، وإنما كانوا يتبعون الملك مباشرة حيث كانوا يدينون له وحده بالولاء ويؤدون له الضرائب، بل إنهم كانوا يُعدون ملكية خاصة له أي أقنان بلاط. وحينما كان حكم الإعدام ينفذ في يهودي، كانت الجماعة اليهودية تُلزَم بدفع ثمنه للملك. ويشكل هذا الوضع المتميز الهامشي أساس الصراع الذي لم يهدأ بين أعضاء الجماعة وبقية أعضاء المجتمع، وخصوصاً سكان المدن. فالجماعة كانت توجد بجوار البلدية المسيحية، ولكنها كانت غير خاضعة لنفوذها بسبب علاقتها الخاصة مع الملك. ولذا، لم يكن من الممكن إخضاعها للنظم أو للأعراف المعمول بها. ويمكن التعرف على وضع اليهود الخاص بالرجوع إلى مرسوم ألفونس العاشر الصادر عام 1263 حيث حدَّد حقوق أعضاء الجماعة ومنحهم حريتهم الدينية الكاملة شريطة ألا يهاجموا المسيحيين، كما حرَّم تهمة الدم ومنع مضايقة اليهود في يوم السبت أو تعطيلهم عن أداء شعائره حتى لو وُجدت أسباب قانونية شرعية لذلك، وحرم كذلك استخدام القوة لتنصيرهم. وكانت غرامة قتل اليهودي تعادل الغرامة التي تُدفَع عن قتل فارس أو قس. ولقد حاول بعض سكان المدن أن يخفضوا الغرامة لتعادل الغرامة التي تدفع دية لفلاح عادي. وتتبدَّى المساواة بين اليهود والمسيحيين في قبول القَسَم اليهودي أمام المحاكم المسيحية. ثم ظهرت، في مرحلة متأخرة، مجموعة مختلفة من القوانين تعبِّر عن تَحيُّز واضح ضد أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يفقدون شيئاً من أهميتهم الوظيفية. وتعكس هذه القوانين بدايات التدهور حيث حُرِّم على اليهود مغادرة منازلهم في عيد القيامة، أو أن يكونوا في أي مركز يسمح لهم بالسيطرة على المسيحيين، كما حدد عدد المعابد اليهودية. ولكن، ورغم التدهور النسبي، ظل لأعضاء الجماعة وظائفهم المحدَّدة التي يضطلعون بها ودورهم المميز الذي يلعبونه. ولذا، حينما أصدرت المجامع اللاترانية (الثالث عام 1179 والرابع عام 1215) القوانين التي حدَّت من حرية اليهود، لم تُطبَّق هذه القوانين في إسبانيا تطبيقاً تاماً. وقد طُبِّقت هذه القوانين، في بداية الأمر، بصورة مخففة جداً بسبب الضرورات الناجمة عن إعادة فتح الأندلس. ولكن، مع استكمال الغزو، لم تَعُد هناك ضرورة أو نفع لليهود، بل أصبح من الضروري التخلص منهم. وقد كانت حتى حياة اليهود الروحية آخذة في التحلل. بل كان رفض القيم اليهودية الدينية منتشراً بين عناصر القيادة اليهودية نتيجة انتشار فلسفة ابن رشد العقلانية التي كان لها أثر مدمر في الإيمان الديني للنخبة. وقد كان يهود البلاط يقومون بحماية بني ملتهم في معظم الأحيان، ولكنهم كانوا يقفون ضدهم في أحيان أخرى بسبب تَماثُل مصالحهم وثقافتهم مع مصالح البلاط وثقافته. كما كانوا يقلدون المسيحيين في ردائهم وحديثهم، وتَنصَّر كثير منهم في نهاية الأمر. وحيث إنهم كانوا يشكلون النخبة القائدة، فإن اندماجهم وانصهارهم كان يعني اهتزاز الهوية اليهودية. وازداد اليهود هامشيةً وأصبحوا عديمي الجدوى بازدياد التغلغل المسيحي في شبه الجزيرة، وهي عملية كانت بطيئة جداً، ومع هذا بدأت آثارها تظهر واضحة مع القرن الثالث عشر الميلادي، وهي أيضاً المرحلة التي ظهرت فيها القبَّالاه إذ ظهر الزوهار بين عامي 1280 و1290. وبدأت الجماعة تتقوقع على نفسها وتحارب الفلسفة الإسلامية العقلانية وتقف ضد تغلغلها في صفوف المفكرين اليهود، فحُرِّمت كتابات موسى بن ميمون. وبدأت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا المسيحية على نطاق واسع عام 1391، ثم انتشرت في كل أرجائها وتَنصَّر الألوف من اليهود، وهو ما سبب مشكلة للحكم إذ كان فصل المتنصرين عن بقية اليهود أمراً لا مفر منه، وكذلك التأكد من جدية وولاء المتنصرين حتى لا يتظاهر بعضهم بالمسيحية لتحقيق الحراك الاجتماعي وهم يبطنون اليهودية، وسُمِّي هؤلاء «المارانو» . ومن ثم أقيمت محاكم التفتيش. وفي عام 1412، صدرت قوانين فالادوليد التي حرَّمت على اليهود الاشتغال بالطب أو الحرف أو الاتجار مع المسيحيين، كما ألغت محاكم اليهود الخاصة. وتصاعدت عملية الغزو المسيحي لشبه جزيرة أيبريا بزواج فرديناند وإيزابيلا عام 1469. واستفاد الملكان من القروض التي دبرها لهم الصيرفي اليهودي دون إبراهام سنيور في حروبهما ضد المسلمين وفي فتح غرناطة. وقد أصبح سنيور جامعاً للضرائب وحاخاماً لليهود. وبعد أن بسطت السلطة المسيحية الجديدة هيمنتها على شبه جزيرة أيبريا بأسرها عام 1492، بدأ فرديناند وإيزابيلا في تأسيس ما يَعُدُّه بعض المؤرخين أول دولة قومية حديثة في أوربا تتمتع بسلطة مركزية. كان التأكد من ولاء السكان أمراً ضرورياً، فبعد أن تنصرت أعداد كبيرة من المسلمين واليهود كانت ثمة أعداد منهم لا تزال تمارس دينها سراً (وكان يُطلَق على المسلمين المتنصرين «الموريسكيين» ، لكن هذا المصطلح كان يُطلَق أحياناً على كل المسلمين) . وكانت العناصر التي حافظت على عقيدتها تشكل عوامل جذب لهؤلاء، ولذا فقد صدر قرار بطرد اليهود والمسلمين على حدٍّ سواء. وبلغ عدد المطرودين من المسلمين حسب بعض الإحصاءات ثلاثة ملايين. أما اليهود، فقد طُردوا بعد سبعة شهور من قيامهم بتمويل حملة الدولة الإسبانية الكاثوليكية على الجيب الإسلامي المتبقي ونجاحها في تصفيته، وقُدِّر عدد المطرودين من اليهود بين مائة وخمسين ألفاً وربع المليون. وقد استقرت أعداد كبيرة من اليهود الذين كانوا يُعرَفون بالسفارد في الدولة العثمانية، ولكن العدد الأكبر منهم هاجر إلى وسط أوربا وهولندا وموانئ فرنسا. وقد ألحق قرار الطرد الضرر بإسبانيا من الناحية السكانية، إذ أدَّى ذلك إلى إفراغ مناطق بأكملها من سكانها في وقت لم يكن هناك مصدر آخر للطاقة البشرية. ومن الناحية الرسمية، كانت شبه جزيرة أيبريا خالية من اليهود، أما من الناحية الفعلية فقد كان هناك يهود المارانو المتخفون الذين كانت تربطهم علاقة بجماعات يهود السفارد في الخارج. وقد كوَّن هؤلاء فيما بينهم شبكة تجارية مالية مهمة. كما كان بعض يهود السفارد يمثلون مصالح إسبانيا والبرتغال في الخارج وكانوا بمنزلة سفراء وملحقين تجاريين لها. وسُمح لبعض أعضاء الجماعة اليهودية بالهجرة إلى إسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادي، كما سُمح لهم ببناء معابد خاصة. ثم أُلغي قرار طرد اليهود عام 1931. وتُوجَد هناك، في الوقت الحالي، جماعة يهودية صغيرة ليست لها أهمية تذكر، كما لا تزال تُوجَد بقايا يهود المارانو في البرتغال. وقد بدأت الدولة الصهيونية بتهجير البقية الباقية من يهود المارانو إليها. إسبانيا Spain انظر: «إسبانيا المسيحية» . البرتغال Portugal انظر: «إسبانيا المسيحية» . فرديناند (1452-1516) وإيزابيلا (1451-1504) Ferdinand and Isabella ملك وملكة إسبانيا اللذان قاما بتوحيدها وكانا يُسمَّيان «الملكين الكاثوليكيين» . وقد بدأت محاكم التفتيش نشاطها إبّان حكمهما، وفي هذه الفترة أيضاً اكتُشفت أمريكا. أما فرديناند، فهو فرديناند الخامس المعروف بالكاثوليكي ملك أراجون. كانت أمه حفيدة امرأة يهودية، وربما يفسر هذا قرب فرديناند من اليهود المتنصرين الذين شغلوا وظائف مهمة وحساسة في بلاطه. وكان عديد من أسرة لاكابالريا، وهم من اليهود المتنصرين، أعضاء في المجلس الملكي. وكان سكرتيره وكثير من كبار المسئولين عن الأمور المالية في مملكته، وكذا قائد أسطوله البحري بل كثير من أعضاء النخبة الدينية المسيحية، من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند في مساعيه لخطب ود إيزابيلا من خلال أحد أعضاء أسرة لاكابالريا بالاشتراك مع يهوديين آخرين لم يتنصرا. ونجح لاكابالريا في الحصول على موافقة أسقف طليطلة على الزواج، وقام دون أبراهام سنيور، وهو يهودي، باستضافة فرديناند حينما كان يزور إيزابيلا سراً، إذ كان أبواها يفضلان أن تتزوج أحد أعضاء الأسرة المالكة في البرتغال أو فرنسا. وقام دون سنيور بتقديم هدية فرديناند إلى إيزابيلا وهي عقد ذهب اشتراه بنقود استدانها من صديقه العزيز ياييم رام وهو ابن حاخام. ومعنى هذا أن فرديناند كان دائماً محاطاً بيهود أو يهود تنصروا. وقد تزوج إيزابيلا في نهاية الأمر عام 1469. وكانت إيزابيلا (ملكة قشطالة) محاطة هي الأخرى بيهود أو يهود متنصرين، فكان سكرتيرها يهودياً، وقام بكتابة سيرة حياتها يهودي آخر متنصر. وكان كثير من مستشاريها من اليهود، بل إن القس الذي كانت تعترف له كان من أصل يهودي. وكان دون إسحق أبرابانيل، الذي لم يتحول عن عقيدته اليهودية، من أوفى أصدقائها. كما كانت صديقتها الماركيزة دي مويا زوجة أندريس كابريرا وهو من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند وإيزابيلا في طرد المسلمين نهائياً من شبه جزيرة أيبريا عام 1492. وقام إسحق أبرابانيل وشريكه أبراهام سنيور بتمويل حروب الملكية الكاثوليكية ضد المسلمين. ويمكننا أن نقول، إن أردنا استخدام المصطلح المعاصر، إن اللوبي اليهودي كان قوياً للغاية في الدولة المسيحية الجديدة. ومع هذا، قام الملكان بطرد اليهود من مملكتهما وسمحا لمحاكم التفتيش بمطاردتهم. ولتفسير هذا، يجب أن ننسى العلاقات الشخصية قليلاً ونركز على بعض التحولات البنيوية في الدولة الإسبانية، ومن أهم هذه التحولات وحدة إسبانيا نتيجة الزواج الملكي بين إيزابيلا وفرديناند. والواقع أن هذا الزواج الذي موَّله بعض الممولين اليهود هو نفسه ما جعل اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بدون أهمية كبيرة. كما أن الدولة الإسبانية كانت تواجه أزمة سكانية حادة كالأزمة التي تواجهها الدولة الصهيونية في الوقت الحالي، إذ كان الموريسكيون (المسلمون المتنصرون) يتكاثرون بسرعة وزاد عددهم عن 60% من مجموع السكان وبعضهم كان من المسلمين المتخفين. وكانت الدولة الإسبانية في حاجة شديدة إلى مادة بشرية تدين لها وحدها بالولاء، ولكن ثبت أن كثيراً من اليهود المتنصرين هم في الواقع مارانو أي يهود متخفون. وقد بذل الملكان جهوداً غير عادية لإقناع اليهود والمسلمين المتنصرين بالاندماج، ونجحا في إقناع روما بتعيين بعض هؤلاء في وظائف كنسية رفيعة من بينها وظيفة أسقف في إسبانيا. ولكن الشبهات ظلت تحيط بالمتنصرين، فقررت إيزابيلا إقامة محاكم التفتيش. وقد وافقها على ذلك كل من كاتب سيرتها وقسيسها (اليهوديان المتنصران) وتم طرد اليهود بعد سبعة شهور من القضاء على الجيب الإسلامي المتبقي. ومع أن استرجاع شبه جزيرة أيبريا تم بمساعدة بعض القيادات اليهودية، فإن ذلك جعل الجماعة اليهودية ككل أداة عديمة الفائدة، وخصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يتمكنوا من التحول إلى جماعة وظيفية استيطانية يمكن الركون إليها. محاكم التفتيش Inquisitions توجد ثلاثة أنواع من محاكم التفتيش: 1 ـ محاكم التفتيش الوسيطة التي أسسها البابا جريجوري التاسع عام 1233 وكانت مهمتها التفتيش والبحث عن الهرطقات الدينية بين المسيحيين بعد انتشارها في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا مثل الكاثاري والوالدينيز. وكان قضاة هذه المحكمة من رجال الدين الدومينيكان، وكان المتهم المذنب يُسلَّم إلى السلطات الدنيوية لمعاقبته. ورغم أن الحرق كان العقوبة النهائية، فإنه لم يُمارَس إلا في النادر، وعادةً كان الحكم يُلزم المتهم بالتوبة ودفع غرامة والتكفير عن ذنبه بالقيام بأعمال معيَّنة. 2 ـ محاكم التفتيش الإسبانية التي أسسها البابا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (عام1471) بناء على طلب الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، وللتأكد من إيمان مواطني إسبانيا من المسلمين واليهود الذين اعتنقوا عقيدة الدولة، أي المسيحية الكاثوليكية، ولتَعقُّب السحرة. ومما يجدر ذكره أن هذه المحاكم كانت محاكم «قومية» تابعة للدولة الإسبانية رغم أنها صدرت بمرسوم من الكنيسة الكاثوليكية، ورغم وجود رجال دين مُمثَلين فيها كان من أشهرهم توماس دي تروكيمادا وهو من أصل ماراني وأصبح رمزاً لقاضي محاكم التفتيش الذي يستخدم أدوات التعذيب لإرهاب ضحاياه. وكانت نتائج المحاكمات تُعلَن فيما يُسمَّى «أوتو دي في auto de fé» وهو الاحتفال العام الذي يتم فيه النطق بالأحكام. وكان نفوذ محاكم التفتيش لا يمتد إلى غير المسيحيين. ثم صدر مرسوم في 31 مارس عام 1492 خُيِّر أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا بمقتضاه بين النفي والتعميد (وقد طُبِّق هذا المرسوم على المسلمين عام 1502) . فغادرت أعداد كبيرة من اليهود والمسلمين (نحو ثلاثة ملايين مسلم وما بين 150 إلى 250 ألف يهودي) شبه جزيرة أيبريا. وقد صدر المرسومان بضغط من محاكم التفتيش التي كانت تهدف إلى حماية اليهود والمسلمين المتنصرين من التأثير السلبي لإخوانهم السابقين في الدين. ثم وضعت محاكم التفتيش هؤلاء المتنصرين تحت الرقابة الشديدة للتأكد من صدق إيمانهم وولائهم للدولة وكانوا يمارسون شعائر دينهم الأصلي في السر. وكان اليهود المتخفون يُسمَّون «المارانو» ، أما المسلمون فكانوا يُسمَّون «الموريسكيين» . وتعقبت محاكم التفتيش أعضاء المارانو في البرتغال بل وفي المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في جميع أنحاء العالم. ومع ظهور الإصلاح الديني، طاردت محاكم التفتيش العناصر البروتستانتية، ونجحت في القضاء عليهم في شبه جزيرة أيبريا ولكنها فشلت في ذلك في هولندا. وقد ارتكبت محاكم التفتيش كثيراً من الفظائع، الأمر الذي دفع البابوات إلى التدخل لإيقافها عند حدها. وقد أُلغيت هذه المحاكم في القرن الثامن عشر الميلادي في البرتغال وفي التاسع عشر الميلادي في إسبانيا. ومما يجدر ذكره أن يهود بروفنس قدموا شكوى لمحاكم التفتيش ضد كتابات موسى بن ميمون بسبب هرطقتها، وأمرت المحكمة بحرق كتبه بناء على طلبهم هذا. 3 ـ محاكم التفتيش الرومانية. وهي محاكم كنسية أسسها البابا بول الثالث عام 1542 ليحارب البروتستانتية، واستمرت هذه المحاكم حتى عام 1908 حيث تم تغيير اسمها. وهي تُعدُّ استمراراً لمحاكم التفتيش الرومانية الوسيطة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
السحر
Magic «السحر» هو محاولة التحكم في الطبيعة عن طريق صيغ سحرية خفية. وإذا كانت الطبيعة تعبِّر عن سنن الإله في الكون، فإن تحدي قوانينها هو تحدٍّ للإرادة الإلهية وتحدٍّ لمقدرة الإله. وثمة تمييز دائم بين السحر الأبيض والسحر الأسود، فالأول يهدف إلى حماية الإنسان من الأرواح الشريرة ويهدف الثاني إلى إلحاق الأذى بالآخرين. ولكنه، مهما كان مضمون السحر، أبيض كان أو أسود، فهو يعبِّر عن رغبة إمبريالية فاوستية عارمة في التحكم في الإنسان والكون والإله. والمؤمن بالعقائد التوحيدية يؤمن بإله قادر متجاوز للطبيعة لا يمكن تحدي مقدرته، ومن ثم فالسلوك الإنساني الأمثل هو سلوك أخلاقي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . أما العقائد الحلولية، فترى أن الإله يحلُّ في الإنسان وتصبح إرادة الإنسان من إرادة الإله ومن ثم تصبح السيطرة على الإله ممكنة والوصول إلى الغنوص أو الصيغة السحرية أمراً متاحاً. ولذا، فإن العبادات الحلولية دائماً مرتبطة بالسحر. ورغم أن الطبقة التوحيدية في التركيب الجيولوجي اليهودي تتبدَّى في الحث على السلوك الأخلاقي، فإننا نجد أن الطبقة الحلولية أكثر شيوعاً وتجذراً. وقد ساعد على شيوع السحر تَنقُّل العبرانيين بين شعوب وثنية تؤمن بالحل السحري (مثل المصريين القدامى والكنعانيين والبابليين ثم الفرس والمراحل الأخيرة من العصر الهيليني) . وقد تبلور كل ذلك في الغنوصية التي تدور حول محاولة الوصول إلى الغنوص والحل السحري، والتي ضمت في صفوفها كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية..... ويوجد في العهد القديم هجوم على السحر والسحرة (لاويين 20/6، 27؛ تثنية 22/18) حيث يُعتبر السحر رجساً ونجاسة وزنى. ومع هذا، فهناك إشارات في العهد القديم إلى قبول السحر كوسيلة مشروعة. وهناك حادثة أليشع وهو ينصح الملك يوآش أن يتنبأ بفرص النصر ضد آرام عن طريق رمي السهام (ملوك ثاني 13/14 ـ 19) . وقصة شمشون لا يمكن فهمها إلا في إطار أنها قصة ساحر يُعدُّ شَعره مكمن قوته وحياته بالنسبة إليه. ولعل أحجار أوريم وتوميم على رداء الكاهن الأعظم، وعمودي بوعز ويوقين في الهيكل، كانت لها وظائف سحرية. كما أن حادثة أصنام الترافيم تدل هي الأخرى على الإيمان بالسحر بشكل أو بآخر. ويجب التمييز بين هذه الحوادث وأحداث أخرى في العهد القديم، خصوصاً في كتب الأنبياء، حيث يتنبأ الأنبياء لا كالعرافين والسحرة، وإنما انطلاقاً من إيمانهم بالإله الواحد ومعرفتهم لا بإرادته وإنما بنسقه الأخلاقي، فهو حتماً سيعاقب المذنبين ويثيب التائبين. وبالتالي، فإن التنبؤات الخاصة بسقوط القدس ليست عمليات تنجيم وإنما هي ما يمكن تسميته بـ «النذير» . ويمكن رؤية معجزات الأنبياء والرسل في الإطار نفسه، فهي ليست تحدياً بشرياً للإرادة الإلهية بقدر ما هي تدخُّل إلهي يخرق سنن الطبيعة لتوصيل رسالة ما للبشر. والشعائر التي يقوم بها المؤمن تختلف تماماً عن الشعائر السحرية، فالشعائر التي يقوم بها المؤمن تهدف إلى إظهار طاعة المخلوق لخالقه ومحاولته التقرب منه، وجوهرها أن تتنازل الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية. أما الشعائر في الإطار السحري، فهي تهدف إلى التقرب من الإله ثم تحويل إرادته. ولعل هذا هو السبب في تأكيد الصراع بين يوسف وسحرة مصر (تكوين 41) ودانيال والسحرة في البلاط البابلي (دانيال2) والصراع بين موسى وهارون من ناحية وعرافي مصر وسحرتها من ناحية أخرى (خروج 7) ، حيث يستخدم سحرة مصر سحرهم الخفي، أما موسى فيستغيث بالله الذي يغيثه. ولهذا، فإن نبوءات الأنبياء ومعجزاتهم والشعائر التي