الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
النحوي، اللغوي: عبد الله بن بَرّي بن عبد الجبار بن (بريِّ)، المقدسي، ثم المصري النحوي الشافعي، أبو محمد.
ولد: سنة (499 هـ) تسع وتسعين وأربعمائة. من مشايخه: عبد الجبار بن محمّد المعافري، وابن الحُطيئةَ وغيرهما. من تلامذته: عبد الغني المقدسي، وابن الجُمَّيزِيِّ وغيرهما. كلام العلماء فيه: * معجم الأدباء: "كان ثقة" أ. هـ. * إنباه الرواة: "وكان ثقة دينًا .. وكان فيه غفلة" أ. هـ. * وفيات الأعيان: "مثال على حديثه الملحون، حيث قال لأحد تلامذته في النحو: إشتر لي قليل هندبا بعرُوقو فقال له التلميذ: هندبًا بعروقِهِ، فعزّ عليه كلامه وقال: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فما أريده" أ. هـ. * السير: "تصدر بجامع مصر للعربية، وتخرّج به أئمة، وقصد من الآفاق. وكان يتحدث ملحونًا ويتبرم بمن يتفاصح" أ. هـ. * العبر: "وانتهى إليه علم العربية في زمانه وقُصد من البلاد لتحقيقه وتبحرُّه ومع ذلك فله حكايات في التغفل وسذاجة الطبع، كان يلبس الثياب الفاخرة، ويأخذ في كمه العنب مع الحطب والبيض، فيقطر على رجله ماء العنب فيرفع رأسه ويقول: العجب أنها تمطر مع الصحو" أ. هـ. * الوافي: "كان نحويًّا لغويًّا، شايع الذكر، مشهورًا بالعلم لم يكن للمصريين مثله" أ. هـ. * البداية والنهاية: "أحد أئمة اللغة والنحو في زمانه وكان عليه، تعرض الرسائل بعد ابن بابشاد، وكان كثير الاطلاع عالمًا بهذا الشأن وله التصانيف المفيدة" أ. هـ. * المقفى: "تصدر للإشتغال بالنحو في جامع عمرو بن العاص، وكان إمامًا مقدّمًا في النحو واللغة .. عالمًا بكتاب سيبويه وعلله، قيمًا باللغة وشواهدها .. وكان مع ما آتاه الله من العلم ساذج الطباع في ¬__________ * معجم الأدباء (4/ 1510)، إنباه الرواة (2/ 110)، وفيات الأعيان (3/ 108)، السير (21/ 136)، العبر (4/ 247)، التكملة لوفيات النقلة (1/ 58)، طبقات الشافعية للسبكي (7/ 121)، البداية والنهاية (12/ 341)، إشارة التعيين (161)، الوافي (17/ 80)، البلغة (121)، المقفى (4/ 450)، النجوم (6/ 103)، طبقات الشافعية للأسنوي (1/ 267)، بغية الوعاة (2/ 34)، الشذرات (6/ 449)، الأعلام (4/ 73)، معجم المؤلفين (2/ 231)، تاريخ الإسلام (وفيات 582) ط. تدمري. أمور الدنيا مبارك الصحبة ميمون الطلعة، وفيه تغفل عجيب يستبعد من سمعه أن يجتمع رجل متين العلم. وكانت ثيابه وسخة وله في التغفل أخبار شائعة بمصر" أ. هـ. وفاته: سنة (582 هـ) اثنتين وثمانين وخمسمائة. من مصنفاته: "الحواشي على الصحاح للجوهري" في ست مجلدات، و"جواب المسائل العشر". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
523 - عَبْد اللَّه بْن محمد بْن سَلْم بْن حبيب، أبو محمد المقدسيّ الفِرْيابيّ. [الوفاة: 311 - 320 هـ]
سَمِعَ: هشام بن عمّار، وعَبْد اللَّه بْن ذَكْوان، ودُحَيْمًا، ومحمد بن -[387]- رُمْح، وحَرْمَلَة، وجماعة. وَعَنْهُ: أبو حاتم بْن حِبّان ووثَّقهُ، والحَسَن بْن رشيق، ويوسف المَيَانِجيّ، وابن عدي. ووصفه أبو بكر ابن المقرئ بالصلاح والدين، وروى عَنْهُ، وله رحلة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
595 - عَبْد الغَنِيّ بْن عَبْد الواحد بْن عَلِيّ بْن سُرُور بْن رافع بْن حسن بْن جَعْفَر. الحافظ الكبير، تقيّ الدِّين، أَبُو مُحَمَّد المَقْدِسِيّ الجمَّاعيليّ، ثُمَّ الدَّمشقيّ، الصّالحي، الحنبليّ. [المتوفى: 600 هـ]
وُلِد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة. هو والشيخ الموفق في عام، وهما ابنا خالةٍ، وُلدا بجَمَّاعِيل. سمع بدمشق أَبَا المكارم عَبْد الواحد بْن هلال، وأبا المعالي بْن صابر، وسلمان بْن عليّ الرَّحْبيّ. وببغداد: أَبَا الفتح ابن البطّيّ، والشّيخ عَبْد القادر، وأبا زُرْعة المقدسيّ، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأحمد ابن المقرب، وأبا بكر ابن النَّقُّور، والمبارك بْن الْمُبَارَك السِّمسار، وَأَحْمَد بْن عَبْد الغنيّ الباجِسْرائيّ، ومَعْمَر بْن الفاخر، ويحيى بْن ثابت، والمبارك بْن خضر، ويحيى بْن علي الخيمي، والمبارك بن محمد البادرائي، وأبا محمد ابن الخشّاب، وطبقتهم. وبالموصل: أَبَا الفضل عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الخطيب، وبهَمَذَان عَبْد الرّزّاق بْن إِسْمَاعِيل القُومِسانيّ، ونسيبه المُطَهَّر بْن عَبْد الكريم، وإسماعيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل القُومِسانيّ، وجماعة. بأصبهان: الحافظ أَبَا مُوسَى المَدِينيّ، وأبا سعْد مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد الصّائغ، وأبا رشيد إِسْمَاعِيل بْن غانم البيّع، وأبا الفتح بْن أَحْمَد الخِرَقيّ، وأحمد بْن مَنْصُور التُّرْك، وأبا رشيد حبيب بْن إِبْرَاهِيم، وأبا غالب مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن ناصر، وسُفيان وعليًّا ابنَيْ أَبِي الفضل بْن أَبِي طاهر الخِرَقيّ، وبنيمان بْن أَبِي الفوارس السّبّاك، ومعاوية بْن عليّ الصُّوفيّ، وحمزة بْن أَبِي الفتح الطَبريّ، وغيرهم. وبالإسكندريَّة: أَبَا طاهر السِّلَفيّ فأكثر، وأبا مُحَمَّد عَبْد اللَّه العثمانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن خَلَف اللَّه الْمُقْرِئ، وجماعة. وبمصر: مُحَمَّد بْن عليّ الرَّحبّي، وعلي بْن هِبة اللَّه الكامليّ، وعبد اللَّه بْن برّيّ النّحويّ، وجماعة. -[1204]- وحدَّث بإصبهان، وبغداد، ودمشق، ومصر، ودِمياط، والإسكندريَّة. وكتب ما لا يوصف، وصنَّف التّصانيف المفيدة، ولم يزل يسمع ويسمع ويكتب ويجمع إلى أن توفّاه اللَّه تعالى إِلَى رحمته. روى عَنْهُ الشّيخ الموفّق، والحافظ عَبْد القادر الرُّهاويّ، وولداه أبو الفتح محمد وأبو موسى عبد الله، والحافظ الضياء، والحافظ ابن خليل، والفقيه اليُونينيّ، وسليمان الأسْعَرْدِيّ، والزَّيْن بْن عَبْد الدّائم، وعثمان بْن مكّي الشارعي الواعظ، وأحمد بْن حامد بْن أَحْمَد بْن حمْد الأَرْتَاحِيّ الْمُقْرِئ، وإسماعيل بْن عَبْد القويّ بْن عزّون، وأبو عِيسَى عَبْد اللَّه بْن علاق، وسعد الدين محمد بن مهلهل الجيتي، وبقي هَذَا إِلَى ربيع الأوّل سنة أربعٍ وسبعين. وبالإجازة: أَحْمَد بْن أَبِي الخير، وغيره. قال أبو عبد الله ابن النّجّار: حدَّث بالكثير، وصنَّف فِي الحديث تصانيف حسنة. وكان غزير الحِفْظ، من أَهْل الإتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه، وأصوله، وعِلَله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه، ومُشْكله، وفِقْهه، ومَعانيه، وضبْط أسماء رُواته. وكان كثير العبادة، ورِعًا، متمسّكًا بالسُّنَّة على قانون السَّلف. ولم يزل بدمشق - يَعْني بعد رجوعه من إصبهان - يحدّث وينتفع به النّاس، إِلَى أن تكلّم فِي الصّفات والقرآن بشيءٍ أنكره عليه أَهْل التّأويل من الفقهاء، وشنّعوا عليه، وعُقِد له مجلسٌ بدار السّلطان، حضره الفقهاء والقُضاة، فأصرَّ على قوله، وأباحوا إراقة دمه فشفع فيه جماعة إِلَى السّلطان من الأمراء الأكراد، وتوسّطوا فِي القضيَّة على أن يُخرَج من دمشق، فأُخرج إِلَى مصر، وأقام بها خاملًا إِلَى حين وفاته. أخبرنا يعيش بن مالك الحنبلي، قال: أخبرنا عَبْد الغنيّ. قلت: فذكر حديثًا. -[1205]- قرأتُ بخطّ العلّامة شيخ إصبهان أَبِي مُوسَى المَدِينيّ: يقول أبو مُوسَى عَفَا اللَّه عَنْهُ: قلَّ من قدِم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كَفَهْم الشّيخ الْإِمَام ضياء الدّين أَبِي مُحَمَّد عَبْد الغنيّ بْن عَبْد الواحد المقدسيّ، زاده اللَّه تعالى توفيقًا. وقد وُفِّق لتبيين هَذِهِ الغلطات على أنّ فِي الكُتُب المصنَّفة فِي معرفة الصّحابة غير هَذَا من الخطأ، ولا تنفكّ الكُتُب المجموعة فِي ذلك من ذلك، وما ذكره كما ذكره. إِلَى أن قال: ولو كان الدراقطني وأمثاله فِي الأحياء لَصَوَّبوا فِعْله، وقلّ من يفهم فِي زماننا لِما فهمه. كتبه أبو مُوسَى. قلت: هَذَا كتبه على ظهر كتاب "تبيين الإصابة لأوهامٍ حصلت فِي معرفة الصّحابة" الّذي جمعه الحافظ أبو نُعَيْم. وهو مجلَّد صغير أبان فيه عن حِفْظٍ باهر، ومعرفةٍ تامَّة. وقال الضّياء: ثُمَّ سافر الحافظ إِلَى إصبهان. وكان خرج وليس معه إلّا قليلُ فلوس، فسهّل اللَّه له مَن حمله وأنفق عليه، حتّى دخل إصبهان، وأقام بها مدَّة، وحصل بها الكُتُب الجيّدة. وكان ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إِلَى السُّمْرة، حَسَن الثَّغْر، كثّ اللّحية، واسع الجبين، عظيم الخلْق، تامّ القامة، كأنّ النور يخرج من وجهه. وكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنَّسْخ والمطالعة. ذكر تصانيفه رحمه اللَّه كتاب المصباح فِي الأحاديث الصِّحاح فِي ثمانية وأربعين جزءًا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب نهاية المراد في السنن نحو مائتي جزء لم يبيّضه، كتاب اليواقيت مجلّد، كتاب تحفة الطّالبين فِي الجهاد والمجاهدين مجلّد، كتاب الروضة أربعة أجزاء، كتاب فضائل خير البَرَيَّة أربعة أجزاء، كتاب الذكر جزءان، كتاب الإسراء جزءان، كتاب التهجد جزءان، كتاب الفرج جزءان، كتاب صلات الأحياء إلى الأموات جزءان، كتاب الصفات جزءان، كتاب محنة أَحْمَد ثلاثة أجزاء، كتاب ذمّ الرّياء جزء، ذمّ الغَيْبة جزء، التّرغيب فِي الدّعاء جزء، الأمر بالمعروف جزء، -[1206]- كتاب فضائل مكة أربعة أجزاء، فضائل رمضان جزء، فضائل العشر جزء، فضائل الصدقة جزء، فضائل الحج جزء، فضائل رجب جزء، وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم جزء، أقسام النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم جزء، الأربعون جزء، أربعون أخرى جزء، الأربعين من كلام رب العالمين جزء، أربعون حديثًا بسندٍ واحد، اعتقاد الشّافعيّ جزء، كتاب الحكايات سبعة أجزاء، كتاب غُنْيَة الحفّاظ فِي مشكل الألفاظ فِي مجلّدتين، ذِكر القبور جزء، مناقب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز جزء، أجزاء في الأحاديث والحكايات أكثر من مائة جزء، وهذه كلّها بأسانيده. ومن الكتب بلا إسناد: الأحكام فِي ستَّة أجزاء، العمدة في الأحكام جزءان، كتاب دُرر الأثر تسعة أجزاء، كتاب السّيرة النّبويَّة جزء كبير، النّصيحة فِي الأدعية الصّحيحة جزء، الاعتقاد جزء، تبيين أوهام أَبِي نُعَيْم الحافظ فِي الصّحابة جزء كبير، كتاب الكمال فِي معرفة الرجال عدَّة مجلدات، وفيه إسناد. قال: وكان لا يَكَادُ أحدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ إِلا ذكره له وبيّنه. ولا يُسأل عن رَجُلٍ، إلا قال: هُوَ فُلان بْن فلان، وبيَّن نسبه. قال: وأنا أقول: كان الحافظ عَبْد الغنيّ المقدسيّ أمير المؤمنين فِي الحديث. سمعته يقول: كنت عند الحافظ أَبِي مُوسَى فنَازَعَني رجلٌ فِي حديث فقال: هُوَ فِي البخاريّ. وقلت: ليس هُوَ فِيهِ. قال: فكتب الحديث فِي رُقْعة، ورفعها إِلَى الحافظ أَبِي مُوسَى يسأله عَنْهُ، فناولني الحافظ الرُّقْعة وقال: ما تقول؟ هَلْ هَذَا الحديث فِي الْبُخَارِيّ أم لا؟ فقلت: لا. قال: فخجل الرجل. وسمعتُ أَبَا الطّاهر إِسْمَاعِيل بْن ظَفَر يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعني عَبْد الغنيّ - فقال: رجلٌ حلف بالطّلاق أنّك تحفظ مائة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصَدَق. شاهدتُ الحافظ غير مرَّةٍ بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر: اقرأ لنا أحاديث من غير الجزء. فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه. -[1207]- وقيل: إنّه سُئل: لِمَ لا تقرأ من غير كتاب؟ يعني دائمًا، قال: إنّي أخاف العُجب. وسمعت الْإِمَام أَبَا العبّاس أَحْمَد بْن محمد ابن الحافظ، قال: سمعت علي بن فارس الزّجّاج العلثيّ الصّالح قال: لمّا جاء الحافظ من بلاد العجم. قلت: يا حافظ ما حفظت بعدُ مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هَذَا معناه. سمعتُ أَبَا مُحَمَّد عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الملك الشّيبانيّ يقول: سمعتُ التّاج الكِنْديّ يقول: لم يكن بعد الدَّارَقُطْنِيّ مثل الحافظ عَبْد الغنيّ، يعني المقدسيّ. وقال الفقيه أبو الثّناء محمود بْن هَمّام الْأَنْصَارِيّ: سمعت التّاج الكِنْدي يقول: لم يَرَ الحافظ عَبْد الغنيّ مثلَ نفسه. وقال أبو نِزار ربيعة بْن الْحَسَن: قد رَأَيْت أَبَا موسى المدينيّ، وهذا الحافظ عَبْد الغنيّ أحفظ منه. قال الضّياء: وكلّ من رأينا من المحدّثين ممّن رَأَى الحافظ عَبْد الغنيّ وجرى ذَكر حِفْظه ومُذَاكراته، قال: ما رأينا مثله، أو ما يشبه هَذَا. ثمّ ذكر الضّياء فصلًا فِي حِرْصِه على الحديث وطلبه وتحريضه للطَّلَبَة، وقال: حرَّضني على السّفر إِلَى مصر، وسافر معنا ولده أبو سُلَيْمَان وله نحو عشر سنين. وسير قبلنا ولدَيْه محمدًا وعبد اللَّه إِلَى إصبهان. ثم سفر إسماعيل بن ظفر، وزوده وأعطاه ما احتاج إليه، فسافر إِلَى بغداد، وإصبهان، وخُراسان. وقبلَ ذلك حرَّض أَبَا الحجّاج يوسف بْن خليل على السَّفَر. وكان يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصّلاة بجامع دمشق وليلة الخميس بالجامع أيضًا. ويجتمع خلْق. وكان يقرأ ويبكي، ويُبكي الناسُ بكاءً كثيرًا، وكان بعد القراءة يدعو دعاءً كثيرًا. وسمعتُ شيخنا أَبَا الْحَسَن عليّ بْن إِبْرَاهِيم بْن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المِنْبر: قد جاء الْإِمَام الحافظ وهو يريد أن يقرأ الحديث، فأشتهي أن تحضروا مجلسَه ثلاث مرّات، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصل لكم الرغبة. فجلس أوّل يوم، وكنتُ حاضرًا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها حِفْظًا، وقرأ جزءًا، ففرح النّاس بمجلسه فَرَحًا كثيرًا. ثمّ سمعت ابن نجا شيخنا يقول: -[1208]- قد حصل الذي كنتُ أريده فِي أول مجلس. قال: وكان يجلس بمصر فِي غير موضعٍ يقرأ الحديث. وكان رحمه اللَّه لا يكاد يضيّع شيئًا من زمانه بلا فائِدة، فإنّه كان يُصلّي الفجر، ويلقّن القرآن، وربمّا لقّن الحديث. فقد حفَّظنا منه أحاديث جمَّة تَلْقِينًا. ثُمَّ يقوم فيتوضّأ، ويصلّي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوَّذتين إِلَى قبل وقت الظُّهْر، ثُمَّ ينام نومةً، ثُمَّ يُصلّي الظُّهر، ويشتغل إمّا بالتّسميع أو النَّسْخ إِلَى المغرب، فَإِنْ كان صائمًا أفطر، وإن كان مفطِرًا صلّى من المغرب إِلَى العشاء الآخرة، فإذا صلّى العشاء نام إِلَى نصف اللّيل أو بعده. ثُمَّ قام فتوضّأ وصلّى لحظة، ثُمَّ توضّأ، ثُمَّ صلّى كذلك، ثُمَّ توضّأ وصلى إِلَى قرب الفجر، وربّما توضّأ فِي اللّيل سبع مرّات أو أكثر. فَقِيل له فِي ذلك، فقال: ما تطيب لي الصّلاة إلا ما دامت أعضائي رطْبة. ثُمَّ ينام نومةً يسيرة إِلَى الفجر. وهذا دأْبُه، وكان لا يكاد يُصلّي فريضتين بوضوءٍ واحد. سَأَلت خالي الْإِمَام موفَّق الدّين عن الحافظ فقال وكتب بخطه: كان رفيقي فِي الصِّبَى وَفِي طلب العِلم، وما كنّا نستبق إِلَى خيرٍ إلّا سبقني إليه إلّا القليل. وكمّل اللَّه فضيلته بابتلائه بأذى أَهْل البِدْعة، وعداوتهم له، وقيامهم عليه. ورُزِق العلم وتحصيل الكُتُب الكثيرة، إلّا أنّه لم يعمّر حتّى يَبْتَغِ غرضَه فِي روايتها ونشْرها. قال الضّياء: وكان يستعمل السِّواك كثيرًا، حتّى كأن أسنانه البرد. سمعتُ محمود بن سلّامة الحرّانيّ التّاجر غير مرَّة يقول: كان الحافظ عَبْد الغنيّ نازلًا عندي بإصبهان، وما كان ينام من اللّيل إلّا قليلًا، بل يُصلي ويقرأ ويبكي، حتّى ربمّا مَنَعَنَا النّوم إِلَى السَّحَر. أو ما هَذَا معناه. وكان الحافظ لا يرى مُنْكرًا إلّا غيّره بيده أو بلسانه. وكان لا تأخذه فِي اللَّه لومة لائم. رأيته مرة يريق خمراً، فجذب صاحبه السّيف، فلم يخف، وأخذه من يده. وكان قويًّا فِي بَدَنه. وكثيرًا ما كان بدمشق يُنْكر ويكسر الطّنابير والشّبّابات. قال لنا خالي الموفَّق: كان لا يصبر عن إنكار المُنْكَر إذا رآه. سمعت فضائل بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن سُرور المقدسيّ، قال: سمعتهم -[1209]- يتحدّثون بمصر أنّ الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلمّا رآه قام له، فلمّا كان اليوم الثّاني إذا الأمراء قد جاؤوا إلى الإمام الحافظ إِلَى مصْر، مثل سركس، وأُزْكش، فقالوا: آمنّا بكراماتك يا حافظ. وذكروا أنّ العادل قال: ما خفتُ مِن أحدٍ ما خفتُ من هَذَا الرجل. فقلنا: أيّها الملك، هَذَا رجلٌ فقيه، أيش خفتَ منه؟ قال: لمّا دخل ما خُيّل إليّ إلّا أَنَّه سَبُع يريد أن يأكلني. فقلنا: هَذِهِ كرامة للحافظ. قال الضّياء: شاهدتُ بخط الحافظ قال: والملك العادل اجتمعت به، وما رَأَيْت منه إلّا الجميل، فأَقبل عليّ وأكرمني، وقام لي والتزمني، ودعوتُ له. ثُمَّ قلت: عندنا قُصُور فهو الّذي يوجب التّقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قُصُور. وذُكر أمرُ السُّنَّة فقال: ما عندك شيءٌ تعابُ به فِي أمور الدّين ولا الدّنيا، ولا بُد للنّاس من حاسِدين. وبلغني عَنْهُ بعد ذلك أنّه ذُكر عنده العِلماء فقال: ما رأيتُ بالشّام ولا مصر مثلَ فلان، دخل عليَّ فَخُيّل إليَّ أنّه أسد قد دخل عليَّ، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب. قال الضّياء: وكان المبتدعة قد وغروا صدر العادل على الحافظ، وتكلّموا فِيهِ عنده. وكان بعضهم يقول: إنه ربما قتله إذا دخل عليه. فسمعتُ بعضَهم أنّ بعض المبتدعة أرسل إِلَى العادل يبذل فِي قتْل الحافظ خمسة آلاف دينار. وسمعتُ الشّيخ أبا بكر بن أحمد الطحان، قال: وكان فِي دولة الأفضل عليّ جعلوا الملاهي عند دَرَج جَيْرون، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا منها. ثُمَّ جاء فصعِد على المِنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول القاضي يطلبه حتّى يُناظره فِي الدّفّ والشّبابة فقال الحافظ: ذاك عندي حرام. وقال: لا أمشي إليه، إنْ كان له حاجة فيجيء هو. ثم تكلَّم على المِنْبر، فعاد الرَّسُول فقال: لا بُدّ من مجيئك قد بطلت هَذِهِ الأشياء على السّلطان. فقال الحافظ: ضربَ اللَّهُ رقبتَه ورقبة السّلطان. فمضى الرَّسُول، وخِفْنا من فتنة، فَمَا جاء أحدٌ بعد ذلك. سمعت محمود بْن سلامة الحرّانّي بإصبهان قال: كان الحافظ بإصبهان فيصطفّ النّاس فِي السّوق ينظرون إليه. ولو أقام بإصبهان مدَّةً وأراد أن يملكها -[1210]- لملكها. يعني من حُبهم له ورغبتهم فِيهِ. قال الضّياء: ولمّا وصل إِلَى مصر أخيرًا كنّا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إِلَى الجامع لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلْق، يتبرّكون به، ويجتمعون حوله. وكان سخياً، جواداً، كريما، لا يدَّخر دينارًا ولا درهمًا. ومهما حصل له أَخْرَجَهُ. ولقد سمعتُ عَنْهُ أنّه كان يخرج فِي بعض اللّيالي بقِفاف الدّقيق إِلَى بيوت المحتاجين، فإذا فتحوا له ترك ما معه ومضى لئلّا يُعرف. وكان يُفتح له بشيء من الثّياب والبُرد، فيعطيه للنّاس، وربمّا كان عليه ثوب مرقَّع. قال لي خالي الموفّق: كان جوادًا، يؤثر بما تصل يده إِليه سرًّا وعلانية. وقال عبد الجليل الْجِيلانيّ: كنتُ فِي مسجد الوزير، فبقيت ثلاثة أيّام ما لنا شيء، فلمّا كان العصر يوم الجمعة سلّمت على الحافظ، ومشيت معه إِلَى خارج باب الجامع فناولني نفقةً، فإذا هِيَ نحو خمسين درهمًا. وسمعت بدْرَ بنَ مُحَمَّد الْجَزَريّ، قال: ما رَأَيْت أحدًا أكرم من الحافظ عَبْد الغنيّ، قد أوفى عنّي غير مرَّة. سمعت سُلَيْمَان بْن إِبْرَاهِيم الأَسْعَرْدِيّ يقول: بعث الملك الأفضل إِلَى الحافظ بنفقةٍ وقمح كثير. ففرقه كلّه، ولم يترك شيئًا. سمعت أَحْمَد بْن عبد الله العراقي، قال: حَدَّثَنِي