نتائج البحث عن (اسْتِحَاضَةٌ) 10 نتيجة

الاستحاضة: دمٌ تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام، أو أكثر من عشرة أيام في الحيض، ومن أربعين في النفاس.
الاستحاضة:[في الانكليزية] Menstruation [ في الفرنسية] Menstruation لغة مصدر استحيضت المرأة على لفظ المجهول، أي استمر بها الدمّ، وشريعة دم أو خروج دم من موضع مخصوص غير حيض ونفاس، ومنها دم الآيسة والمريضة والصغيرة، كذا في جامع الرموز. ومنها دم تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام في الحيض، ومن أربعين في النفاس، كذا في اصطلاحات السيد الجرجاني.
  • الِاسْتِحَاضَة
الِاسْتِحَاضَة: دم ترَاهُ الْمَرْأَة أقل من ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَكثر من عشرَة أَيَّام فِي الْحيض وَمن أَرْبَعِينَ فِي النّفاس على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وأحكامها فِي الْفِقْه.
الاستحاضة: لغةً: مصدر أستحيضت المرأة أي استمرَّ بها الدمُ، وشرعاً: دمٌ نقص عن ثلاثة أيام أو زاد على عشرة في الحيض وعلى أربعين في النفاس.
الِاسْتِحَاضَة: دم ترَاهُ الْمَرْأَة غير حيض وَلَا نِفَاس، وَقيل: دم يخرج من العاذل؛ وَهُوَ عرق فِي أدنى الرَّحِم دون قَعْره.

‏<br> أسماء بنت مرثد الحارثية. روى عنها حديثها فِي الاستحاضة جابر بْن عَبْد اللَّهِ، من حديث حرام بْن عُثْمَانَ المدني، عَنِ ابني جابر: محمد، وعبد الرحمن، عن أبيها جابر بْن عَبْد اللَّهِ، ولا يصح لأنه انفرد به حرام بْن عُثْمَانَ، وَهُوَ متروك عند جميعهم. قَالَ الشافعي: الحديث عَنْ حرام بن عثمان حرام.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِحَاضَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ يَسِيل دَمُهَا وَلاَ يُرْقَأُ، فِي غَيْرِ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، لاَ مِنْ عِرْقِ الْحَيْضِ بَل مِنْ عِرْقٍ يُقَال لَهُ: الْعَاذِل (1) .
وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الاِسْتِحَاضَةَ بِأَنَّهَا: دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ لَيْسَ مِنَ الرَّحِمِ.
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا: دَمُ عِلَّةٍ يَسِيل مِنْ عِرْقٍ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ يُقَال لَهُ الْعَاذِل، قَال الرَّمْلِيُّ: الاِسْتِحَاضَةُ دَمٌ تَرَاهُ الْمَرْأَةُ غَيْرُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، سَوَاءٌ اتَّصَل بِهِمَا أَمْ لاَ. وَجَعَل مِنْ أَمْثِلَتِهَا الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَيْضُ:
2 - الْحَيْضُ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ بَالِغَةٍ لاَ دَاءَ بِهَا وَلاَ حَبَل، وَلَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الإِْيَاسِ (3)
__________
(1) طحطاوي على مراقي الفلاح 76
(2) نهاية المحتاج 1 / 315، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي 79، ومغني المحتاج 1 / 108، وشرح العناية 1 / 163، وكشاف القناع 1 / 177، وحاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 188، وفتح القدير 1 / 141
(3) طحطاوي على مراقي الفلاح 75، وسن الإياس هو خمس وخمسون سنة على الراجح. وانظر كشاف القناع 1 / 196، ونهاية المحتاج 1 / 304، وبلغة السالك 1 / 207

ب - النِّفَاسُ:
3 - النِّفَاسُ دَمٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْوِلاَدَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْرْجَحِ: وَمَعَ الْوِلاَدَةِ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: مَعَ وِلاَدَةٍ وَقَبْلَهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ (1) .
4 - وَتَفْتَرِقُ الاِسْتِحَاضَةُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ - الْحَيْضُ لَهُ وَقْتٌ، وَذَلِكَ حِينَ تَبْلُغُ الْمَرْأَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَصَاعِدًا، فَلاَ يَكُونُ الْمَرْئِيُّ فِيمَا دُونَهُ حَيْضًا، وَكَذَلِكَ مَا تَرَاهُ بَعْدَ سِنِّ الْيَأْسِ لاَ يَكُونُ حَيْضًا عِنْدَ الأَْكْثَرِ، أَمَّا الاِسْتِحَاضَةُ فَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ.
ب - الْحَيْضُ دَمٌ يَعْتَادُ الْمَرْأَةَ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، أَمَّا الاِسْتِحَاضَةُ فَهِيَ دَمٌ شَاذٌّ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
ج - الْحَيْضُ دَمٌ طَبِيعِيٌّ لاَ عَلاَقَةَ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ مَرَضِيٍّ، فِي حِينِ أَنَّ دَمَ الاِسْتِحَاضَةِ دَمٌ نَاتِجٌ عَنْ فَسَادٍ أَوْ مَرَضٍ أَوِ اخْتِلاَل الأَْجْهِزَةِ أَوْ نَزْفِ عِرْقٍ.
د - لَوْنُ دَمِ الْحَيْضِ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ غَالِبًا، بَيْنَمَا لَوْنُ دَمِ الاِسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ لاَ رَائِحَةَ لَهُ.
هـ - دَمُ النِّفَاسِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَعَ وِلاَدَةٍ.

الاِسْتِمْرَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
5 - الاِسْتِحَاضَةُ غَالِبًا مَا تَحْصُل بِالاِسْتِمْرَارِ، وَهُوَ: زِيَادَةُ الدَّمِ عَنْ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذْ لَمْ يَعْتَبِرِ الاِسْتِمْرَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُهُمْ، وَالاِسْتِمْرَارُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُعْتَادَةِ أَوْ فِي الْمُبْتَدَأَةِ.
__________
(1) نهاية المحتاج 1 / 305، وابن عابدين 1 / 199، وكشاف القناع 1 / 218، وبلغة السالك 1 / 216

الاِسْتِمْرَارُ فِي الْمُعْتَادَةِ:
6 - إِذَا اسْتَمَرَّ دَمُ الْمُعْتَادَةِ وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَطُهْرُهَا وَحَيْضُهَا مَا اعْتَادَتْ، وَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طُهْرُهَا الْمُعْتَادُ أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ طُهْرُهَا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلاَ تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَابِدِينَ سَبَبَ ذَلِكَ فَقَال: لأَِنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَل مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْل عَادَةً، وَأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْل كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَلِلْعُلَمَاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ لِتَقْدِيرِ طُهْرِ الْمَرْأَةِ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْوَاهَا قَوْلاَنِ، وَهُمَا:
أ - يُقَدَّرُ طُهْرُهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلاَّ سَاعَةً؛ تَحْقِيقًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ طُهْرِ الْحَمْل وَطُهْرِ الْحَيْضِ (1) .
ب - يُقَدَّرُ طُهْرُهَا بِشَهْرَيْنِ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ بِالأَْوَّل، وَلَكِنِ الْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ.

الاِسْتِمْرَارُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ:
7 - ذَكَرَ الْبِرْكَوِيُّ أَرْبَعَ حَالاَتٍ لِلْمُبْتَدَأَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، فَسَيَأْتِي بَيَانُ أَحْوَالِهَا فِي الْمَوْضِعِ التَّالِي.
وَثَلاَثٌ مِنْ حَالاَتِ الْمُبْتَدَأَةِ تَتَّصِل بِمَوْضُوعِ الاِسْتِمْرَارِ، أَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ لِلْمُبْتَدَأَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَسَتَأْتِي ف 13
__________
(1) منهل الواردين (مجموعة رسائل ابن عابدين) 1 / 93

حَالاَتُ الاِسْتِمْرَارِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ:
8 - الأُْولَى: أَنْ يَسْتَمِرَّ بِهَا الدَّمُ مِنْ أَوَّل مَا بَلَغَتْ، فَحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ ثُمَّ ذَلِكَ دَأْبُهَا، وَإِذَا صَارَتْ نُفَسَاءَ فَنِفَاسُهَا يُقَدَّرُ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ بَعْدَ النِّفَاسِ يُقَدَّرُ بِعِشْرِينَ يَوْمًا طُهْرًا، إِذْ لاَ يَتَوَالَى نِفَاسٌ وَحَيْضٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ طُهْرٍ تَامٍّ بَيْنَهُمَا، وَلَمَّا كَانَ تَقْدِيرُهُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ عِشْرِينَ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ بَيْنَ النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ تَقْدِيرًا مُطَّرِدًا.