يؤديها المؤمنون مختلفة تماماً عن السحر والشعائر التي يقوم بها السحرة، بل تقف على النقيض منها. ومهما يكن الأمر، فقد أصبح السحر اليهودي انعكاساً للوثنية السائدة في الشرق الأدنى في العصور القديمة إذ سقطت في الحلولية والوثنية والسحر تدريجياً، ثم بشكل سريع ابتداءً بالكتب الخفية (أبوكريفا) ، ثم التلمود وأخيراً القبَّالاه حيث تدور القبَّالاه العملية بأسرها حول السحر. ولكن المفارقة أن نصوص العهد القديم أصبحت المادة الخام التي تُستخدَم للوصول إلى الصيغة السحرية، ففي منظومة الحلولية عادةً ما يصبح النص المقدَّس موضع الحلول الإلهي ويصبح النص جسد الإله، ومن يتحكم في النص يتحكم في الخالق. وقد أدَّى ذلك إلى ظهور مفهوم التوراتين (التوراة المكتوبة والتوراة الشفوية) الذي تطور ليصبح توراة الخليقة الظاهرة وتوراة الفيض الباطنية التي لا يصل إليها إلا من يمتلكون مقدرات خاصة على التفسير، وهي التوراة التي يمكن عن طريقها الوصول إلى الصيغة السحرية. ولذا، فقد كانت هناك فقرة (عدد 12/13) تصف شفاء مريم من البرص كتعويذة ضد الحمى. وكان مزمور 91 من أهم التعويذات على الإطلاق. وحتى لا تفهم الشياطين مضمون الفقرات التوراتية كان السحرة يلجأون إلى الاختصارات فكان يُنطَق بكلمة هي عبارة عن الحروف الأولى في الكلمات التي تشكل الفقرة التوراتية أو يُنطَق بحرف واحد يرمز للكلمة كلها (وهو أسلوب يعرف باسم «نوتاريكون» ) أو ينطق بالمعادل الرقمي للكلمة (أسلوب الجماتريا) . وكثيراً ما كانت هذه التحويرات تستقل عن أصلها لتصبح كلمات مستقلة مثل كلمة «أبرا كادبراه abracadabra» التي يبدو أنها عبارة آرامية للإشارة إلى أحجار أبراكساس، وهي أحجار عليها حروف وأرقام كانت تُستخدَم لأغراض سحرية. وقد أصبحت كلمة «أبرا كادبراه» الصيغة المستخدمة لشفاء الأمراض. وكان يُظن أيضاً أن اسم الإله، شأنه شأن التوراة، هو نفسه جسد الإله، ومن يتحكم في اسم الإله الأعظم (يهوه أو التتراجراماتون) يتحكم في الإرادة الإلهية. وقد استخدم اسم «شابريري» (شيطان العمى) فكان اسمه يُكتَب على هيئة مخروط مقلوب: شابريري شابرير شابر شا وكان هذا المخروط المقلوب يُوضَع في حجاب يُلَف على رقبة المريض. وإلى جانب السحر المرتبط بالنصوص والأرقام، يوجد السحر المرتبط بالحروف، وقد اكتسبت الأبجدية العبرية أهمية خاصة في السحر. ويُتداول حتى الآن في أرجاء العالم عدد كبير من التعاويذ والأحجبة التي تحتوي على حروف عبرية. كما أن نجمة داود نفسها كانت ذات دلالة بين المشتغلين بالسحر من اليهود وغير اليهود. بل إن الشعائر الدينية نفسها بدأت تتحول بالتدريج واكتسبت مضموناً سحرياً إذ أصبح الهدف منها السيطرة على الذات الإلهية أو على الأقل مساعدة الإله في إصلاح الخلل الكوني (تيقون) الذي يستعيد الإله من خلاله توحُّده ووجوده. ولذا، كانت الصلاة اليهودية تُؤدَّى باعتبار أنها تساعد في الزواج المقدَّس (زواج العنصر الذكوري في الذات الإلهية بالعنصر الأنثوي) . وبالتدريج، أصبحت صياغة الصلوات وطريقة تلاوتها أكثر أهمية من الرؤية الفلسفية الكامنة وراءها. وأصبح الإيمان بالملائكة ليس إيماناً بالغيب وبحدود ذات الإنسانية وإنما الإيمان بأرواح يمكن رشوتها وتوظيفها، والشياطين هي قوى يمكن خداعها عن طريق تلاوة الأدعية بالآرامية (مثلاً) . بل إن كل الأوامر والنواهي فقدت مضمونها الأخلاقي الديني وأصبحت بمنزلة الشعائر السحرية. وظهرت شعائر مثل الـ «تشليخ» حيث يقوم اليهود بنفض ذنوبهم في الماء، وشعيرة «كاباراه» في ليلة يوم الغفران حيث تُذبَح دجاجة بعد أن تُمرَّر على رؤوس بعض اليهود لغسل الذنوب أيضاً. وقد وصلت كل هذه الاتجاهات إلى قمتها في الحركة الحسيدية حيث أصبح بوسع التساديك أن يغير الإرادة الإلهية عن طريق أداء بعض الشعائر والحركات، كما كان يبيع لأتباعه الأحجبة الكفيلة بتحقيق السعادة لهم فيما يشبه صكوك الغفران. ومع حركات شبتاي تسفي، يحل السحر تماماً محل الدين وتصبح الرقية والتعويذة والصيغ السحرية مركز العبادة. وقد وجدت قيادة الجماعة اليهودية منذ نهاية القرن السابع عشر تجارة رابحة في مثل هذه الأشياء. ومع حركة الاستنارة، بدأ ظهور العلم وبدأ البحث عن الصيغة العلمية لحل كل المشاكل، فتراجعت بالتالي الصيغة السحرية، إذ حلت الصيغة العلمية محلها. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الوجدان الغربي بالسحر للأسباب التالية: 1 ـ لعل أهم الأسباب هو الرؤية التوراتية لليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً، فالشعب المقدَّس عنده مقدرات عجائبية ولا شك، فهو موضع الحلول الإلهي الذي يعيش خارج الزمان. وقد أصبح الشعب المقدَّس هو الشعب الشاهد الذي يعيش على هامش المجتمع مع الشخصيات الهامشية مثل العرافين والسحرة. وفي الرؤية البروتستانتية الألفية، تحوَّل اليهود أنفسهم إلى ما يشبه الصيغة السحرية، إذ أن الخلاص قمين بعودتهم إلى أرض الميعاد وتَنصُّرهم. 2 ـ وقد عمَّق من هذا كله تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تعيش في المجتمع دون أن تكون منه في وقت كان فيه أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية يعملون بالتجارة والربا. وفي المجتمع الإقطاعي، كان الفلاح يعمل بالزراعة والنبيل يعمل بالحرب والقسيس يعمل في الكنيسة، أي أن الجميع كانوا يعيشون من ثمرة عملهم. أما اليهودي، فكان يبدو وكأنه لا يعمل، فقد كان يحرك رأس ماله وحسب أو كان يحرك السلع من مكان لآخر ليحقق أرباحاً طائلة، فظهرت العملية كلها وكأنها سحر. 3 ـ ومما رسَّخ هذه الرؤية في الوجدان الغربي أن أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يعملون فعلاً بالسحر. والتلمود، في كثير من أجزائه، هو كتاب سحر، كما أن القبَّالاه العملية هي، أولاً وأخيراً، انشغال بالسحر وبمحاولة الوصول إلى الصيغة السحرية. وقد كانت الحركات المشيحانية، التي كانت تكتسح أعضاء الجماعات اليهودية من آونة لأخرى، حركات تعبِّر عن الإيمان بالحل السحري. ولعل ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالسحر في الوجدان الغربي، ومن ثم بالشيطان، هو أهم أسباب معاداة اليهود والدافع وراء كثير من الهجمات الشعبية عليهم. الجولم Golem « «الجولم» في التراث الديني اليهودي هي الصورة الحية أو تلك الصورة التي مُنحت الحياة كنتيجة لاستخدام كلمات ذات قيمة سحرية وحلولية. وقد ظهر المُصطلَح في التوراة (الإصحاح 129/16) بمعنى المادة الجنينية غير المُشكَّلة. وبهذا المعنى يدعو التلمود آدم بالاسم «جولم» في ساعاته الأولى قبل أن تُنفَخ فيه الروح، وهذه المرحلة توصف بأنها المرحلة الثالثة في خلق آدم. وتتم صناعة أو تخليق الجولم بصياغة المادة الخام أو الأرض أو الأدمة على الهيئة التي يرغبها الصانع ثم تُكتَب «الكلمة» أو «اسم الإله» على الرأس أو الموضع الأعلى، ومن ثم تكتسب المادة الخام القدرة على الحياة. وحسبما جاء في الأساطير الشعبية للجماعات اليهودية في وسط أوربا وشرقها، يقوم الجولم بحمايتهم ومساعدتهم على التخلص من كثير من المصاعب، وهو الخادم المطيع الذي يسمع أوامرهم وينفذها، فالجولم لا يستطيع الكلام أو التعبير ولكنه مُنفِّذ لأوامر سيده. وثمة ارتباط بين كلٍّ من أسطورة الجولم ورؤى «الأبوكاليبس» ونهاية العالم، فمثلاً نلاحظ ازدهار الأساطير الجولمية في الوقت نفسه الذي ازدهرت فيه رؤى الأبوكاليبس والتبشير بالخلاص. ففي نهاية العصور الوسطى، مع ازدياد الإيمان بالسحر وازدياد الحاجة للخلاص وبداية تصاعد الحمى المشيحانية، انتشرت وسط جماعات يهود اليديشية أساطير الجولم وقدرة الخلق باستخدام الاسم أو الكلمة وقيل إن إلياهو الشلمي (وهو رجل دين عاش في القرن السادس عشر) قد خلق جولم باستخدام «اسم الإله الأعظم» حتى أنه لُقِّب بـ «سيد الاسم» أو «بعل شيم» . ومن أهم الشخصيات اليهودية المرتبطة بأسطورة الجولم في تاريخ يهود اليديشية الحاخام يهودا لوف البراغي (1513 ـ 1609) . وقد ساعد هذا الجُولم الذي خلقه هذا الحاخام، كما تقول الحكايات، على إنقاذ اليهود من متاعب كثيرة وفضح كذب تهمة الدم التي وجهت إليهم. وقيل إن الحاخام قد خلق هذا الجولم بأمر إلهي، وكشف له في المنام عن الصيغة المقدَّسة لصياغة الجولم مع الأمر بأن تُشطَب تلك الصيغة عن الرأس يوم الجمعة لكيلا يُدنِّس الجولم السبت المقدَّس. ويُقال إن بقايا هذا الجولم ما زالت مدفونة تحت أنقاض معبد براغ القديم. ومن أشهر الذين قيل إنهم قاموا بتخليق الجولم كلٌّ من إلياهو (فقيه فلنا) ، وإسرائيل بعل شيم طوف مؤسس الحسيدية. ومن الملاحَظ أن الأدب الجولمي أو أدب الشخصيات المخلقة قد انتشر في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في وسط أوربا وشرقها (أي موطن يهود اليديشية) ونذكر على سبيل المثال قصة الجولم للبافاري جوستاف ميرينك وقصة «دراكيولا» ذات الأصل الترانسفالي وقصة فرانكنشتاين ذات الأصل البومراني (النسبة إلى مقاطعة حدودية تقع بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا وبولندا) . وقد ارتبط انتشار قصص الجولم وأساطير تخليقه بفترة ازدياد الاتجاه للعلمنة. فقبل القرن السادس عشر كان الجولم مجرد أسطورة تفسيرية، لكن الجولم تحوَّل بعدئذ إلى واقع متخيَّل. فهو تجسيد أسطورة الخلق العلمانية، فبالإمكان استخدام الاسم الأعظم أو «الكلمة» (أي المعرفة العلمية أو «القانون العلمي» ) لتكوين المخلوق، وهو الاتجاه نفسه الذي كان سائداً في أوربا منذ بداية عصر الإصلاح الديني حيث بدأ يسود الاعتقاد بأن الفرد (لا الكنيسة) هو موضع الحلول الإلهي وهو منقذ ذاته ومخلصها، وهي الفكرة التي أصبحت في السياق العلماني الإيمان بأن الإنسان مكتف بذاته وأنه العبد والمعبود والمعبد، وهو ما يمكن تسميته «تأله الإنسان» . والجولم يعبِّر عن هذا الجانب من الحلم العلماني ولكنه يعبِّر في الوقت نفسه عن جانب آخر، وهو خوف الإنسان العلماني (وشكوكه العميقة) من هذه القوة التي ينسبها إلى نفسها. ولذا، فإن الجولم، شأنه شأن فرانكنشتاين، يمثل ازدواجية المنقذ المدمر. وهو، بالتالي، يتيح له إسقاط مخاوفه ومتاعبه على هذه الشخصية المُخلَّقة ويعطيه هذا إحساساً بالتجاوز وأيضاً إحساساً بالقدرة على الإنجاز في فترات عدم الإنجاز والانهيار الشامل. إن الجولم يجسد لكل فرد إمكانية أن يكون صانعاً للجولم في يوم ما أو أن يكون الإله أيضاً، وهو في الوقت نفسه الوسيلة التي يفرغ بها الإنسان مخاوفه من هذا الطريق الشيطاني. والجولم، بهذا المعنى، معادل وظيفي دنيوي للأيقونة المنقذة المدمرة، أو تلك الدمية التي يصنعها الساحر أو الشامان ويخزها ليدمر الآخر أو ينثر حولها البخور والقرابين ليقوي الذات ويُقدِّم رشوة للآلهة فيمكنه أن يسلبها قوتها أو يُسخِّرها لإرادته. ومن ثم يُمثِّل الجولم دعم الذات ودمار الآخر. وتُصبح الأسطورة في ذاتها مُولِّدة لأساطير أخرى ترتبط بها ويتم من خلالها تفسير سلوك الآخر في نظر الذات أو تفسير سلوك الذات في نظر الآخر. نوستراداموس (1503-1566) Nostradamus اسم الشهرة لميشيل نوستردام، منجِّم وطبيب فرنسي، وأحد أكثر شخصيات عصر النهضة في الغرب إثارة وغموضاً، اكتسب شهرة واسعة عبر التاريخ بسبب ما يُقال عن تَحقُّق نبوءاته. وُلد في مقاطعة بروفانس في فرنسا لعائلة من أصل يهودي حيث اعتنق جداه المسيحية بعد أن خضعت مقاطعة بروفانس للحكم الفرنسي عام 1482 وخيَّر لويس السابع رعاياه من اليهود بين الطرد أو التنصر. وقد اتخذ جده أبراهام سولومون دي سانت ماكسيمين، بعد اعتناقه المسيحية، اسم بيير دي نوستردام. وقد وُلد نوستراداموس مسيحياً ونشأ نشأة كاثوليكية وإن تلقَّى قسطاً من تعليمه على يد جديه (اليهوديين سابقاً) . ودرس الطب في جامعة مونبلييه، وتخرج فيها عام 1529، واكتسب سمعة طيبة بعد نجاحه في علاج كثير من الأمراض، وخصوصاً الطاعون، باستخدام أساليب متطورة وغير تقليدية. ولكنه فشل في علاج زوجته وأولاده عندما أصابهم الطاعون وتوفوا عام 1538. وقد أمضى نوستراداموس الفترة ما بين عامي 1538 و1547 متنقلاً من مكان إلى آخر، ويُقال إنه التقى في إيطاليا بيهود من القبَّاليين ثم عاد إلى فرنسا حيث اتجه اهتمامه إلى السحر والتنجيم وعالم القوى الخفية. وأصدر نوستراداموس عدداً من الأعمال في التنجيم، كان من أشهرها على الإطلاق نبوءاته التي صدرت عام 1555 وضمت 350 رباعية كُتبت بلغة فرنسية وبأسلوب مبهم وغامض. وقد نُظمت الرباعيات في مجموعات، تضم كل مجموعة مائة رباعية، ولذلك عُرف هذا العمل أيضاً باسم «المئويات» . ولم يلق هذا العمل أي اهتمام إلا عندما تحققت إحدى نبوءاته وهي مقتل الملك الفرنسي هنري الثاني في حادث عام 1559. ومنذ ذلك الحين، بدأ الاهتمام الواسع بفك غموض نبوءات نوستراداموس ومحاولة تفسيرها. وقد عُيِّن نوستراداموس عام 1564 طبيباً للملك الفرنسي شارل الرابع ومستشاراً له. وبرغم أن أغلب رباعيات نوستراداموس بالغة الغموض ومكتوبة بأسلوب يصعب فهمه، إلا أن بعض نبوءات نوستراداموس قد تحقَّق بالفعل؛ مثل أحداث ثورتي إنجلترا وفرنسا، وصعود وسقوط نابليون، ونجاح الإنسان في الطيران، وتخلِّي إدوارد الثامن عن العرش في إنجلترا، وصعود زعيم ألماني اسمه «هيستر» الذي سيتسبب في إراقة كثير من الدماء في أوربا قبل هزيمته، وهو ما اعتبر إشارة للزعيم النازي هتلر (ومع هذا، لم يقم أحد بدراسة النبوءات التي لم تتحقق وعددها ونسبتها إلى إجمالي عدد النبوءات) . ومن المعروف أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتجهون نحو الاشتغال بالسحر والتنجيم بسبب تأثير القبَّالاه ذات النزعة الحلولية. والواقع أن الأنساق الحلولية تجعل الهدف من وجود الإنسان ليس الاتزان مع الذات أو الطبيعة (من خلال الاعتراف بالحدود) وإنما التحكم في الواقع من خلال معرفة الإله الحالّْ في المادة والتاريخ) . وكانت القبَّالاه قد بدأت في الهيمنة الكاملة على الفكر الديني اليهودي، وخصوصاً في منطقة مثل بروفانس لا تبعد كثيراً عن إسبانيا مهد القبَّالاه، حيث وُجد فيها أيضاً عارفون بالقبَّالاه وتزايد عدد اليهود المشتغلين بما يُسمَّى «القبَّالاه العملية» ، ولعل نوستراداموس جزء من هذا الاتجاه. وبتزايد أزمة اليهودية الحاخامية تزايد البحث عن الحل السحري، الذي يؤدي إلى التحكم الإمبريالي الكامل في الذات والطبيعة، بدلاً من التوازن معهما، وهو اتجاه استمر حتى العصر الحديث، حيث يُلاحَظ تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في الجماعات التي تبحث عن الحلول السحرية والتي يمكن عن طريقها حل كل المشاكل بضربة واحدة (جماعات التنويم المغناطيسي ـ العبادات الجديدة ـ التنجيم ـ الحركات السرية ـ الحركات الثورية المتطرفة) . صمويل فولك (1710-1782) Samuel Falk يهودي قبَّالي ومغامر يُعرف باسم «بعل شيم لندن» . وُلد في جاليشيا، وكانت تربطه علاقة وثيقة بزعماء الحركة الشبتانية. وقد عُرف كساحر وهرب من وستفاليا خوفاً من تطبيق عقوبة الموت حرقاً عليه (وهي العقوبة التي كانت تُطبَّق على السحرة) . وقد قام الأسقف حاكم كولونيا بنفيه، فوصل إلى لندن عام 1742 حيث مكث بقية حياته. وقد أحاطت به سمعة سيئة في الأوساط اليهودية والأوساط غير اليهودية لممارساته القبَّالية التي تستند إلى استخدام اسم الإله الأعظم الخفي، ومن هنا أصبح اسمه بعل شيم (صاحب أو سيد الاسم المقدَّس) . وكان يمتلك في منزله معبداً يهودياً خاصاً، وأقام معملاً قبَّالياً أجرى فيه بعض التجارب التي تهدف إلى تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. وقد أثارت التجارب بعض الاهتمام. ومن بين من انجذب إليه تيودور دي ستاين، وهو مغامر كان يدَّعي أنه ملك كورسيكا وكان يأمل أن يحصل على ذهب يكفي لاستعادة عرشه. وكان فولك على اتصال أيضاً ببعض أعضاء النخبة مثل دوق أورليانز والأمير البولندي تشارتوريسكي والماركيز دي لاكروا. ومن الشائعات التي انتشرت حوله أنه أنقذ المعبد الكبير في لندن من الدمار بالنار، وذلك من خلال بعض الكتابات السحرية التي كتبها على عتبته. ولكن الحاخام جيكوب إمدن هاجمه باعتباره مهرطقاً شبتانياً، ولكنه وقف إلى جواره في معركته مع عائلة جولد سميد. ويبدو أن فولك كسب مراهنة، أو لعل أحد الأسر اليهودية قد أعطته ثروة صغيرة، إذ أنه مات ثرياً. وقد أوصى فولك ببعض ثروته لأعمال الخير وللحاخامية الرئيسية في لندن. القبَّالاه المسيحية Christian Kabbalah مُصطلَح «قبَّالاه مسيحية» مُصطلَح يشير إلى مجموعة الكتابات التي وضعها مؤلفون مسيحيون تبنَّوا المنظومة المعرفية القبَّالية. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن القبَّالاه المسيحية ثمرة احتكاك الفكر الديني المسيحي بالفكر الديني اليهودي الذي سيطرت عليه القبَّالاه، وأن الفكر الديني اليهودي «أثَّر» في المسيحية. ولا شك في أن مثل هذا الاحتكاك كان له أكبر الأثر في شيوع الفكر القبَّالي بين المسيحيين. ولكننا، في الواقع، نميل إلى الأخذ بنموذج توليدي في التفسير، ونذهب إلى أن ثمة طبقة غنوصية حلولية كامنة في كل المجتمعات، وخصوصاً بين الطبقات الشعبية التي تجد أن من العسير عليها أن تتجرَّد من الواقع المباشر لتدرك العالم من خلال فكرة الإله الواحد المنزَّه عن المادة التي تُخلَق من العدم، فالكثرة المادية أمر تدركه حواس الإنسان بصورة أكثر يسراً من إدراك فكرة الإله الواحد المتجاوز، والكل أكثر صعوبة في إدراكه من الجزء إذ يتطلب تجرُّداً من الذات وتجاوزاً لها. وهذه الطبقة الغنوصية تولِّد أنساقاً دينية مختلفة، والنسق القبَّالي لا يعدو كونه أحد هذه الأنساق. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن الفكر القبَّالي اليهودي قد ازدهر في مقاطعة بروفانس في الوقت الذي ازدهر فيه الفكر الغنوصي بين المسيحيين (الهرطقة الألبيجينية) . وقد ازدهرت القبَّالاه اليهودية في شبه جزيرة أيبريا مع بداية ازدهار التصوُّف الحلولي المسيحي. كما أن كتاب الزوهار قد بدأ انتشاره مع ازدهار المتصوف الألماني المعلم مايستر إيكهارت Meister Eckhart (1260 ـ 1329) . فالتربة التي ساعدت على ازدهار القبَّالاه الغنوصية بين اليهود هي نفسها التي ساعدت على ازدهار أنماط غنوصية في التفكير بين بقية أعضاء المجتمع، خصوصاً في الطبقات الشعبية. كما تنبغي الإشارة إلى أن الفكر الديني المسيحي نفسه دخلته عناصر غنوصية تبناها من الفكر الهيليني أو من العهد القديم. كما أن التأملات الثيو صوفية المسيحية مسألة تسبق ظهور القبَّالاه بزمن طويل. وقد كان الفكر الأفلوطيني (بكل منظومته الأسطورية) أمراً راسخاً هو الآخر في العقل المسيحي الرسمي والشعبي. ولعل أهم العوامل التي خلقت لدى الغرب المسيحي استعداداً كامناً قوياً لتَقبُّل القبَّالاه اليهودية هو اتجاهه نحو تبنِّي رؤية حلولية كمونية تجسدية للكون (مع نهاية العصور الوسطى) ، ويتضح هذا في هيمنة الرؤية الهرمسية وشيوع فكرة اللاهوت القديم، أي أن كل الأديان تعود إلى أصل واحد، وتزايد ظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث يصبح هدف الوجود الإنساني السيطرة على الكون لا التوازن معه. ويمكن القول بأن القبَّالاه المسيحية تعود إلى القرن الخامس عشر، وكانت تهدف إلى تحقيق عدة أغراض: محاولة تنصير اليهود عن طريق التوفيق بين أفكار القبَّالاه اليهودية والعقائد المسيحية، وإظهار أن المعنى الحقيقي للرموز القبَّالية يشير إلى اتجاه مسيحي. وهذه المحاولة لم تكن تبشيرية متعسِّفة كما قد يبدو لأول وهلة، فكثير من رموز القبَّالاه نشأت في تربة مسيحية (إسبانيا الكاثوليكية) وهي عبارة عن تشويه لهذه الرموز. كما أن الفكر القبَّالي فكر تجسيدي يجعله يقترب إلى حدٍّ ما من الفكر المسيحي. وبطبيعة الحال، فإن هناك الطبقة الغنوصية الكامنة في كلٍّ من النسق الديني اليهودي والنسق الديني المسيحي، تلك الغنوصية التي تزدحم بها صفحات العهد القديم؛ الكتاب المقدَّس عند المسيحيين واليهود جميعاً. وإلى جانب هذا، كانت هناك الرغبة في اكتشاف الصيغة السحرية التي يمكن التحكم من خلالها في الكون والتي عبرت عن نفسها في انتشار الرؤية الهرمسية واكتساحها كثيراً من المفكرين الغربيين. كانت هناك رغبة وثنية عميقة سادت أوربا مع بدايات عصر النهضة غايتها التوصل إلى كل الحقيقة من خلال دراسة نصٍّ ما، وقد كان ظهور القبَّالاه مناسباً لهذا الغرض. ومع تزايد معدلات العلمنة وتصاعد الرؤية المعرفية الإمبريالية، ازداد الاهتمام بالقبَّالاه باعتبارها مفتاحاً للعلم (كل العلم) والعالم (كل العالم) وهي الرغبة التي تحولت إلى المشروع العلمي الحديث الذي يتصور أن بوسع الإنسان الإحاطة بقوانين الحركة في الطبيعة والتحكم الكامل فيها عن طريق هذه المعرفة. هذا هو الأساس التوليدي لتغلغل القبَّالاه، فهو استعداد كامن في الحضارة الغربية نفسها، كان قد بدأ يتحقق من خلال عدة عناصر داخلية. ولم يكن شيوع نصوص القبَّالاه اليهودية سوى عنصر مساعد ساهم في الإسراع بالعملية وساعد على بلورتها. ويبدو أن عدداً كبيراً من اليهود الذين تنصروا قد ساهموا بشكل فعال في نقل الأفكار القبَّالية، ثم انضم إليهم العديد من يهود المارانو. ومن أهم مراكز الفكر القبَّالي المسيحي الأكاديميات الأفلاطونية التي شيدها آل مدتشي في فلورنسا والتي اكتشف علماؤها القبَّالاه اليهودية والنصوص الهرمسية ورأوا أنها تحتوي على كشف إلهي للجنس البشري فُقد بعض الوقت وتم استرجاعه. وقد ذهبوا إلى أن العالم بوسعه فهم فلسفة فيثاغورس وأفلاطون بل العقيدة الكاثوليكية نفسها من خلال النصوص القبَّالية. ومن أهم الشخصيات التي ساهمت في نقل القبَّالاه إلى العالم المسيحي، اليهودي المتنصر فلافيوس مثراديتيس Flavius Mithradites (ويُقال إنه هو نفسه صمويل نسيم أبو الفرج الذي كان يعيش في صقلية في القرن الخامس عشر) والذي ترجم مقطوعات طويلة من القبَّالاه إلى اللاتينية لتلميذه العالم الفلورنسي بيكو ديلا ميراندولا Pico della Mirandola (1463 ـ 1494) الذي قام بصياغة 900 أطروحة طرحها للمناظرة العامة، كان من بينها 47 أطروحة مستقاة بشكل مباشر من القبَّالاه و72 أطروحة استخلصها هو من قراءته للقبَّالاه. بل إنه ذهب إلى أن العلم القبَّالي (والسحر) أفضل السبل لإقناع الإنسان بألوهية المسيح. وتُعَدُّ هذه اللحظة النقطة التي وُلدت فيها القبَّالاه المسيحية كمنظومة تتحدى المنظومة المسيحية الأرثوذكسية أو تقوضها من الداخل (وهو الأمر الأكثر شيوعاً) . وقد بيَّن بيكو أنه يمكن التدليل على صدق عقيدة التثليث والتجسد على أساس ما ورد في القبَّالاه. ومن أهم تلاميذ بيكو ديلا ميراندولا، العَالم الألماني يوحانيس ريوشلين Johannes Reuchlin (1455 ـ 1522) الذي درس القبَّالاه بعمق ونشر كتابين باللاتينية عن الموضوع: الكلمة صادقة المعجزات (1494) أول كتاب باللاتينية في القبَّالاه، وفي علم القبَّالاه (1517) . وقد ربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة. وقد اكتشف المسيحيون كلاًّ من القبَّالاه النظرية التأملية والقبَّالاه العملية (السحر) . وتُعدُّ أعمال هنري كورنيليوس أجريبا النتيشيمي Henri Cornelius Agrippa von Nettesheim (1486ـ 1535) من أهم الأعمال التي تناولت القبَّالاه العملية. واستمر الاهتمام بالقبَّالاه في الأوساط المسيحية، فكتب الكاردينال إديجيو دا فيتربو Edigio da Viterbo (1465ـ 1532) عدة دراسات متأثرة بالزوهار، وألَّف الراهب الفرنسي فرانسيسكو جيورجيو البندقي Francesco Giorgio of Venice (1460 ـ 1540) كتابين ضخمين تشكل القبَّالاه فيهما الموضوع الأساسي. وقد كان جيورجيو أول كاتب مسيحي يقتبس من كتاب الزوهار باستفاضة. وتُبيِّن كتابات المتصوِّف الفرنسي جويوم بوستل Guillaume Postel (1510 ـ 1581) مدى اهتمامه بالقبَّالاه، فقد ترجم الزوهار وسفر يتسيراه إلى اللاتينية (حتى قبل أن يُطبعا بلغتهما الأصلية) وكتب لهما تفسيراً مستفيضاً. وقد نشر عام 1548 تعليقاً قبَّالياً عن المعنى الصوفي لشمعدان المينوراه. وقد ازداد الحماس المسيحي للقبَّالاه، حتى أن بعض المفكرين بدأوا في جمع النصوص القبَّالية التي كانت لا تزال مخطوطة. ومن بين هؤلاء يوهان ألبرخت ويدمانستتر Johanne Albrecht Widmanstetter (1506-1557) وقد ظلت مراكز دراسات القبَّالاه على يد المسيحيين في إيطاليا وفرنسا طوال القرن السادس عشر، ولكنها انتقلت إلى ألمانيا وإنجلترا في القرن السابع عشر. وقد تبنَّى المتصوِّف الألماني جيكوب بومه Jacob Boehme (1545 ـ 1624) نسقاً قبَّالياً غنوصياً. ويتحدث بومه عن «أون جروند Ungrund» وهي الهوَّة (حرفياً: «اللا أرض» ) ، وهي أيضاً الإرادة الأولى أو العدم الأزلي، وكلها عبارات تذكرنا بالإيين والإرادة الإلهية الأولى في القبَّالاه. وقد شبه بومه اللا أرض هذه بالنار الخفيَّة التي توجد ولا توجد (وهي عبارة وردت في الزوهار) . ويتضح النسق القبَّالي وبحدة في الثنائيات الصلبة التي تسم نسق بومه. كما أن مفهوم بومه الخاص بالسقوط باعتباره خللاً أو عدم اتزان بين عناصر الكون الأربعة يشبه تماماً فكرة الخلل الكوني في القبَّالاه (وعند هذه النقطة يصبح من العسير التحدث عن القبَّالاه مستقلةً عن النسق الغنوصي الذي يَصدُر عن فكرة أن السقوط ليس ناجماً عن الخطيئة وإنما عن خلل ما) . ومهما كان الأمر، فإن تبنِّي بومه لهذا النسق قد جعله من أهم القنوات التي تحولت من خلالها القبَّالاه إلى رافد أساسي في الفكر الديني المسيحي واليهودي. وقد بدأت الأفكار القبَّالية تتبدَّى في كتابات وأعمال بعض الفنانين مثل الفنان الألماني دورر Durer. وقد قام كريستيان نور فون روزينروث Christian Knorr Von Rosenrotth بنشر أجزاء ضخمة من الزوهار والقبَّالاه اللوريانية في كتابه كشف القبَّالاه (1684) ، وقد حقق الكتاب ذيوعاً كبيراً بين أعضاء النخبة الثقافية في أوربا. أما العَالم اليسوعي أثاناسيوس كيرشر Athanasius Kirsher، فبيَّن التوازي بين مفهوم الآدم قدمون ومفهوم المسيح كإنسان أوَّل. وظهر اصطلاح «القبَّالاه المسيحية» لأول مرَّة في كتابات فرانسيسكوس ميركوريوس فان هلمونت Franciscus Mercurius Van Helmont، وهو عَالم دين هولندي يشكل حلقة وصل بين القبَّالاه وفلاسفة كمبردج الأفلاطونيين، وكذلك الذين تأثروا بالقبَّالاه مثل: رالف كدور Ralph Cudworth وتوماس فون Thomas Vaughn، وتوماس بيرنت Thomas Burnet. ولكن هنري مور Henry More (1614 ـ 1697) هو أكثر فلاسفة كمبردج اهتماماً بالقبالاه وتأثراً بها. وقد تأثر مور بالفلسفة الفيثاغورسية وتقاليد اللاهوت القديم والأفلاطونية الحديثة (وحدة وجود روحية) ، ولكنه تأثر أيضاً بالفلسفة الديكارتية (وحدة وجود مادية) . وقد حسم هذا التناقض بأن جعل الحركة الآلية للمادة نتاج «روح الطبيعة» ، أي الروح (الإلهية) التي تسري في المادة. وكانت القبَّالاه إحدى الآليات التي حسم بها هذا التناقض فكان يذهب إلى أن التقاليد القبَّالية (بتأكيدها على الجماتريا وغيرها من المفاهيم التي تنبع من رؤية واحدية كونية) تحوي داخلها المنظومة الديكارتية. وكان مور يرى أن القبَّالاه اليهودية أُعطيت لموسى حينما صعد إلى جبل سيناء. وأنها كانت تضم تلك الأسرار التي أتى بها فيثاغورس وأفلاطون من مصر ومن فارس. ولذا مزج مور بين تعليقاته القبَّالية وبين صوفية الأعداد الفيثاغورسية وتعاليم أفلاطون والأفلاطونية المحدثة. وهكذا تلتقي الحلولية الكمونية الروحية بالحلولية الكمونية المادية. وقد كتب مور كتاباً يُسمَّى الإشراقات القبَّالية وتظهر في كتاباته إشارات عديدة للقبَّالاه والصوفية المركبة. وهناك كذلك إشارات للقبَّالاه في كتابات توماس ناش Thomas Nash وفرانسيس بيكون Francis Bacon، ففي كتابه أطلانطيس الجديدة (1627) ثمة وصف لجزيرة فيها مجتمع مثالي تضم جماعة يجتمعون في مجمع علمي يُسمَّى «بيت سليمان» ويتبعون تعاليم القبَّالاه. وهذا المجتمع يختلف تماماً عن الجامعات البريطانية في ذلك الوقت التي كانت لا تزال تُكرِّس جُلَّ وقتها للدراسات الإنسانية والفلسفية، على عكس مجمع أطلانطيس الذي كان يكرس وقته لمعرفة الأسباب والحركة الخفية للأشياء ويرمي إلى توسيع حدود الإمبراطورية الإنسانية حتى يؤثر في كل الأشياء الممكنة. وقد تبدى أثر القبَّالاه كذلك في منظومة الفيلسوف ليبنتس الحلولية. وقد يكون من المفيد أن نشير هنا إلى أن فلسفة إسبينوزا التي اكتسحت العالم الغربي بأسره هي فلسفة ذات أصول قبَّالية واضحة. ولعل إسبينوزا، الذي عَلمَن الخطاب القبَّالي والحلولي، هو أهم القنوات التي تدفَّق من خلالها الفكر الحلولي القبَّالي وخطابه على العقل الغربي. ويُلاحَظ أنه منذ القرن الثامن عشر، بدأت تتضح للقبَّاليين المسيحيين العلاقة بين القبَّالاه والسحر ورموز علم الكيمياء في العصور الوسطى Alchemy والتي تتبدَّى في كتابات الدبلوماسي الفرنسي بليز دي فيجينير Blaise de Vigenere (1523 ـ 1596) . ويصل هذا التيار إلى قمته في كتابات المتصوِّف الألماني فريدريك أتنجر (1702 ـ 1782) الذي تركت أعماله أثراً عميقاً في كتابات كثير من الفلاسفة الألمان مثل شلنج وهيجل. وقد ذهب أوتينجر إلى القبَّالي اليهودي كويل هيخت المقيم في جيتو فرانكفورت طالباً منه المزيد من المعرفة عن القبَّالاه، فأجابه الأخير بأن ما كتبه المسيحيون عن القبَّالاه أوضح بكثير مما جاء في كتاب الزوهار، وكان على حق في هذا، فالقبَّالاه المسيحية كانت من الذيوع والوضوح بحيث أن كثيراً من المتصوفين اليهود الذين كانوا يريدون تعميق معرفتهم بالقبَّالاه كانوا يقرأون كتب القبَّالاه المسيحية بل كتب القبَّالاه اليهودية التي نشرها المسيحيون! ويتضح هذا الاختلاط بين القبَّالاه والسحر في رموز الماسونيين الأحرار في منتصف القرن الثامن عشر. وقد ظهرت بعد ذلك أعمال مارتين دي باسكوالي Martin de Pasqually (1722 ـ 1774) التي تركت أثراً عميقاً في تلميذه الفرنسي لوي كلود دي سان مارتين Louis Claude de St. Martin، وهو من أهم المتصوفين الفرنسيين قبيل الثورة الفرنسية. وقد حامت الشكوك حول انتماء باسكوالي إلى يهود المارانو (وهي شكوك أيدتها البحوث الحديثة) . ومن أهم الأعمال القبَّالية المسيحية، كتابات فرانز جوزيف موليتور Franz Josef Molitor الألماني (1779 ـ 1861) . وقد أصبحت القبَّالاه جزءاً لا يتجزأ من رؤية كثير من المثقفين الغربيين، أو النموذج أو الصورة المجازية الكامنة في فكرهم، حتى أنه لا يمكن الحديث عن أصولها اليهودية. فالمفكر الديني السويدي عمانويل سويدنبورج Swedenborg الذي أثَّر في ويليام بليك William Blake، الذي تشبع بالمنظومة القبَّالية حتى أصبحت منظومته الفكرية قبَّالية غنوصية دون أن يطلع على أية مصادر يهودية. ويتبدَّى أثر قبَّالاة الزوهار على مدام بلافاتسكي Blavatsky وهي من أشهر المشتغلات بالتأملات الثيو صوفية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر (وكانت من جماعة الدوخوبور الروسية التي تركت أثراً عميقاً في مؤسسي اليهودية الحسيدية) . وقد تركت القبَّالاه أثراً عميقاً في سترندنبرج الذي كتب في مفكرته السرية ما يلي: "فتحت الكتاب فوجدت القبَّالاه ... وكنت أفكر أن يهوه إن هو إلا أيون سفلى". وقد طوَّر الشاعر الأيرلندي و. ب. ييتس W. B. Yeats نسقاً قبَّالياً غنوصياً. وكان كارل يونج، معجباً أيما إعجاب بالقبَّالاه وبخاصة فكرة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وكيف يشارك الإنسان في إصلاحها (تيقون) "فلأول مرة تنبثق فكرة أنه يجب على الإنسان أن يساعد الإله في رأب الصدع الحادث من عملية الخليقة". وبإمكان الدارس أن يجد آثاراً عميقة كامنة للقبَّالاه في أدب فرانز كافكا وبورخيس، بل في مؤلفات الكاتب الألماني الماركسي وولتر بنجامين. ويُقال إن أشعار الشاعر الإنجليزي ناثانيل تارن Nathaniel Tarn وروايات الروائي الأسترالي باتريك وايت Patrick White، وخصوصاً روايته راكبو العربة (1961) ، تُبيِّن الأثر العميق للقبَّالاه. ويتبدَّى أثر القبَّالاه بشكل واضح وصريح في كتابات الناقد الأمريكي المعاصر هارولد بلوم والفيلسوف الفرنسي ذي الأصل السفاردي جاك دريدا اللذين يؤسسان نقدهما الأدبي على أُسس غنوصية عدمية. والواقع أن ذيوع القبَّالاه في الحضارة الغربية ليس مجرد تعبير عن تهويد المسيحية أو الحضارة الغربية، وإنما هي في واقع الأمر تعبير عن عنصر أكثر عمقاً وبنيوية، وهو شيوع التفكير الحلولي الكموني الذي يدور في إطار مادي تجسدي، بحيث يصبح اللوجوس كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويصبح الإله متوحِّداً مع الطبيعة والتاريخ لا منزَّهاً عنهما. وهو توُّحد يتم تدريجياً إلى أن يتحقق تماماً في مرحلة وحدة الوجود التي يشحب فيها الإله ثم يموت ليبقى العالم المادي وحده واللوجوس (أو القوانين الطبيعية) الكامنة فيه. وهذا هو الإطار الذي حقَّق فيه المفكرون اليهود بروزهم، وهو إطار لا هو بالمسيحي ولا هو باليهودي، إطار معاد للتوحيد ومعاد للإله المنزَّه ويتجه نحو المادية والتجسد، وهو إطار معرفي إمبريالي علماني. فلافيوس ميثراديتس (القرن الخامس عشر) Flavius Mithradites هو صمويل بن نسيم الفراج من صقلية. تَنصَّر وتَسمَّى باسم جوليلموس (أي الصقلي) علَّم العربية والعبرية والآرامية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وكان أحد مُعلمي بيكو ديللا ميراندولا. عُيِّن أستاذاً في روما وقام بترجمة عدة كتب من العربية والعبرية واليونانية إلى اللاتينية (وضمن ذلك أجزاء من القرآن) . كما ترجم لديللا ميراندولا بعض التفاسير اليهودية للتوراة (المكتوبة بالعبرية) ، وكتاباً لموسى بن ميمون عن البعث، وبعض الأعمال القبَّالية. وألقى موعظة أمام البابا عن عذاب المسيح على الصليب مستخدماً المدراش وبعض المصادر اليهودية. يُعدُّ ميثراديتس شخصية مهمة في تعريف العالم الغربي بالقبَّالاه ووضع أسس القبَّالاه المسيحية. بيكو ديللا ميراندولا (1463-1494) Pico della Mirandola مفكر إيطالي من عصر النهضة، ويُعدُّ أبا القبَّالاه. وُلد لأسرة إقطاعية كانت تحكم مقاطعة ميراندولا وكونكورديا في شمال إيطاليا. درس العربية والعبرية على يد مُعلمين يهود، فترجم له دبلميديجو كتاب ابن رشد، وتعلَّم العربية والآرامية على يد فلافيوس ميثراديتس، الذي ترجم له أيضاً عدداً لا بأس به من الكتابات القبَّالية، والتي تُعدُّ المصدر الأساسي لكتابات ديللا ميراندولا القبَّالية. وديللا ميراندولا له كتاب في القبَّالاه، يُسمَّى استنتاجات قبَّالية حسب رأيه الخاص. قضى ديللا ميراندولا جزءاً كبيراً من حياته في فلورنسة حيث أصبح، مع فيشينو، عضواً في أكاديمية فلورنسة الأفلوطينية وهناك قابل سافونا رولا. أهم أعماله كتاب الخطب (1486) وأهم الخطب خطبة عن كرامة الإنسان (باللاتينية: أورايتو دي هومينيس ديجنيتاتي oratio de hominis dignitate) . وفي عام 1486، قدَّم ديللا ميراندولا 900 أطروحة استقاها من كل فروع المعرفة للدفاع عن المسيحية، ودعا إلى مناظرة عامة بشأنها، وكان كثير من الأطروحات ذا نزعة قبَّالية واضحة. وقد أحست الكنيسة أن هذه الأطروحات مُهرطقة فمنعت المناظرة. وتُعدُّ هذه الأطروحات البداية الحقيقية للقبَّالاه المسيحية. وفي كتابه عن كرامة الإنسان ضم 13 أطروحة من هذه الأطروحات التي رفضتها الكنيسة. وتقول إحدى الأطروحات: "ليس بإمكان علم أن يجعلنا أكثر إيماناً بألوهية المسيح أكثر من القبَّالاه". ويظهر أثر القبَّالاه اليهودية كذلك في