مَنْصُور، قال: شاهدتُ الحافظ فِي الغلاء بمصر، وهو ثلاث ليالٍ يؤثر بعَشَائه ويَطْوي. سمعتُ الفقيه مقصد بْن عليّ بْن عَبْد الواحد المصريّ، قال: سمعتُ أنّ الحافظ كان زمان الغلاء يؤثر بعَشَائه. يعني غلاء مصر. قال الضّياء: وقد فُتِح له بمصر بأشياء كثيرة من الذَّهب وغير ذلك، فَمَا كان يترك شيئًا. سمعت الرِّضَى عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الجبار؛ سمعتُ الحافظ يقول: سألتُ اللَّه أنْ يرزقني مثل حال الْإِمَام أحمد بن حنبل، فقد رزقني صلاته. قال: ثُمَّ أبتُليَ بعد ذلك وأُوذِيَ. سمعت الْإِمَام أَبَا مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ يقول: كان أبو نعيم قد أخذ على الحافظ ابن مَنْدَهْ أشياء فِي معرفة الصّحابة، فكان الحافظ أبو مُوسَى يشتهي أنْ يأخذ على أَبِي نُعَيْم فِي كتابه، فَمَا كان يجسر. فلمّا جاء الحافظ عَبْد الغنيّ أشار إليه بِذَلِك، فأخذ على أَبِي نُعَيْم فِي كتابه معرفة الصّحابة نحوًا من مائتين وتسعين موضعًا. فلمّا سمع بِذَلِك الصّدر عَبْد اللّطيف بْن الخُجَنْدِيّ طلب الحافظ عَبْد الغنيّ، وأراد هلاكه، فاختفى الحافظ. -[1211]- وسمعت محمود بْن سلامة الحَرَّانيّ، قال: ما أخرجنا الحافظ من إصبهان إلّا فِي إزار. وذلك أنّ بيت الخُجَنْدِيّ أشاعِرة يتعصّبون لأبي نُعَيْم، وكانوا رؤساء إصبهان. سمعت الحافظ يقول: كنّا بالمَوْصِل نسمع الْجَرْح والتّعديل للعُقَيْليّ، فأخذني أَهْل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذِكر أَبِي حنيفة فِيهِ. قال: فجاءني رجلٌ طويل معه سيف، فقلت: لعلّه يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئًا. ثُمَّ أُطلِقت. وكان يسمع هُوَ وابن البرنيّ، فأخذ ابن البرنيّ الكرّاس الّتي فيها ذِكر أَبِي حنيفة، ففتّشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئًا، فهذا كان سبب خلاصه. قلت: سمعت عبد الحميد بن خولان، قال: سمعتُ الضّياء يقول: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلْق عليه، فحُسد، وشرعوا يعملون لهم وقتًا فِي الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون النّاس، فهذا ينام، وهذا قلْبه غير حاضر، فلم يشف قلوبهم، فشرعوا في مكيدةٍ، فأمروا الناصح ابن الحنبليّ بأنْ يعِظ بعد الجمعة تحت النَّسْر، وقت جلوس الحافظ، فأخّر الحافظ ميعادَه إِلَى العصر. فلمّا كان فِي بعض الأيّام، والنّاصحُ قد فرغ، وقد ذكر الْإِمَام، فدسّوا إليه رجلًا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للنّاصح ما معناه: أنّك تقول الكذِبَ على المِنْبر. فضُرِب الرجل وهرب، وخُبّئ فِي الكلّاسة، ومشوا إِلَى الوالي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة. وهم وهُمْ واعتقادهم. ثمّ جمعوا كُبَرَاءهم، ومضوا إِلَى القلعة، وقالوا للوالي: نشتهي أنْ تُحْضِر الحافظ. وسمع مشايخنا، فانحدروا إِلَى المدينة، خالي الموفَّق، وأخي الشّمس البخاريّ، والفقهاء، وقالوا: نَحْنُ نُنَاظِرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ، فإنّك حادّ، ونحن نكفيك. فاتّفق أنّهم أرسلوا إِلَى الحافظ فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا، فناظروه وكان أجهلهم يُغْري به، فاحتدّ. وكانوا قد كتبوا شيئًا من اعتقادهم، وكتبوا خطوطهم فِيهِ، وقالوا له: اكتب خطَّك. فلم يفعل. فقالوا للوالي: قد اتّفق الفُقهاء كلّهم، وهذا -[1212]- يخالفهم. واستأذنوه فِي رفع مِنْبره. فأرسلوا الأسرى، فرفعوا ما فِي جامع دمشق من مِنْبرٍ وخزانة وقالوا: نريد أن لا نجعل فِي الجامع إلّا صلاة الشّافعيَّة. وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصّلاة في مكانهم، ففاتتهم الظُّهْر. ثمّ إنّ الناصح جَمَع البَنَويَّة وغيرهم، وقالوا: إنْ لم يُخَلُّونا نصلّي صلّينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وهو كان صاحب الفتنة، فإذِن لهم، وخاف أن يُصلّوا بغير إذنه. وكان الحنفية حموا مقصورتهم بجماعةٍ من الْجُنْد. ثُمَّ إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إِلَى بَعْلَبَكّ، فأقام بها مدَّة، وتوجَّه إِلَى مصر، فبقي بنابلس مدَّةً يقرأ الحديث وكنتُ أَنَا فِي ذلك الوقت بمصر فجاء شاب من دمشق بفتاوى إلى الملك عثمان الْعَزِيز، ومعه كتب أنّ الحنابلة يقولون كذا وكذا. وكان بنواحي الإسكندريَّة، فقال: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا مَن يقول بهذه المقالة؟ فاتّفق أنّه لم يرجع، وشَبَّ به فَرَسُه. وأقاموا ولده موضعه. ثم أرسلوا إلى الأفضل، كان بصَرْخَد، فجاء وأخذ مصر. ثُمَّ انحرف إِلَى دمشق فاتّفق أنّه لقي الحافظ فِي الطريق، ففرح به وأكرمه. ونفّذ يوصي به بمصر، فلمّا وصل الحافظ إِلَى مصر تُلُقِّيَ بالبِشْر والإكرام، وأقام بها يُسمع الحديث بمواضع ويجلس. وقد كان بمصر كثيرٌ من المخالفين، لكنْ كَانَتْ رائحة السّلطان تمنعهم. ثُمَّ إنّ الأفضل حاصر دمشق، وردَّ عَنْهَا بعد أن أشرف على أخْذها، ورجع إِلَى مصر، فجاء العادل خلْفه فأخذ مصر. وبقي بمصر. وأكثَر المخالفون على الحافظ، حتّى استُدعيَ، ولم يحصل لهم بحمد اللَّه ما أرادوا. وأكرمه العادل، وسافر إِلَى دمشق. وبقي الحافظ بمصر، وهم لا يتركون الكلام فِيهِ، فلمّا أكثروا عَزَم الكامل على إخراجه من مصر. ثم إن الحافظ اعتُقِل فِي دارِ سبعَ ليالٍ فَسَمعت التّقيّ أحمد ابن العزّ مُحَمَّد بْن عَبْد الغنيّ: حدَّثني الشّجاع بْن أَبِي زكريّ الأمير قال: قال لي الكامل: هاهنا رجلٌ فقيه قَالُوا: إنّه كافر. قلت: لا أعرفه. قال: بلى، هُوَ محدِّث. فقلت: لعلّه الحافظ عبد الغني؟ قال: نعم هذا هُوَ. فقلت: أيّها الملك، العلماء أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا. وأنت هاهنا باب الدّنيا، فهذا الرجل جاء إليك، أو أرسل إليك رُقعة؟ قال: -[1213]- لا. قلت: والله هؤلاء يحسدونه. فهل فِي هَذِهِ البلاد أرفع منك؟ قال: لا. فقلت: هَذَا الرجل أرفع العلماء. فقال: جزاك اللَّه خيرًا كما عرَّفْتني هَذَا. وقال أبو المظفّر ابن الجوزيّ فِي تاريخه: اجتمع قاضي دمشق محيي الدّين والخطيب ضياء الدّين وجماعة، وصعدوا إِلَى مُتَولّي القلعة أنّ عَبْد الغنيّ قد أضلّ الناسَ ويقول بالتّشبيه، فعقدوا له مجلسًا وأحضروه، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع، منها قوله: لا أُنَزِّهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزّول. ومنها: كان اللَّه ولا مكان، وليس هُوَ اليوم على ما كان. ومنها مسألة الحرف والصَّوت. فقالوا: إذا لم يكن على ما كان، فقد أثبت له المكان. وإذا لم تنزهه تنزيهًا ينفي عَنْهُ حقيقة النزّول فقد أجزت عليه الانتقال. وأمّا الحرف والصّوت فإنّه لم يصحّ عن إمامك فِيهِ شيء وإنّما المنقول عَنْهُ أنّه كلام اللَّه لا غير. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدّين بزغش والي القلعة: كلّ هؤلاء على ضلالة، وأنت على الحقّ؟ قال: نعم. فأمر الأسارى، فنزلوا فكسروا مِنْبره، ومنعوا الحنابلة من الصّلاة، ففاتتهم صلاة الظُّهْر. وقال أبو المظفّر فِي مكانٍ آخر: اجتمع الشّافعيَّة، والحنفيَّة، والمالكية بالملك المعظمّ بدار العدل، وكان يجلس فيها هُوَ والصّارم بزغش، فكان ما اشتهر من أمر عَبْد الغنيّ الحافظ، وإصراره على ما ظهر من اعتقاده، وإجماع الفقهاء على الفُتْيا بتكفيره، وأنّه مبتدِع لا يجوز أن يُترك بين المسلمين، فسأل أنْ يُمهل ثلاثة أيّام لينفصل عن البلد، فأجيب. قلت: قوله: وإجماع الفقهاء على الفُتيا بتكفيره كلامٌ ناقص، وهو كذِبٌ صريح، وإنّما أفتى بِذَلِك بعض الشّافعيَّة الّذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ موفق الدين وأبو اليُمْن الكِنْديّ شيخا الحنفيَّة والحنابلة فكانا معه. ولكنْ نعوذ بالله من الظُّلْم والْجَهْل. قال أبو المظفّر: وسافر عَبْد الغنيّ إِلَى مصر، فنزل عند الطّحّانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، فكتبوا إِلَى ابن شُكر الوزير يقولون: قد أفسد عقائدَ النّاسِ، ويذكر التّجسيم على رؤوس الأشهاد. فكتب -[1214]- إِلَى والي مصر بنفْيه، فمات قبل وصول الكتاب رحمه اللَّه تعالى بمسجد المصنع. قال: وكان يُصلّي كلّ يومٍ وليلة ثلاث مائة ركعة ورد الإمام أحمد بن حنبل. وكان يقوم الليل عامَّةَ دهره، ويحمل ما أمكنه إِلَى بيوت الأرامل واليتامى سرًّا. وكان أوحد زمانه فِي عِلم الحديث. وقال الضّياء: سمعت بعض أصحابنا يقول: إنّ الحافظ أُمِرَ أنْ يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا لقول اللَّه تعالى كذا، وأقول كذا لقول النّبّي صلى الله عليه وسلم كذا. حتّى فرغ من المسائل الّتي يخالفونه فيها، فلمّا وقف عليها الملك الكامل قال: أيش أقول فِي هَذَا؟ يقولُ بقول الله وقول رسوله؟ فخلّى عَنْهُ. فصل قال: وسمعت أَبَا مُوسَى بْن عَبْد الغنيّ قال: كنت مع والدي بمصر وهو يذكر فضائل سُفْيان الثَّوريُّ. فقلت فِي نفسي: إنّ والدي مثله. قال: فالتفت إليّ وقال: أَيْنَ نَحْنُ من أولئك؟ سمعتُ الزّاهد إِبْرَاهِيم بْن محمود البَعْلَبَكّيّ يقول: كنتُ يومًا عند الشيخ عماد الدين، وقد جاء تجارٌ، فحدثوه أنّهم رأوا، أو قال: يُرى، النّور على قبر الحافظ عَبْد الغنيّ كلّ ليلة، أو كل ليلة جُمعة. شكّ إِبْرَاهِيم. سَمِعْتُ الْإِمَام أَبَا العَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الغنيّ، قال: رأيتُ البارحة الكمال عَبْد الرّحيم - يعني أخي - وعليه ثوب أبيض. فقلت: أَيْنَ أنت؟ قال: فِي جنَّةِ عدْن. فقلت: أيّما أفضل الحافظ عَبْد الغنيّ، أو الشّيخ أبو عُمَر؟ قال: ما أدري، وأمّا الحافظ فكلّ ليلة جمعة يُنصب له كرسيّ تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، ويُنثر عليه الدّرّ، وهذا نصيبي منه. وكان فِي كُمه شيء، وقد أمسك بيده على رأس الكُمّ. وسمعتُ عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد الكرديّ بحّران، قال: رَأَيْت الحافظ فِي المنام، فقلتُ له: يا سيّدي، أليس قد مُتّ؟ فقال: إنّ اللَّه أبقى عليّ وِرْدي من الصّلاة. أو نحو هَذَا. -[1215]- وسمعتُ القاضي أَبَا حَفْص عُمَر بْن عليّ الهكّاريّ بنابلس يقول: رأيتُ الحافظ عَبْد الغنيّ فِي النّوم كأنّه قد جاء إِلَى بيت المقدس، فقلت: جئت غير رَاكب؟ فقال: أَنَا حملني النّبيّ صلى الله عليه وسلم. سمعت الحافظ أَبَا مُوسَى قال: حدَّثني رجلٌ من أصحابنا، قال: رَأَيْت الحافظ فِي النّوم، وكان يمشي مستعجلًا، فقلت: إِلَى أَيْنَ؟ قال: أزور النّبيّ صلى الله عليه وسلم. فقلت: وأين هُوَ؟ قال: فِي المسجد الأقصى. فإذا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده أصحابه. فَلَمَّا رَأَى الحافظ قامَ صلى الله عليه وسلم له وأجلسه إِلَى جانبه. قال: فبقي الحافظ يشكو إليه ما لقي، ويبكي ويقول: يا رسول الله كُذَّبتُ في الحديث الفلاني، والحديث الفلانيّ، ورسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: صدقتَ يا عَبْد الغنيّ، صدقتَ يا عَبْد الغنيّ. سمعتُ أَبَا مُوسَى قال: مرض والدي مَرَضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام ستَّة عشر يومًا. وكنتُ كثيرًا ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنَّة، أشتهي رحمة اللَّه. ولا يزيد على ذلك. فلمّا كان يوم الإثنين جئتُ إليه، وكان عادتي أبعث كلّ يوم مَن يأتي بماءٍ من الحمّام بكرةً يغسل به أطرافه. فلمّا جئنا بالماء مدَّ يده، فعرفت أنّه يريد الوضوء، فوضّأته وقت صلاة الصُّبح، فلمّا توضّأ قال: يا عبد الله قُم فصل بنا وخفف. فقمت فصليت بالجماعة، وصلّى معنا جالسًا، فلمّا انصرفَ النّاس، جئتُ وقد استقبل القِبلة فقال: اقرأ عند رأسي يس. فقرأتُها، فجعل يدعو وأنا أؤمِّن. فقلت له: هاهنا دواء قد عملناه، تشربه. قال: يا بُنَيّ، ما بقي إلّا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النَّظَر إِلَى وجه اللَّه سبحانه. فقلت: ما أنت عنّي راضٍ؟ قال: بلى والله، أَنَا راضٍ عنك وعن إخوتك، وقد أجزتُ لك ولإخوتك، ولابن أخيك إِبْرَاهِيم. فقلت: ما توصي بشيء. قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء. قلت: تُوصيني بوصيَّة. قال: يا بُنَيّ، أُوصيك بتقوى اللَّه، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فردّ عليهم، وجعلوا يتحدّثون ففتح عينيه وقال: ما هَذَا الحديث؟ اذكروا اللَّه، قولوا: لا إله إلّا اللَّه. فقالوا، ثُمَّ قاموا، وجعل هو يذكر الله ويحرك شفتيه، ويشير بعينيه. فدخل دِرع النّابلسيّ فسلَّم عليه وقال: ما تعرفني؟ قال: بلى. فقمتُ لأناوله كتابًا من جانب المسجد، فرجعت وقد خَرَجَتْ روحُه. وذلك يوم الإثنين الثّالث والعشرين من -[1216]- ربيع الأول. وبقي ليلة الثلاثاء فِي المسجد، واجتمع من الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء والناس ما لا يحصيهم إلّا اللَّه. ودفنّاه بالقرافة مقابل قبر الشيخ أَبِي عَمْرو بْن مرزوق، فِي مكانٍ ذكر لي خادمه عَبْد المنعم أنّه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فِيهِ إِلَى أن يبلّ الحصَى، ويقول: قلبي يرتاحُ إِلَى هَذَا المكان. فرحمه اللَّه ورضي عَنْهُ. قال الضّياء: وتزوَّج ببنت خاله رابعَة بِنْت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة، فولدت له محمدا، وعبد الله، وعبد الرَّحْمَن، وفاطمة، وعاشوا حتّى كبروا. وتسرَّى بجاريةٍ فِي مصر، فلم توافقْه، ثُمَّ بأخرى، فولدت له بنتين ماتتا ولم تكبرا. سمعت عَبْد الحميد بْن خَوْلان أنّ الضّياء أخبرهم، قال: لمّا دخلنا إصبهان كنّا سبعة، أحدنا الإمام أحمد بن محمد ابن الحافظ، وكان طفلًا، فسمعنا على المشايخ. وكان شيخنا مؤيَّد الدّين ابن الإخوة عنده جملة حَسَنَة من المسموعات، فسمعنا عليه قطعة، وكان يتشدّد علينا. ثُمَّ إنه تُوُفّي، فضاق صدري لموته كثيراً، لأنه كانت عنده مسموعات عند غيره. وأكثر ما ضاق صدري لأجل ثلاث كتب: مسند العدني، ومعجم ابن المقرئ، ومعجم أَبِي يَعْلَى. وكنت قد سمعت عليه فِي السفرة الأولى مسند العدني ولكن لأجل رفقتي، فرأيت فِي النّوم كأنّ الحافظ عَبْد الغنيّ رحمه اللَّه قد أمسك رجلًا، وهو يقول لي: أمّ هَذَا، أمّ هَذَا. والرجل الّذي أشار إليه هُوَ ابن عَائِشَة بِنْت معمر. فلمّا استيقظت قلتُ فِي نفسي: ما قال هَذَا إلّا لأجل شيء. فوقع فِي قلبي أنّه يريد الحديث، فمضيت إِلَى دار بني مَعْمر وفتَّشْت الكُتب، فوجدتُ مُسْنَد العَدَنيّ سماع عَائِشَة مثل ابن الإخوة، فلمّا سمعناه عليها قال لي بعض الحاضرين: إنْ لها سماعًا بمُعجم ابن الْمُقْرِئ. قلت: أَيْنَ هُوَ؟ قال: عند فلان الخباز. فأخذناه وسمعناه منها. وبعد أيّام ناولني بعض الإخوان مُعْجَم أَبِي يَعْلَى سماعها. فسمعناه. أنشدنا ابن خولان، قال: أنشدنا أبو عَبْد اللَّه الحافظ سنة ستٍّ وعشرين وست مائة، قال: أنشدنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن سعْد بْن عَبْد اللَّه لنفسه يرثي الحافظ: -[1217]- هذا الذي كنتُ يوم البين أحتسب ... فلْيَقْض دمعُك عنّي بعض ما يجبُ لم يُبْقِ فيَّ الأَسَى والسّقْمِ جارحةٍ ... نفسٌ تذوبُ ودمع إثرها يجبُ تالله لا رُمتُ صبرًا عنهمُ أَبدًا ... وَفِي الحياة فَمَا لي دونهم أربُ لا تَعْجَبَنّ لوفاتي بعدهم أسفًا ... وإنما حياتي من بعدهم عجبُ سقيًا ورعيًا لأيام لنا سفلت ... والشملُ مجتمعٌ والأُنْس منتسبٌ والعيشُ غَضٌّ وعين الدَّهر راقدةٌ ... والبينُ رَثٌّ وأثواب الهَوَى قُشُبُ والدارُ ما نزحَتْ والورقُ ما صَدَحَتْ ... وحبَّذا بكم الأجراع والكتُبُ إنْ تُمس دارُهُم عنّي مُباعدةً ... فإنّ مسكنَهُمْ فِي القلبِ مُقْتَربٌ يا سائرين إِلَى مصرَ سألتُكُم ... رِفْقًا عليَّ فإنّ الأجرَ مُكتسبُ قولوا لساكنها: حييتَ من سَكَنٍ ... يا مُنية النفسِ ماذا الصدُّ والغضبُ بالشّام قومٌ وَفِي بغدادَ قد أسِفُوا ... لا البُعدُ أخلقَ بلواهُم ولا الحقبُ ومنها: لولاك مادَ عمُود الدّين وانهدمَتْ ... قواعدُ الحقّ واغتالَ الهُدَى عطبُ فاليومَ بعدَكَ جمرُ الغَيّ مُضْطَرِمُ ... بادي الشّرار ورُكن الرُّشْد مضطربُ فليبكينّك رسولُ اللهِ ما هَتَفَتْ ... ورقُ الحَمَام وتبكي العجم والعربُ لم يفترق بكم حالٌ فموتكما ... في الشَّهْر واليوم هَذَا الفخرُ والحسبُ أَحْيَيْتَ سُنّتَه من بعد ما دُفِنَتْ ... وشُدْتَها وقد انهدّتْ لها رتبُ يا شامتين وفينا ما يسوؤهُم ... مسْتَبْشرينَ وهذا الدهرُ محتسبُ ليس الفناء بمقصورٍ على سببٍ ... ولا البقاءُ بممدودٍ له سببُ مَن لم يعِظْه بياضُ الشَّعْر أيقظهُ ... سوادُ عَيْشٍ فلا لَهْوٌ ولا طربُ الصبرُ أهونُ ما تُمطى غَوارِبُهُ ... والأجرُ أعذبُ ما يُجنى ويجتلب إنْ تحسبوه كريه الطَّعْم أيْسَرُه ... سمٌ مُذاقٌ ففي أعقابه الضربُ ما ماتُ من كان عزّ الدّين يَعقُبُه ... وإنّما الميت منكم مَن له عقبُ ولا تقوض بيتُ كان يعمدهُ ... مثل العماد ولا أودى له طنب علا العُلى بجمال الدين بعدكما ... تحيا العلوم بمحيي الدين والقربُ مثل الدراري السواري شيخنا أبدًا ... نجمٌ يغور وتبقي بعده شُهُب -[1218]- مِن مَعشَرٍ هجروا الأوطانَ وانتهكوا ... حِمَى الخُطُوبِ وأبكار العُلا خطبوا شم العرانين ملحٌ لو سألتَهُمْ ... بذلَ النُّفُوسِ لَمَا هابوا بأنْ يهبوا بيضٌ مَفَارقُهم سودٌ عواتِقُهُم ... يُمْسي مُسابِقُهُم من حظه التعب نورٌ إذا سئلوا، نارٌ إذا حملوا ... سحبٌ إذا نزلوا، أسدٌ إذا ركبوا الموقدون ونارُ الخير خامدةٌ ... والمُقدمون ونارُ الحرب تلتهبُ هَذَا الفَخَارُ فإنْ تجزع فلا جزعٌ ... على المحب وإن تصبر فلا عجبُ |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
597 - عَبْد المُلْك بْن عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن سعْد، أبو مُحَمَّد المقدسيّ. [المتوفى: 600 هـ]
قُتِلَ بقرية الهامة فِي شوّال. وهو والد الزّين أَحْمَد، والجمال عَبْد اللَّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
122 - سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن هبة الله بْن مُفْلح، أَبُو مُحَمَّد المقدسيُّ المؤذِّن. [المتوفى: 603 هـ]
سَمِعَ أبا المعالي بْن صابر. روى عَنْهُ الشّيخ الضّياء، والفخر عليّ، والشيخ شمس الدّين. تُوُفّي في أول ذي القعدة كهلًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
145 - شجاع بن مُفَرّج بن قُصّة، أَبُو مُحَمَّد المَقْدِسِيّ الجَبَلي، [المتوفى: 613 هـ]
من أهل جبل قاسيون. سَمِعَ من أبي المعالي بن صابر، وغيره. روى عَنْهُ الحَافِظ الضِّيَاء، والفخر عَليّ، وَالشَّيْخ شمس الدين عَبْد الرَّحْمَن، وَتُوُفِّي في شوال بقاسيون. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
669 - عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة بن مِقدام بن نصر، شيخ الإِسْلَام مُوَفَّق الدِّين أَبُو مُحَمَّد المَقْدِسِيّ الجمَّاعيليّ ثُمَّ الدَّمشقيّ الصّالحيّ الحَنْبَلِيّ، [المتوفى: 620 هـ]