الثَّانِيَةُ: أَنْ تَرَى دَمًا وَطُهْرًا فَاسِدَيْنِ، وَالدَّمُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَالطُّهْرُ الْفَاسِدُ مَا نَقَصَ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلاَ يُعْتَدُّ بِمَا رَأَتْ مِنْ حَيْثُ نَصْبُ الْعَادَةِ بِهِ، بَل يَكُونُ حَيْضُهَا عَشَرَةً، وَلَوْ حُكْمًا، مِنْ حِينِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، وَيَكُونُ طُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَذَلِكَ دَأْبُهَا حَتَّى تَرَى دَمًا وَطُهْرًا صَحِيحَيْنِ.
بَيَانُ ذَلِكَ: مُرَاهِقَةٌ (أَيْ مُقَارِبَةٌ لِلْبُلُوغِ) رَأَتْ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ، وَالطُّهْرُ النَّاقِصُ الْفَاصِل بَيْنَ الدَّمَيْنِ يُعْتَبَرُ كَالدَّمِ الْمُسْتَمِرِّ حُكْمًا، وَعَلَيْهِ تَكُونُ هَذِهِ كَاَلَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ مِنْ أَوَّل مَا بَلَغَتْ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّل أَيَّامِ الدَّمِ الأَْحَدِ عَشَرَ وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ. هَذَا إِذَا كَانَ الطُّهْرُ فَاسِدًا بِأَنْ كَانَ أَقَل مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَمَّا إِذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ وَقَدْ فَسَدَ بِمُخَالَطَتِهِ دَمَ الاِسْتِحَاضَةِ، كَمُبْتَدَأَةٍ رَأَتْ أَحَدَ عَشَرَ دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَالدَّمُ الأَْوَّل فَاسِدٌ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَالطُّهْرُ صَحِيحٌ ظَاهِرًا لأَِنَّهُ تَامٌّ إِذْ هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا،

وَلَكِنَّهُ فَاسِدٌ فِي الْمَعْنَى لأَِنَّ أَوَّلَهُ دَمٌ، وَهُوَ الْيَوْمُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَيْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ عِنْدَهُمْ فَهُوَ مِنَ الطُّهْرِ، وَبِمَا أَنَّ الطُّهْرَ خَالَطَهُ الدَّمُ فِي أَوَّلِهِ فَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عَادَةً.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي شَرْحِ رِسَالَةِ الْحَيْضِ: وَالْحَاصِل أَنَّ فَسَادَ الدَّمِ يُفْسِدُ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّل فَيَجْعَلُهُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي، فَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا اُبْتُدِئَتْ بِالاِسْتِمْرَارِ، وَيَكُونُ حَيْضُهَا عَشَرَةً وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَزِدِ الدَّمُ وَالطُّهْرُ عَلَى ثَلاَثِينَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّل مَا رَأَتْ، وَإِنْ زَادَ يُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ الْحَقِيقِيِّ، وَيَكُونُ جَمِيعُ مَا بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ الأَْوَّل وَدَمِ الاِسْتِمْرَارِ طُهْرًا (1) .

الثَّالِثَةُ: أَنْ تَرَى دَمًا صَحِيحًا، وَطُهْرًا فَاسِدًا، فَإِنَّ الدَّمَ الصَّحِيحَ يُعْتَبَرُ عَادَةً لَهَا فَقَطْ، فَتُرَدُّ إِلَيْهِ فِي زَمَنِ الاِسْتِمْرَارِ، وَيَكُونُ طُهْرُهَا أَثْنَاءَ الاِسْتِمْرَارِ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.
فَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةً دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ، فَحَيْضُهَا خَمْسَةٌ وَطُهْرُهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَتُصَلِّي مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا تَكْمِلَةَ الطُّهْرِ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلاَةَ خَمْسَةً، ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَهَكَذَا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا كَانَ الطُّهْرُ فَاسِدًا فِي الْمَعْنَى فَقَطْ، كَمَا لَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ ثَلاَثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ الدَّمَ - وَقَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ الطُّهْرَيْنِ - أَفْسَدَهُمَا مَعًا لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ حَيْضًا فَهُوَ مِنَ الطُّهْرِ، وَعَلَيْهِ: فَالأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ الأُْولَى حَيْضٌ، وَوَاحِدٌ
__________
(1) شرح رسالة الحيض مجموعة رسائل ابن عابدين 1 / 94 - 96

وَثَلاَثُونَ يَوْمًا طُهْرٌ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ فَثَلاَثَةٌ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، وَهَكَذَا دَأْبُهَا، وَبِهَذَا تَشْتَرِكُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ السَّابِقَةِ فِي الْحُكْمِ، مِنْ حَيْثُ نَصْبُ الْعَادَةِ عِنْدَ الاِسْتِمْرَارِ فِي كُل شَهْرٍ.
وَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ الثَّانِي الَّذِي مَرَّ بِهَا قَبْل الاِسْتِمْرَارِ طُهْرًا فَاسِدًا - لأَِنَّهُ أَقَل مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا - فَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ عَمَّا تَقَرَّرَ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْيَوْمِ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الأُْولَى مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ.
فَلَوْ رَأَتِ الْمُرَاهِقَةُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ دَمًا، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَالأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ الأُْوَل دَمٌ صَحِيحٌ، فَهُوَ حَيْضٌ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَهَا طُهْرٌ صَحِيحٌ، وَالْيَوْمُ الَّذِي بَعْدَهَا مَعَ اثْنَيْنِ مِمَّا بَعْدَهُ حَيْضٌ، ثُمَّ طُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، اثْنَا عَشَرَ مِنْ أَيَّامِ الاِنْقِطَاعِ الَّتِي سَبَقَتِ الاِسْتِمْرَارَ، وَثَلاَثَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَلِهَذَا تُصَلِّي مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ ثَلاَثَةً ثُمَّ تُعْتَبَرُ حَائِضًا ثَلاَثَةً فَتَتْرُكُ فِيهَا الصَّلاَةَ، ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَكَذَا يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِثَلاَثَةٍ وَطُهْرُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.
أَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ فَسَتُبْحَثُ فِي الْفِقْرَةِ / 13 اسْتِحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل.

اسْتِحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَيْضِ، وَالْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل:
9 - الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَيْضِ هِيَ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّل حَيْضٍ (1) فَابْتَدَأَتْ بِالدَّمِ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا. فَعِنْدَ
__________
(1) رد المحتار على الدر المختار 1 / 190، وفتح القدير 1 / 158، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح.

الْحَنَفِيَّةِ تَقَدَّمَ تَفْصِيل حُكْمِهَا.
10 - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُعْتَبَرُ الْمُبْتَدَأَةُ بِأَتْرَابِهَا، فَإِنْ تَجَاوَزَتْهُنَّ فَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَتَمَادَى إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَتَصُومُ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى عَوَائِدِ أَتْرَابِهَا أَيْ فِي السِّنِّ، فَتَأْخُذُ بِعَوَائِدِهِنَّ فِي الْحَيْضِ مِنْ قِلَّةِ الدَّمِ وَكَثْرَتِهِ، يُقَال إِنَّهَا تُقِيمُ قَدْرَ أَيَّامِ لَدَّاتِهَا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ تُصَلِّي وَتَصُومُ، إِلاَّ أَنْ تَرَى دَمًا تَسْتَكْثِرُهُ لاَ تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ دَمُ حَيْضَةٍ (1) . وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا عَرَفَتْ أَنَّ الدَّمَ النَّازِل هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، بِأَنْ مَيَّزَتْهُ بِرِيحٍ أَوْ ثِخَنٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ تَأَلُّمٍ، فَهُوَ حَيْضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَقَل الطُّهْرِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ، أَوْ مَيَّزَتْ قَبْل تَمَامِ أَقَل الطُّهْرِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ أَيْ بَاقِيَةٌ عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَلَوْ مَكَثَتْ عَلَى ذَلِكَ طُول حَيَاتِهَا.
11 - وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَيْضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: الْمُبْتَدَأَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَوْ لاَ، فَإِذَا كَانَتِ الْمُبْتَدَأَةُ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الأَْيَّامِ دَمًا قَوِيًّا وَفِي بَعْضِهَا دَمًا ضَعِيفًا، أَوْ فِي بَعْضِهَا دَمًا أَسْوَدَ وَفِي بَعْضِهَا دَمًا أَحْمَرَ، وَجَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَالضَّعِيفُ أَوِ الأَْحْمَرُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ طَال، وَالأَْسْوَدُ أَوِ الْقَوِيُّ حَيْضٌ (2) إِنْ لَمْ يَنْقُصِ الأَْسْوَدُ أَوِ الْقَوِيُّ عَنْ أَقَل الْحَيْضِ، وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عِنْدَهُمْ، وَلاَ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ ثُمَّ اتَّصَل بِهِ
__________
(1) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك 141
(2) مغني المحتاج 1 / 113، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 1 / 153، والمجموع شرح المهذب للإمام النووي 2 / 412