كتابه هيبتايلوس (1489) وهو تفسير من سبعة مستويات للخلق، وكتابات ديللا ميراندولا مليئة بالإشارات إلى مؤلفين يهود مثل عزرا وليفي بن جرشوم. كان ديللا ميراندولا لا يؤمن بأن كل الأساطير والمدارس الفلسفية واللاهوتية تحتوي على جزء من الحقيقة العالمية (الطبيعية) ، وتستحق الدراسة والدفاع عنها (وهو ما يُسمَّى باللاتينية: بريسكوس ثيولوجوس priscus theologus) . ولذا، كانت كتاباته تشير إلى كثير من المصادر مثل كتابات الهرمسية والأورفية والقبَّالية وكتابات فيثاغورث وأرسطو وأفلاطون وزرادشت وابن رشد وابن سينا (وغيرهما من الفلاسفة العرب) . وكان ديللا ميراندولا يرى أنها كلها غير متناقضة، ومن ثم كان يبذل قصارى جهده للتوفيق بينها كلها في ديانة طبيعية عقلية عالمية واحدة، ولذا كان اهتمام ديللا ميراندولا ينصب في واقع الأمر إما على الكتابات الحلولية بالدرجة الأولى (مثل النصوص الهرمسية) أو على الجوانب الحلولية في النصوص التي يدرسها. وديللا ميراندولا، شأنه شأن فيشينو، كان يرى أن أفلاطون تعلَّم الحكمة من الكتابات الهرمسية والزرادشتية والأورفية وغيرها من المصادر الشرقية. فالأفلاطونية بالنسبة له (وكما هو الحال بالنسبة لكثير من كُتَّاب عصر النهضة) هي في واقع الأمر أفلوطينية غنوصية. وتوجُّهه الحلولي يُفسِّر اهتمامه العميق بالهرمسية وبالكتابات القبَّالية اليهودية. وقد لاحظ ديللا ميراندولا التشابه بين الكتابات الهرمسية والقبَّالاه في فكرة الخلق من خلال الكلمة، فزاوج بين هذه الكتابات والقبَّالاه، فبدأ بذلك التقاليد الهرمسية/القبَّالية والحلولية الكمونية الواحدية التي تجمع بين اليهودية والمسيحية وأية عقيدة توحيدية أو وثنية حديثة أو قديمة (وهذا هو جوهر فكرة اللاهوت القديم) . ولكن ديللا ميراندولا هو أول عالم مسيحي يستخدم أدبيات القبَّالاه اليهودية وإطارها المعرفي في تفسير النصوص المقدَّسة وفي رؤيته للعالم. بل كان ديللا ميراندولا يؤمن بأن الكتابات القبَّالية تحتوي على معرفة سرية ثمينة، فالقبَّالاه في تصوُّره تنبع من روايات شفوية قديمة موغلة في القدم تعود إلى أيام موسى (كان الظن السائد في عصر النهضة أن موسى وهرمس هما شخص واحد أو أن أحدهما تعلَّم من الآخر) ، ولذا فالقبَّالاه ـ بالنسبة له ـ كانت ذات حجية تماثل حجية كتابات هرمس وزرادشت والكتاب المقدَّس. بل يمكن القول بأن القبَّالاه، لأنها «أصلية» ، أقدم من الكتاب المقدَّس. ولأنها سرية، بمعنى أنها تحمل المعنى الباطني بشكل مباشر، ولذا فهي أكثر حجية من الكتاب المقدَّس نفسه. وقد حاول ديللا ميراندولا أن يُبيِّن أنه لا يوجد أيُّ فارق واضح بين القبَّالاه واللاهوت المسيحي (شأنها في هذا شأن العهد القديم) . وأنه يمكن النظر للقبَّالاه باعتبارها رؤية تُبشر بالعقيدة المسيحية وبرهاناً على صدقها. وقد وضع بذلك الأساس للقبَّالاه المسيحية التي دافع عنها كثير من المفكرين المسيحيين في القرن السادس عشر وبعد ذلك. ويتضح أثر القبَّالاه في بيكو ديللا ميراندولا في تفسيره للعهد القديم، فهو يستخدم التفسيرات الرقمية (الجماتريا) ويستخلص المعنى الباطني من النص بأن يُحل كلمة محل أخرى، شريطة أن تكون قيمتهما الرقمية واحدة. كما أنه يعطي الكتاب المقدَّس معاني تتماثل مع أجزاء الكون المختلفة (وثمة تقابل بين العالم وجسد الإنسان في القبَّالاه، وهنا أصبح التقابل بين العالم والكتاب المقدَّس) . ويُلاحَظ هنا كيف أن الحلولية أصبحت النقطة التي تلتقي فيها اليهودية بالمسيحية ويذوبان سوياً (مع أية تيارات وكتابات دينية أخرى) ويصبحان ديانة طبيعية علمانية واحدة! وتظهر رؤية ديللا ميراندولا الحلولية في رؤيته للإنسان والكون، فالطبيعة بالنسبة له هي كلٌ متصل تسري فيه الحياة (كما هو الحال عند جيوردانو برونو) ، وأجزاء الكون هي أجزاء من الكل الكوني وحسب ليس لها وجود مستقل، والإنسان جزء لا يتجزأ من الكون تسري فيه القوة الكونية. هذه الرؤية الحلولية تترجم نفسها دائماً إما إلى تمركُّز حول الموضوع (تأليه الطبيعة) أو تمركُّز حول الذات (تأليه الإنسان) . وهي تأخذ الشكل الثاني في حالة بيكو ديللا ميراندولا. فالإنسان، لأنه جزء من الكون تسري فيه القوى الكونية، قادر على اختراق كل طبقات السماء من خلال قواه ليصل إلى المصدر الإلهي لكل الحياة. وهو، لهذا، يستطيع إعادة صياغة العالم وإعادة صياغة ذاته، فالإنسان يمكنه أن يصبح ما يريد وأن يشغل المكان الذي يريد في الكون حسب مقدرته ومن خلال معرفته الغنوصية (كان ديللا ميراندولا يؤمن تماماً بالمقدرات السحرية للنصوص القبَّالية والغنوصية) . وينسب ديللا ميراندولا إلى الإله هذه الكلمات في خطابه لآدم: «إرادتك حرة لا تحدها حدود. أنت الذي ستُقرر لطبيعتك حدودها. أنت صاحب المقدرة على أن تهبط إلى أدنى أشكال الحياة، وأنت أيضاً صاحب المقدرة على أن ُتولَد من جديد في أسمى الأشكال العليا ـ الإلهية» . أي أن الإنسان من خلال مقدرته يمكنه أن يصبح إلهاً. وهو المنطق الهيجلي الحلولي نفسه الذي يزيل أي حاجز بين المقدَّس والزمني أو الدنيوي. وقد لاحظ كاسيرر أن إنسان ديللا ميراندولا ليس سليل آدم (أعطاه الإله المعرفة) وإنما هو سليل بروميثيوس الذي سرق النار (والمعرفة) من الآلهة، أي أنه سوبرمان وليس إنساناً. ولكن، في الواقع، يمكن القول بأن ما يظهر هو ثنائية السوبرمان (ما فوق الإنسان) والسبمان (ما دون الإنسان) . فالذين يصلون إلى المصدر الإلهي ومصاف الآلهة ويتألهون ليس كل البشر وإنما نخبة من أصحاب العرفان، أما بقية البشر فيعيشون في الطبقات الدنيا وعليهم الإذعان والامتثال لأصحاب الغنوص. ويغيب في ثنايا كل هذا الإنسان الإنسان، الثنائي المركب. باولوس ريسيوس (؟ - 1541) Paulus Ricius مترجم من دعاة الحركة الإنسانية. وُلد في ألمانيا وعُمِّد في إيطاليا عام 1505. عُيِّن أستاذاً للفلسفة والطب، وطبيباً خاصاً للإمبراطور ماكسيمليان وأستاذاً للعبرية في جامعة بافيا. ونشر ريسيوس عدة كتب من بينها ترجمات لنصوص إسلامية ويهودية، وكذلك بعض الأعمال الأدبية ذات التوجه الصوفي. يُعَدُّ ريسيوس من مؤسسي القبَّالاه المسيحية. وقد استخدم النصوص القبَّالية اليهودية دليلاً على أن البشارات بالمسيح تُوجَد في تلافيفها وأن مفهوم التثليث المسيحي هو الآخر يوجد كامناً داخل رموزها. يوحانيس ريوشلين (1455-1522) Johannes Reuchlin مفكر ألماني وأحد رواد الفكر الإنساني الهيوماني والفكر الاستناري والدراسات العبرية، وأحد واضعي أُسس القبَّالاه المسيحية. درس ريوشلين العبرية واللغويات العبرية ونشر دراسة في الموضوع، كما نشر نصاً عبرياً/لاتينياً لبعض المزامير وكتب تعليقاً عليه. وعُيِّن أستاذاً للدراسات اليونانية والعبرية في جامعات هولندا وألمانيا. ورغم أن ريوشلين لم يكن مهتماً بمصير اليهود كبشر إلا أنه كان مهتماً بشكل كبير بالكتابات اليهودية. وقد دخل فيما يُسمَّى «معركة الكتب» وهو الصراع الذي دار بين بعض دعاة حرق التلمود والكتب العبرية، والتي تزعَّمها يهودي متنصر في كولونيا وسانده الرهبان الدومينكان. ورغم أن ريوشلين كان مهتماً أساساً بالقبَّالاه، إلا أنه رفض الدعوة إلى حرق التلمود «لأننا لا نعرف ما جاء فيه» ولأنه يجب ألا يُحرَق سوى الكتب المعادية للمسيحية بشكل واضح مثل توليدوت يشو. وقد بدأ اهتمام ريوشلين بالقبَّالاه تحت تأثير بيكو ديللا ميراندولا (الذي قابله في إيطاليا عام 1490) ومن خلال طبيب فريدريك الثالث اليهودي. وقد أحس ريوشلين بالتشابه بين العناصر الأفلوطينية في الكتابات القبَّالية وكتابات الفيلسوف الألماني نيكولاس من كوزا (أي أنه أحس بوجود منظومة حلولية كمونية في كل من القبَّالاه وفي كتابات الفيلسوف الألماني) . وإعجاب ريوشلين بالقبَّالاه، الذي لازمه طيلة حياته، هو سبب أساسي وراء حماسه للدراسات العبرية. فالقبَّالاه في نظره منهج لقراءة نصوص العهد القديم (لا يعرفه سوى اليهود) الهدف منه هو معرفة سر اسم الإله الأعظم، وهي معرفة إن توصَّل لها الإنسان وصل إلى معرفة تشير إلى ما وراء العهد القديم، أي إلى العهد الجديد، أي أنها قراءة تفكيكية تركيبية. وقد توقَّع ريوشلين، شأنه في هذا شأن بيكو ديللا ميراندولا، أن يجد مسيحية سرية في حالة جنينية داخل الكتابات القبَّالية. ومثل هذا الفهم للقبَّالاه يعطي شرعية للتوراة ويُبيِّن صدقها، ولكن هذا الصدق محدود إذ أنها تحوي داخلها ما يشير إلى غيرها. ومن هنا احترام ريوشلين للقبَّالاه، ومن هنا أيضاً رفضه التلمود باعتباره العقبة الكؤود أمام تنصير اليهود. نشر ريوشلين في بازل عام 1494 كتاباً باللاتينية عنوانه الكلمة صانعة المعجزات وهو أول كتاب باللاتينية يُكرَّس لموضوع القبَّالاه. وهو حوار خيالي بين المؤلف وفيلسوف أبيقوري ويهودي. يؤمن ثلاثتهم بأن كل الأديان، رغم اختلاف رموزها، تكشف عن الحقيقة الأزلية الواحدة نفسها. ولكن ريوشلين يبيِّن لهم أن المسيحية هي التعبير الأدق عن هذه الحقيقة. ومن خلال خطاب ثيو صوفي يربط ريوشلين بين مفهوم التجسد المسيحي وفكرة أسماء الإله المقدَّسة. فيبيِّن أنه يمكن تقسيم التاريخ الإنساني إلى مراحل. أولاها مرحلة الآباء حيث كشف الإله للإنسان عن نفسه تحت اسم «شدَّاي» ثم كشف لهم عن نفسه في مرحلة موسى تحت اسم التتراجراماتون (اسم يهوه) . وأما في فترة الخلاص (الفترة المسيحية) فهو ليس يهوه YHWH وإنما يهشوه YHSHWH وهو الاسم العبري ليسوع المسيح (وإضافة الشين للاسم لإبراز دلالته هي إحدى الطرق القبَّالية لتفسير النصوص للوصول لمعناها الخفي أو لتوراة الفيض مقابل توراة الخلق) . وحينما يصبح «يهوه» هو «يهشوه» فإن الشيم هامفوراش أو اسم الخالق الذي يُحرِّم التفوّه به يصبح مباحاً للبشر النطق به. ويُلاحَظ أن هذا التقسيم الثلاثي لتاريخ العالم يقابل تقسيماً يهودياً حيث يُقسِّم تاريخ العالم إلى: فوضى ـ توراة ـ عودة الماشيَّح. ويقابل هذا أحد التقسيمات المسيحية الثلاثية التي ترى أن تاريخ العالم مقسَّم إلى: حكم الأب ـ حكم الابن ـ حكم الروح القدس (وهو تقسيم ترك أثره في جدل هيجل الثلاثي الإيقاع) . وقد ذهب ريوشلين إلى أن العبارة العبرية «بريشيت برا إلوهيم» تشير في واقع الأمر إلى «الابن والروح والأب» باعتبار أن أول حرف في كلمة «بريشيت» هو الباء التي تعادل كلمة «بن» أي الابن، والحرف الثاني في «برا» هو الراء، والتي تعادل كلمة «روح» ، أما الحرف الأول في كلمة «إلوهيم» فهو الألف والتي تعادل كلم «الأب» (وهذه قراءة تتبع نظام النوطريكون، أي التفسير بالحروف الأولى) . ويُركِّز الكتاب أساساً على أسماء الإله وتضميناتها السحرية وكيف أنها مجرد إعداد للمسيحيين، فكأن ريوشلين هنا هو الساحر (ماجوس magus) المسيحي يفك اسم الإله الأعظم. وبالفعل، ينتهي الكتاب بتحوُّل الأبيقوري واليهودي إلى المسيحية، ويُطلَب من اليهود ترك التلمود. وقد تَعمَّق ريوشلين بعد ذلك في القبَّالاه ثم كتب كتاباً جديداً في الموضوع وهو في علم القبَّالاه (1517) وأهداه للبابا ليو العاشر. ومرة أخرى، تبنَّى المؤلف أسلوب الحوار الخيالي ولكنه هذه المرة بين يهودي ومسلم وممثل للفلسفة الفيثاغورثية. ويتوحد ريوشلين هنا مع اليهودي القبَّالي ويُبيِّن علاقة القبَّالاه بفكر نيكولاس من كوزا، كما يُبيِّن العلاقة بين الاتجاهات الثيوصوفية في القبَّالاه وكتابات أبى العافية وجيكاتيلا ويشير إلى أسماء الإله وتحولاتها وكيفية استخدامها في السحر. وقد أصبح هذا الكتاب من كلاسيكيات القبَّالاه المسيحية. ورغم اهتمام ريوشلين باليهودية إلا أن اهتمامه باليهود هامشي، بل إنه اهتمام ينم عن العداء الشديد، فهو يهتم بهم بمقدار إمكان تنصيرهم. وقد طالب بعتق اليهود فهم ليسوا عبيداً وإنما «مواطنون مثلنا» ويجب أن يصبحوا مواطنين في الإمبراطورية والمدن الألمانية. ولكن كل هذا محدود برؤيته الكلية، فاليهود شعب بائس، بؤسه عقاب له على خطيئته الجماعية (ضد المسيح) ، وهم مواطنون مشاركون لنا في مملكة الدنيا ولكنهم أعداء في مملكة الرب. وهذا الخطاب يتأرجح بين الخطاب الديني التقليدي والخطاب الحديث. ولكن حداثة خطاب ريوشلين تظهر حينما يتحدث عن «ضرورة «إصلاح اليهود» (شأنه في هذا شأن دعاة الاستنارة) . وقد جعل حصولهم على الحقوق مرتبطاً بمدى إصلاحهم لأنفسهم. ولخص ريوشلين موقفه في العبارة اللاتينية «ريفورماندي سيو إكسبلندي reformondi seu expellendi» ومعناها: إما أن تصلحوا أنفسكم أو تُطردوا. والإصلاح يعني ابتعادهم عن الأعمال الهامشية مثل العمل بالربا الذي يجب أن يقلعوا عنه. إلياهو دا نولا (1530-1602) Elijah Da Nola هو إلياهو بن مناحم دانولا، حاخام وعالم طبيعة إيطالي يهودي، وكان أحد كبار الحاخامات في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر. ساعد في ترجمة العهد القديم إلى الإيطالية وعُيِّن معلماً للعبرية في الفاتيكان، وفي هذه الفترة، تنصر وعُيِّن مراقباً في مكتبة الفاتيكان حيث قام بنسخ المخطوطات العبرية. نشر دانولا كتاباً عن دلالة الرقم سبعة في العهد القديم وآخر عن رحلته من اليهودية إلى المسيحية حيث بيَّن أنه لم يعتنق المسيحية لتحقيق أي ربح مادي وإنما بسبب إيمانه بأن المسيحية هي الدين الأسمى. كما استخدم دانولا كُتب القبَّالاه اليهودية ومنهج الجماتريا ليبيِّن أن هذه الكتب نفسها تحتوي على نبوءات تبشر بالمسيح. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تنصير اليهودية
Christianization of Judaism «تنصير اليهودية» مصطلح نحتناه لنصف عملية حدثت للنسق اليهودي وحولته تحويلاً جذرياً، وهي ظاهرة رصدها بشكل جزئي متفرق كثير من دارسي اليهودية من الغربيين ولكنهم لم يعطوها المركزية التفسيرية التي تستحقها. وابتداءً، لابد أن نقرر أن «التنصير» المشار إليه عملية بنيوية مركبة تمت داخل اليهودية بشكل تلقائي طوعي غير واع على مستوى البنية الكامنة وليس من الخارج. ولذا، فهي لا تأخذ شكل اقتراض فكرة هنا أو شعيرة هناك، وإنما تأخذ شكلاً أكثر جذرية. كما أن تنصير اليهودية لا يعني أن اليهودية أصبحت نصرانية، إذ أن اليهودية فقدت كثيراً من سماتها الخاصة واستوعبت بعض السمات البنيوية للمسيحية. ولكن الثمرة النهائية لهذه العملية هو تَشوُّه كلٍّ من اليهودية والسمات المسيحية التي استوعبتها. وتعود ظاهرة تنصير اليهودية إلى عدة عناصر: 1 ـ تركيب اليهودية الجيولوجي يساعد كثيراً على تَقبُّله سمات وعناصر من الأنساق الدينية الأخرى. 2 ـ أصول المسيحية يهودية، فالسيدة مريم العذراء عاشت وماتت يهودية، والسيد المسيح نفسه والحواريون كانوا في بداية الأمر يهوداً يدورون في إطار الثقافة الآرامية السائدة. وقد بدأت المسيحية باعتبارها دعوة موجهة إلى اليهود أساساً، ثم إلى كل الناس بعد ذلك، والمسيحية لم تَجُبّ اليهودية وإنما أكملتها (على حد قول السيد المسيح (. 3 ـ تَبنَّت المسيحية التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) كتاباً مقدَّساً، حتى بعد أن سَمَّته العهد القديم، وأصبح الشعب ضمن أتباع الكنيسة، وأصبحت الكنيسة نفسها تُسمَّى «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: «إسرائيل فيروس Israel verus» ) ، وأصبحت العودة إلى صهيون والقدس (بالمعنى الروحي) إحدى الركائز الأساسية للتفكير الأخروي المسيحي. وهناك بعض المفاهيم المشتركة بين اليهودية والمسيحية مثل ابن الإله والاختيار. 4 ـ منذ القرن الرابع عشر، عاشت غالبية يهود العالم في العالم الغربي في تربة مسيحية. ولكن يهود المارانو هم أهم العناصر التي ساعدت على تنصير اليهودية حيث أشاعوا القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، التي استوعبت كثيراً من الأفكار المسيحية لدرجة أن أتباع المفكر القبَّالي أبو العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية. ويجب ألا ننسى أن كثيراً من المارانو كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فَرْضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية وتأثرت رؤيتهم للماشيَّح برؤية المسيحيين للمسيح. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر التأثر بالمسيحية بين يهود اليديشية، وقد كانت مراكز اليهودية الحاخامية في المدن الكبرى، أما أغلبية اليهود فكانوا في الشتتلات يعيشون مع الفلاحين السلاف، جنباً إلى جنب، بعيداً عن قبضة المؤسسة الحاخامية، فاصطبغ فكرهم الديني بصبغة فلكلورية سلافية أرثوذكسية. ولفهم عملية تنصير اليهودية، لابد أن نتناول قضية معالجة كلٌ من المسيحية واليهودية لقضية الحلول الإلهي أو اللوجوس. فاللوجوس في المسيحية، هو ابن الله الذي ينزل ويتجسد لفترة زمنية محددة ويُصلَب ويقوم ويترك التاريخ، ومن ثم، فإن الحلول شخصي مؤقت ومنته. أما اللوجوس في اليهودية، فهو الشعب اليهودي، مركز التاريخ والطبيعة، ولذا فالحلول جماعي ودائم ومتواصل، وتَجسُّد المطلق في التاريخ مسألة دائمة. وهذا الفارق بين الحلين لمشكلة الحلولية (أو لنقطة تلاقي المطلق والنسبي) هو الذي يشكل مفتاحاً لفهم طبيعة تنصير اليهودية. ويتبدَّى تداخل عناصر مسيحية والنسق الديني اليهودي في زعم الحاخامات أن المشناه تجسيد للوجوس، تماماً كالمسيح عند المسيحيين. ولعل تفسير راشي للاختيار بأنه سر من الأسرار هو أيضاً تأثر بالمفاهيم المسيحية الخاصة بحادثة الصلب باعتبارها سراً من الأسرار الإلهية التي يؤمن بها الإنسان دون أن يتساءل عنها. لكن مثل هذه الأفكار يمكن أن تُولَد داخل أي نسق ديني إيماني دون تأثر بأنساق دينية أخرى، فتعيين بعض الأفكار التي لا يمكن التساؤل عنها أو عن سببها مسألة أساسية في كل دين (بل في كل العقائد وضمن ذلك العقائد العلمانية) . ولكن يصعب أن نقول الشيء نفسه عن قول الحاخامات إن المشناه هي لوجوس خُلق قبل الخَلق (مع أنها تضم اجتهادات بعض الحاخامات اليهود (. وإذا كان هناك إبهام ما في حالة اليهودية الحاخامية في بدايات العصور الوسطى، فإن الأمر يختلف تماماً بعد هيمنة القبَّالاه. ويمكننا الآن أن نبيِّن بعض نقط التلاقي بين القبَّالاه وبعض العقائد المسيحية. إن أهم مفاهيم القبَّالاه (التجليات النورانية العشرة) هو صدى لفكرة التثليث المسيحية. وقد قال أحد الحاخامات إنه إذا كان المسيحيون يؤمنون بثلاثة آلهة فالقباليون يؤمنون بعشرة، وإذا كانت المسيحية ترى أن الكنيسة جسد المسيح وأن المسيحي يشكل جزءاً من هذا الجسد فإن القبَّالاه جعلت التجلي العاشر للإله «جماعة يسرائيل» نفسها أو «كنيست يسرائيل» . وفي هذه التجليات، نجد أن التجلي الثالث هو الأب العلوي أو السماوي (والعلة الذكرية الأولى) . أما التجلي الثاني، فهو الأم العلوية أو السماوية والعلة الأنثوية الأولى، وهما يتزاوجان وينجبان التجلي السادس، وهذا صدى لفكرة ابن الإله وابن الإنسان. والتجلي السادس هو الملك والعريس، وتربطه علاقة بالتجلي العاشر (شخيناه) التعبير الأنثوي عن الإله والملكة والعروس. وفي القبَّالاه اللوريانية، نجد أن أبا وأما يكوِّنان النمط الأعلى للزواج المقدَّس. ثم نجد بعد ذلك «زعير أنبين» ، أي «ذا الوجه القصير» و «نقيفاه زعير» ، أي «أنثى زعير» (وهي مقابل التجلي العاشر) . وفي حادث تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) ونفي الشخيناه صدى لحادثة الصلب، كما أن إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيه أيضاً صدى لبعث المسيح بعد الصلب. وهناك من يذهب إلى أن الشخيناه هي أم الشعب اليهودي التي تشفع له عند الإله، وأنها الوسيط بين الإله والكون، فهي إذن تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي. كما أن الشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل وجزء من جسد الإله، وهذا يشبه المفهوم المسيحي (الكاثوليكي) للكنيسة. وقد انتشرت القبَّالاه بأفكارهاالغنوصية شبه المسيحية، وجعلت التربة خصبة للحركات الشبتانية التي كانت في جوهرها حركات حلولية متطرفة كان قادتها يعلنون أن الإله حلَّ فيهم، أو أنهم هم أنفسهم الإله، كما فعل شبتاي تسفي أو جيكوب فرانك اللذان تألها، وجعلا نفسيهما جزءاً من ثالوث إلهي خاص ابتدعاه. ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً في الفكر الشبتاني بالتراث المسيحي يتبدَّى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد، كما يتبدَّى في فكرة الخلاص الداخلي وفي الحرية الباطنية. ولكن التشابه الأصلي يتبدَّى أساساً في شخصية الماشيَّح. فالمسيح عيسى بن مريم، حسب العقيدة المسيحية، هو تجسد الإله في ابنه الذي يُصلَب، وهي فكرة مبنية على فكرة التناقض (بارادوكسا) وتَقبُّلها، فالإله يصبح بشراً وهذا البشري يُصلَب. والواقع أن ثمة تناقضاً أساسياً في فكرة الماشيَّح عند الشبتانيين، وهو أن الماشيَّح هو ابن الإله البكر الذي ينزل إلى الظلمات والدنس فيرتد عن اليهودية ويعتنق المسيحية أو الإسلام أو يتظاهر بذلك، وارتداده شكل من أشكال الصلب، فكأن الماشيَّح المرتد المدنَّس هو المسيح المصلوب. ولكن ارتداده، مثل الصلب، مسألة غير حقيقية، فالمؤمنون يرون أن هذا هو عالم الظاهر والحس، كل ما فيه زائف، ويظل الباطن (القيام والطهر) هو الحقيقة. والفارق بين الشبتانيين المعتدلين والشبتانيين المتطرفين يتمثل في موقفهم من هذه الفكرة، فالمعتدلون منهم يرون أن عليهم الإيمان حتى يظهر الماشيَّح المرتّد، أما المتطرفون فيرون أن الإيمان لا يكفي وعليهم أن يتشبهوا به وأن يرتدوا هم أيضاً، وبذلك ينزلون إلى عالم الدنس مثل الماشيَّح المرتد المدنَّس. بل يرى بعض الدارسين أن الشبتانية تؤمن بثالوث هو: الإله الخفي (النور غير العاقل) ، وإله جماعة يسرائيل (النور العاقل) والشخيناه (جماعة يسرائيل) أو أيّ تنويع آخر، كما يرون أن هذا التثليث صورة سوقية مشوهة للتثليث عند المسيحيين. ويظهر الثالوث الشبتاني في ثالوث الفرانكية: 1 ـ الأب الطيب (ويقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية) . 2 ـ الأخ الأعظم أو الأكبر (ويقابل التفئيريت أو الابن) . 3 ـ «الأم علماه» أو «العذراء بتولاه» أو «هي» ، وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم. والثالوث الفرانكي يضم كثيراً من عناصر الثالوث المسيحي بعد تشويهها تماماً. ويتجلى أثر المسيحية في اليهودية في الحركة الحسيدية التي يعتقد البعض أنها جوهر اليهودية، أو اليهودية الخالصة، بينما هي في واقع الأمر متأثرة تماماً بالمسيحية الأرثوذكسية السلافية، وخصوصاً جماعات المنشقين مثل الدوخوبور (المتصارعين مع الروح) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط) . وتُعَدُّ الجماعة الأخيرة أقرب الفرق إلى الحسيدية، فقد كان قادتها يعتقدون أن الروح القدس تحل في قائد الجماعة (تساديك) ، ولذا فهو مسيح قادر على الإتيان بالمعجزات. وكان التساديك يشبه القديس المسيحي في مقدرته على الإتيان بالمعجزات، كما كان نحمان البرتسلافي يستمع إلى اعترافات تابعيه، ويقوم بالإجراءات اللازمة ليحصلوا على المغفرة. وكان بعض التساديك يقبلون من أتباعهم فدية أو خلاص النفس (بالعبرية: فيديون نيفيش) مقابل الخلاص الذي يعطونه لأتباعهم. ولذا، فإن بعض الدارسين يُشبِّهون الفيديون نيفيش بصكوك الغفران. وكل تساديك أصبح مسيحاً، مركزاً للحلول الإلهي، له أرضه المقدَّسة التي لا ينافسه فيها أحد. وقد أخذ هذا الاتحاد شكلاً متطرفاً في حالة نحمان البراتسلافي الذي أعلن أنه الماشيَّح الوحيد (ويبدو أن أتباعه كانوا يعبدونه، ولذا لم يَخلُفه أحد) . بل إن مصطلحاً مثل «الحمل بلا دنس» وهو مصطلح يتضمن مفهوماً مسيحياً بعيداً كل البعد عن روح اليهودية الحاخامية، وجد طريقه إلى الحسيدية من خلال الخليستي. فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله شاء أن تحمل العذراء فحملت، وكذا الأمر معهم. وهذا ما فعله بعل شيم طوف، فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط وأن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس) . وتظهر الفكرة نفسها في عذراء لادومير، وهي تساديك أنثى امتنعت عن الزواج وكان لها أتباعها، لكنهم انفضوا عنها بعد زواجها. وفي العصر الحديث تأثر مارتن بوبر بالفكر الصوفي المسيحي (البروتستانتي) ومسألة تجسُّد الإله بشكل شخصي للمؤمن. ويظهر تَنصُّر الخطاب الديني اليهودي تماماً في خطاب الفيلسوف الصهيوني البرجماتي هوراس كالن الذي يرى أن اليهود أمة روحية، وأن ذكرياتهم وآمالهم ومخاوفهم وعقائدهم ومواثيقهم تضفي على نضالهم القومي وأعمالهم ووسائلهم قداسة خاصة. ويحوّل هذا البُعد الصوفي المقدَّس «المادة الفظّة» التي تتكون منها حياة اليهود اليومية تحويلاً كاملاً، يوافق ما تفعله العقيدة المسيحية الخاصة بالوجود الحق حين تحوَّل العشاء الرباني في فم المؤمن الحقيقي إلى «جسد المسيح» . ويمكن القول بأن هذا هو تنصير اليهودية في مرحلة حلولية شحوب الإله. أما في مرحلة وحدة الوجود وموت الإله (حلولية بدون إله) ، فإن التنصير يأخذ شكلاً مختلفاً. وقد ظهر مؤخراً ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» أو «ما بعد أوشفيتس» الذي يَصدُر عن القول بأن حادثة الإبادة النازية لليهود حدث مطلق يتجاوز الفهم الإنساني، ولذا فعلى المرء تَقبُّله دون تساؤل باعتباره سراً من الأسرار (بارادوكسا) ، من الواضح أن هذا اللاهوت تعبير عن تزايد معدلات العلمنة والإلحاد داخل العقيدة اليهودية. ولكن يمكننا أن نلاحظ أيضاً أنه تعبير عن تنصير النسق الديني اليهودي. فحادثة الصلب في الرؤية المسيحية هي اللحظة التي ينزل فيها الإله إلى الأرض متجسداً في شكل ابنه فيُصلَب فداءً للبشر، وهي حادثة تتجاوز الفهم الإنساني، وعلى الإنسان تَقبُّلها بكل تناقضاتها دون تساؤل وهي التي تعطي مغزى للتاريخ. وسنجد أن ما حَدَث داخل عقل المفكرين الدينيين اليهود أن الابن أصبح الشعب اليهودي المقدَّس الذي جاء إلى هذا العالم فاضطهده الأغيار إلى أن تمت حادثة الصلب على يد النازيين، فنظروا إلى هذه الحادثة التاريخية باعتبارها الواقعة الأساسية في تاريخ اليهود الحديث، بل في تاريخ اليهود بأسره. ويشكل هذا استمراراً للنمط التنصيري القديم نفسه، وقد أخذ نقطة الحلول (نزول الابن وصلبه وقيامه) وقام بتحويلها إلى شيء مستمر عبر التاريخ. وفي هذه الحالة، يكون ظهور الشعب اليهودي في التاريخ هو النزول، وتكون الكوارث التي لحقت به (ابتداءً بالخروج من مصر وانتهاءً بالإبادة) هي الصلب، أما القيام فهو عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وقيام الدولة الصهيونية. وإن تحدثنا عن تنصير اليهودية فلابد أيضاً من الحديث عن يهودية الفلاشاه، فهي تحوي عناصر مسيحية كثيرة تجعل من الصعب على بعض الدارسين تسميتها «يهودية» . فالفلاشاه لا يعرفون التلمود أو العبرية ويتعبدون بالجعيزية لغة الكنيسة الإثيوبية المقدَّسة وتضم كتبهم المقدَّسة مقتطفات من العهد الجديد، ولا يوجد عندهم حاخامات وإنما قساوسة ورهبان، وهكذا. ولذا، لا عجب أن مندوب الوكالة اليهودية نصحهم (عام 1973) بأن يتنصروا حلاًّ لمشكلتهم. ومع هذا قبلتهم إسرائيل يهوداً في الثمانينيات مع تزايد حاجتها للمادة البشرية، كما قبلت الفلاشاه مورا من بعدهم. يقابل مصطلح «تنصير اليهودية» مصطلح «تهويد المسيحية» . ابن الإله Son of God «ابن الإله» يقابلها «بن إلوهيم» في العبرية، وهي عبارة تشير إلى ما يلي: 1 ـ كل البشر باعتبار أن الإله هو أب لكل الناس (تثنية 3/6، أشعياء 64/7) . 2 ـ أعضاء جماعة يسرائيل الذين يُشار إليهم في سفر الخروج باعتبارهم «إسرائيل ابني البكر» (4/22) ، وفي سفر التثنية باعتبارهم «أولاد للرب إلهكم» (14/1) ، وفي سفر هوشع باعتبارهم «أبناء الرب الحي» (1/10) ، وفي سفر أشعياء (63/16) «فإنك أنت أبونا ... أنت يا رب أبونا» . 3 ـ ملك اليهود (الماشيَّح) الذي يُشار إليه بأنه ابن الإله: "قال لي أنت ابني ... أنا اليوم ولدتك" (مزامير 2/7) وكذلك (أخبار أول 17/13) . ولذا، كان أحد ألقاب شبتاي تسفي «ابن الإله البكر» . 4 ـ الملائكة (تكوين 6/2 وأيوب 1/6، 2/1) . 5 ـ الأتقياء والعادلين (في الترجمة السبعينية فقط) . 6 ـ الماشيَّح، في الترجوم، وفي بعض كتب الأبوكريفا الخفية، وفي التفسيرات. 7 ـ يشير فيلون إلى اللوجوس باعتباره ابن الإله. 8 ـ كان يُشار إلى التوراة باعتبارها ابن الإله. 9 ـ كان يُشار إلى المشناه باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الإله» في التراث المسيحي. ومع هذا، يجب التنبيه إلى أن هذه الفكرة رغم انتشارها هي مجرد طبقة جيولوجية واحدة تراكمت مع طبقات أخرى عديدة داخل النسق الديني اليهودي، بل إن كثيراً من اليهود، في العصور الوسطى، فقدوا حياتهم بسبب إنكارهم أن المسيح ابن الإله. وقد جاء في كثير من الردود الحاخامية على المسيحيين، رفض لفكرة ابن الرب. ولذا جاء في مدراش (تفسير) كتبه أحد الحاخامات يقول: «الرب يقول: أنا الأول (أشعياء 44/6) لأنني لا أب لي، وأنا الأخير، لا أخ لي ولا إله غيري، لأنني لا ابن لي» . فالتوحيد واحد من أهم الطبقات الجيولوجية التي تراكمت داخل اليهودية والتي تكتسب مركزية في بعض المداخل وفي كتابات بعض المفكرين اليهود. ولكن العكس صحيح أيضاً، فإذا كانت فكرة «ابن الإله» تعبيراً عن شكل من أشكال الحلول المؤقت الشخصي غير المتكرر في التاريخ (ذلك أن الإله يحل وبشكل مؤقت في الزمان وفي إنسان بعينه فيُصْلَب ويقوم مرة أخرى) فإن الفكر القبَّالي يصل إلى درجة أكثر تطرفاً في الحلول بحيث يصبح الشعب هو الإله ويصل هذا التيار ذروته حين تصبح الدولة الصهيونية ليست ابن الإله، وإنما هي الإله نفسه، العجل الذهبي الجديد. وقد جاء في سورة التوبة: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل» (التوبة ـ 30) ، والمعنى هنا أن بعض اليهود هم الذين يؤمنون بأن عزير ابن الله، ونسب ذلك القول إلى اليهود جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، فيُقال فلان يركب الخيول وهو لا يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين وهو لا يجالس إلا واحداً. ويقول الشهرستاني صاحب الملل والنحل: إن الصدوقيين هم الذين قالوا ذلك من بين سائر اليهود. ولا ندري مدى صحة ذلك، ولكننا نعرف أن الصدوقيين أنكروا القيامة والبعث وخلود الروح. ويقول المقريزي: إن يهود فلسطين زعموا أن عزير ابن الله، وأنكر أكثر اليهود ذلك. ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله، وإن كان يُشار إلى التوراة باعتبارها «ابنة الإله» ، كما أن المشناه كان يُشار إليها باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الرب» في التراث المسيحي. المسيح (عيسى بن مريم ( Jesus يُشار إلى المسيح (عيسى بن مريم) بكلمة «يشو» العبرية، ويُشار إليه في التلمود بوصفه «ابن العاهرة» ، كما يُشار إلى أنَّ أباه جنديٌّ رومانيٌّ حملت منه مريم العذراء سفاحاً (أما كلمة «ماشيَّح» ، فإنها تشير إلى المسيح المخلِّص اليهودي الذي سوف يأتي في آخر الأيام) . ويشير التلمود إلى أنَّ صلب المسيح تمَّ بناءً على حكم محكمة حاخامية (السنهدرين) بسبب دعوته اليهود إلى الوثنية، وعدم احترامه لسلطة الحاخامات. وكلُّ المصادر الكلاسيكية اليهودية تتحمَّل المسئولية الكاملة عن ذلك، ولا يُذكَر الرومان بتاتاً في تلك المصادر. وظهرت كتب مثل توليدوت يشو (ميلاد المسيح) وهي أكثر سوءاً من التلمود نفسه وتتهم المسيح بأنَّه ساحر. واسم المسيح نفسه (يشو) اسم مقيت. ولكن يُفسَّر على أنَّه كلمة مركَّبة من الحروف الأولى لكلمات أخرى (على نظام النوطيرقون) لعبارة معناها «ليفن اسمه ولتفن ذكراه» . وقد أصبحت الكلمة عبارة قدح في العبرية الحديثة، فيُقال «ناصر يشو» ، وهي تساوي «ليفن اسم ناصر، ولتفن ذكراه» وهكذا. ولا تساوي اليهودية الحاخامية المسيحية بالإسلام، فهي تعتبر أن المسيحية شرك ووثنية، ولكنها لا ترى أن الإسلام كذلك. توليدوت يشُّو Toledot Yeshu «توليدوت يشُّو» عبارة عبرية تعني «حياة المسيح» وهي عنوان كتاب كان متداولاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. ويُقدِّم هذا الكتاب التصور اليهودي لمولد وحياة المسيح. وقد تداخلت عدة عناصر لتكوِّن هذه الصورة من بينها بعض أقسام التلمود (سوطه أو المرأة المشبوهة ـ السنهدرين) وبعض الفتاوى في عصر الفقهاء (جاؤون) ، وبعض العناصر الفلكلورية المنتشرة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ويُقدِّم الكتاب أحياناً صورة إيجابية إلى حدٍّ ما للعذراء مريم أم المسيح، فهي من عائلة طيبة وتعود جذورها لبيت داود، أما أبو المسيح فهو رجل شرير قام باغتصابها ثم هرب. وتُبيِّن القصة أن المسيح شخص يتمتع بذكاء عال ولكنه لا يحترم شيوخ البلد وحكماءها. وهو يتمتع بمقدرات عجائبية لأنه سرق أحد الأسماء السرية للإله من الهيكل، ومع هذا ينجح أحد فقهاء اليهود في إبطال سره، وتوجد تفاصيل أخرى في الكتاب أكثر بشاعة وقبحاً. ويهدف الكتاب إلى تفريغ قصة المسيح من أي معنى روحي، كما أنها تحاول تفسير المعجزات التي تدور حول المسيح بطريقة تكشفها وتنزع عنها أيَّ سحر أو جلال أو هالات دينية. وهذا الكتاب يُسبِّب كثيراً من الحرج للجماعات اليهودية حينما تكتشف السلطات أمره. ولذا كان بعض الحاخامات يحرصون على تأكيد أن يسوع المشار إليه في الكتاب ليس المسيح وإنما هو شخص يحمل هذا الاسم عاش قرنين قبل الميلاد. وقد أُعيد طبع كتاب توليدوت يشو على نطاق واسع في إسرائيل. تهويد المسيحية Judaization of Christianty «تهويد المسيحية» اصطلاح يشير إلى عمليات تحول بنيوية بدأت تدخل المسيحية منذ الإصلاح الديني وتبدَّت في المسيحية البروتستانتية. وجوهر التهود انتقال الحلول الإلهي من الكنيسة إلى الشعب. وقد نتج عن ذلك زيادة الاهتمام بالعهد القديم وانتشار الحركات الصوفية الحلولية بين المسيحيين والقبَّالاه المسيحية. (انظر أيضاً: «البروتستانتية والإصلاح الديني» ) . التراث اليهودي المسيحي Judeo-Christian Tradition «التراث اليهودي المسيحي» مصطلح ازداد شيوعاً في العالم الغربي في الآونة الأخيرة، وهو يعني أن ثمة تراثاً مشتركاً بين اليهودية والمسيحية، وأنهما يكوِّنان كلاًّ واحداً. وهو ادعاء له ما يسانده داخل النسق الديني المسيحي وإن كان لا يعبِّر عن الصورة الكلية إذ أن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يتجاهل حقائق دينية أساسية: 1 ـ هناك الاختلافات الأساسية الواضحة مثل الإيمان بالتثليث في المسيحية والإيمان بوحدانية الإله في اليهودية. والشيء نفسه ينطبق على موقف كلتا العقيدتين من تجسيم الإله وتصويره وتشبيهه بالبشر، إذ أن العقيدة المسيحية تقبله (وهنا لابد أن نشير إلى طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي) . ولذا، فبرغم تأكيد التوحيد وعدم التشبيه والتجسيم على مستوى من المستويات، فإن ثمة سقوطاً في الحلولية المتطرفة التي تؤدي باليهودية إلى الشرك والتجسيم والتشبيه إلى درجات متطرفة لا تعرفها المسيحية نفسها. كما أن موقف اليهودية والمسيحية من الخطيئة مختلف بشكل جوهري، فالمسيحية تؤمن بأن الإنسان ساقط بسبب الخطيئة الأولى. أما اليهودية، فلا تؤمن بالخطيئة الأولى. ولذا، فإن أداء الشعائر، واتباع الأوامر والنواهي، كافيان لخلاص الإنسان. 