صاحبُ التّصانيف. وُلِدَ بقرية جمّاعيل في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهاجَر فيمن هاجر مَعَ أَبِيهِ وأخيه، وَلَهُ عشر سنين، وحفظ القُرْآن، واشتغل في صِغره، وَسَمِعَ من أَبِيهِ سنة نَيّف وخمسين، وارتحل إلى بَغْدَاد في أوائل سنة إحدى وستين في صُحبة ابن خالته الحَافِظ عَبْد الغني، فأدركا من حياة الشَّيْخ عَبْد القادر خمسين يومًا، فنزلا في مدرسته، وشرعا يقرآن عَلَيْهِ في " مختصر الخِرَقي "، وَسَمِعَ منه ومن هبة الله بن هِلال الدقّاق، وأبي الفتح ابن البطي، وأبي زُرعة المقدسي، وأحمد ابن المقرَّب، وأحمد بن مُحَمَّد الرَّحَبيّ، وأحمد بن عَبْد الغني الباجِسْرائي، وَأَبِي المناقب حَيْدرة بن عُمَر العلَوي، وخديجة النَّهْرَوَانِيَّة، وشُهدة الكاتبة، ونَفِيسة البزّازة، وسعد الله ابن الدَّجاجِيّ، وَعَبْد اللَّه بْن منصور المَوصلي، وَأَبِي بكر ابن النَّقور، وأبي محمد ابن الخَشَّاب، وعَليِّ بن عَبْد الرَّحْمَن ابن تاج القُرّاء، ومَعْمر بن الفاخر، وَعَبْد الواحد بن الحُسَيْن البارزي، وَعُمَر بن بُنَيمان الدَّلّال، وَمُحَمَّد بن مُحَمَّد بن السَّكَن، والمبارك بن مُحَمَّد الباذرائي، وَأَبِي شجاع مُحَمَّد بن الحُسَيْن المادرائي، والمبارك بن المبارك السِّمْسَار، وَأَبِي طَالِب المبارك بن خُضير، وأبي حنيفة مُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه الخطيبي، وهبة الله ابن المحدث عبد الله بن أحمد ابن السمرقندي، ويحيى بن ثابت البقّال، وغيرهم. وتفقه على أبي الفتح ابن المَنِّي، وقرأ عَلَيْهِ بقراءة أَبِي عَمرو، وقرأ عَلَى أَبِي الحَسَن البطائحي بقراءة نافع. وَسَمِعَ بدمشق من أَبِي المكارم عَبْد الواحد بن هِلال، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي، وأبي المعالي بن صابر، وطائفة. وبالمَوْصل من أَبِي الفضل الطُّوسِيّ الخطيب، وبمكة من المبارك بن علي ابن الطَّبّاخ. رَوَى عَنْهُ: البهاء عَبْد الرَّحْمَن، وابن نُقطة، والجمال أَبُو موسى، وَالضِّيَاء، -[602]- وابن خليل، والبِرزالي، والمنذري، والجمال ابن الصيرفي، والشهاب أبو شامة، والمحب ابن النجار، والزين ابن عبد الدائم، وشمس الدين ابن أَبِي عُمَر، والعز إبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن أبي عُمر، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكَمَال، والّتاج عَبْد الخالق، والعِماد عَبْد الحَافِظ بن بدران، والعز إسماعيل ابن الفرّاء، والعز أحمد ابن العِماد، وَأَبُو الفهْم السُّلَمِيّ، وَيُوسُف الغسوليّ، وَإِبْرَاهِيم ابن الفَرَّاء، وزينب بنت الوَاسِطِيّ، وخلقٌ كثيرٌ آخرهم موتاً التقي ابن مُؤمن، حضرَ عَلَيْهِ قطعةً من " الموطّأ ". وَكَانَ إمامًا، حُجَّةً، مُفتيًا، مصنِّفاً، متفننًا، متبحّرًا من العلوم، كبير القدر. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَافِظِ بِقِرَاءَتِي، قال: أخبرنا أبو محمد بن قُدامة، قال: أخبرنا عبد الواحد بن الحسين، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْن محمد بن طلحة، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ المنذر، قال: حدثنا عمر بن دينار إملاءً، قال: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مِكْتَلٍ، وَأَنَسُ بْنُ عِياض، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي هُريرة، عَنْ أَبِي هُريرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا ". قَالَ ابنُ النَّجَّار: كَانَ - يعني الشَّيْخ مُوَفَّق الدِّين - إمام الحنابلة بالجامع. وقد سَمِعَ منه ببَغْدَاد رفيقه عَبْد العزيز بن طاهر الخَيَّاط سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة، وَكَانَ ثقةً، حُجَّة، نبيلًا، غزير الفضل، نَزِهًا، وَرِعًا، عابدًا، عَلَى قانون السَّلَف، عَلَى وجهه النُّور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه. وقال فيه عمر ابن الحاجب: هُوَ إمام الْأئمة، ومفتي الْأمة، خصَّه اللَّه بالفَضل الوافر، والخاطر المَاطِر، والعلم الكامل، طَنَّت بذكره الْأمصار، -[603]- وضَنَّت بِمِثْلِهِ الْأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النَّقلية والعقلية، فَأَمَّا الحديث فَهُوَ سابق فرسانه، وأَمَّا الفقه فَهُوَ فارس ميدانه، أعرف النَّاس بالفُتيا، وَلَهُ المؤلّفات الغزيرة، وما أظنّ الزمان يسمح بِمِثْلِهِ، متواضع عند الخاصَّة والعامَّة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحِلم ووَقَار، وَكَانَ مجلسه عامرا بالفقهاء والمُحدثين وأهل الخير، وصار في آخر عمره يقصده كلُّ أحد، وَكَانَ كثير العبادة، دائم التّهجُّد، لم نرَ مثله، ولم يرَ مثلَ نفسه. وقال الضِّيَاء في " سيرته ": كَانَ تام القامة أبيض مشرق الوجه، أدعج العينين، كَأَنَّ النّور يخرج من وجهه لحُسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم الْأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، مَتَّعه اللَّه بحواسّه حَتَّى تُوُفِّي، رحل هُوَ والحافظ عَبْد الغني، فأقاما ببَغْدَاد نحوًا من أربع سنين، ثُمَّ رَجَعا وقد حَصَّلا الفقه والحديث والخلاف، أقاما خمسين ليلة عند الشَّيْخ عَبْد القادر، ومات، ثُمَّ أقاما عند أبي الفرج ابن الْجَوْزيّ، ثُمَّ انتقلا إلى رباط الشَّيْخ محمود النعّال، واشتغلا على ابن المَنِّي، ثُمَّ سافرَ هُوَ ثانية إلى بَغْدَاد سنة سبعٍ وستين، هُوَ وَالشَّيْخ العِماد، فأقاما سنة، وَكَانَ لَحِقَهما عُبَيْد اللَّه أخوه، وَعَبْد الملك بن عُثْمَان، فَضَيّقا عليهما، لكونهما حَدَثين، فرجَع بهما إلى دمشق، ثُمَّ حجّ سنة ثلاثٍ وسبعين ووالدي وعَمْرو بْن عَبْد اللَّه، ورَدُّوا عَلَى درب العراق. ذكر تصانيفه: " البُرهان في القرآن " جزءان، " مسألة العُلوّ " جزءان، " الاعتقاد " جزء، " ذمّ التّأويل " جزء، " كتاب القَدَر " جزءان، كتاب " فضائل الصحابة " جزءان، " كتاب المتحابّين " جزءان، جزء " فضل عاشوراء "، جزء " فضائل العَشْر "، " ذمّ الوسواس " جزء، " مشيخته " جزء ضخم، وغير ذَلِكَ من الْأجزاء، وصَنَّف: " المغني " في الفقه في عشر مجلّدات كبار، و" الكافي " في أربعة مجلّدات، و " المُقنِع " مجلد، و " العُمدة " مجلد لطيف، و " التوابين " مجلد صغير، و " الرقة " مجلّد صغير، " مختصر الهداية " مجلّد صغير، " التّبيّين في نسب القُرشيِّين " مجلّد صغير، " الاستبصار في نسب الأنصار " مجلد، كتاب " قنعة الأريب في -[604]- في الغريب " مجلّد صغير، كتاب " الرَّوضة " في أصول الفقه مجلّد، كتاب " مختصر العِلل " للخَلّال، مجلّد ضخم. قَالَ الضّياء: رأيت الإمام أَحْمَد بْن حنبل في النوم، وألقى عليَّ مسألة في الفقه، فقلت: هذه في " الخِرَقي " فَقَالَ: ما قَصَّر صاحبُكم الموفّق في " شرح الخِرَقي ". قَالَ الضّياء: وكان - رحمه اللَّه - إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في علم الحديث ومُشْكلاته، إمامًا في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخِلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمامًا في النحْو، إمامًا في الحساب، إمامًا في النّجوم السيَّارة والمنازل، وسمعتُ الوجيه داود بْن صالح المُقرئ بمصر، قَالَ: كنتُ أتردّد إِلى الشيخ أبي الفتح ابن المَنِّي، فسمعته يَقُولُ - وعنده الإمام موفّق الدّين -: إذَا خرج هذا الفتى من بغداد، احتاجت إِلَيْهِ، وسمعتُ البهاء عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهيم يقول: كان شيخنا أبو الفتح ابن المَنِّي يَقُولُ للشيخ الموفّق: اسكن هنا فإنَّ بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد، ولا تخلف فيها مثلك، وكَانَ الموفّق يَقُولُ: إنّ لي أولادًا ولا يمكنني المُقام، وكان شيخُنا العِماد يعظّم الشيخ الموفَّق تعظيمًا كبيرًا، ويدعو لَهُ، ويقعد بين يديه كما يقعد المتعلّم من العالم، وسمعت الإمام أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن محمود الْأصبَهانيّ يَقُولُ: ما رأى أحدٌ في زمانه مثلَ الشيخ الموفّق، وسمعتُ الإمام المفتي أبا عُبَيْد اللَّه عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن الشّافعيّ يَقُولُ عَنْ شيخنا موفّق الدّين: ما رأيتُ مثلَهُ، كَانَ مُؤيّدًا في فتاويه، شاهدتُ بخطّ شيخنا العِماد إِبْرَاهيم بْن عَبْد الواحد: وقفتُ عَلَى وَصية شيخنا وسَيّدنا الإمام العالم الْأوحد الصدر شيخ الإسلام موفّق الدّين، الّذي شهد بفضله وعِلمه المُؤالف والمُخالف، الناصر السّنَّة المحمّدية، والسالك الطّريقة النبوية الْأحمدية، القامع البِدعة المُردية الرديَّة، وسمعت الإمام المفتي شيخنا أبا بَكْر مُحَمَّد بْن معالي بْن غَنيمة ببغداد يَقُولُ: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلّا الموفّق، وَسَمِعْتُ الإِمَامَ الْحَافِظَ الزَّاهِدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْيُونِينِيّ يَقُولُ - وَكَتَبَهُ لِي - قَالَ: أَمَّا مَا عَلِمْتُهُ مِنْ أَحْوَالِ شَيْخِنَا وَسَيِّدِنَا مُوَفَّقُ الدِّينِ، فَإِنَّنِي إِلَى الْآنَ، مَا -[605]- أَعْتَقِدُ أَنَّ شَخْصًا مِمَّنْ رَأَيْتُهُ، حَصَلَ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ فِي الْعُلُومِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي يحصل بها الكمال، سواه، فإنه - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ كَامِلًا فِي صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ، مِنْ حَيْثُ الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ، وَالْحِلْمِ وَالسُّؤْدُدِ، وَالْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالأَخْلاقِ الْجَمِيلَةَ، وَالأُمُورِ الَّتِي مَا رَأَيْتُهَا كَمُلَتْ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ كَرَمِ أَخْلاقِهِ، وحُسن عِشْرَتِهِ، وَوُفُورِ حِلْمِهِ، وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ، وَغَزِيرِ فِطْنَتِهِ، وَكَمَالِ مُرُوءَتِهِ، وَكَثْرَةِ حَيائه، وَدَوَامِ بِشره، وَعُزُوفُ نَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا وأهلها، وَالْمَنَاصِبِ وَأَرْبَابهَا، ما قد عَجَزَ عنه كبار الأولياء، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُلهمه ذِكره "، فقد ثبت بهذا أنّ إلهام الذِّكر أفْضَل من الكرامات، وأفضل الذكْر ما يتعدّى نفعُه إِلى العِباد، وهو تعليم العِلْم والسُّنَّة، وأعظم من ذَلِكَ وأحسن ما كَانَ جِبِلّة وطَبْعًا، كالحِلم والكرم والعقل والحياء، وكان اللَّه قد جَبله عَلَى خُلُق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً، وأسبغ عَلَيْهِ النِّعم، ولطفَ بِهِ في كُلِّ حال. قَالَ الضّياء: وكان لَا يكاد يناظر أحدًا، إلا وهو يَتَبَسَّم، فسمعتُ بعض النّاس يَقُولُ: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسُّمه، وسمعتُ الفقيه أَحْمَد بْن فهْد العَلثي يَقُولُ: ناظر الموفّق لابن فَضلان، يعني: يَحْيَى بْن مُحَمَّد الشّافعيّ، فَقَطَعَهُ الموفَّقُ. قلتُ: وكان ابن فَضْلان يُضرب بِهِ المثل في المناظرة. وأقامَ الموفَّق مدَّة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة، ويجتمع إليه أصحابنا، وغيرهم، ثُمَّ ترك ذَلِكَ في آخر عمره. وكان يَشتغل عَلَيْهِ النّاس من بُكرة إِلى ارتفاع النهار، ثُمَّ يُقرأ عَلَيْهِ بعد الظهر، إمّا الحديث وإمّا من تصانيفه، إِلى المَغْرب، وربّما قُرِئ عَلَيْهِ بعد المَغْرب، وهو يتعشَّى، وكان لَا يُري لأحد ضَجراً، وربّما تضَّرَر في نفسه ولا يَقُولُ لأحدٍ شيئًا، فحدّثني ولده أَبُو المجد، قَالَ: جاء إِلى والدي يوماً جماعة يقرؤون عَلَيْهِ، فطوّلوا، ومن عادته أن لَا يَقُولُ لأحد شيئًا، فجاء هذا القِطّ الّذي لنا، فأخذَ القلمَ الّذي يُصلحون بِهِ بفمه، فكسرَه، فتعجّبوا من ذَلِكَ وقالوا: لعلَّنا أطلْنا، وقاموا، واشتغل الناس عليه مدة بـ " الخِرَقي " و " الهداية " -[606]- ثُمَّ بـ " مختصر الهداية " الّذي جَمَعَهُ، ثُمَّ بعدَ ذَلِكَ، اشتغل عَلَيْهِ الخَلْق بتصانيفه: " المُقنِع " و " الكافي " و " العُمدة "، وكان يقرأ عَلَيْهِ النحْو، ويشرحه، ولم يترك الإشغال إلّا من عُذْر، وانتفع بِهِ غير واحد من البلدان، ورحلوا إِلَيْهِ، وكان لَا يكاد يراه أحد إلّا أحَبّه، حتّى كَانَ كثير من المُخالفين يحبّونه، ويصلُّون خلفه ويمدحونه مدحًا كثيرًا، وكنتُ أعرف في عهد أولاده أنّهم يتخاصمون عنده، ويتضاربون وهو لَا يتكلّم، وكنّا نقرأ عَلَيْهِ، ويحضر مَنْ لَا يَفْهَم، فربَّما اعترض ذَلِكَ الرجل بما لَا يكون في ذَلِكَ المعنَى، فنغتاظ نحن، ويقول: لَيْسَ هذا من هذا، وجرى ذَلِكَ غير مرَّة، فَما أعلم أَنَّهُ قَالَ لَهُ قطُّ شيئًا، ولا أوجع قلبَهُ، وكانت لَهُ جارية تؤذيه بخُلُقها فَما كَانَ يَقُولُ لها شيئًا، وكذلك غيرها من نسائِهِ. وسمعت البهاء عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ: لم أر فيمن خالطت أجملَ منه، ولا أكثر احتمالًا. وكان متواضعًا، يقعد إِلَيْهِ المساكين، ويسمع كلامَهُم، ويقضي حوائجَهُم، ويعطيهم، وكان حسَنَ الأخلاق، لَا نكاد نراه إلّا متبسماً، يحكي الحكايات لجُلَسائه، ويخدمهم، ويَمْزح، ولا يَقُولُ إلّا حَقًّا. وسمعتُ البهاء عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ: قد صحِبناه في الغزاة، فكان يمازحنا، وينبسط معنا، يقصد بذاك طِيب قلوبنا، فَما رأيتُ أكرمَ منه، ولا أحسن صُحبة، وكان عندنا صِبيان يشتغلون عَلَيْهِ من حوران، وكانوا يَلْعبون بعض الْأوقات إذَا خَلَوا، فشكى بعض الجماعة إِلى الشيخ أبي عُمَر، فَقَالَ: أخرجوهم من عندنا، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ أصحاب الموفَّق، فاذكروهم لَهُ، فقالوا لَهُ، فَقَالَ: وهل يصنعون إلّا أنهم يلعبون؟ هم صبيان لابد لهم من اللَّعب إذَا اجتمعوا، وإنّكم كنتم مثلهم، وكان بعض الْأوقات يرانا نلعب فلا ينكر علينا. ولقد شاورته في أشياء متعدّدة، فيشير عليَّ بشيء، فأراه بعد كما قَالَ، وكم قد جرى عَلَى أصحابنا من غَمِّ وضيق صدر من جهة السلاطين واختلافهم، فإذا وصل الكلام إِلَيْهِ أشارَ بالرأي السّديد الّذي يراه، فيكون في -[607]- رأيه اليُمن والبركة، وكان أخوه الشيخ أَبُو عمر مع كونه الأكبر، لا يكاد يعمل أمراً حتى يشاوره. سَمِعْتُ الإمام الزّاهد أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَبِي الحُسين اليُونينيّ، قَالَ: كنتُ بعض الْأوقات ألازم القراءة وبعضها أتركها، فَقَالَ لي الموفّق: يا فُلان، في صورة من يأتيك إبليس؟ قلت: في صورة أويس القَرَني، قَالَ: ما يَقُولُ لك؟ قلت: يَقُولُ لي: ما أحب أن أكون محدّثًا ولا مفتيًا ولا قاصًّا، في نفسي شغل عَن النّاس، فَقَالَ: واللَّه مليح ما يقوله لك، أفيقول لك: هذه ليلة السجود فتسجد إِلى الصباح، هذه ليلة البكاء فتبكي إلى الصباح؟ قلت: لَا، قَالَ: هذا مقصوده أنك تُبطل العِلْم وتفوتك فضيلته، وما يحصل لك فعل أويس، فبعد ذَلِكَ ما جاءَني إبليس في هذا المعنى. قَالَ الضّياء: وكان لَا ينافس أهل الدّنيا، ولا يكاد أحد يسمعه يشكو، وربّما كَانَ أكثر حاجةً من غيره، وكان إذَا حَصَل عنده شيءٌ من الدنيا فَرَّقه ولم يتركه، وسمعت البهاءُ عَبْد الرَّحْمَن يَقُولُ: كَانَ فيه من الشِّجاعة، كَانَ يتقدمّ إِلى العدوّ، ولقد أصابه عَلَى القُدس جُرح في كَفّه، ولقد رأيت أَنَا منه عَلَى قلعة صَفَد، وكُنّا نُرامي الكُفّار، فكان هُوَ يجعل النشّابة في القَوْس، ويرى الكافر أنْه يرميه فيتَتَرسُ منه، يفعل ذَلِكَ غير مرَّة، ولا يرمي حتّى تمكنه فرصة. ولمّا ماتَ ابنه أَبُو الفضل مُحَمَّد بهَمَذَان، جاءَهُ خبرُه، فحدّثني بعض منْ حَضَرَهُ أَنَّهُ استرجع، وقام يصلّي. قلتُ: كَانَ فاضلًا، مشتغلًا، عاش نَيّفًا وعشرين سنة. قَالَ: ولمّا مات ابنه أَبُو المجد عيسى، وكُنّا عنده، صَبَر، واحتسَبَ، وسمعتُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يطلب من أهل بيته أن يغسلوا ثيابه، ولا يطبخوا، ولا يكلّفهم شيئًا، بل هُوَ عندهم مثل الضَّيف، إن جاؤوا بشيءٍ أكلَ، وإلّا سكتَ، وكان يُصلي صلاةً حَسَنَةً بخشوع، وحُسن رُكوع، وسُجود، ولا يكاد يصلّي سُنّة الفجر والمغرب والعشاء، إلّا في بيته، اتّباعًا للسُنّة، وكان يصلّي كلّ ليلة بين العشاءين رَكعتين بـ " الم تَنْزِيلُ السجدة "، و" تبارك الذي بيده المُلك " -[608]- وركعتين بـ " ياسين " و " الدُّخان "، لَا يكاد يخلّ بهنَّ، وكان يقوم باللّيل سَحَراً يقرأ بالسُّبع، وربّما رفع صوتَهُ بالقراءة، وكان حَسَن الصوت، رحمة اللَّه عَلَيْهِ. سَمِعْتُ الحافظ الزَّاهد أبا عَبْد اللَّه اليُونينيّ، قَالَ: لمّا كُنتُ أسْمَعُ شناعةَ الخلْق عَلَى الحنابلة بالتّشبيه، عزمت عَلَى سُؤال الشيخ الموفّق عَنْ هذه المسألة، وهل هي مجرّد شناعة عليهم أو قَالَ بها بعضهم؟ أو هِيَ مقالة لا تظهر من علمائهم إلّا إلى من يوثق بِهِ؟ وبقيت مدة شهور أريد أن أسأله، ما يتّفق لي خُلُوّ المكان، إِلى أن سَهَّل اللَّه مرَّة بخُلُوّ الطّريق لي، وصعِدت معه إِلى الجبل، فلمّا كنّا عند الدّرب المُقابل لدار ابن محارب، وما اطّلع عَلَى ضميري سوى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقلت لَهُ: يا سيّدي، فالتفت إليَّ، وأنا خلفه، فَقَالَ لي: التِّشبيه مُستحيل، وما نطقتُ أَنَا لَهُ بأكثر من قولي: " يا سيّدي "، فلمّا قَالَ ذَلِكَ تجلّدت، وقد أخْبَر بما أريد أن أسأله عَنْهُ، وكشفَ اللَّه لَهُ الْأمر، فقلت لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لأنّ من شرط التشبيه أن نرى الشيء، ثم نشبّهه، من الّذي رأى اللَّه، ثم شبّهه لنا؟ وسمعت أبا عبد الله مُحَمَّد بْن عُمَر بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر المقرئ يَقُولُ: جئت إِلى الشيخ الموفّق، وعنده جماعة، فسلّمت، فردّ عليَّ ردًّا ضعيفًا، فقعدت ساعة، فلمّا قام الجماعة، قَالَ لي: اذهب فاغتسل، فبقيت متفكّرًا، ثُمَّ قَالَ لي: اذهب فاغتسل، فتفكّرت، فإذا قد أصابتني جنابة من أول اللّيل ونسيتها. وسمعتُ الشريف أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن كَبّاس الْأعناكيَّ يَقُولُ: كنتُ يومًا أتفكر في نفسي، لو أنْ لي شيئًا من الدُّنيا لبنيت مدرسة للشيخ الموفّق، وجعلت لَهُ كلّ يوم ألف درهم، ثُمَّ إنّني قمت، فجئت إِلَيْهِ فسَلَّمتُ عَلَيْهِ، فنظر إليَّ وتَبَسَّم، وقَالَ: إذَا نوى الشخص نِيَّة خير كُتب لَهُ أجرها! وقال أَبُو شامة: وذَكَر الشيخ الموفّق فَقَالَ: كَانَ إمامًا من أئمَّة المُسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدِّين في العِلْم والعَمَل، صنّف كُتبًا كثيرة حِساناً في الفقه وغيره، ولكنّ كلامه فيما يتعلّق بالعقائد في مسائل الصفات عَلَى -[609]- الطّريقة المشهورة عَنْ أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح لَهُ الْأمر فيها عَلَى جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الْأخبار والآثار، سَمِعْتُ منه " مُسْنِد الشّافعيّ " بِفَوْت ورقتين، وكتاب " النَّصيحة " لابن شاهين. وقال غير واحدٍ عن عِزّ الدين ابن عَبْد السلام، شيخ الشافعية: إنّه سُئل: أيّما كان أعلم فخر الدين ابن عساكر، أم الشيخ الموفّق؟ فغَضِبَ، وقال: واللَّه موفْق الدّين كَانَ أعلم بمذهب الشّافعيّ من ابن عساكر، فضلًا عَنْ مَذْهبه. قَالَ أَبُو شامة: ومن أظرف ما يُحكى عَن الموفّق أَنَّهُ كَانَ يجعل في عِمامته ورقة مَصْرُورة فيها رَمْل يُرمّل بِهِ الفَتَاوَى والإجازات، فخُطِفت عِمامته ليلًا، فَقَالَ لخاطفها: يا أخي خُذْ من العِمامة الورقة بما فيها، ورُدّ العِمامة، أغَطِّي رأسي، وأنت في أوسع الحِلّ، فظنّ الخاطف أنّها فضَّة، ورآها ثقيلة فأخذها، ورمى العِمامة لَهُ، وكانت صغيرة عتيقة. قَالَ: وكان الموفّق بعد موت أخيه هُوَ الّذي يَؤُم بالجامع المُظَفَّريّ ويخطب، فإنْ لم يحضر فعبد اللَّه ابن أخيه يؤُم ويخطب، ويصلّي الموفّق بمحراب الحنابلة إذَا كَانَ في البَلَد، وإلّا صلى الشيخ العماد، ثُمَّ كَانَ بعد موت الشيخ العماد يصلي فيه أبو سليمان ابن الحافظ عَبْد الغنيّ، وكانَ الموفَّق إذَا فرَغَ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إِلى بيته بالرَّصيف، ويمضي معه من فُقراء الحلقة مَنْ قَدَّرَهُ اللَّه، فيقدِّم لهم ما تَيَسّر، يأكلونه معه. وقال الضِّياءُ: سَمِعْتُ أختاي، زَيْنَب وآسية تقولان: لمّا جاءَ خالَنا الموتَ هَلّلنا، فهَلَّل، وجعلَ يستعجل في التّهليل، حتّى تُوُفّي، رحمه اللَّه. قَالَ: وسمعتُ الإمامَ أبا مُحَمَّد إسْمَاعيل بْن حَمّاد الكاتب يَقُولُ: رأيت ليلة عيد الفِطر كأني عند المَقْصورة، فرأيتْ كأنّ مُصحف عُثْمَان قد عُرِّج بِهِ، وأنا قد لحِقني من ذَلِكَ غمٌّ شديد، وكأن الناسَ لَا يكترثون لذلك، فلمّا كَانَ -[610]- الغد، قِيلَ: مات الشيخ الموفّق. وسمعتُ خالد بْن عَبْد اللَّه الحَبشي يَقُولُ: إنّه رأى ليلة تُوُفّي الشيخ الموفّق كأنَّ القرآن قد رُفع من المصاحف، وسمعتُ الإمام عَبْد المُحسن بْن عَبْد الكريم الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: رأيتُ وقتَ ماتَ الشيخ الموفّق في النّوم، كأن قد رُفعت قناديل الجامع كُلّها، وسمعتُ الشريف عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد العَلَوي يَقُولُ: رأينا ليلة الْأحد في قريتنا مُردك - وهي في جبل بني هلال عَلَى دمشق - ضوءًا عَظِيمًا جدًّا حتّى أضاءَ لَهُ جَبَل قاسِيُون، فقلنا قد احترقت دمشق، قال: وخرج أهل قريتنا الرجال والنِّساء يتفرّجون عَلَى الضَّوء، فلمّا جئنا إِلى بعض الطّريق سألنا: أيش الحريق الّذي كَانَ بدمشق؟ فقالوا: ما كَانَ بها حريق، فلمّا وصلنا إِلى هنا قَالَ لي ابني: إنَّ الشيخ الموفّق تُوُفّي، فقلتُ: ما كانَ هذا النُّور إلّا لأجله. قَالَ الضّياء: وقد سمعنا نحو هذا من غيرِ واحدٍ يُحدِّثه، أَنَّهُ رأى ذَلِكَ بحوران، وبالطريق، وسمعت العدْل أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن نصر بْن قَوّام التّاجر بعد موت الشيخ الموفّق بأيام، قَالَ: رأيتُ ليلة الجُمُعة في الثُّلث الْأخير الْحَقَّ عَزَّ وَجَلَّ وكأنّه عالٍ علينا بنحوٍ من قامة، يعني لَيْسَ هُوَ عَلَى الْأرض، وإلى جانبي رجلٌ خطرّ في قلبي أَنَّهُ الخَضِر عَلَيْهِ السلام، فذُكر الشيخ الموفّق، فَقَالَ الحَقُّ للخَضِر: هل تعرف أخته وابنته؟ فَقَالَ: لَا، قال: بلى اذهب، فعزّهما في الموفق، وخطر ببالي أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فإنّي أعْدَدتُ لَهُ ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذُن سَمِعْت، ولا خطَرَ عَلَى قلب بشر، ثُمَّ انتبهت. وقد ساق الضّياء منامات كثيرة في سيرة الشيخ الموفّق، تركتُها خوف الإطالة. ثُمَّ قَالَ: تَزَوَّج ببنت عَمَّته مريم بنت أبي بكر بن عبد الله بن سَعْد، فولدت لَهُ أولادًا، عاش منهم حتّى كبُر: أبو الفضل محمد، وأبو المجد عيسى، وأَبُو العزّ يَحْيَى، وصَفِيَّة، وفاطمة، فمات بنوه في حياته، ولم يعقب منهم سوى عيسى، وتَسَرَّى بجارية، ثُمَّ ماتت هي وزوجته بعدها، ثُمَّ تَسَرَّى بجارية، وجاءه منها بنت، ثُمَّ ماتت البنت، ورَوَّح الجارية، ثُمَّ تزوج عزيَّة بنت إسْمَاعيل، وتُوُفّيت قبله، ومن شعره: -[611]- أتغفل يا ابن أحمد والمنايا ... شوارع يَخْتَرِمْنَكَ عَنْ قريبِ أغَرَّكَ أنْ تَخَطَّتْكَ الرَّزَايا ... فكمْ للموت من سهْمٍ مُصيب كؤوسُ المَوْتِ دائرةٌ عَلَيْنا ... وَمَا لِلْمَرْءِ بُدٌّ من نصيبِ إِلى كَمْ تَجْعَلُ التَّسْويفَ دأبًا ... أما يَكفِيكَ إنذَارُ المَشِيبِ أما يَكْفيكَ أنَّك كُلَّ حينٍ ... تمُرّ بقَبر خِلٍّ أو حبيبِ كأنَّك قَدْ لحقْت بِهم قريبًا ... ولا يُغنيك إفراطُ النَّحِيب قَالَ الضّياء: تُوُفّي يوم السبت، يوم الفِطْر، ودُفن من الغدّ، وكان الخلْق لَا يُحصي عددَهم إلّا اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وكنت فيمن غسَّله، تُوفِّي بمنزله بدمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
113 - عبدُ الملك بْن عَبْد الملك بْن يوسُف بْن مُحَمَّد بن قُدامة، ابن الفقيه، أبو مُحَمَّد المَقْدِسيُّ. [المتوفى: 622 هـ]
روى عن يحيى الثَّقَفيّ. ومات كهلًا في ذي القعدة. وهُوَ والد المُسْنِدِ كمال الدِّينِ عبد الرحيم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
244 - عبد الرحمن بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْمَاعِيل بن منصور، الإمام بهاء الدِّين أبو محمد المَقْدِسيُّ الحَنْبَليّ. [المتوفى: 624 هـ]
وُلِدَ بقرية السَّاويا من الأرض المُقدَّسَةِ في سنة خمسٍ أو ستٍّ وخمسين وخمسمائة. وكان أبوهُ يَؤُمُّ بأهلها، وهي من عَمَل نابلس. وأُمُّه ستُّ النّظر بنت أبي المكارم. هاجَرَ به أبوه نحوَ دمشق سِرًّا وخِفْيه من الفِرَنْج والبلادُ لهم، ثمّ سافَرَ أبوه إلى مصرَ تاجرًا، فماتت أُمُّهُ وكَفِلَتْهُ عَمَّتُه فاطمة زوجةُ الشيخ أبي عُمَر، ولَمّا قَدِمَ الحافظُ عبدُ الغنيّ من الإِسكندرية دَرَّبَهُ على الكِتابة، وأعطاه رِزْقًا، وخَتَمَ القرآن في نحو سَنَة سبعين. ثمّ رَحَلَ في سَنَةِ اثنتين وسبعين في حلبة الشيخ العِماد، فسَمِعَ بحرَّان من أحمد بن أبي الوفاء، وكان بحرَّان سُلَيْمانُ بن أبي عطاف، وغيرُه من المقادسة. قال البهاءُ: فألِفْتُهم وأُشِيرَ عليَّ بالمَقام بها لأُجَوِّد حفظَ الخَتْمةِ، فقعدتُ بها في دار ابن عَبْدوس فأحسن إليَّ، وقرأت القرآن على جماعةٍ في ستّة أشهر، وصلّيت التّراويح بهم وكنتُ استحي كثيرًا فَأَفْرُغُ وقد ابتلَّ ثوبي من العَرَق في البَرْد، فجمعوا لي شيئًا من الفِطْرة من حيثُ لا أعلم، واشترى لي ابن عَبْدوس دابَّةً وجَهَّزني، وسافرتُ مع حجّاج حرّان إلى بغداد، وقد سقني العمادُ ومعه ابن أخته عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن أَبِي بَكْر، والشهابُ مُحَمَّد بن خَلَف، فسمعتُ بالمَوْصِل على خطيبها "جزءًا ". ثمّ دخلتُ بغدادَ وقد ماتَ الشيخُ عليّ البطائحيّ فَحَزِنْتُ كثيراُ، لأنّني كنتُ أُريد أنّ أقرأ عليه الخَتْمَة. ثمّ سَمِعَنا الحديثَ، فأوَّل جزء كتبته " جزء " من حديث مالك على شُهْدَةَ ولم نُدْرِكْ أعلى سندًا منها، وسمعنا عليها " معاني القرآن " للزجّاج، و " مصارع العشّاق " للسّرّاج، و " موطّأ القَعْنَبيّ ". وسمعت عليّ عبد الحقّ بن يوسُف كثيراً؛ وكان -[769]- من بيت الحديث فإنَّه رَوَى عَن أَبِيهِ، عن أبيه، عن أبيه، وكان صالحًا فقيرًا، وكان عَسِرًا فِي السَّماع جِدًّا. وسمعنا عليه " الإِبانة " للسِّجْزِيّ بقراءة الحافظ عبد الغنيّ، ومرضتُ ففاتني مجلسٌ، وكان يمشي معي مِن بيته إلى مكّيّ الغَرّاد فيُعيد فُوتِي، ورزُقت منه حظًّا؛ لأَنَّه كَانَ يراني مُنْكَسرًا مُواظبًا، وكان يُعيرني الأجزاءَ فأكتبها، وألهِمَ فِي آخر عِمره القرآن فكان يقرأ كُلَّ يوم عشرين جزءًا أو أكثر. وسمعت على أبي هاشم الدُّوشابيّ، وكان هَرَّاسًا يُربّي الحَمَام، فقلتُ لرفيقي عبد الله بن عُمَر: أريدُ أفاتحه في الطّيور عسى يَلْتَفِتُ علينا، فنقرأ عليه هذين الجزأين فقال: لا تَفْعَل. فقلتُ: لا بُدَّ من ذلك، فقلت: يا سيّدي، إنْ كَانَ عندكَ من الطُّيور الجياد تُعطينا وتُفيدنا، فالتفتَ إليَّ وقال: يا بُنيّ، عندي الطَّيرة الفُلانية بنت الطَّيرة الفُلانية، ولي قنصٌ من فُلان، وانبسط، فسمعنا عليه الجزأين ولم نَعُدْ إليه. وسمعنا عليّ ابن صِيلا، وأبي شاكر السّقلاطوني، وتجنّي، وابن يلدرك، ومنوجهر، وابن شاتيل. وكان لَهُ ابنٌ شيخٌ إذا جَلَسنا تبيَّنَ كأنَّه الأبُ، وعَمِيَ على كبرٍ، وبقيَ سبعين يومًا أعمى، ثمّ برئَ وعادَ بصرُهُ - يعني الابن - فسألنا الشيخَ عن السبب فذكر لنا: أنَّه ذهب به إلى قبر الإِمام أحمد، وأنّه دَعا وابتهلَ، وقلتُ: يا إمام أحمد، أسألُكَ إلّا شفعت فيه إلى ربِّك، يا ربِّ شَفِّعه في وَلَدي، وولدي يُؤمِّن، ثمّ مضينا. فلمّا كَانَ اللّيلُ استيقظ وقد أبصر. ثمّ أخذنا في سماع الدَّرْس على ناصح الإِسلام أبي الفَتْح، وكنتُ قليل الفَهْمِ لضيق صَدْري، وكنت أحبّ كتابةَ الحديث؛ فلو كتبتُ النّهارَ كُلُّهُ لم أضجر، ورُبّما سَهرْتُ من أوّل الليل، فما أشعر إلّا بالصّباح. وأشارَ عليّ الحافظ عبد الغني بالسَّفرِ معه إلى إصْبَهان، فاتّفق سفره وأنا مريض. ثمّ تُوُفّي أبي سَنَةَ خمسٍ وسبعين. ثمّ اشتغلتُ في مسائل الخِلاف على الشيخ أبي الفتح اشتغالًا جيّدًا، وكنت إذ ذاك فقيرًا ليس لي بُلْغَةٌ إلّا من الشيخ أبي الفَتْح - يعني ابن المَنِّيّ - واتّفق غلاءٌ كثيرٌ فأحسنَ إليَّ، ثمّ وقعَ المرضُ، فخاف عليَّ فجهّزني وأعطاني، واتّفقت أنا وعلي ابن الطّالباني، -[770]- ويحيى ابن الطَّبَّاخ، فترافقنا إلى المَوْصِل، ثمّ ذهبنا إلى مَرَاغَةَ في طلب علم الخِلاف، فاكتريتُ إلى حَرَّان، وصبرَ عليَّ الْجَمَّالُ بالأُجرة إلى حَرَّان، وكنتُ أقترِضُ من التّجَار ما أتبلَّغُ به. ثمّ أقمتُ بحرَّان نحو سَنَة أقرأ على شمس الدِّين بن عَبْدوس كتاب " الهِداية " لأبي الخطّاب، ثمّ مضيتُ إلى دمشق، وتزوجتُ ببنت عَمِّي زينب بنت عبد الواحد، وأنفقَ عليّ عَمى، وساعدني الشيخ أبو عُمَر، فكنتُ في أرغد عيشٍ إلى أن سافرت إلى بغداد سَنَة تسعٍ وسبعين ومعي أخي أبو بكر، وابن عمّي أحمد - يعني: الشمس البخاري - وهما دون البلوغ. وتركت زوجتي حاملا بابني محمد، فأقمنا بحران، وصُمنا رمضان، وسافرنا مع الحُجّاج، وجَهَّزَنا ابن عَبْدُوس بالكَرى والنّفقة، ولم تكن لي هِمَّةٌ إلّا عِلْمَ الخِلاف، فشرعتُ في الاشتغال على الشيخ أبي الفَتْح، وكان معيدُه الفخر إسماعيل الرفاء، ثمّ سافرتُ سَنَة ثلاثٍ وثمانين، وخلّفت ببغداد أخي، وابن عَمّي، فسافر ابن عمّي إلى بُخارى، ولحِقني أخي. نقلت هذا كله من خطّ السيف ابن المجد. وقد سَمِعَ البهاء بدمشق - قبل أنّ يرحل - من عبد الله بن الواحد الكناني في سَنَةِ سبعٍ وستّين، ومن القاضي كمال الدِّين محمد بن عبد الله الشَّهرزوريِّ، ومُحَمَّد بن بَرَكة الصِّلْحِيِّ، وأبي الفَهْم عبد الرحمن بن أبي العَجَائز، وجماعة. وسَمِعَ ببغداد أيضًا من أحمد بن مسعود الهاشميّ، وأحمد بن أحمد بن حَمْدي العَدْل، وأبي بكر أحمد ابن النّاعم، وأحمد بن الحَسَن بن سلامة المِنْبِجِيّ، والحَسَن بن عليّ بن شيرويه، وسعدِ الله ابن الوادي، وعبد المُحسن بن تُرَيك، وعبد