الضَّعِيفُ، وَتَمَادَى سِنِينَ كَانَ طُهْرًا، وَإِنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ دَائِمًا؛ لأَِنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لاَ حَدَّ لَهُ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ رَأَتِ الأَْسْوَدَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ رَأَتِ الضَّعِيفَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، أَوْ رَأَتْ أَبَدًا يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ فَحُكْمُهَا كَحُكْمِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ لِمَا تَرَاهُ.
وَالْمُبْتَدَأَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، بِأَنْ رَأَتِ الدَّمَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَكِنْ فَقَدَتْ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ التَّمْيِيزِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ (1) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنْ عَرَفَتْهُ فَالأَْظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّل الدَّمِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلاَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَطُهْرُهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا تَتِمَّةَ الشَّهْرِ (2) .
12 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنَّ الْمُبْتَدَأَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَمِلَتْ بِتَمْيِيزِهَا إِنْ صَلَحَ الأَْقْوَى أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ قُدِّرَ حَيْضُهَا بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتَغْتَسِل بَعْدَ ذَلِكَ وَتَفْعَل مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ. وَهَذَا فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ، أَمَّا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ فَتَنْتَقِل إِلَى غَالِبِ الْحَيْضِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ بِاجْتِهَادِهَا أَوْ تَحَرِّيهَا (3) . وَقَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَةِ الْمُنْتَهَى (4) : لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ، وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ
__________
(1) المجموع شرح المهذب للإمام النووي 2 / 410
(2) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 1 / 155، 156
(3) المغني والشرح الكبير 1 / 342
(4) مطالب أولي النهى 1 / 254

يَوْمًا، فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأَْسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ لأَِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ حَيْضًا. أَوْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَفِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَْسْوَدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا، بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ، أَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا، وَلَمْ يَصْلُحْ الأَْسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ زَادَ عَنِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَتَجْلِسُ أَقَل الْحَيْضِ مِنْ كُل شَهْرٍ لأَِنَّهُ الْيَقِينُ حَتَّى تَتَكَرَّرَ اسْتِحَاضَتُهَا ثَلاَثًا؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ لاَ تَثْبُتُ بِدُونِهَا، ثُمَّ تَجْلِسُ بَعْدَ التَّكْرَارِ مِنْ مِثْل أَوَّل وَقْتِ ابْتِدَاءٍ بِهَا إِنْ عَلِمَتْهُ مِنْ كُل شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ، أَوْ تَجْلِسُ مِنْ أَوَّل كُل شَهْرٍ هِلاَلِيٍّ إِنْ جَهِلَتْهُ، أَيْ: وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا مِنَ الأَْيَّامِ بِلَيَالِيِهَا بِتَحَرٍّ فِي حَال الدَّمِ وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا النِّسَاءِ، وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ، فَقَال: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ثُمَّ اغْتَسِلِي. (1) وَيُتَّجَهُ احْتِمَالٌ قَوِيٌّ بِوُجُوبِ قَضَاءِ مَنْ جَهِلَتْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ نَحْوِ صَوْمٍ كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ فِيمَا فَعَلَتْهُ أَيِ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ قَبْل التَّحَرِّي، كَمَنْ جَهِل الْقِبْلَةَ وَصَلَّى بِلاَ تَحَرٍّ فَيَقْضِي وَلَوْ أَصَابَ.
13 - وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَمْل: وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ مِنْ زَوْجِهَا قَبْل أَنْ تَحِيضَ إِذَا وَلَدَتْ فَرَأَتِ الدَّمَ زِيَادَةً عَنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فَالزِّيَادَةُ اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْرْبَعِينَ لِلنِّفَاسِ كَالْعَشَرَةِ لِلْحَيْضِ، فَالزِّيَادَةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اسْتِحَاضَةٌ دُونَ نَظَرٍ إِلَى تَمْيِيزٍ أَوْ عَدَمِهِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنْ
__________
(1) رواه أحمد وغيره.

أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَحَيْضٌ، وَإِلاَّ فَاسْتِحَاضَةٌ؛ لأَِنَّهُ يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ اقْتِرَانُ الْحَيْضِ بِالنِّفَاسِ (1) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ الزِّيَادَةُ عَلَى السِّتِّينَ اسْتِحَاضَةٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُمَيِّزَةِ لِمَا تَرَى وَغَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ، كَمَا فِي الْحَيْضِ.
فَإِذَا بَلَغَتْ بِالْحَمْل وَوَلَدَتْ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، وَلَمْ تَرَ طُهْرًا صَحِيحًا بَعْدَ وِلاَدَتِهَا وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ نِفَاسِهَا - وَهِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ - فَيُقَدَّرُ طُهْرُهَا بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ بِعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ بَعْدَهُ يَكُونُ حَيْضُهَا عَشَرَةً وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَهَذَا شَأْنُهَا مَا دَامَتْ حَالَةُ الاِسْتِمْرَارِ قَائِمَةً بِهَا.
وَإِذَا وَلَدَتْ فَرَأَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، أَيْ تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ إِذَا كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الرَّدُّ إِذَا رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا فَمَا فَوْقَهَا إِلَى وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، فَعِنْدَئِذٍ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِتِسْعَةٍ وَطُهْرُهَا بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ كُلَّمَا زَادَ الطُّهْرُ نَقَصَ مِنَ الْحَيْضِ مِثْلُهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا ثَلاَثَةً، وَطُهْرُهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَ الطُّهْرُ عَلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَطُهْرُهَا مِثْل مَا رَأَيْتَ قَبْل الاِسْتِمْرَارِ كَائِنًا مَا كَانَ عَدَدُهُ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ طُهْرُهَا نَاقِصًا عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ - الَّتِي هِيَ مُدَّةُ نِفَاسِهَا - بِعِشْرِينَ وَحَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي وَضَعَتْ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ابْتِدَاءً، وَإِذَا كَانَ طُهْرُهَا الَّذِي رَأَتْهُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ الَّتِي لِلنِّفَاسِ كَامِلاً خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَقَدْ زَادَ دَمُهَا عَلَى أَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ بِيَوْمٍ مَثَلاً،
__________
(1) كشاف القناع 1 / 188 ط أنصار السنة.

فَسَدَ هَذَا الطُّهْرُ فِي الْمَعْنَى؛ لأَِنَّهُ خَالَطَهُ دَمٌ يَوْمَ تُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، وَلِهَذَا لاَ يَصْلُحُ لاِعْتِبَارِهِ عَادَةً لَهَا، فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا وَطُهْرُهَا حَسَبَ التَّفْصِيل التَّالِي:
فَإِذَا كَانَ بَيْنَ نِهَايَةِ النِّفَاسِ - الأَْرْبَعِينَ - وَأَوَّل الاِسْتِمْرَارِ عِشْرُونَ يَوْمًا فَأَكْثَرُ، كَأَنْ زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ بِخَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ وَطَهُرَتْ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَطُهْرُهَا بِعِشْرِينَ، وَهَكَذَا دَأْبُهَا.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ النِّفَاسِ وَأَوَّل الاِسْتِمْرَارِ أَقَل مِنْ عِشْرِينَ كَأَنْ زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ يَكْمُل طُهْرُهَا إِلَى الْعِشْرِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ مَا يَتِمُّ بِهِ تَكْمِيل هَذِهِ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشَرَةٍ وَطُهْرُهَا بِعِشْرِينَ وَهَكَذَا.
وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ بِالْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لأَِقَل مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَيْضِ، وَلأَِقَل مِنْ أَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِل وَتُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَتَصُومُ احْتِيَاطًا، وَلاَ يَحِل لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَمِرَّ الاِنْقِطَاعُ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضِ، هَذَا إِذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ لأَِقَل مِنْ ثَلاَثَةٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ (1) . وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
14 - أَمَّا أَحْكَامُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَقَوْلُهُمْ هُنَا كَأَقْوَالِهِمْ فِي الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَيْضِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: تُعْتَبَرُ الْمُبْتَدَأَةُ بِأَتْرَابِهَا، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَعْتَكِفُ سِتِّينَ يَوْمًا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِل، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتُوطَأُ (2) .
__________
(1) رد المحتار على الدر المختار 1 / 190
(2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 142

فَإِذَا عَبَرَ الدَّمُ السِّتِّينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَنْزِل مَنْزِلَةَ عُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ كَالْحَيْضِ فِي غَالِبِ أَحْكَامِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ، فَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَيْضِ وِفَاقًا وَخِلاَفًا، فَيُنْظَرُ هُنَا أَيْضًا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْتَدَأَةً فِي النِّفَاسِ أَمْ مُعْتَادَةً، مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَمْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَيُقَاسُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ، فَتُرَدُّ الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ إِلَى التَّمْيِيزِ شَرْطَ أَلاَّ يَزِيدَ الْقَوِيُّ عَلَى سِتِّينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ تُرَدُّ إِلَى لَحْظَةٍ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ لاَ الْعَادَةِ فِي الأَْصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ الْحَافِظَةُ تُرَدُّ إِلَى الْعَادَةِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا فَتُرَدُّ إِلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ فِي قَوْلٍ، وَتَحْتَاطُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ (1) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ النُّفَسَاءَ إِذَا زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ، وَوَافَقَ عَادَةَ حَيْضٍ فَهُوَ حَيْضٌ، وَمَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَادَةَ حَيْضٍ فَمَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُبْتَدَأَةٍ بِالْحَمْل أَوْ مُعْتَادَةٍ لَهُ.