2 ـ وثمة خلافات بين العقيدتين حول فكرة المسيح، فبينما ترى اليهودية المسيح (أي الماشيَّح) باعتباره شخصية سياسية قومية سيقود شعبه إلى صهيون ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى، فإن المسيح في المسيحية إله إنسان مهمته خلاص كل البشرية لا الشعب اليهودي وحسب. 3 ـ تُعدُّ قضية صلب المسيح قضية أساسية ونقطة خلاف رئيسية. فمن المعروف أن كل أمة أو مجموعة عرْقية أو دينية تدَّعي أنها مدينة بوجودها لشكل من أشكال التضحية والفداء الرمزي، أو الفعلي الذي يكتسب مكانة رمزية ويصبح بمنزلة الركيزة النهائية للنسق ولحظة التأسيس. وحادثة الصلب في المسيحية هي هذه اللحظة، حين نزل ابن الإله إلى الأرض وارتضى لنفسه أن يُصلَب، وكان فعله هذا الفداء الأكبر. ولحظة الصلب هذه ليست لحظة زمنية، رغم حدوثها في الزمان، ولا ترتبط بفترة تاريخية معينة رغم وقوعها في التاريخ، فهي كونية، وفي احتفالات الجمعة الحزينة يحاول المسيحي المؤمن أن يستعيد ألم المسيح، هذه الواقعة الكونية التي لا يمكن أن تنافس واقعة أخرى. واليهود عنصر أساسي في حادثة الصلب، فحاخاماتهم هم الذين حاكموا المسيح وهم الذين أصروا على صلبه، فهم قتلة الرب، الذين يقتلونه دائماً، بإنكارهم إياه. ورغم المحاولات العديدة، المسيحية واليهودية، لتغيير هذه البنية الرمزية للوجدان المسيحي، فإن مثل هذه المحاولات لا تُكلَّل بالنجاح نظراً لأن المجال الرمزي مجال إستراتيجي يتسم بقدر من الثبات. ولذا فكثيراً ما تنشب الصراعات فجأة وبلا مقدمات حين يقوم بعض المسيحيين بتمثيل بعض المسرحيات الدينية التي تبرز الرموز المسيحية وتسقط على اليهودي دور قاتل الرب. وقد نشب صراع حول أوشفيتس كان في جوهره صراعاً حول الرموز ومعناها. فحادثة الإبادة، أصبحت في الوجدان اليهودي لا تختلف عن حادثة الصلب في الوجدان المسيحي. ولذا حين أقامت بعض الراهبات الكرمليات ديراً في هذا المعتقل لإقامة الصلاة على الضحايا من أي عرْق أو دين أو جنسية اعترض ممثلو أعضاء الجماعات اليهودية، لأن هذا يعني فرض لحظة الصلب المسيحية، على لحظة الصلب اليهودية! 4 ـ ثمة رأي داخل المسيحية يقول بأن العهد الجديد لم ينسخ العهد القديم، ولكنه مع هذا حل محله وتجاوزه. ومع أن الكنيسة لم تستبعد العهد القديم (وقد كان مارسيون وبعض الغنوصيين يجاهرون بأن إله العهد القديم إله غيور، على حين أن إله العهد الجديد إله رحيم) ، فإن الإيمان المسيحي يستند إلى أن الشريعة (أو القانون) قد تحققت من خلال المسيح وتم تجاوزها، وأن الرحمة الإلهية والإيمان بالمسيح وسيلة للخلاص حلت محل الشريعة والأوامر والنواهي، ومن ثم كان رفض الشعائر الخاصة بالطعام والختان التي تَمسَّك بها اليهود. وقد ذهب المسيحيون إلى أن اليهودية دين الظاهر والتفسير الحرفي دون إدراك المعنى الداخلي أو الباطن، وأن الكنيسة هي يسرائيل فيروس، أي يسرائيل الحقيقية، وأنها يسرائيل الروحية (حسب الروح) ، أما اليهود فهم يسرائيل الزائفة الجسدية التي لا تدرك مغزى رسالتها. وبالتالي، فَقَد اليهود دورهم، وأصبحت اليهودية ديانة متدنية بالنسبة إلى المسيحيين، ووصف اليهود بأنه شعب يحمل كتباً ذكية ولكنه لا يفقه معنى ما يحمل. 5 ـ لكل هذا، أعادت الكنيسة تفسير العهد القديم بحيث اكتسب مدلولاً جديداً مختلفاً تماماً عن مدلوله عند اليهود الذين استمروا في شرحه وتفسيره على طريقتهم، وفهمه فهماً حرفياً وحلولياً وقومياً. ومن ثم اختلف النسق الديني اليهودي عن النسق الديني المسيحي. ومن أهم أشكال الاختلاف أن المسيحية أصبحت ديناً عالمياً، باب الهداية فيه مفتوح للجميع (وهذا أمر متوقع بعد أن خففت المسيحية من حدة وتطرف الحلولية اليهودية بحصرها الحلول الإلهي في المسيح واعتبار الكنيسة جسد المسيح) ، على عكس اليهودية التي ظلت ديناً حلولياً مغلقاً مقصوراً على شعب أو عرْق بعينه يظل وحده موضع الحلول الإلهي. ثم تَعمَّق الاختلاف بحيث أصبحت للمسيحيين رؤية مختلفة تماماً عن رؤية اليهودية. 6 ـ وقد تبدَّى كل هذا في شكل صراع تاريخي حقيقي، فقد رفض اليهود المسيح (عيسى بن مريم) ولا يزالون يرفضونه. ويلوم الآباء المسيحيون الأوائل اليهود باعتبارهم مسئولين عما حاق بالمسيحيين الأولين من اضطهاد، وأنهم هم الذين كانوا يهيجون الرومان ضد المسيحيين ويلعنون المسيحيين في المعابد اليهودية، وأنهم هم المسئولون في نهاية الأمر عن صلب المسيح. وهم يرون أن هدم الهيكل وتشتيتهم هو العقاب الإلهي الذي حاق بهم على ما اقترفوه من ذنوب (وتشكِّل معاداة اليهود، باعتبارهم قتلة الرب، جزءاً أساسياً وجوهرياً من التراث الفني الديني المسيحي من موسيقى ورسم ومسرحيات) . وقد استمر الصراع إلى أن تغلبت المسيحية في نهاية الأمر على اليهودية، وانتشرت بين جماهير الإمبراطورية الرومانية. واستمر من تَبقَّى من اليهود في الإيمان باليهودية ويعبِّرون عن رأيهم، في كتب مثل التلمود والقبَّالاه، يتحدثون عن المسيح والمسيحيين بنبرة سلبية وعنصرية للغاية. وقد تَحدَّد موقف الكنيسة من اليهود في مفهوم الشعب الشاهد، وهو أن اليهود هم الشعب الذي أنكر المسيح الذي أرسل إليهم، وهم لهذا قد تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب. ولكن رفض اليهود للمسيح سر من الأسرار. فاليهود في ضعفهم وذلتهم وتشرُّدهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة، أي أن اليهود بعنادهم تحولوا إلى أداة لنشر المسيحية. ومن ثم، يمكننا أن نقول إن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد، ولكن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يزداد مع هذا شيوعاً، وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية واليهودية الإصلاحية وأحياناً المحافظة، أما اليهود الأرثوذكس فيرفضونه. وقد يكون قبول المصطلح من هذه الفرق تعبيراً عن عودة الحلولية داخل هذه الأنساق الدينية. ويمكن العودة إلى مداخل «القبَّالاه» حيث نبيِّن أنه بهيمنة القبَّالاه على اليهودية استولى عليها نسق حلولي كموني، عبَّر عن نفسه في بداية الأمر في هيئة انفجارات مشيحانية (شبتاي تسفي) وفلسفات علمانية حلولية (إسبينوزا) ثم فلسفات حلولية ربوبية (موسى مندلسون) وأخيراً على هيئة «اليهودية الإصلاحية» و «اليهودية المحافظة» و «اليهودية التجديدية» (انظر أيضاً: «الحلولية والتوحيد والعلمنة: حالة اليهودية [أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر] » ) . وبإمكان القارئ أن يعود إلى مدخل «البروتستانتية (القرن السادس عشر والسابع عشر) » ومدخل «عصر النهضة (القرن السادس عشر والسابع عشر) » حيث نبيِّن تصاعد الحلولية داخل النسق الديني المسيحي. فبدلاً من المفهوم الكاثوليكي للحلول (حلول مؤقت في شخص واحد ومنته ترثه الكنيسة كمؤسسة) تظهر فكرة الحلول البروتستانتية حيث ينتقل الحلول من مؤسسة الكنيسة إلى الشعب أو الفرد أو الجميع وهو حلول دائم، وهو في تصوُّرنا شكل من أشكال تهويد المسيحية. وفي الواقع فإن تزايد قبول المصطلح يعبِّر أيضاً عن تزايد علمنة الدين في الغرب (وثمة ترابط بين تزايد معدلات الحلولية ومعدلات العلمنة) بحيث يمكن الوصول إلى صيغ توفيقية تُفقد العقائد كثيراً من أبعادها وخصوصيتها، وهذا هو جوهر التسامح العلماني: أن يتخلى الجميع عن هويتهم ويلتقوا على مستوى علماني ويتوحدوا في هوية علمانية واحدة. وقد وصف أحد الباحثين التراث اليهودي المسيحي بأنه تعبير جديد عن الاتجاهات الربوبية في المجتمع الغربي التي تؤكد العناصر الأخلاقية المشتركة بين البشر وبعض افتراضاتهم الأخلاقية دون الإيمان بإله شخصي يرسل بالوحي (مع إسقاط أهمية الشعائر بسبب خصوصيتها) . ولعل عملية العلمنة هذه هي نفسها ما يُطلَق عليه «عملية التهويد» (وقد استخدم ماركس كلمة «تهويد» بهذا المعنى حين تَحدَّث عن انتشار الرأسمالية في المجتمع باعتباره عملية «تهويد» ، فجعل كلمة «اليهودية» مرادفة لكلمة «الرأسمالية «) . وفي الوقت الحاضر تختلف المواقف المسيحية من الصهيونية وإسرائيل وتتباين، وإن كانت كلها تميل الآن نحو قبول الدولة الصهيونية والاعتراف بها. وتوجد نزعة صهيونية /معادية لليهود تسري في عقائد بعض الكنائس البروتستانتية المتطرفة (انظر: «شهود يهوه» ـ «المورمون» ـ «فرسان الهيكل» ) . وحتى عام 1964 كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أن اليهود هم المسئولون عن دم عيسى. وكانت المؤسسة الصهيونية بدورها تتهم الفاتيكان بأنه وقف متفرجاً على مذابح اليهود وإبادتهم على أيدي هتلر. وبالتدريج اختلف موقف الفاتيكان حتى اعترفت بالدولة الصهيونية في ديسمبر 1994، ومع هذا يؤكد المتحدثون باسم الفاتيكان بأن الاعتراف بالدولة الصهيونية لا علاقة له بالعقائد المسيحية. الارتداد (خصوصاً التنصر ( (Apostasy (especially Conversion to Christianty «الارتداد» بالعبرية «مينوت» من كلمة «مين» التي تعني «كُفْر» و «زندقة» مصطلح يطلقه أتباع أي دين على من يترك هذا الدين. ولا يتحدث العهد القديم قط عن أشخاص ارتدُّوا عن اليهودية (عبادة يسرائيل) ، وإنما يتحدث عن سقوط الشعب، أو قطاعات كبيرة منه، في الوثنية (حادثة العجل الذهبي والحوادث الأخرى المشابهة في تاريخ الملوك العبرانيين) . وقد كان معظم جهد الأنبياء موجهاً للحرب ضد هذا الابتعاد عن التوحيد، أي السقوط في الشرك والوثنية والارتداد عن عبادة يهوه. ويُلاحَظ أن «الارتداد» هنا كان يحمل أحياناً معنى الخيانة القومية باعتبار أن كل إله كان مقصوراً على شعب واحد بعينه ويحل فيه. ولم يُطبَّق مصطلح «الارتداد» في اليهودية إلا ابتداءً من العصر الهيليني، فقبل ذلك الوقت لم تكن اليهودية قد تحددت معالمها تماماً، ولم يكن الكتاب المقدَّس قد تم تدوينه بأكمله. ومع هذا، يجب أن نشير إلى عدة سمات في اليهودية تجعل لفظ «مرتد» دالاً غير مستقر الدلالة عبر تاريخها الطويل يجعل استخدامه صعباً: 1 ـ اليهودية، كنسق ديني، له طابع جيولوجي تراكمي تتعايش داخله طبقات متباينة. وقد كان الصدوقيون ينكرون البعث حتى آخر العصر الهيليني، وهم القيادة الكهنوتية. وقد ظلت الأفكار اليهودية الأخروية غير مستقرة بصورة غير محدَّدة. 2 ـ لم تُحدِّد اليهودية العقائد الأساسية الملزمة لليهودي، ولم تضع أصولاً للدين. ولعل أول محاولة جادة هي محاولة موسى بن ميمون في القرن الحادي عشر، وهي محاولة تقبَّلتها اليهودية وحوَّلتها إلى طبقة جيولوجية أخرى تراكمت على ما قبلها من طبقات، دون أن تلغي ما قبلها ودون أن تمنع تكوُّن طبقات أخرى بعدها. 3- عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه «من وُلد لأم يهودية» ، وإن ارتد اليهودي عن دينه فإنه يظل يهودياً. لذا، ظل اصطلاح «مرتد» غير مستقر. ومع هذا، يُلاحَظ أن المصطلح بدأ يتواتر ابتداءً من العصر الهيليني. ولكنه ظل ذا بُعْد إثني، بمعنى أن المرتد ليس من ترك دينه وإنما من ترك قومه. وهذا أمر مفهوم في الإطار الحلولي، حيث يحل الإله في الشعب تماماً، ويصبح الشعب موضع القداسة ومصدر المطلقية. ولذا، فإننا نجد إشارة إلى اليهود المتأغرقين في أيام أنطيوخوس الرابع (القرن الثاني قبل الميلاد) باعتبارهم «مرتدين» حرضوا على اضطهاد السلوقيين لليهود. وفي الواقع، فإن العبارة تحمل معنى الارتداد عن الدين وتحمل في الوقت نفسه معنى الخيانة القومية (ولعل استخدام لفظ «يورديم» العبري بمعنى «المرتدين» للإشارة للإسرائيليين الذين يهاجرون من أرض الميعاد هو بعث لهذا المعنى) . ومن المعروف أن التمرد الحشموني بدأ حين قام الكاهن ماثياس بذبح «المرتد» . وثمة إشارة أخرى إلى مريم (من بيت بيلجا) التي ارتدت وتزوجت أحد موظفي القصر الملكي، وحينما دخل السلوقيون الهيكل دخلت معهم وخربت المذبح بيدها «لأن الإله هجر شعبه» . ومن الواضح أن موقف مريم من الإله موقف عملي وثني. ومن أشهر المرتدين تايبريوس يوليوس ألكسندر أحد قادة جيش تيتوس حين قام بحصار القدس وهدم الهيكل الثاني. ومن أهم المرتدين العَالم الديني أليشاه بن أبوياه، الذي أصبح، فيما بعد (في كتابات ليلينبلوم وغيره من دعاة التنوير) . ومع ظهور كلٌّ من المسيحية والإسلام، اختلف الوضع تماماً، إذ لم تَعُد اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني بل أصبحت ديانة توحيدية في محيط توحيدي يرى الخالق باعتباره القوة الكامنة وراء الطبيعة والتاريخ المتجاوزة لهما. وقد أسلم عدد من يهود الجزيرة العربية، مثل: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سبأ، وكعب الأحبار. ويبدو أن أعداداً كبيرة من اليهود، وخصوصاً في العراق، اعتنقت الإسلام، ويُقال إن كثيراً من الإسرائيليات دخلت الإسلام من خلالهم. وقد حكم علاقة الإسلام باليهود مفهوم أهل الذمة الذي لا يُحرِّم الدعوة إلى الإسلام بينهم، وإن كان يحرم فرض الإسلام عليهم عنوة. وتجب ملاحظة أن انتقال اليهودي من اليهودية إلى الإسلام لم يكن يشكل صعوبة بالغة في الماضي، لأن العنصر التوحيدي في اليهودية كان لا يزال قوياً، ولذلك فإن الرموز الإسلامية لم تكن غريبة عليه، على عكس الرموز المسيحية (الصليب والتثليث) ، وخصوصاً أن لحم الخنزير، رمز الدنس عند اليهود، مُحرَّم في الإسلام. ولا يساوي الشرع اليهودي بين اليهودي الذي يعتنق الإسلام واليهودي الذي يعتنق المسيحية، إذ يضع الأول في منزلة أعلى باعتبار أنه لم يشرك، أما المسيحية فقد وصفها بأنها شكل من أشكال الشرك. ورغم عدم وجود إحصاءات أو دراسات في الموضوع، فإننا نميل إلى القول بأن عدم تزايد عدد يهود العالم الإسلامي يعود إلى أن الكثيرين منهم اعتنقوا الإسلام. كما نعتقد أن الحركة القرّائية لعبت دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، إذ صبغت اليهودية ببعض السمات الإسلامية إلى حدٍّ ما، وهو اتجاه تَعمَّق على المستوى الفكري في كتابات موسى بن ميمون حين طرح أصول اليهودية بشكل يجعلها لا تختلف، في كثير من أساسياتها، عن أصول الدين الإسلامي. وقد حاول ابنه من بعده (في القاهرة) أن يصبغ الشعائر اليهودية بالصبغة الإسلامية وأن يُقرِّبها من الشعائر الإسلامية. وفي تاريخ المسلمين، هناك حالات فُرض فيها الإسلام على اليهود عنوة. ولكن تيار التحول إلى الإسلام تراجَع ولا شك مع تراجُع الدولة الإسلامية نفسها ومع انتقال مركز اليهودية إلى أوربا المسيحية. أما علاقة اليهودية بالمسيحية، فهي علاقة متوترة للغاية، وثمة عناصر مشتركة كثيرة بين الديانتين أشرنا إليها في مدخل «تنصير اليهودية» . وقد ظهرت المسيحية في وقت كانت فيه أعداد كبيرة من اليهود قد تأغرقت وبعُدت عن المركز الديني في القدس بهيكلها، كما أن اليهود المتأغرقين كانوا يعرفون الترجمة السبعينية التي تبنتها الكنيسة ككتاب مقدَّس. وقد أشارت الترجمة السبعينية إلى يهوه باعتباره رب العالمين، أي أنها ترجمة ابتعدت عن الإطار الحلولي. وكان التفكير الديني اليهودي قد بدأ يتخلص من كثير من حدوده الضيقة على يد فيلون الذي كان قد طوَّر مفهوم اللوجوس (الذي تبنته المسيحية فيما بعد وأصبح جزءاً من ثالوثها) . ويبدو أن الحُمَّى المشيحانية آنذاك كانت قد تصاعدت بين اليهود في فلسطين، وهي الحُمَّى التي اندلعت على هيئة التمرد اليهودي الأول ضد روما وانتهى بتحطيم الهيكل عام 70 ميلادية فكان بمثابة ضربة قاضية لليهودية. ولكل هذه الأسباب، تنصَّر كثير من اليهود. لكن هذه الجماعات كانت جماعات مسيحية يهودية أو يهودية مسيحية، بمعنى أنها كانت جماعات من اليهود تؤمن بالمسيح عيسى بن مريم، مثل الأبيونيين، كما كانت ترى أن المسيح نبي وليس الكريستوس أو الماشيَّح. وكان بعضهم يرى أنه الماشيَّح، ولكنهم رفضوا الاعتراف بألوهيته وبنوته للرب كما أنكروا مفهوم التثليث وأن الشريعة اليهودية قد تم نسخها. وقد ظلت هذه الفرق قائمة إلى أن انفصلت تماماً عن اليهودية، وخصوصاً بعد أن أدخل الحاخامات في الثمانية عشر دعاء (شمونة عسريه - وهي أهم أجزاء الصلاة اليهودية) الدعاء الثاني عشر الذي يشير إلى المينيم (الكفرة) ويلعنهم. وكان الهدف من إدخال هذا الدعاء منع المسيحيين اليهود من المشاركة في الصلاة. والواقع أنه لا يمكن تفسير نقصان عدد اليهود في العالم من سبعة ملايين في القرن الأول الميلادي إلى أقل من مليون في بداية العصور الوسطى (في الغرب) إلا بتنصر أعداد هائلة منهم. وقد بلورت الكنيسة موقفها في مفهوم الشعب الشاهد الذي يقرر أن التنصر لابد أن يتم بكامل حرية اليهودي. ولذا، فحينما كانت تحدث مذابح تؤدي إلى تنصر بعض اليهود، فإن السلطات كانت تسمح لهم بالعودة إلى دينهم. ومع هذا، كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود تتنصر مع بدايات العصور الوسطى لأسباب عدة: روحية (مثل الإعجاب بالمسيحية) ، ومادية (مثل الرغبة في الثروة أو الحراك الاجتماعي أو الخوف من السلطة) . ولا توجد إحصاءات عن عدد المتنصرين، ولكن يبدو أن أعداد المتنصرين في إسبانيا المسيحية كانت عالية للغاية، خصوصاً بين أعضاء النخبة. والواقع أن يهود إسبانيا تنصروا بكامل حريتهم، نظراً لأنهم كانوا مندمجين أصلاً في المحيط الحضاري الإسباني الكاثوليكي، ونظراً لتآكل اليهودية بين أعضاء النخبة. بل ذهب بعض الحاخامات إلى القول بأن طرد اليهود من إسبانيا هو عقاب لهم على تَرْكهم للدين وعلى ارتداد نخبتهم. وقد ظهرت العقيدة الاسترجاعية في عصر النهضة والإصلاح الديني. وهي عقيدة تذهب إلى أن الخلاص لن يتم إلا بجمع شمل اليهود في فلسطين بعودتهم إليها، ثم تنصيرهم. وأصبحت العودة والتنصير من علامات الساعة. وهذا يفسر إبهام الموقف البروتستانتي من اليهود حيث ينحو منحى صهيونياً ويتخذ موقفاً معادياً لليهود في آن واحد. وقد قام يهود المارانو بدور حاسم في عملية تنصير اليهودية، فقد أشاعوا القبَّالاه (وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية) المتأثرة بالمسيحية لدرجة أن أتباع أبي العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية، كما أن كثيراً منهم كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فرضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية. وقد تأثر كثير من يهود اليديشية بالجو المسيحي السلافي الصوفي حولهم، وبخاصة هؤلاء الذين كانوا يعيشون بعيداً عن مراكز الدراسات التلمودية في المدن الكبرى. وكان كثير من المرتدين عن اليهودية يتحولون إلى أعداء شرسين لدينهم ولبني جلدتهم، فكانوا يحرضون الكنيسة عليهم ويكشفون لهم مواطن التعصب في العقيدة اليهودية التي يحرص اليهود على إخفائها. هكذا كان وضع اليهودية حتى ظهرت الحركات الشبتانية، وأهمها من منظور هذا المدخل الحركة الفرانكية التي كان لها ثالوثها الواضح وإيمانها بالتجسد. وقد انتهى الأمر بأعضاء هذه الحركة إلى أن تنصروا بشكل جماعي ودخلوا الكنيسة الكاثوليكية. ومع ظهور حركة الاستنارة والتنوير، تغيَّر الموقف في أوربا، فلم يَعُد هناك ضغط مباشر على اليهود ليتنصروا، ولكن ظهر نوع آخر من الضغط هو التسامح نحوهم. وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت مرحلة أزمتها وتكلست، فلم تَعُد تزود اليهودي بالإجابات عن الأسئلة الكونية التي تواجهه، كما لم يكن بوسعها أن تشفي غليله الديني. كما أن تأكيدها على الشعائر، جعل من الصعب على كثير من اليهود أن يقيموا هذه الشعائر ويحتفظوا بإنسانيتهم في آن واحد. ومن ناحية أخرى، فإن ثراء الحضارة الغربية، قياساً إلى الفقر الحضاري الشديد داخل الجيتو، جعل منها نقطة جذب قوية. وقد بدأت، داخل اليهودية في ألمانيا، حركة إصلاح على نمط حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، فعُدِّلت بعض الشعائر، وأُلغي بعضها الآخر. ولكن، حينما أُنجزت هذه العملية، لم يبق سوى هيكل جاف من العقائد العامة لا يختلف في كثير من أساسياته عن العقائد المسيحية الأساسية. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا دافع الرغبة في الحراك الاجتماعي، فالتنصر (على حد قول هايني) تذكرة الدخول إلى الحضارة الغربية. ولهذا، فإن كثيراً من أعضاء النخبة والقيادات اليهودية كانوا قد اندمجوا في محيطهم الحضاري الغربي. ولكل هذا، كان من المتوقع أن يتنصر اليهود بأعداد كبيرة. وهذا ما حدث بالفعل، حيث يذكر جرايتز أن نصف يهود برلين قد تنصروا في أواخر القرن الثامن عشر. ونحن نعرف أن أعضاء أسرة موسى مندلسون تنصروا جميعاً، وتنصر كثير من أعضاء أسرة فرايدلندر (الذي اقترح تنصيراً جماعياً لليهود) . وقد بدأ هرتزل أحلامه الصهيونية، في تخليص أوربا من يهودها، باقتراح تنصيرهم كما تنصر معظم أولاده. ومن أهم اليهود الذين تنصروا: هايني، ووالد كارل ماركس، ووالد بنجامين دزرائيلي. كما تنصَّر كثير من يهود روسيا، وخصوصاً هؤلاء الذين تم تجنيدهم في سن مبكرة. وكان من المتوقع أن يزيد عدد المتنصرين، لكن ظهور النظريات العرْقية أوقف هذه العملية لأن اليهودي الذي يتنصر يمكنه أن يهرب من هويته ويغيرها حسب التعريف الديني، أما النظريات العرْقية فتجعل الانتماء مسألة ميراث عرْقي، وبالتالي تصبح الهوية مسألة بيولوجية ولا يُجدي فيها التنصُّر فتيلاً. وفيما يلي، إحصاءٌ بعدد المتنصرين في القرن التاسع عشر والبالغ 204.542: آسيا وأفريقيا / 600 أستراليا / 200 النمسا / المجر / 44.756 فرنسا / 2400 ألمانيا / 22.520 بريطانيا العظمى / 28.830 هولندا / 1.800 إيطاليا 300 / أمريكا الشمالية / 13.000 السويد والنرويج / 500 رومانيا 1.500 / روسيا / 48.536 تركيا / 3.300 ويميل كثير من الدارسين إلى القول بأن هذا العدد أقل من العدد الحقيقي بسبب صعوبة جمع الإحصاءات الدقيقة بالنسبة لموضوع مثل هذا. فالمتنصر يفضل ألا يجاهر بموقفه لاعتبارات اجتماعية عديدة. ولعل أصدق مثل على هذا ما حدث للوزير الإسرائيلي موشيه أرينز حينما مات أخوه في ولاية كونتيكت في الولايات المتحدة. فقد ذهب ليحضر جنازته، فإذا به يكتشف أنه كان تنصر. فامتنع أرينز عن حضور جنازته (هذا هو الموقف اليهودي التقليدي. وفي أحيان أخرى، كانت تُقام مراسم الدفن للمتهود فور تهوده) . وابتداءً من القرن التاسع عشر، كان كثير من اليهود المتنصرين يدخلون في الدين الجديد ولا يشغلون بالهم بالعقيدة القديمة. ولكن البعض الآخر كان يتخذ موقفاً متحيزاً، إما مع دينهم القديم أو ضده. ولكن يبدو أن النمط الأول كان هو الأغلب. ومن نمط المتحيزين ضد الدين القديم، فلهلم مار الذي قام بسك مصطلح «معاداة السامية» الغربي، أي «معاداة اليهود» . ويُقال إن كثيراً من أعداء اليهود، ومنهم أيخمان وهتلر، تجري في عروقهم دماء يهودية. لكن العداء لا يتخذ بالضرورة مثل هذا الشكل الشرس، فالروائي الروسي بوريس باسترناك رفض اليهودية بسبب فكرة الشعب اليهودي، ودعا اليهود إلى التنصر ليصبحوا أفراداً بدلاً من أن يظلوا شعباً. أما الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين) اليهودي الذي تنصر وأصبح راهباً كاثوليكياً، فقد أصر على انتمائه للشعب اليهودي وطلب الجنسية بناء على قانون العودة (لكن طلبه رُفض) . وبطبيعة الحال، فإن المرتدين يثيرون قضية الهوية بكل حدة. ومع هذا، فإن اليهود المتنصرين والمرتدين قد ينقلون معهم، وبشكل غير واع، أفكارهم اليهودية الحلولية التي تشكل بصورة محددة إطاراً معرفياً كامناً، وهذا ما حدث مع كل من إسبينوزا وكافكا وفرويد. بل حدث الشيء نفسه مع ماركس بنزعته المشيحانية (تماماً كما حدث في صدر الإسلام مع اليهود الذين أسلموا وأدخلوا الإسرائيليات) . ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، لم يعد من الضروري اعتناق دين ما، وأصبح بوسع اليهودي أن يرفض يهوديته دون أن يعتنق ديناً آخر، على طريقة إسبينوزا، ومن هنا تأتي زيادة عدد اليهود الإثنيين واليهود الملحدين وتناقص عدد اليهود المتنصرين. وحالياً يتنصر اليهود، في الغالب، بسبب الزواج المختلط. كما أن بعض اليهود، ممن يكابدون عطشاً دينياً ويشعرون بأزمة المعنى، يجدون إجابة عن أسئلتهم في العقيدة المسيحية (كما حدث في حالة سكرتيرة هايدجر التي اعتنقت المسيحية وأصبحت راهبة وأحرقها النازيون بسبب إيمانها الديني) . وقد طرحت الكنائس المسيحية إطاراً جديداً يُسهِّل على اليهود عملية التنصر، فأصبح بإمكان اليهودي أن يتنصر دون الإيمان بألوهية المسيح (فيمكنهم اعتباره الماشيَّح) . ولعل هذا سر نجاح جماعة الموحداينة (بالإنجليزية: يونيتريان Unitarian) ، وهي جماعة مسيحية ربوبية تؤمن بوجود الإله الواحد المتجاوز دون تثليث، ولا تهتم بالشعائر ولا بالوحي. وهناك جماعة تُدعَى «اليهود من أجل المسيح» ، وهي من أنشط الجماعات التبشيرية المسيحية التي تحاول أن تنشر المسيحية بين اليهود بهذه الطريقة. ويبدو أن هناك بُعْداً مسيحياً قوياً في يهودية الفلاشاه، فهم يتعبدون باللغة الجعزية (لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا) ولديهم رهبان، كما أن حاخاماتهم يسمَّون «قسيم» (صيغة جمع عبرية لكلمة «قسيس» ) ، وكذلك يضم كتابهم المقدَّس أجزاءً من العهد الجديد. ولذا، فقد نصحهم مندوب الوكالة اليهودية عام 1973 بأن يحلوا مسألتهم اليهودية عن طريق التنصر! وقد تنصرت أعداد كبيرة منهم منذ القرن التاسع عشر، ويُسمَّى المتنصرون «الفلاشاه موراه» . وقد كان التنصر من أكثر أسباب موت الشعب اليهودي في الماضي، وهو لا يزال عنصراً قوياً يساهم في عملية موت الشعب اليهودي في الوقت الحاضر، لكن أهميته قد تناقصت بسبب تزايد معدلات العلمنة. التنصر Conversion to Christianty انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» ـ «الارتداد (خصوصاً التنصُّر (» . نيكولاس دونين) القرن الثالث عشر ( Niclolas Donin عالم وفقيه فرنسي يهودي درس في إحدى الأكاديميات في باريس، ولكن أستاذه طرده بسبب هرطقته القرّائية ورفضه الشريعة الشفوية. تنصر وانضم للرهبان الفرنسيسكان ثم كتب قائمة تضم تسعة وثلاثين اتهاماً ضد التلمود كان من أهمها أن التلموديين يذهبون إلى أن الشريعة الشفوية أكثر أهمية من الشريعة المكتوبة، وإلى أن التلمود يخلع الصفات البشرية على الإله وإلى أنه مليء بالهجوم القبيح على المسيح ومريم (وكلها «اتهامات» حقيقية) . وفي عام 1240،عُقدت إحدى المناظرات الأساسية عن التلمود بإيعاز من دونين حضرها هو نفسه كما حضرها اثنان من أساتذته في الأكاديمية التي طُرد منها، وكانت نتيجة المناظرة أن صدر أمر بحرق التلمود. ويبدو أن دونين كان عقلانياً غير عنصري في هجومه على اليهودية. ولذا، وانطلاقاً من رؤيته العقلانية هذه، نشر عام 1279، أي بعد تنصره، كتيباً يوجه فيه النقد اللاذع للرهبان الفرنسيسكان. أبنر من بورجوس (1270-1340 ( Abner of Borgos طبيب يهودي من مدينة بورجوس في إسبانيا. دبت الشكوك في نفسه بعد طول تأمل في عذاب اليهود، وفي حالة المنفى التي يعيشون فيها. ولم يجد إجابة شافية على تساؤلاته لا في الكتب الدينية اليهودية ولا في كتب الفلاسفة المسلمين، فانصرف إلى دراسة العهد الجديد وانتهى به الأمر إلى اعتناق المسيحية وهو في سن الخمسين. كتب عدة كتب يُفصح فيها عن آرائه الجديدة، ويُبيِّن رفضه للتفسيرات العقلانية المختلفة للعهد القديم التي سادت في عصره. وقد طرح أبنر، بدلاً من كل هذا، عقيدة التجسد المسيحية والثالوث. وهاجم أبنر التلمود بشراسة واتهم اليهود بأنهم يأخذون موقفاً معادياً من الأغيار. وقد تُرجمت كتاباته إلى اللغة القشطالية. بابلو دي سانتا ماريا (1350-1435 ( Pablo de Santa Maria أسقف وعالم لاهوت مسيحي. اسمه الأصلي سولومون. وُلد لأسرة هاليفي اليهودية المعروفة التي جاء منها بعض كبار الممولين وملتزمي الضرائب في مملكة قشطالة. كان سولومون هاليفي واسع الإلمام بالفقه اليهودي وبالفلسفة الإسلامية وبأعمال الفلاسفة من أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا، كما كان مطلعاً على كثير من الأعمال اللاهوتية المسيحية. دبت الشكوك في نفسه نتيجة اطلاعه على فلسفة ابن رشد التي كانت قد هيمنت على عقول كثير من المثقفين من أعضاء الجماعة اليهودية في عصره، فاعتنق المسيحية وغيَّر اسمه إلى بابلو دي سانتا ماريا. ولعل تنصره احتجاج على مادية الفلسفة الرشدية. وقد تنصر معه أبناؤه الأربعة وابنته وإخوته الثلاثة وزوجته. وقد كتب خطاباً يشرح فيه الأسباب التي أدَّت إلى تنصره بيَّن فيه أنه حينما يتعمق الإنسان في الشريعة الشفوية والعهد القديم سيجد علامات على أن عيسى هو الماشيَّح. سافر بابلو إلى باريس عام 1394 حيث رُسِّم قسيساً ونال حظوة البابا بنديكت الثامن. ثم بدأ بعد ذلك حملته ضد اليهود فحاول أن يقنع ملك أراجون بأن يصدر قوانين معادية لهم. وقد حقق صعوداً سريعاً في هرم النخبة الحاكمة حتى أصبح أسقف بوروجوس من عام 1415 حتى وفاته. بول- لوي- برنار دراش (1791-1856) Paul-Louis-Bernard Drach فقيه فرنسي يهودي وزوج ابنة حاخام فرنسا الأكبر. نشر عدة كتب دينية يهودية، ولكنه تنصر عام 1823 في احتفال مهيب، الأمر الذي سبَّب الكثير من الحزن لأعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا. عمل أستاذاً للعبرية واشترك في ترجمة العهد القديم وكتب عدة قصائد عبرية في مدح البابا والكرادلة. كتب عدة كتب يحاول فيها تفسير الأسباب التي أدَّت إلى اعتناقه المسيحية. وقد نشأ أطفاله مسيحيين بل أصبحوا من رجال الدين المسيحي. إدوارد جانز (1798-1839 ( Edward Gans مؤرخ وعالم قانون ألماني يهودي. درس القانون في جامعتي برلين وهايدلبرج حيث تأثر بهيجل. عُيِّن محاضراً في جامعة برلين عام 1820 حيث ذاع صيته كمحاضر. طالب بأن تتخلى اليهودية عن نزعتها الاعتزالية وتميُّزها وأن تندمج في الحضارة الأوربية المعاصرة. أسَّس عام 1819 بالاشتراك مع ليوبولد زونز جماعة الثقافة وعلم اليهودية التي كانت مهمتها نشر مُثُل حركة الاستنارة بين الشباب اليهودي وإبعادهم عن التفكير التقليدي. وقد حُلَّت الجمعية عام 1824 وتنصر جانز في العام التالي (وهو ما ألقى بظلال الشك على مُثُل الاستنارة وعلى علم اليهودية) . عُيِّن أستاذاً في جامعة برلين عام 1829 حيث طوَّر الرؤية الهيجلية الخاصة بالسيادة المطلقة للدولة وبمفهوم الحاكم كتجسيد لمفهوم الدولة. ويذهب جانز إلى أن الحضارة الأوربية مزيج من أحسن العناصر الموجودة في حضارات يسرائيل واليونان وروما والمسيحية. ولجانز دراسات عديدة في القانون، كما أنه حرَّر محاضرات هيجل عن القانون. لكن تَنصُّر مفكر ديني يهودي وعضو في النخبة الفكرية اليهودية لم يكن حدثاً استثنائياً في القرن التاسع عشر. فكل أولاد مندلسون ـ على سبيل المثال ـ تنصروا. وهذا يعود ولا شك، في بعض جوانبه، إلى الإغراءات المادية المختلفة، من تحقيق حراك اجتماعي إلى الحصول على وظائف مقصورة على المسيحيين. ولكن الإغراءات كانت هناك دائماً عبر التاريخ، ولذا فهي لا تصلح وحدها لتفسير الزيادة المذهلة لعدد المتنصرين بين أعضاء النخبة اليهودية المثقفة. ولعل أزمة اليهودية الحاخامية قد لعبت دوراً أساسياً في ذلك، كما أن هيمنة مُثُل حركة الاستنارة كانت العنصر الحاسم. فحركة الاستنارة تنظر إلى الإنسان باعتباره «الإنسان على وجه العموم» أو «الإنسان الأممي» أو «الإنسان الطبيعي» ، وهو ما يعني ضرورة تصفية كل الخصوصيات. ومع هذا، فقد صرح هايني بأن الطريق الحقيقي للتحرر والانعتاق والدخول إلى الحضارة الغربية هو التنصر. وقد كان هايني محقاً حين صرح بذلك. لكن ينبغي أن نشير إلى أن المسيحية التي كان على اليهودي المتنصر أن يؤمن بها في القرن التاسع عشر كانت مسيحية وجدانية تمت علمنتها من الداخل، كما أن الإيمان بها كان لا يُلقي على المؤمن بها أية أعباء شعائرية. ولذا، مع نهاية القرن التاسع عشر، تزايدت نسبة المتنصرين الراغبين في دخول الحضارة الغربية. ومع بداية القرن العشرين، أصبحت عملية التنصر غير ذات موضوع، ذلك باعتبار أن الحضارة الغربية نفسها تراجعت فيها المسيحية حتى في صيغتها العلمانية. وأصبحت تأشيرة الدخول إليها هي التخلي عن أية هوية دينية أو إثنية، فيكون اليهودي إنساناً على وجه العموم، الثمرة الحقيقية لعصر الاستنارة ولسنوات عمليات العلمنة والترشيد في إطار الطبيعة/المادة. سولومون ألكسندر (1799-1845) Solomon Alexander أول أسقف أنجليكاني في القدس. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية في ألمانيا، وهاجر إلى إنجلترا حيث عمل بعض الوقت كذابح شرعي (شوحيط) ومرتل (حزان) . ولكنه بعد أن اتصل بالإرساليات المسيحية، تنصر عام 1825 ثم انخرط في سلك الكنيسة عام 1827. قامت جمعية نشر المسيحية بين اليهود بإرساله إلى ألمانيا ثم عُيِّن أستاذاً للغة العبرية من عام 1832 حتى عام 1841 في جامعة لندن. وبعد القضاء على مشروع محمد علي النهضوي، تَقرَّر إقامة أسقفيتين في فلسطين: واحدة إنجليزية أنجليكانية والأخرى ألمانية لوثرية، نظراً للأهمية الإستراتيجية لفلسطين. وقد عُيِّن ألكسندر أسقفاً للأسقفية الأنجليكانية في القدس حيث بدأ نشاطه التبشيري وتفرَّع منها إلى عدة بلاد من بينها سوريا ومصر (التي مات فيها أثناء إحدى زياراته لها) . التبشير باليهودية والتهوُّد والتهويد Proselytizing, Conversion to Judasim, and Judaizing «التهود» هو اعتناق اليهودية بشكل طوعي دون قسر، أما «التهويد» فهو اعتناق اليهودية قسراً نتيجة الضغوط الخارجية. و «التبشير» هو الدعوة إلى عقيدة ما دون اللجوء إلى ضغوط خارجية مثل الإغراءات المالية. ورغم أن اليهودية ديانة توحيدية في أحد جوانبها، فإنها ليست ديانة تبشيرية تحاول أن تكتسب أتباعاً جدداً، نظراً لانغلاق النسق الديني الحلولي اليهودي. ومع هذا، هناك حالات كثيرة في العصور القديمة والحديثة تهودت فيها أعداد كبيرة من الناس نتيجة التبشير باليهودية، أو تم تهويدهم عنوة. والتهويد والتهود هما أكبر دليل على زيف ادعاءات نقاء اليهود عرْقياً. وقد شهدت فترة القرن الأول قبل الميلاد وبعده، مرحلة تبشيرية، نتيجة جهود الفريسيين الذين أعادوا صياغة اليهودية وحرروها من ارتباطها بالعبادة القربانية وبالهيكل. وقد تهودت أعداد كبيرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، كما تهود أعضاء الأسرة الحاكمة في ولاية حدياب الفرثية. وقد كان التهود أحد أهم الأسباب التي أدَّت إلى تزايد عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين حتى أن عدد اليهود المقيمين خارج فلسطين أصبح يفوق عدد المقيمين منهم فيها. وقد قام هيركانوس وأريسطوبولوس، وهم من ملوك الأسرة الحشمونية، (في 130 ـ 103 ق. م) بفرض اليهودية على الأدوميين وعلى أعداد كبيرة من الإيطوريين. كما تهود بعض المثقفين في روما حينما دخلت الوثنية الرومانية مرحلة أزمتها الأخيرة التي انتهت بظهور المسيحية. وقد استمر التبشير باليهودية في العصور الوسطى المسيحية حتى بعد أن أصدر الإمبراطور قسطنطين قراراً بمنعه عام 315 م. وأكبر دليل على استمراره وجود حالات متفرقة لمسيحيين تهودوا، من بينهم أحد كبار رجال الدين المسيحي في فرنسا وآخر في إنجلترا. كما أن تهود النخبة الحاكمة بين قبائل الخزر وأعداد كبيرة من أتباعهم يُعَدُّ دليلاً آخر. وقد تهود بعض المارانو بعد خروجهم من إسبانيا، لا لأنهم كانوا يهوداً متخفين وإنما لأن السلطة الحاكمة البروتستانتية كانت تبدي تسامحاً مع اليهود ولا تُبدي مثله تجاه الكاثوليك، الأمر الذي حدا بكثير من المارانو إلى التهود ابتغاء الأمن والحراك الاجتماعي. وفي العصر الحديث، يتهود بعض المسيحيين (أو العلمانيين) في الغرب حين يصر أحد أطراف الزواج المختلط أن يتهود الطرف الآخر (وإن كان الشائع أن يتنصر الطرف اليهودي في الزواج المُختلَط، أي يتبنى دين أعضاء الأغلبية) . وتبدأ مراسم التهود في العصر الحديث في الأوساط اليهودية الأرثوذكسية بسؤال طالب التهود عن سبب طلبه، فإن