المُغيث بن زُهَير، ومُحَمَّد بن نَسيم العَيْشُونيّ، ونصرِ الله القزّاز، وأَبِي العِزِّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مواهب، وأبي الثناء محمد بن محمد الزَّيْتُونيّ، ومسعود بن عليّ بن النَّادر، والمُبارك بن المبارك بن الحَكيم، وسَمِعَ من خلْق بدمشق، وبغداد. -[771]- وأجاز له طائفة كبيرة، وروى الكثيرَ. وكان ينفق حديثه، فحدَّث بقطعةٍ كبيرةٍ منه ببَعْلَبَكَّ، وبنابلس، وبجامع دمشق. وكان إمامًا في الفقه، لا بأسَ به في الحديث. قال الضّياء في البهاء: كَانَ إمامًا فقيهًا، مُناظرًا، اشتغل على ابن المَنِّيّ، وسَمِعَ الكثير، وكتبَ الكثيرَ بخَطِّهِ، وأقامَ بنابلس سنين كثيرة - بعد الفُتُوح - يؤمُّ بالجامع الغربيّ منها، وانتفع به خلقٌ كثيرٌ من أهل نابلس وأهل القَرَايا. وكان كريمًا، جوادًا، سخيا، حسن الأخلاق، مُتواضعًا. ورَجَع إلى دمشق قبلَ وفاته بيسير، واجتهدَ في كتابة الحديث وتسميعه، وشرحَ كتاب " المُقْنِع " وكتاب " العُمْدة " لشيخنا مُوفَّق الدِّين، ووقف من كتبه ما هُوَ مسموع. وقال أبو الفَتْح عُمَر بن الحاجب: كَانَ أكثر مقامة بنابلُس، وكان مليحَ المَنْظَر، مُطرحًا للتّكلُّف، كثيرَ الفائدة، ذا دينٍ وخَيْر، قَوَّالًا بالحقّ لا يخافُ في الله لومة لائم، راغبًا في التّحديث. كَانَ يدخل من الْجَبَل قاصدًا لمن يسمع عليه، ورُبّما أتى بغدائه فيطعمه لمن يقرأ عليه. تفرَّدَ بعدَّةِ كتب وأَجزاء، وانقطعَ بموته حديثٌ كثير - يعني بدمشق -. وأما رفقاؤه ببغداد، فتأخّروا، ثمّ قال: وُلِدَ سَنَة ستٍّ وخمسين، وتُوُفّي في سابع ذي الحِجَّة سَنَةَ أربع. قلتُ: روى عنه الضّياء، والبِرْزالي، والسَّيفُ، والشّرف ابن النابلسي، والجمال ابن الصّابوني، والشمس ابن الكَمَال، وخلقٌ كثيرٌ. وَحَدَّثَنَا عنه ببَعْلَبَكّ التاجُ عبد الخالق، وعبدُ الكريم بن زيد، ومُحَمَّد بن بلغزا، وأبو الحُسَيْن شيخُنا، وستُّ الأهل بنت عُلْوان، وداودُ بن محفوظ. وبدمشق العزُّ إسماعيل ابن الفرّاء، والعزّ ابن العماد، والشمس ابن الواسطيّ، والتَّقيُّ أحمد بن مُؤمن، وأبو جعفر محمد ابن الموازينيّ، وإسحاقُ بن سُلْطان. وبنابلس العِمادُ عبد الحافظ، وغير هؤلاء. وخُتِمَ حديثُهُ بموت ابن الموازينيّ، وبَيْنَ موتهما أربعٌ وثمانون سَنَة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
588 - عبد الرحمن بن سَلامة بن نصر بن مِقدام، أبو محمد المَقْدِسيُّ المقرئ الصَّالحيّ. [المتوفى: 630 هـ]
شيخٌ صالحٌ، ديِّنٌ. وُلِدَ سَنَة ثلاثٍ وخمسين. وسَمِعَ من أبي المعالي بن صابر، والفضل بن البانياسيّ، ومُحَمَّد بن حمزة القُرَشيّ. روى عنه الضّياء، والزَّكيّ البِرْزَاليُّ. تُوُفّي في العشرين من المحرَّم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
343 - عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْجَبَّار، الإمامُ رَضِيُّ الدّين أَبُو مُحَمَّد المَقدسيُّ الحنبليُّ المُقرئ، [المتوفى: 635 هـ]
والد السيف ابن الرضي. -[179]- شيخٌ صالح، تالٍ لكتابِ اللَّه، كثيرُ الخيرِ والعبادة، يُلَقِّنُ بالجبلِ احتسابًا لله تعالي من نحو أربعين سنة. خَتَمَ عَلَيْهِ القرآن خلقٌ كثير. وحدَّث عن يحيى الثَّقفيّ، وأَبِي الْحُسَيْن أحمد ابن المَوازينيِّ، وابن صَدَقَة الحرّانيّ، وجماعةٍ من الشاميِّين، وهبةِ اللَّه البُوصيريّ، وإسماعيل بْن ياسين، وجماعةٍ من المصريين. قال عز الدين ابن الحاجب: كَانَ رفيقي إلى مَكّة، وكَتَبَ كثيرًا. أراه يتلو القرآن، وفي أكثر ليله يَدْعُو اللَّه تعالى ويتَهَجَّدُ، سَأَلت عَنْهُ الضياء فقال: إمامٌ ديِّن، يقرئُ الناس احتسابًا. قلتُ: رَوَى عنه لنا بنته خديجة، والشمس محمد ابن الواسطي، والعز أحمد ابن العِمادِ، والتقيُّ سُلَيْمَان الحاكم، وغيرهم. قَالَ الضياءُ: تُوُفّي فِي ليلة الخميس ثاني صفر، وكان يُلِّقن القرآن احتسابًا. حدَّثني ولدهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد، قَالَ: كنَّا عنده قبل موته، فإذا هُوَ كأنه ينظر إلى أحد ويَبَشُّ إِلَيْهِ كأنَّهُ يريد القيام لَهُ، فقلنا لَهُ فِي ذَلِكَ، فقال: جاءني رجلٌ حسن الوجه، ووصفه، فقال: أَنَا أُونِسُك فِي قبرك، قَالَ: وكان قبل ذَلِكَ قد صار لِفَمِه رائحة، فطابَتْ رائحةُ فمِهِ، ولما وَضَعْناه فِي قبره وجدنا لَهُ رائحةً طيبةً. أو كما قَالَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
189 - عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن سعد، الشّمس أَبُو مُحَمَّد المقدسيّ، [المتوفى: 643 هـ]
أخو الجمال أَحْمَد. سَمِعَ من حنبل، وابن طَبَرْزَد. روى عَنْهُ شيوخنا أبو محمد الفارقي، وأبو علي ابن الخلّال، والصّدر الأُرْمَوِيّ. ومات فِي جمادى الأولى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
191 - عبد الله ابن الشيخ أَبِي عُمَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة. الإِمَام الخطيب شَرَفُ الدّين، أَبُو مُحَمَّد المقدسيّ، [المتوفى: 643 هـ]
خطيب جامع الجبل. -[447]- كَانَ فقيهًا عالِمًا، ديّنًا، ورِعًا، صالحًا، قليل الكلام، وافر الحُرمة، كبير القدْر. وُلِدَ فِي رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وسَمِعَ من يحيى الثَّقفيّ، وابن صَدَقَة الحراني، وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَلِيّ الخِرَقيّ، وجماعة. وبمصر من البُوصِيريّ، وإسماعيل بْن ياسين، والأَرْتاحيّ. وببغداد: المبارك ابن المعطوش، وأبا الفرج ابن الْجَوْزيّ، وَعَبْد اللَّه بْن أبي المجد، وجماعة. واشتغل ببغداد وبدمشق عَلَى عمّه الشَّيْخ الموفَّق. روى عنه الشيخ محمود الدشتي، وابن أخيه أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدَّشْتيّ، وَمُحَمَّد بْن مُحَمَّد الكنْجيّ، وَالشَّيْخ تاج الدّين عَبْد الرحمن، وأخوه، وأبو علي ابن الخلّال، وَمُحَمَّد ابن خطيب بيت الآبار، والنّجم إسماعيل ابن الخباز، وجماعة درجوا إلى الله، والقاضي تقيّ الدّين سُلَيْمَان، وعيسى المُطْعم، وطائفة سواهم. وقد سَمِعَ منه: الشَّيْخ الضّياء، وذكره فِي شيوخه. وورّخ وفاته فِي العشرين من جمادى الآخرة. ثم مات بعده بأسبوع. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
198 - عَبْد الله بن عَبْد الحميد بن مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر بن ماضي، أَبُو مُحَمَّد المقدِسي الحنبلي، المؤدب. [المتوفى: 655 هـ]
سمع من: حنبل، وابن طبرْزد، والكِندي. وتُوُفي فِي النصف من رمضان وله ثمانٍ وخمسون سنة. روى عَنْهُ: الدمياطي، وابن الخباز، وجماعة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
268 - عَبْد اللَّه ابْن الرَّضَى عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الجبار، أبو محمد المقدسي الحنبلي، [المتوفى: 656 هـ]
والد شيختنا زينب. روى عن: دَاوُد بن ملاعب، وغيره. ومات كهْلاً فِي ربيع الأول. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
389 - عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد المؤمن بْن أبي الفتح بن وثّاب، أبو محمد المقُدسيّ، الصُّوريّ، الحَنْبليّ، النّجّار، شهاب الدين. [المتوفى: 657 هـ]
حدَّث عَنْ عمر بن طبرْزد، وحنبل، روى عنه الدمياطي، وابن الخباز، وابن الزراد، وجماعة، ووُجد مقتولًا بالهامة مِنْ وادي بَرَدا فِي ثاني رجب، وعاش ثلاثًا وستين سنة. وهو أبو شيخنا التقي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
347 - عبد الوهّاب بن محمد بن إبراهيم بن سعد، الشّيخ أبو محمد المقدسيّ، الصّحراويّ، القُنْبيطيّ، الحنبليّ. [المتوفى: 670 هـ]
وُلِد سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع من الخُشوعيّ، وعمر بن طَبَرْزَد، ومحمد بن الخصيب، وحنبل، وجماعة، روى عنه ابن الخباز، وأبو الحسن الموصلي، وأبو الحسن ابن العطّار، وأبو الحسن الكِنْديّ، وأبو عبد الله بن أبي الفتح البَعْلَبَكّيّ، وأبو عبد الله ابن الزّرّاد، ومحمد بن بدر النّسّاج، وطائفة سواهم. وكان من بقايا المُسْنِدين. تُوُفّي في تاسع عشر رمضان عن ثمانين سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
526 - عَبْد الرحيم بْن عبدُ الملك بْن عَبْد الملك بْن يوسُف بْن مُحَمَّد بْن قدامة بْن مقدام، الشَّيْخ كمال الدّين، أبو مُحَمَّد المَقْدِسيّ، الصالحي، الحنبليّ. [المتوفى: 680 هـ]
شيخ صالح ورع، عاقل حافظ لكتاب اللّه، عالي السَّنَد، وُلِدَ فِي حدود سنة ثمانٍ وتسعين، وسمع من حنبل حضورًا ومن: عُمَر بْن طبرزد والكندي، ومحمد ابن الزّنف، والخضِر بْن كامل، وابن الحَرَسْتانيّ، وداود بْن ملاعب، وأبي الفتوح الْجُلاجُليّ، وغيرهم. وأجاز له: أبو عبد الله ابن الخصيب الدّمشقيّ، وأبو جَعْفَر الصيدلاني، وعفيفة، ومنصور الفُراويّ، وعبد الرّزّاق الجيليّ، وعبد الوهاب بْن سُكَيْنة، وأبو حامد عَبْد اللّه بْن جوالق، وأبو الفتح ابن المِنْدائيّ، وخلْق. وحدَّث فِي أيّام الحافظ ابن خليل بحلب، وروى الكثير، روى عَنْهُ الدّمياطيّ، وتلك الطبقة، وأبو الحسن ابن العطّار، والمِزّيّ، والبِرْزاليّ، والشّيخ مُحَمَّد بْن قوام، وأبو عبد الله ابن الصَّيْرفيّ، وطائفة لم يظهروا بعد. تُوُفِّيَ فِي عاشر جُمَادَى الأولى، وهو سِبْط الشَّيْخ أبي عُمَر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
320 - عَبْد الدائم بْن أَحْمَد بْن عَبْد الدّائم بْن نعمة، الزّاهد، تاجُ الدّين، أَبُو مُحَمَّد المقدسيّ. [المتوفى: 685 هـ]
عبدٌ صالح، زاهد، متعبّد، مقبل عَلَى شأنه، حافظ لوقته. سَمِعَ من مُوسَى بْن عَبْد القادر حضورًا، ومن: الشّيْخ الموفّق والقزوينيّ والبهاء، وجماعة. روى عَنْهُ ابن الخبّاز وابن العَطَّار والمِزّيّ والبِرزاليّ، وجماعة. -[545]- عبر إلى رضوان اللَّه ليلة الثالث والعشرين من رمضان، وقد نيّف عَلَى السّبعين. |