اسْتِحَاضَةُ ذَاتِ الْعَادَةِ:
أ - ذَاتُ الْعَادَةِ بِالْحَيْضِ:
15 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَاتِ الْعَادَةِ بِالْحَيْضِ - وَهِيَ الَّتِي تَعْرِفُ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا أَنَّهُ: إِذَا رَأَتِ الْمُعْتَادَةُ مَا يُوَافِقُ عَادَتَهَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ وَالْعَدَدُ، فَكُل مَا رَأَتْهُ حَيْضٌ. وَإِذَا رَأَتْ مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ أَوِ الْعَدَدُ أَوْ كِلاَهُمَا، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَنْتَقِل الْعَادَةُ وَقَدْ لاَ تَنْتَقِل، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ مَا رَأَتْ، فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ حَال مَا رَأَتْ مِنَ
__________
(1) حاشيتا قليوبي وعميرة 1 / 109، 110

الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ عَلَى انْتِقَال الْعَادَةِ.
فَإِنْ لَمْ تَنْتَقِل كَمَا إِذَا زَادَ الدَّمُ عَنِ الْعَشَرَةِ رُدَّتْ إِلَى عَادَتِهَا، فَيُجْعَل الْمَرْئِيُّ فِي الْعَادَةِ حَيْضًا، وَالْبَاقِي الَّذِي جَاوَزَ الْعَادَةَ اسْتِحَاضَةً.
وَإِنِ انْتَقَلَتِ الْعَادَةُ فَكُل مَا رَأَتْهُ حَيْضٌ.
وَتَفْصِيل قَاعِدَةِ انْتِقَال الْعَادَةِ وَحَالاَتِهَا وَأَمْثِلَتِهَا فِي مُصْطَلَحِ (حَيْض (1)) .
16 - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَشْهَرُهَا:
أَنَّهَا تَبْقَى أَيَّامَهَا الْمُعْتَادَةَ، وَتَسْتَظْهِرُ (أَيْ تَحْتَاطُ) بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتَطُوفُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، مَا لَمْ تَرَ دَمًا تُنْكِرُهُ بَعْدَ مُضِيِّ أَقَل مُدَّةِ الطُّهْرِ مِنْ يَوْمِ حُكِمَ بِاسْتِحَاضَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَغْتَسِل عِنْدَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اسْتِحْبَابًا لاَ إِيجَابًا.
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً، أَمَّا الْمُمَيِّزَةُ فَتَعْمَل بِتَمْيِيزِهَا مِنْ رُؤْيَةِ أَوْصَافِ الدَّمِ وَأَحْوَالِهِ مِنَ التَّقَطُّعِ وَالزِّيَادَةِ وَاللَّوْنِ، فَتُمَيِّزُ بِهِ مَا هُوَ حَيْضٌ، وَمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ (2) .
وَإِذَا أَتَاهَا الْحَيْضُ فِي وَقْتِهِ، وَانْقَطَعَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةٍ، وَأَتَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْل طُهْرٍ تَامٍّ، فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَتُلَفِّقُ عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فِي ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ وَنَحْوَهُ، أَوْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَفَّقَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا.
__________
(1) شرح رسالة الحيض (مجموعة رسائل ابن عابدين) 1 / 86 - 87
(2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 142

وَالأَْيَّامُ الَّتِي اسْتَظْهَرَتْ بِهَا هِيَ فِيهَا حَائِضٌ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى الْحَيْضِ، إِنْ رَأَتِ الدَّمَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، وَأَيَّامُ الطُّهْرِ الَّتِي كَانَتْ تُلْغِيهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي خِلاَل ذَلِكَ، وَكَانَتْ لاَ تَرَى فِيهَا دَمًا هِيَ فِيهَا طَاهِرَةٌ، تُصَلِّي فِيهَا وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَتَصُومُهَا، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الأَْيَّامُ بِطُهْرٍ تَعْتَدُّ بِهِ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلاَقٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبْل تِلْكَ الأَْيَّامِ مِنَ الدَّمِ، وَاَلَّتِي بَعْدَ تِلْكَ الأَْيَّامِ قَدْ أُضِيفَتْ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَجُعِل حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَكُل مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الطُّهْرِ مُلْغًى، ثُمَّ تَغْتَسِل بَعْدَ الاِسْتِظْهَارِ، وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ، إِنْ رَأَتِ الدَّمَ فِي تِلْكَ الأَْيَّامِ، وَتَغْتَسِل كُل يَوْمٍ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ (1) .
17 - أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَالْمُعْتَادَةُ بِالْحَيْضِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ لِمَا تَرَى بِأَنْ كَانَ الدَّمُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كَانَ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفَقَدَتْ شَرْطَ التَّمْيِيزِ، وَلَكِنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ، وَهِيَ تَعْلَمُ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا قَدْرًا وَوَقْتًا فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الأَْصَحِّ.
وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ فَيُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ لاَ بِالْعَادَةِ فِي الأَْصَحِّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّل كُل شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ، فَاسْتُحِيضَتْ فَرَأَتْ عَشَرَةً سَوَادًا مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ وَبَاقِيهِ حُمْرَةً، فَحَيْضَتُهَا الْعَشَرَةُ السَّوَادُ وَمَا يَلِيهِ اسْتِحَاضَةٌ.
وَالْقَوْل الثَّانِي يُحْكَمُ بِالْعَادَةِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الأُْولَى (2) . وَالأَْوَّل أَصَحُّ لأَِنَّ التَّمْيِيزَ
__________
(1) المواق 1 / 369، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك 143
(2) مغني المحتاج 1 / 115، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 3 / 156، والمجموع شرح المهذب للإمام النووي 2 / 424

عَلاَمَةٌ قَائِمَةٌ فِي شَهْرِ الاِسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ عَادَةٍ انْقَضَتْ (1) .
18 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَالُوا لاَ تَخْلُو الْمُسْتَحَاضَةُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: مُمَيِّزَةٌ لاَ عَادَةَ لَهَا، وَمُعْتَادَةٌ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا، وَمَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، وَمَنْ لاَ عَادَةَ لَهَا وَلاَ تَمْيِيزَ.
أَمَّا الْمُمَيِّزَةُ: وَهِيَ الَّتِي لِدَمِهَا إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ مُسَرَّقٌ أَوْ أَصْفَرُ أَوْ لاَ رَائِحَةَ لَهُ، وَيَكُونُ الدَّمُ الأَْسْوَدُ أَوِ الثَّخِينُ لاَ يَزِيدُ عَنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلاَ يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ، فَحُكْمُ هَذِهِ: أَنَّ حَيْضَهَا زَمَانُ الدَّمِ الأَْسْوَدِ أَوِ الثَّخِينِ أَوِ الْمُنْتِنِ، فَإِنِ انْقَطَعَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، تَغْتَسِل لِلْحَيْضِ، وَتَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُل صَلاَةٍ وَتُصَلِّي.
أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي لَهَا عَادَةٌ وَلاَ تَمْيِيزَ لَهَا؛ لِكَوْنِ دَمِهَا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ أَيْ عَلَى صِفَةٍ لاَ تَخْتَلِفُ، وَلاَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، أَوْ كَانَ مُنْفَصِلاً، إِلاَّ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ دُونَ أَقَل الْحَيْضِ، أَوْ فَوْقَ أَكْثَرِهِ؟ فَهَذِهِ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ قَبْل أَنْ تُسْتَحَاضَ جَلَسَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، فَاسْتُحِيضَتْ، وَدَمُهَا مُتَمَيِّزٌ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ، فَإِنْ كَانَ الأَْسْوَدُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ فِي الدَّلاَلَةِ فَيُعْمَل بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ أَوْ أَقَل - وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا - فَفِيهِ
__________
(1) المجموع شرح المهذب 2 / 439، 441 حيث ذكر أيضا أنها إن كانت ناسية لعادتها مميزة للحيض من الاستحاضة باللون مثلا فإنها ترد إلى التمييز. وعلى قول من قال تقدم العادة على التمييز حكمها حكم من لا تمييز لها.