أجاب بأن السبب هو الزواج، يُرفَض طلبه لأن هذا لا يُعَدُّ سبباً كافياً. ثم يخبرون طالب التهود بأن الشعب اليهودي شعب بائس مطرود منفي يعاني دائماً، فإن أجاب بأنه يعرف ذلك وأنه لا يزال مُصّراً على التهود، فإنه يُقبَل في الجماعة الدينية اليهودية ويُختن إذا كان ذكراً. وعلى المتهود أو المتهودة أخذ حمام طقوسي (مكفاه) أمام ثلاثة حاخامات، وهو الأمر الذي يسبب الحرج للإناث المتهودات، حيث يتعين علىهن خلع ملابسهن لهذا الغرض. ثم يعلن المتهود أنه يقبل نير المتسفوت (الأوامر والنواهي) ، أي أن يعيش حسب شرائع التوراة. ويَطلُب بعض الحاخامات المتشددين من طالب التهود أن يبصق على صليب أو كنيسة، غير أن مثل هذه العادات ليست جزءاً من الشريعة وهي آخذة في الاختفاء. ولا يلتزم الحاخامات الإصلاحيون والمحافظون بهذه الخطوات إذ يكفي بالنسبة إلىهم أن يستمع طالب التهود إلى محاضرة عما يقال له «التاريخ اليهودي» على سبيل المثال، كما أن الختان ليس محتماً على الذكور بحسب رؤيتهم. ولا يتَّبع المحافظون المراسم التقليدية وإن كانوا يؤكدون ضرورة أن يقرأ المتهود بعض النصوص الدينية المهمة ويدرسها. وفي محاولة تشجيع التهود يُطلَق على التهود الآن في الولايات المتحدة عبارة «يهودي باختياره» (جو باي تشويس jew by choice) ويوجد في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر 185 ألف متهود. ويحق للمتهود ـ حسب الشريعة اليهودية ـ أن يتزوج من أية يهودية، ولكن لا يُباح لمتهودة أن تتزوج من كاهن مثلاً، كما لا يمكن تعيين المتهود في مناصب عامة مهمة أو أن يعين قاضياً في محكمة جنائية بل في محاكم مدنية أحياناً. وبحسب إحدى الصياغات الدينية المتطرفة تُعَدُّ المرأة المتهودة «زوناه» (أي عاهرة) حتى نهاية حياتها. وهي صيغ متشدّدة لا تتمسك بها اليهودية الإصلاحية أو اليهودية المحافظة. ويُلاحَظ التزايد النسبي لطالبي التهود بسبب الزواج المختلط. ولكن هؤلاء يتهودون في الغالب على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين لا يعترف الأرثوذكس بواقع أنهم حاخامات، وبالتالي لا يعترفون بيهودية من يتهود على أيديهم. وتتفجر هذه القضية حينما يهاجر بعض هؤلاء المتهودين إلى إسرائيل، إذ تثير المؤسسة الدينية الأرثوذكسية قضية انتمائهم اليهودي. وتطالب المؤسسة الأرثوذكسية بتعديل قانون العودة وبتعريف اليهودي بحيث يصبح اليهودي من وُلد لأم يهودية أو تهود حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي. ولكن تبنِّي ذلك التعريف يسقط انتماء آلاف من يهود الولايات المتحدة إلى العقيدة اليهودية، كما أنه يجعل اليهود الإصلاحيين والمحافظين (أي أكثر من نصف يهود أمريكا) ، يهوداً من الدرجة الثانية. ومن هنا، فقد اقترحت وزارة الداخلية الإسرائيلية، الواقعة تحت نفوذ الأحزاب الدينية، أن يُكتَب لفظ «متهودة» في بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة بشوشانا ميللر وهي أمريكية متهودة على المذهب الإصلاحي. وقد رفضت المحكمة العلىا الطلب، فرضخت الوزارة في نهاية الأمر وقامت بتسجيلها يهودية. وطُلب من يهود الفلاشاه وبني إسرائيل وكوشين من الهند أن يتهودوا باعتبار أن يهوديتهم ناقصة. وحين احتجوا خُفِّفت مراسم التهود بالنسبة إلىهم. وقد عُرض التهود على بقايا يهود المارانو في البرتغال كشرط لهجرتهم إلى إسرائيل. وقد لوحظ أن كثيراً من المهاجرين السوفييت من مدَّعي اليهودية يقبلون التهود، ومن ذلك الختان، من أجل الحراك الاجتماعي الذي سيحققونه في إسرائيل إن تم اعتبارهم يهوداً. التهود والتهويد Conversion to Judasim, and Judaizing انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» . إليعازر بودو (القرن التاسع الميلادي ( Eleazar Bodo متهود فرنسي. وكان من كبار رجال الدين المسيحي ومن أسرة أرستقراطية. كان يعمل في قصر لويس التقي، ويُقال إنه كان القسيس الذي كان يعترف له الإمبراطور وأسقفاً في الكنيسة الكاثوليكية. وترك بودو القصر عام 838 بزعم أنه ذاهب إلى روما للحج، ولكنه بدلاً من ذلك فرّ إلى إسبانيا هو وابن أخيه وتهود وتختن وأُطلق عليه اسم إليعازر وتزوج فتاةً يهودية في سرقسطة. ثم ذهب بعد ذلك إلى قرطبة حيث حاول أن يقنع أميرها بأن يفرض على رعاياه إما الإسلام أو اليهودية. وقد تبادل بودو الرسائل مع باولو ألفارو ـ أحد كبار رجال الدين المسيحي في إسبانيا ـ وبيَّن في خطابات له أن المسيحية تحتوي على عقائد وممارسات وشعائر كثيرة التضارب، على عكس وحدة العقيدة والشعائر التي تتسم بها اليهودية، كما أشار إلى جشع رجال الدين المسيحيين. وقد كتب مسيحيو إسبانيا إلى تشارلز الأصلع وإلى أساقفة الإمبراطورية الكارولنجية طالبين استدعاء هذا المرتد حتى يخففوا من حدة الضغط الذي يسببه وجوده بينهم. يوهان سبايت (1642 – 1701) Joahann Spaeth متهود ألماني وابن صانع أحذية كاثوليكي. وقع تحت تأثير الحركات البروتستانتية بعض الوقت ولكنه عاد مرة أخرى للكاثوليكية. وحيث إنه لم يجد الهدوء الروحي الذي ينشده، بدأ يقرأ في مؤلفات الصوفي جيكوب بومه وكتابات بعض الجماعات المسيحية التي ترفض التثليث (مثل السوسينيانز) ، وقد لاحظ التطابق المدهش بين تعاليم بومه والقبَّالاه اللوريانية. وبعد فترة من التأمل والغوص في الذات، قرَّر أن يتهود ويُسمِّي نفسه «موزيس جيرمانيكوس» ، أي «موسى الألماني» ، وتَختَّن في أمستردام عام 1697 ثم تزوج من امرأة يهودية من فرانكفورت. دافع سبايت عن تهوده في كتيب دبَّجه خصيصاً لهذا الغرض. وقد ذهب سبايت في كتاباته إلى أن البابوية أساس الفساد، وإلى أن المؤسسة الكهنوتية ليست أصيلة في المسيحية بل تم اختلاقها في أيام قسطنطين الأكبر، وإلى أن الشهداء المسيحيين الأوائل كانوا في واقع الأمر يهوداً يدافعون عن تعاليم المسيح الذي لم يكن سوى معلم من معلمي الشريعة (هالاخاه) . وقد أكد سبايت أن المسيحية ليست سوى شكل مشوه للمبادئ الإسكاتولوجية التي انتشرت في فترة الهيكل الثاني (في القرن الأول الميلادي) . وفي النهاية، بيَّن سبايت أن يسرائيل وليس عيسى، هي خادم الإله المصلوب (الذي يعاني) . فالنتاين بوتوكي (؟ - 1749 ( Valentine Potocki كونت بولندي من أسرة أرستقراطية عريقة اعتنق اليهودية. وقصة تهوده أقرب إلى الحكاية الشعبية منها إلى الحقيقة التاريخية. كان بوتوكي صديقاً لشاب أرستقراطي آخر يُسمَّى زاريمبا. وبينما كان الشابان في حانة في باريس، لاحظا أن صاحبها اليهودي العجوز يقرأ في التلمود بخشوع شديد. فطلبا منه أن يعلمهما مبادئ اليهودية، وأقسما أنه لو أقنعهما باليهودية لتركا المسيحية. وقد نسى زاريمبا القسم، أما بوتوكي فقد قضى بعض الوقت في روما للدراسة ثم ذهب إلى أمستردام حيث تهود. وحينما سمع زاريمبا بالخبر، تَذكَّر هو الآخر قسمه فأخذ أسرته وتهود ثم استقر في فلسطين. وذات مرة، زجر بوتوكي طفلاً أزعج المصلين من اليهود. فتضايق أبو الطفل وأخبر السلطات أن بوتوكي مرتد، وهو ما أدَّى إلى القبض عليه ومحاكمته وحرقه في عيد الأسابيع عند قلعة فلنا، وقد ظل يردد الشماع اليهودية وأن الإله واحد حتى لفظ آخر أنفاسه. وقام أحد اليهود بجمع رماده وقطعة من أصبعه ودفنها في المدافن اليهودية فنبتت منها شجرة باسقة أصبحت مزاراً يهودياً. ولا توجد أية قرائن تاريخية على صدق هذه الرواية. ويحتفل يهود فلنا بذكرى موت بوتوكي بقراءة صلاة القاديش وزيارة قبره. جورج جوردون (1751-1793 ( George Gordon نبيل إنحليزي بروتستانتي. وُلد في لندن وكان والده دوقاً. خدم في الجيش والبحرية البريطانية. وفي عام 1774، دخل البرلمان وكان رئيساً لجماعة «العصبة البروتستانتية الموحَّدة» التي قادت الحملة التي كانت تطالب بإلغاء القانون الذي منح الأهلية للكاثوليك، كما كانت على رأس المظاهرات المناهضة للكاثوليك التي اندلعت عام 1780 والتي راح ضحيتها مئات من القتلى والجرحى. وقد قُدِّم جوردون للمحاكمة بتهمة الخيانة، ولكن تمت تبرئته. واستمر جوردون بعد ذلك في مناصرته للقضايا البروتستانتية وفي مناهضة الكاثوليك، ولكنه اختلف مع الكنيسة البروتستانتية في إنجلترا فحرمته من عضويتها عام 1786. ورغم أن جوردون كان شديد التعصب للبروتستانتية، إلا أنه بدأ يفكر عام 1786 في اعتناق اليهودية، وأقدم على ذلك بالفعل عام 1787 فتم ختانه وأطال لحيته وارتدى ثياب اليهود الأرثوذكس واتخذ اسم إسرائيل بار أبراهام. والواقع أنه مثلما كان متعصباً في بروتستانتيته، كان كذلك متعصباً في يهوديته حيث كان شديد الحرص على ممارسة الطقوس الدينية اليهودية ومراعاة القوانين الخاصة بالمأكل والملبس والمظهر. كما رفض مخالطة أي يهودي غير ملتزم بقوانين دينه. وفي عام 1788، حُكم على جوردون بالسجن بتهمة القذف بعد أن هاجم كلاًّ من الحكومة البريطانية وملكة فرنسا التي انتقد سلوكها الأخلاقي والسياسي. وفي السجن، استمر جوردون في التزامه الشديد بشرائع اليهودية، وكان يشترك كل سبت (مع مجموعة من اليهود البولنديين) في إقامة الصلاة. وقد اكتسب جوردون شهرة واسعة، وأقدم الكثيرون على زيارته في سجنه من بينهم بعض كبار القوم في عصره فكان يقيم لهم المآدب والحفلات داخل السجن. وقد تُوفي جوردون في السجن ورفضت الجماعة اليهودية في لندن دفنه في مقابرها، فدُفن في مقابر عائلته البروتستانتية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
369 - هبة اللَّه بْن صاعد بْن هبة اللَّه بْن إِبْرَاهِيم، أمين الدّولة، أبو الْحَسَن ابن التلميذ النصراني، المسيحي، البغدادي، [المتوفى: 560 هـ]
شيخ الطب، بقراط عصره، وجالينوس زمانه، وشيخ النَّصارى لعنهم اللَّه وقِسِّيسهم. ذكره العماد فِي " الخريدة " فيا ما بالغ في وصف هذا الخنزير، ومما قال: هو سلطان الحكماء، ومقصد العالم في علم الطّبّ. وقال الموفق أَحْمَد بْن أَبِي أصَيْبَعة فِي " تاريخه ": ابن التّلميذ أوحد -[181]- زمانه في صناعة الطب، وفي مباشرة أعمالها ويدلّ على ذلك ما هُوَ مشهورٌ من تصانيفه وحواشيه على الكُتُب الطّبّيَّة، وكان ساعور البيمارستان العضدي ببغداد إلى حين وفاته. سافر فِي صِباه إلى العجم، وبقي بها فِي الخدمة زمانًا. وكان يكتب خطًّا منسوبًا، خبيرًا باللّسان السُّرْيانيّ واللّسان الفارسيّ واللّغة، وله نَظْمٌ حَسَن ظريف وترسل كثير، وكان والده أبو العلاء صاعد طبيبًا مشهورًا. وكان أمين الدّولة، وأبو البركات أوحد الزّمان فِي خدمة المستضيء بأمر اللَّه، وكان أوحد الزّمان أفضل من أمين الدّولة فِي العلوم الفلسفيَّة، وله فيها تصانيف. وكان الآخر أبصَرَ بالطب، وكان بينهما عداوة، لكن كان ابن التّلميذ أوفر عقلًا، وأجود طباعًا. وقال ابن خلكان: وكان أوحد الزمان، واسمه هبة اللَّه بْن عليّ بْن مَلْكا، يهوديًّا فأسلم فِي آخر أيّامه، وأصابه الجذام فعالَجَ روحه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوعها، فبالَغَتْ فِي نهشه، فبرئ من الجذام وعَمى، فعمل ابن التلميذ: لنا صديق يهودي من حماقته ... إذا تكلم تبدو فِيهِ مِن فِيهِ يتِيهُ والكلبُ أعلى منه مَنْزِلَةً ... كأنّه بعدُ لم يخرجْ من التِّيهِ وقال الموفّق عَبْد اللّطيف بْن يُوسُف: كان ابن التّلميذ كريم الأخلاق، عنده سخاء ومُرُوءة، وأعمال فِي الطَّبِّ مشهورة، وحُدُوس صائبة، منها أنه أدخل إليه رجل منزف يعرق دمًا في الصيف فيسأل تلاميذه، وكانوا قدر خمسين، فلم يعرفوا المرض، فأمره أنّ يأكل خُبْز شعير مع باذنْجان مَشْويّ، ففعل ذلك ثلاثة أيّام، فبرئ، فسأله أصحابه عن العّلة، فقال: إن دمه قد رقّ، ومَسَامَّهُ تفتَّحت، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم ويكثف المسامّ. قال: ومن مُرُوءته أنّ ظهر دارهِ كان يلي النظاميَّة، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه فإذا أبل وهبه دينارين وصرفه. وقال الموفَّق بْن أبي أُصَيْبعة: وكان الخليفة قد فوض إليه رياسة الطب، فلما اجتمعوا إليه ليمتحنهم، كان فيهم شيخٌ له هيئةٌ ووَقَارٌ فأكرمه، وكان للشيخ دربة ما بالمعالجة من غير عِلْم. فَلَمّا انتهى الأمر إليه قال له ابن -[182]- التلميذ: لم لا شاركتم الجماعة في البحث لنعلم ما عندكم من هذه الصناعة؟ فقال: وهل تكلّموا بشيء إلا وأنا أعلمه، وسبق إلى فهمي أضعافه؟! قال: فَعَلَى مَن قرأتم؟ قال: يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذا السن ما يبقى يليق به إلا أنّ يُسأل: كم لكم من التّلاميذ. قال: فأخبِرْني ما قرأتَ من الكُتُب؟ قال: سبحان اللَّه! صرنا إلى حدّ الصبيان، أيقال لمثلي هذا؟ إنما يقال لي: ما صنفتم فِي الطّبّ؟ وكم لكم من الكُتُب والمقالات؟ ولا بدّ أنّ أُعرِّفَك بنفسي. ثم دنا إلى أُذُن أمين الدّولة وقال له سرًا: اعلم بأنني قد شخت وأنا أوسم بالطّبّ، وما عندي إلا معرفة اصطلاحات مشهورة، وعمري كله أتكسب بهذا الفن، ولي عائلة، فسألتك بالله يا سيدنا أن تكاسر عني ولا تفضحني بين الجماعة. فقال: عليّ شرط أنّك لا تهجم على مريضٍ بما لا تعلمه ولا تشير بفصد ولا بإسهال إلا لما قرب من الأمراض. فقال الشَّيْخ: هذا مذهبي مُذْ كنتُ وما تعديت شراب الليمون والْجُلاب. فقال ابن التّلميذ للجماعة جَهْرًا: يا شيخ ما كنّا نعرفك فاعذُرنا والآن قد عرفناك، فاستمر فيما أنت فيه. وقال ابن أبي أُصَيْبَعة: حَدَّثَني سَعْد الدِّين بن أبي السهل البغدادي العواد، قال: رَأَيْت ابنَ التّلميذ، وكان يحبّ صناعة الموسيقى، وله مَيْلٌ إلى أهلها، وكان شيخًا رُبْع القامة، عريض اللّحية، حُلْو الشّمائل، كثّير النّادرة. ومن شعر ابن التّلميذ: لو كان يحسِن غُصْن البان مشيتها ... تأودًا لمشاها غيرَ محتّشِمِ فِي صدْرها كوكبا نورٍ أَقَلَّهُما ... ركنان لم يقربا من كف مستلم صانتهما في حريم من غَلائِلها ... فنحن فِي الحِلّ والرّكْنان فِي الحَرَمِ وله: عانَقْتُها وظلامُ اللّيل مُنْسَدلٌ ... ثُمَّ انتبهت ببرد الحلي في الغلس فصرت أحميه خوفًا أن ينبهها ... وأتّقي أنْ يذوب العِقْد من نَفَسِي وله: أكثر حسو البيض كيما ... يستقيم قيام أيرك ما لا يقوم ببيضتيك ... فلا يقوم ببيض غيرك -[183]- وله من الكتب أقراباذين وهو مشهور تداوله الناس، وآخر اسمه " الموجز " صغير، " واختيار كتاب الحاوي للرازي "، " اختصار شرح جالينوس لفصول أبقراط "، " شرح مسائل حنين "، " كناش "، " مختصر الحواشي على القانون لابن سينا "، " مقالة فِي الفَصْد "، وتصانيف سوى ذلك. وتُوُفيّ فِي الثامن والعشرين من ربيع الأول، وله أربعٌ وتسعون سنة، لا رحمه اللَّه، وخلّف أموالًا جزيلة، وكُتُبًا فائقة، ورثه ابنه، ثُمَّ أسلم ابنه قبل موته، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، وخنق فِي داره، وأُخِذ ماله، ونُقِلَت كُتُبُه على اثني عشر حمالا. وكان أمين الدولة قد قرأ الطّبّ على أبي الْحَسَن سَعِيد بْن هبة اللَّه صاحب المصنّفات. وذكر الموفّق عَبْد اللّطيف أنّ ولدَ أمين الدّولة كان شيخه فِي الطّبّ، وأنّه انتفع به، وقال: لم أر من يستحق اسم الطّبّ غيره، خنق في دهليزه. قلت: ومن أقارب أمين الدولة الأجل الحكيم: |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
بيان الجواب الصحيح، لمن بدل دين المسيح
للشيخ، تقي الدين: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلي. المتوفى: سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. أوله: (كلمتا الشهادة ... ) . وهو مجلد. ذكر فيه: أنه وجد رسالة. لبولص الراهب، أسقف صيدا الأنطاكي. كتبها إلى: بعض أصدقائه. وهي: عمدتهم، التي يعتمد عليها علماؤهم. ومضمونها: على ستة فصول. الأول: في أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - لم يبعث إليهم، بل إلى أهل الجاهلية وأن في القرآن ما يدل على ذلك. الثاني: أن محمدا - عليه الصلاة والسلام - أثنى في القرآن على دينهم، ومدحه. الثالث: أن نبوات الأنبياء - عليهم السلام - تشهد لدينهم بأنه (1/ 261) حق، فيجب التمسك به. الرابع: تقرير ذلك بالمعقول، وأن ما هم عليه من التثليث ثابت. الخامس: دعواهم أنهم موحدون. السادس: أن المسيح - عليه السلام -، جاء بعد موسى - عليه السلام - بغاية الكمال، فلا حاجة إلى شرع يزيد على الغاية. انتهى. فذكر ابن تيمية مدعاه، وأجاب عنها، فأبطل جميع ما حكاه عنه. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
ديوان مسيحي برشتنه وي
تركي. المتوفى: سنة 918 ثمان عشرة وتسعمائة. وله في (الزبدة) تسعة وستون بيتا. تاريخ: مسيحي فوت شد. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
ديوان مسيحي شرقي
تركي. وله في (الزبدة) بيت واحد. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الروع والأوجال، في نبأ المسيح الدجال
لشمس الدين، أبي عبد الله: محمد بن أحمد الحافظ، الذهبي. المتوفى: سنة 748، ثمان وأربعين وسبعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المقامات المسيحية
لأبي العباس: يحيى بن سعيد بن ماري النصارني، البصري، الطبيب. مات: في رمضان، سنة 589 تسع وثمانين وخمسمائة. نسج فيها على منوال الحريري. قال ياقوت: أجاد فيها. وقال الصفدي: ما أجاد، ولا قارب الإجادة. و (المقامات الجزرية) ، و (المقامات التميمية) ، خير منها، وما قاربنا الحريري من (الوافي) . |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
قال أبو داود في «السنن» : المسيح- مثقل-: الدجال، ومخفف: عيسى- عليه السلام-.
ونقل الفريرى عن خلف بن عامر أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، ويقال للدجال، ويقال لعيسى- عليه السلام-، وأنه لا فرق بينهما. «نيل الأوطار 2/ 287». |
معجم المصطلحات الاسلامية
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Christian المسيحي النصراني
|