رِوَايَتَانِ: الرِّوَايَةُ الأُْولَى: اعْتِبَارُ الْعَادَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُِمِّ حَبِيبَةَ إِذْ سَأَلَتْهُ عَنِ الدَّمِ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي (1) وَلأَِنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى (2) . وَالثَّانِيَةُ: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ فَيُعْمَل بِهِ وَتَدَعُ الْعَادَةَ.
أَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهِيَ الَّتِي لاَ عَادَةَ لَهَا وَلاَ تَمْيِيزَ فَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضُوعِ (اسْتِحَاضَةُ مَنْ لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ (3)) .

ب - ذَاتُ الْعَادَةِ فِي النِّفَاسِ:
19 - إِذَا رَأَتْ ذَاتُ الْعَادَةِ بِالنِّفَاسِ زِيَادَةً عَنْ عَادَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَرْبَعِينَ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الزِّيَادَةُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا دُونَ الأَْرْبَعِينَ، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ إِلَى الأَْرْبَعِينَ أَوْ دُونَهَا، فَمَا زَادَ يَكُونُ نِفَاسًا، وَإِنْ زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فَتَكُونُ عَادَتُهَا نِفَاسًا، وَمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً (4) .
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَمَا ذُكِرَ فِي الْحَيْضِ لِلْمُعْتَادَةِ يُذْكَرُ هُنَا أَيْضًا.
حَيْثُ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ سِتُّونَ يَوْمًا. فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الزَّائِدُ عَنِ السِّتِّينَ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةٌ وَلاَ تَسْتَظْهِرُ، فَإِنَّ الاِسْتِظْهَارَ خَاصٌّ بِالْحَيْضِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَمَا زَادَ عَلَى السِّتِّينَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ فَإِذَا عَبَرَ دَمُ النُّفَسَاءِ السِّتِّينَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالْحَيْضِ إِذَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ
__________
(1) رواه مسلم.
(2) مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى 1 / 255
(3) المغني والشرح الكبير 1 / 324، 328، 332، 336
(4) حاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 200

عَشَرَ فِي الرَّدِّ إِلَى التَّمْيِيزِ إِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَى، أَوِ الْعَادَةِ إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَالثَّانِي لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: أَصَحُّهُمَا كَالطَّرِيقِ الأَْوَّل أَيْ أَنَّهُ كَالْحَيْضِ.
الثَّانِي: أَنَّ السِّتِّينَ كُلَّهَا نِفَاسٌ، وَمَا زَادَ عَلَى السِّتِّينَ اسْتِحَاضَةٌ، اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ السِّتِّينَ نِفَاسٌ، وَاَلَّذِي بَعْدَهُ حَيْضٌ فَعَلَى هَذَا قَال أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمَرْزُبَانِيُّ: قَال صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْعِدَّةِ: إِنْ زَادَ الدَّمُ بَعْدَ السِّتِّينَ حَكَمْنَا بِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فِي الْحَيْضِ. وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ أَضْعَفُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ (1) .
وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. وَلَمْ نَقِفْ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ مَرَاجِعِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عَنْ عَادَةٍ فِي النِّفَاسِ.

اسْتِحَاضَةُ مَنْ لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ:
20 - مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْحَيْضِ - بِأَنْ كَانَتْ تَرَى شَهْرًا سِتًّا وَشَهْرًا سَبْعًا - فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنَّهَا تَأْخُذُ فِي حَقِّ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالرَّجْعَةِ بِالأَْقَل، وَفِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءِ بِالأَْكْثَرِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِل فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِتَمَامِ الْيَوْمِ السَّادِسِ وَتُصَلِّي فِيهِ، وَتَصُومُ إِنْ كَانَ دَخَل عَلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا.
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ تُعْتَبَرُ حَيْضَةً ثَالِثَةً يَكُونُ قَدْ سَقَطَ حَقُّ الزَّوْجِ فِي مُرَاجَعَتِهَا.
__________
(1) المجموع للإمام النووي 2 / 534، والدسوقي 1 / 174، والمهذب 1 / 52

وَأَمَّا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِلزَّوَاجِ مِنْ آخَرَ، وَحِل اسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ بِهَا فَتَأْخُذُ بِالأَْكْثَرِ؛ لأَِنَّ تَرْكَهَا التَّزَوُّجَ مَعَ جَوَازِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِدُونِ حَقِّ التَّزَوُّجِ، وَكَذَا تَرْكُ الْوَطْءِ مَعَ احْتِمَال الْحِل، أَوْلَى مِنَ الْوَطْءِ مَعَ احْتِمَال الْحُرْمَةِ، فَإِذَا جَاءَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِل ثَانِيًا، وَتَقْضِيَ الْيَوْمَ السَّابِعَ الَّذِي صَامَتْهُ؛ لأَِنَّ الأَْدَاءَ كَانَ وَاجِبًا، وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي السُّقُوطِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ حَائِضًا فِيهِ صَحَّ صَوْمُهَا وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، فَلاَ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ بِالشَّكِّ.
وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ؛ لأَِنَّهَا إِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي هَذَا الْيَوْمِ فَقَدْ صَلَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فِيهِ فَلاَ صَلاَةَ عَلَيْهَا، وَبِالتَّالِي لاَ قَضَاءَ عَلَيْهَا (1) . وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَحَاضَتْ سِتَّةً، ثُمَّ حَاضَتْ حَيْضَةً أُخْرَى سَبْعَةً، ثُمَّ حَاضَتْ حَيْضَةً أُخْرَى سِتَّةً، فَعَادَتُهَا سِتَّةٌ بِالإِْجْمَاعِ حَتَّى يَنْبَنِيَ الاِسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا.
أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلأَِنَّ الْعَادَةَ تَنْتَقِل بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَنِي الاِسْتِمْرَارُ عَلَى الْمَرَّةِ الأَْخِيرَةِ لأَِنَّ الْعَادَةَ انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَلأَِنَّ الْعَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَنْتَقِل إِلاَّ بِالْمَرَّتَيْنِ فَقَدْ رَأَتِ السِّتَّةَ مَرَّتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ لِمَنْ لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي النِّفَاسِ.

اسْتِحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةِ:
21 - الْمُتَحَيِّرَةُ: هِيَ الَّتِي نَسِيَتْ عَادَتَهَا بَعْدَ اسْتِمْرَارِ الدَّمِ وَتُوصَفُ بِالْمُحَيِّرَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ
__________
(1) البدائع 1 / 174

الْفَاعِل، لأَِنَّهَا تُحَيِّرُ الْمُفْتِيَ، وَبِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُول لأَِنَّهَا حُيِّرَتْ بِسَبَبِ نِسْيَانِهَا (1) ، وَتُدْعَى أَيْضًا الْمُضِلَّةَ؛ لأَِنَّهَا أَضَلَّتْ عَادَتَهَا.
وَمَسَائِل الْمُحَيِّرَةِ مِنْ أَصْعَبِ مَسَائِل الْحَيْضِ وَأَدَقِّهَا، وَلَهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ وَفُرُوعٌ دَقِيقَةٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ حِفْظُ عَادَتِهَا فِي الزَّمَانِ وَالْعَدَدِ.
وَجَمِيعُ الأَْحْكَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُبْنَى عَلَى الاِحْتِيَاطِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ تَشْدِيدٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَيْسَ الْقَصْدُ التَّشْدِيدَ لأَِنَّهَا لَمْ تَرْتَكِبْ مَحْظُورًا.
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الْمُتَحَيِّرَةِ فِي مُصْطَلَحِهَا.

مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ الْحَامِل مِنَ الدَّمِ أَثْنَاءَ حَمْلِهَا:
22 - إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الْحَامِل الدَّمَ حَال الْحَبَل وَقَبْل الْمَخَاضِ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا بَالِغًا نِصَابَ الْحَيْضِ، بَل هُوَ اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) وَالْحَنَابِلَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا تَرَاهُ حَالَةَ الْمَخَاضِ وَقَبْل خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِل قَبْل الْوِلاَدَةِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ دَمُ نِفَاسٍ (3) وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَدُّ مِنْ مُدَّةِ النِّفَاسِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ: بِقَوْل عَائِشَةَ الْحَامِل لاَ تَحِيضُ وَمِثْل هَذَا لاَ يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ (4) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: هُوَ حَيْضٌ فِي حَقِّ تَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَحُرْمَةِ الْقُرْبَانِ، لاَ فِي حَقِّ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ،
__________
(1) طحطاوي 1 / 76
(2) فتح القدير 1 / 164
(3) المغني مع الشرح الكبير 1 / 375
(4) فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن فم الرحم ينسد حال الحبل في المعتاد، ولا ينفتح إلا بخروج الولد حيث يندفع النفاس. فتح القدير 1 / 165

وَاحْتَجَّ بِمَا يُرْوَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إِذَا أَقْبَل قُرْؤُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ. وَلأَِنَّ الْحَامِل مِنْ ذَوَاتِ الأَْقْرَاءِ إِلاَّ أَنَّ حَيْضَهَا لاَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ فَرَاغُ الرَّحِمِ، وَحَيْضُهَا لاَ يَدُل عَلَى ذَلِكَ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْحَامِل إِذَا رَأَتْ دَمًا فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي يُعْتَبَرُ حَيْضًا، وَتُعَامَل كَأَنَّهَا حَامِلٌ؛ لأَِنَّ الْحَمْل لاَ يَسْتَبِينُ - عَادَةً - فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا إِذَا رَأَتْ دَمًا فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ أَوِ الرَّابِعِ أَوِ الْخَامِسِ وَاسْتَمَرَّ كَانَ أَثَرُ حَيْضِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، وَمَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ.
وَإِنَّمَا فَرَّقُوا فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَيْنَ الْحَامِل وَغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الْحَمْل يَحْبِسُ الدَّمَ، فَإِذَا خَرَجَ كَانَ زَائِدًا، وَرُبَّمَا اسْتَمَرَّ لِطُول الْمُكْثِ. وَأَمَّا إِنْ رَأَتْهُ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ أَوِ الثَّامِنِ أَوِ التَّاسِعِ وَاسْتَمَرَّ نَازِلاً كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا ثَلاَثِينَ يَوْمًا. وَأَمَّا إِنْ رَأَتْهُ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَا إِذَا حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ شُيُوخُ إِفْرِيقِيَّةَ فَرَأَوْا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (1) .
وَبَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ يُعْتَبَرُ اسْتِحَاضَةً (2) .

مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الدَّمِ بَيْنَ الْوِلاَدَتَيْنِ (إِنْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ) :
23 - التَّوْأَمُ: اسْمُ وَلَدٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ
__________
(1) حاشية الدسوقي 1 / 169 - 170، والذخيرة 1 / 386 ط كلية الشريعة بالأزهر.
(2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك 147، والدسوقي 1 / 169.

وَاحِدٍ، فَالتَّوْأَمَانِ هُمَا الْوَلَدَانِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، يُقَال لِكُل وَاحِدٍ تَوْأَمٌ، وَلِلأُْنْثَى تَوْأَمَةٌ (1) .
فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الأَْوَّل وَالثَّانِي أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ النُّفَسَاءُ بَيْنَ الْوِلاَدَتَيْنِ دَمٌ صَحِيحٌ، أَيْ نِفَاسٌ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ دَمٌ فَاسِدٌ أَيِ اسْتِحَاضَةٌ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا وَلَدَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ آخَرُ، فَالنِّفَاسُ مِنَ الْوَلَدِ الأَْوَّل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْوَلَدِ الثَّانِي، وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِالْوَلَدِ الثَّانِي بِالإِْجْمَاعِ.
وَجْهُ قَوْل مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ: أَنَّ النِّفَاسَ يَتَعَلَّقُ بِوَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ، كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْوَلَدِ الأَْخِيرِ، وَهَذَا لأَِنَّهَا لاَ تَزَال حُبْلَى، وَكَمَا لاَ يُتَصَوَّرُ انْقِضَاءُ عِدَّةِ الْحَمْل بِدُونِ وَضْعِ الْحَمْل، لاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ النِّفَاسِ مِنَ الْحُبْلَى؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيْضِ، فَكَانَ الْمَوْجُودُ قَبْل وَضْعِ الْوَلَدِ الثَّانِي نِفَاسًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَلاَ تَسْقُطُ الصَّلاَةُ عَنْهَا بِالشَّكِّ.
وَلأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ النِّفَاسَ إِنْ كَانَ دَمًا يَخْرُجُ عَقِيبَ الْوِلاَدَةِ فَقَدْ وُجِدَ بِوِلاَدَةِ الأَْوَّل، بِخِلاَفِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَبَقَاءُ الْوَلَدِ الثَّانِي فِي الْبَطْنِ لاَ يُنَافِي النِّفَاسَ (2) .
وَيَتَّفِقُ الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ الشَّيْخَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ أَوَّل النِّفَاسِ مِنَ الْوَلَدِ الأَْوَّل. وَتَبْدَأُ
__________
(1) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك 148
(2) بدائع الصنائع للكاساني 1 / 176، وفتح القدير 1 / 167

لِلثَّانِي بِنِفَاسٍ جَدِيدٍ (1) .
24 - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الدَّمُ الَّذِي بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ نِفَاسٌ، وَقِيل حَيْضٌ، وَالْقَوْلاَنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ (2) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ كَاَلَّتِي رُوِيَتْ عَنِ الْحَنَابِلَةِ.

أَحْكَامُ الْمُسْتَحَاضَةِ:
25 - دَمُ الاِسْتِحَاضَةِ حُكْمُهُ كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، أَوْ كَسَلَسِ الْبَوْل، حَيْثُ تُطَالَبُ الْمُسْتَحَاضَةُ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ تَخْتَلِفُ عَنْ أَحْكَامِ الأَْصِحَّاءِ، وَعَنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَهِيَ:
أ - يَجِبُ رَدُّ دَمِ الاِسْتِحَاضَةِ، أَوْ تَخْفِيفُهُ إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِرِبَاطٍ أَوْ حَشْوٍ أَوْ بِالْقِيَامِ أَوْ بِالْقُعُودِ، كَمَا إِذَا سَال أَثْنَاءَ السُّجُودِ وَلَمْ يَسِل بِدُونِهِ، فَتُومِئُ مِنْ قِيَامٍ أَوْ مِنْ قُعُودٍ، وَكَذَا لَوْ سَال الدَّمُ عِنْدَ الْقِيَامِ صَلَّتْ مِنْ قُعُودٍ؛ لأَِنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَوِ الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ أَهْوَنُ مِنَ الصَّلاَةِ مَعَ الْحَدَثِ.
وَهَكَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ تَسْتَطِيعُ مَنْعَ سَيَلاَنِ الدَّمِ بِالاِحْتِشَاءِ فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ، فَإِذَا نَفَذَتِ الْبِلَّةُ أَوْ أَخْرَجَتِ الْحَشْوَةَ الْمُبْتَلَّةَ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا.
فَإِذَا رَدَّتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الدَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ نَحْوِهَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ صَاحِبَةَ عُذْرٍ (3) .
وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ الْمُسْتَحَاضَةَ صَاحِبَةَ عُذْرٍ كَمَنْ بِهِ سَلَسٌ، فَإِذَا فَارَقَهَا الدَّمُ أَكْثَرَ زَمَنِ وَقْتِ الصَّلاَةِ لَمْ
__________
(1) المغني 1 / 365
(2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 149
(3) حاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 204، والطحطاوي على مراقي الفلاح 80، والقليوبي 1 / 101، والمغني مع الشرح الكبير 1 / 358

تُعَدَّ صَاحِبَةَ عُذْرٍ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ عِنْدَ الْوُضُوءِ فَإِذَا قَامَتْ ذَهَبَ عَنْهَا، قَال مَالِكٌ: تَشُدُّ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَلاَ تَتْرُكُ الصَّلاَةَ (1) .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ الشَّدِّ أَوِ الاِحْتِشَاءِ أَمْرَانِ:
الأَْوَّل: أَنْ تَتَضَرَّرَ الْمُسْتَحَاضَةُ مِنَ الشَّدِّ أَوِ الاِحْتِشَاءِ.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَائِمَةً فَتَتْرُكُ الاِحْتِشَاءَ نَهَارًا لِئَلاَّ يَفْسُدَ صَوْمُهَا.
وَإِذَا قَامَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا مِنَ الْمَعْذُورِينَ بِالشَّدِّ أَوِ الاِحْتِشَاءِ ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ رَغْمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْتَدَّ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَاسْتَمَرَّ وَقْتَ صَلاَةٍ كَامِلٍ، فَلاَ يَمْنَعُ خُرُوجُ الدَّمِ أَوْ وُجُودُهُ مِنْ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي (2) ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ (3) ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ (4) ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ. (5)
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَلِغَيْرِهَا مِنَ الْمَعْذُورِينَ ثَلاَثَةَ شُرُوطٍ:

الأَْوَّل: شَرْطُ الثُّبُوتِ: حَيْثُ لاَ يَصِيرُ مَنِ اُبْتُلِيَ
__________
(1) المواق 1 / 367
(2) رواه الترمذي، وقال. حديث حسن صحيح.
(3) رواه الترمذي أيضا.
(4) رواه الترمذي أيضا، وقال حديث حسن صحيح.
(5) رواه ابن ماجه في سننه، والبيهقي.

بِالْعُذْرِ مَعْذُورًا، وَلاَ تَسْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَعْذُورِينَ، حَتَّى يَسْتَوْعِبَهُ الْعُذْرُ وَقْتًا كَامِلاً لِصَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ وَلَوْ حُكْمًا، وَلَيْسَ فِيهِ انْقِطَاعٌ - فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَقْتِ - زَمَنًا بِقَدْرِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.

الثَّانِيَ: شَرْطُ الدَّوَامِ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ الْعُذْرُ فِي كُل وَقْتٍ آخَرَ، سِوَى الْوَقْتِ الأَْوَّل الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْعُذْرُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.

الثَّالِثَ: شَرْطُ الاِنْقِطَاعِ، وَبِهِ يَخْرُجُ صَاحِبُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَعْذُورًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ الاِنْقِطَاعُ وَقْتًا كَامِلاً فَيَثْبُتُ لَهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الأَْصِحَّاءِ مِنْ وَقْتِ الاِنْقِطَاعِ (1) .

مَا تَمْتَنِعُ عَنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ:
26 - قَال الْبِرْكَوِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: الاِسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ أَصْغَرُ كَالرُّعَافِ. فَلاَ تَسْقُطُ بِهَا الصَّلاَةُ وَلاَ تَمْنَعُ صِحَّتَهَا أَيْ عَلَى سَبِيل الرُّخْصَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ تُحَرِّمُ الصَّوْمَ فَرْضًا أَوْ نَفْلاً، وَلاَ تَمْنَعُ الْجِمَاعَ - لِحَدِيثِ حَمْنَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يَأْتِيهَا - وَلاَ قِرَاءَةَ قُرْآنٍ، وَلاَ مَسَّ مُصْحَفٍ، وَلاَ دُخُول مَسْجِدٍ، وَلاَ طَوَافًا إِذَا أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ. وَحُكْمُ الاِسْتِحَاضَةِ كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، فَتُطَالَبُ الْمُسْتَحَاضَةُ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ (2) .
وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، قَالُوا: لاَ تُمْنَعُ
__________
(1) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي ص 81.
(2) مجموعة رسائل ابن عابدين 1 / 114، وحاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 198، وفتح القدير 1 / 156، وحاشية الطحطاوي ص 80، والدسوقي 1 / 169، والمغني 1 / 357 مع الشرح الكبير، وشرح المنهاج 1 / 101، والشرح الصغير 1 / 7210، والقوانين الفقهية ص 32 ط بيروت.

الْمُسْتَحَاضَةُ عَنْ شَيْءٍ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْوَطْءِ، فَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْهُ بِالْمَنْعِ كَالْحَيْضِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ كَمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: هِيَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، فَإِنَّ لَهَا أَحْكَامًا خَاصَّةً تُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (مُتَحَيِّرَة) .

طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ:
27 - يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ الاِحْتِيَاطُ فِي طَهَارَتَيِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَتَغْسِل عَنْهَا الدَّمَ، وَتَحْتَشِي بِقُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفْعًا لِلنَّجَاسَةِ أَوْ تَقْلِيلاً لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعِ الدَّمُ بِذَلِكَ وَحْدَهُ تَحَفَّظَتْ بِالشَّدِّ وَالتَّعْصِيبِ. وَهَذَا الْفِعْل يُسَمَّى اسْتِثْفَارًا وَتَلَجُّمًا، وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ التَّعْصِيبَ (1) .
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَهَذَا الْحَشْوُ وَالشَّدُّ وَاجِبٌ إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَتَأَذَّى بِالشَّدِّ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَائِمَةً فَتَتْرُكَ الْحَشْوَ نَهَارًا وَتَقْتَصِرَ عَلَى الشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ
فَإِذَا اسْتَوْثَقَتْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ خَرَجَ دَمُهَا بِلاَ تَفْرِيطٍ لَمْ تَبْطُل طَهَارَتُهَا وَلاَ صَلاَتُهَا
28 - وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الدَّمُ لِتَقْصِيرِهَا فِي التَّحَفُّظِ فَإِنَّهُ يَبْطُل طُهْرُهَا.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ رَدُّ عُذْرِهِ، أَوْ تَقْلِيلُهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَبِرَدِّهِ لاَ يَبْقَى ذَا عُذْرٍ. أَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الرَّبْطِ أَوْ مَنْعِ النَّشِّ
__________
(1) المجموع للإمام النووي 2 / 538، وشرح منتهى الإرادات 1 / 114

فَهُوَ مَعْذُورٌ (1) .
وَأَمَّا غَسْل الْمَحَل وَتَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ وَالْحَشْوِ لِكُل فَرْضٍ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُنْظَرُ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا زَوَالاً لَهُ تَأْثِيرٌ، أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِهَا، وَجَبَ التَّجْدِيدُ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ كَثُرَتْ وَأَمْكَنَ تَقْلِيلُهَا وَالاِحْتِرَازُ عَنْهَا. فَإِنْ لَمْ تَزُل الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلاَ ظَهَرَ الدَّمُ، فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَصَحُّهُمَا: وُجُوبُ التَّجْدِيدِ كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي: إِذْ لاَ مَعْنَى لِلأَْمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِهَا، بِخِلاَفِ الأَْمْرِ بِتَجْدِيدِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ فِي التَّيَمُّمِ (2) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَلْزَمُهَا إِعَادَةُ الْغُسْل وَالْعَصْبِ لِكُل صَلاَةٍ إِنْ لَمْ تُفَرِّطْ، قَالُوا: لأَِنَّ الْحَدَثَ مَعَ قُوَّتِهِ وَغَلَبَتِهِ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (3) .

ب - حُكْمُ مَا يَسِيل مِنْ دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى الثَّوْبِ:
إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنَ الدَّمِ مِقْدَارُ مُقَعَّرِ الْكَفِّ فَأَكْثَرَ وَجَبَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ غَسْلُهُ، إِذَا كَانَ الْغَسْل مُفِيدًا، بِأَنْ كَانَ لاَ يُصِيبُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى لَوْ لَمْ تَغْسِل وَصَلَّتْ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا لاَ يَجِبُ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا (4) . أَيْ إِنْ كَانَ لَوْ غَسَلَتِ الثَّوْبَ تَنَجَّسَ ثَانِيًا قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، جَازَ أَلاَّ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 204
(2) المجموع 2 / 540
(3) شرح المنتهى 1 / 114، وصحيح البخاري 1 / 81 ط صبيح.
(4) البدائع 1 / 147، وحاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 204

تَغْسِل؛ لأَِنَّ فِي إِلْزَامِهَا التَّطْهِيرَ مَشَقَّةً وَحَرَجًا.
وَإِنْ كَانَ لَوْ غَسَلَتْهُ لاَ يَتَنَجَّسُ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ بَقَائِهِ، إِلاَّ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا تَحَفَّظَتْ لَمْ يَضُرَّ خُرُوجُ الدَّمِ، وَلَوْ لَوَّثَ مَلْبُوسَهَا فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ خَاصَّةً (1) .
وَلاَ يَضُرُّ كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: إِنْ غَلَبَ الدَّمُ وَقَطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُل طَهَارَتُهَا (2) .

مَتَى يَلْزَمُ الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تَغْتَسِل:
29 - نَقَل صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي ذَلِكَ أَقْوَالاً:
الأَْوَّل: تَغْتَسِل عِنْدَمَا يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا. وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ الْوُضُوءُ وَيُجْزِيهَا ذَلِكَ. وَهَذَا رَأْيُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ قَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ.
الثَّانِيَ: أَنَّهَا تَغْتَسِل لِكُل صَلاَةٍ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ؛ لأَِنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِل لِكُل صَلاَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَ الْقَوْل الأَْوَّل قَالُوا: إِنَّ ذِكْرَ الْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ زِيَادَةٌ يَجِبُ
__________
(1) حاشية القليوبي 1 / 101
(2) كشاف القناع 1 / 194

قَبُولُهَا. وَمِنْ هُنَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِل لِكُل صَلاَةٍ. وَيَكُونُ الأَْمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلاِسْتِحْبَابِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَغْتَسِل لِكُل يَوْمٍ غُسْلاً وَاحِدًا، رُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
الرَّابِعُ: تَجْمَعُ بَيْنَ كُل صَلاَتَيْ جَمْعٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِل لِلصُّبْحِ (1) .

وُضُوءُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَعِبَادَتُهَا:
30 - قَال الشَّافِعِيُّ: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُل فَرْضٍ وَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِل، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ السَّابِقِ؛ وَلأَِنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةٌ لأَِدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ، فَلاَ تَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
وَقَال مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ: تَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ، وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. فَمَالِكٌ عَمِل بِمُطْلَقِ اسْمِ الصَّلاَةِ، وَالشَّافِعِيُّ قَيَّدَهُ بِالْفَرْضِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ تَنْصَرِفُ إِلَى الْفَرْضِ، وَالنَّوَافِل أَتْبَاعُ الْفَرَائِضِ؛ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ لِتَكْمِيل الْفَرَائِضِ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِيهَا، فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِأَجْزَائِهَا، وَالطَّهَارَةُ الْوَاقِعَةُ لِصَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ وَاقِعَةٌ لَهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، بِخِلاَفِ فَرْضٍ آخَرَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ، بَل هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ (2) .
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (3) .
__________
(1) المغني والشرح الكبير 1 / 378، والدسوقي 1 / 130
(2) المجموع للإمام النووي 2 / 541
(3) الدسوقي 1 / 116

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْمَعْذُورِينَ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَتُصَلِّي بِهِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ (1) وَالنُّذُورِ وَالنَّوَافِل وَالْوَاجِبَاتِ، كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (2) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: وَتَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ. (3)
وَلاَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمُسْتَحَاضَةِ بِتَجَدُّدِ الْعُذْرِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ فِي حَال سَيَلاَنِ الدَّمِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَلَوْ تَوَضَّأَتْ مَعَ الاِنْقِطَاعِ ثُمَّ سَال الدَّمُ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ.
وَلَوْ تَوَضَّأَتْ مِنْ حَدَثٍ آخَرَ - غَيْرِ الْعُذْرِ - فِي فَتْرَةِ انْقِطَاعِ الْعُذْرِ، ثُمَّ سَال الدَّمُ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ أَيْضًا.
وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَتْ مِنْ عُذْرِ الدَّمِ، ثُمَّ أَحْدَثَتْ حَدَثًا آخَرَ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ (4) .
بَيَانُ ذَلِكَ: لَوْ كَانَ مَعَهَا سَيَلاَنٌ دَائِمٌ مَثَلاً، وَتَوَضَّأَتْ لَهُ، ثُمَّ أَحْدَثَتْ بِخُرُوجِ بَوْلٍ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ.
31 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، هَل تُنْتَقَضُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؟ أَمْ عِنْدَ دُخُولِهِ؟ أَمْ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْخُرُوجِ وَالدُّخُول؟ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: تُنْتَقَضُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لاَ غَيْرُ؛ لأَِنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَقْتِ
__________
(1) البدائع 1 / 143، وحاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 203، الحطاب 1 / 318
(2) طحطاوي على مراقي الفلاح 80
(3) رواه التزمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(4) حاشية رد المحتار على الدر المختار 1 / 204، والمغني مع الشرح الكبير 1 / 379

فَإِذَا خَرَجَ ظَهَرَ الْحَدَثُ.
وَقَال زُفَرُ: عِنْدَ دُخُول الْوَقْتِ لاَ غَيْرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ؛ لِحَدِيثِ تَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَيْ لِلاِحْتِيَاطِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ (1) .
وَثَمَرَةُ الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوجَدَ الْخُرُوجُ بِلاَ دُخُولٍ، كَمَا إِذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَإِنَّ طَهَارَتَهَا تُنْتَقَضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَأَحْمَدَ لاَ تُنْتَقَضُ لِعَدَمِ دُخُول الْوَقْتِ؛ لأَِنَّ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الظُّهْرِ لَيْسَ بِوَقْتِ صَلاَةٍ، بَل هُوَ وَقْتٌ مُهْمَلٌ.

وَالثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ الدُّخُول بِلاَ خُرُوجٍ، كَمَا إِذَا تَوَضَّأَتْ قَبْل الزَّوَال ثُمَّ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لاَ تُنْتَقَضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَأَحْمَدَ تُنْتَقَضُ لِوُجُودِ الدُّخُول.
فَلَوْ تَوَضَّأَتْ لِصَلاَةِ الضُّحَى أَوْ لِصَلاَةِ الْعِيدِ فَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ، عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَأَحْمَدَ، بَل تُنْتَقَضُ الطَّهَارَةُ لِدُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَتَجُوزُ لِعَدَمِ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا بِمُجَرَّدِ أَدَاءِ أَيِّ فَرْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ أَوْ يَدْخُل كَمَا تَقَدَّمَ.
__________
(1) فتح القدير 1 / 159، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 80، وكشاف القناع 1 / 196 والبدائع للكاساني 1 / 145، ومطالب أولي النهى 1 / 264

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَهِيَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً عَلَى مَا سَبَقَ.

بُرْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَشِفَاؤُهَا:
32 - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ انْقِطَاعًا مُحَقَّقًا حَصَل مَعَهُ بُرْؤُهَا وَشِفَاؤُهَا مِنْ عِلَّتِهَا، وَزَالَتِ اسْتِحَاضَتُهَا، نُظِرَ:
إِنْ حَصَل هَذَا خَارِجَ الصَّلاَةِ:
أ - فَإِنْ كَانَ بَعْدَ صَلاَتِهَا، فَقَدْ مَضَتْ صَلاَتُهَا صَحِيحَةً، وَبَطَلَتْ طَهَارَتُهَا فَلاَ تَسْتَبِيحُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَافِلَةً.
ب - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الصَّلاَةِ بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا، وَلَمْ تَسْتَبِحْ تِلْكَ الصَّلاَةَ وَلاَ غَيْرَهَا.
أَمَّا إِذَا حَصَل الاِنْقِطَاعُ فِي نَفْسِ الصَّلاَةِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: بُطْلاَنُ طَهَارَتِهَا وَصَلاَتِهَا.
وَالثَّانِي: لاَ تَبْطُل كَالتَّيَمُّمِ.
وَالرَّاجِحُ الأَْوَّل (1) .
وَإِذَا تَطَهَّرَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ وَصَلَّتْ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهَا.
وَلاَ يُتَصَوَّرُ هَذَا التَّفْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهَا مَعْذُورَةً لِوُجُودِ الْعُذْرِ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً كَمَا سَبَقَ. وَلاَ يُتَصَوَّرُ هَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا؛ لأَِنَّهَا طَاهِرٌ حَقِيقَةً.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ. قَالُوا: إِنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ تَعَيَّنَ فِعْلُهُمَا فِيهِ. وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الاِنْقِطَاعُ لِمَنْ عَادَتُهَا الاِتِّصَال بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا، وَلَزِمَ اسْتِئْنَافُهَا. فَإِنْ وُجِدَ
__________
(1) المجموع للإمام النووي 2 / 545

الاِنْقِطَاعُ قَبْل الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ لَمْ يَجُزِ الشُّرُوعُ فِيهَا. وَإِنْ عَرَضَ الاِنْقِطَاعُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَبْطَلَهَا مَعَ الْوُضُوءِ. وَمُجَرَّدُ الاِنْقِطَاعِ يُوجِبُ الاِنْصِرَافَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ. وَلَوْ تَوَضَّأَتْ ثُمَّ بَرِئَتْ بَطَل وُضُوءُهَا إِنْ وُجِدَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ (1) .

عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ:
33 - سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى بَعْضِ أَحْكَامِهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عِدَّة) .

الفرق بين الحيض والاستحاضة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* الفرق بين الحيض والاستحاضة:
1 - الحيض:
سيلان دم عرق في قعر الرحم يسمى العاذر، ولون هذا الدم أسود ثخين، غليظ، منتن كريه، لا يتجمد إذا ظهر.
2 - أما الاستحاضة:
فهي سيلان دم عرق في أدنى الرحم يسمى العاذل، ولون هذا الدم أحمر، رقيق، غير منتن، يتجمد إذا خرج؛ لأنه دم عرق عادي.

أم كلثوم [د ت] عن عائشة في الاستحاضة

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

تفرد عنها حجاج ابن أرطاة فلعل الثلاث واحدة.
أما: () - أم كلثوم [م، س، ق] بنت الصديق - فروى عنها جابر بن عبد الله وجماعة.
هي سيلان الدّم من المرأة في غير أيام حيضها، وهو دم فساد وعلّة، فهو كل دم تراه المرأة غير الحيض والنّفاس وغير دم القروح.
«الموسوعة الفقهية 25/ 187، والقاموس الفقهي ص 17، 18».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت