نتائج البحث عن (اسْتِغَاثَة) 10 نتيجة

(الاستغاثة) طلب الْغَوْث و (عِنْد النُّحَاة) نِدَاء من يخلص من شدَّة أَو يعين على دفع بلية ويقرن المستغاث بِهِ بلام مَفْتُوحَة والمستغاث لَهُ بلام مَكْسُورَة يُقَال يَا لله للْمُسلمين وَقد يجر المستغاث من أَجله بِمن إِذا كَانَ مستنصرا عَلَيْهِ كَقَوْلِه(يَا للرِّجَال ذَوي الْأَلْبَاب من نفر...لَا يبرح السَّفه المردي لَهُم دينا)
بَاب الاستغاثة1

استجاره واستصرخه واستنجده واستشاره واستجاشه ولهف عَلَيْهِ وجزع اليه وَاسْتظْهر بِهِ واستوحش اليه

الاستغاثة

المخصص

ابْن السّكيت: استغثْته فأغاثني وَالِاسْم الغَواث والغُواث والغِياث.
أَبُو عبيد: الصَّارِخ - المستغيث والصّارخ - المغيث وَقيل الصَّارِخ - المستغيث والمُصرِخ - المغيث وَهُوَ أَجود لقَوْله تَعَالَى) مَا أَنا بمُصرِخكُم وَمَا أَنْتُم بمُصرخيّ (ابْن السّكيت: المَنجود - المستغيث وَأنْشد: صادياً يستغيث غيرَ مُغاث وَلَقَد كَانَ عصْرةَ المنجود فَأَما أصوات الاستغاثة فقد تقدم ذكرهَا.

الاسْتِغَاثَة

معجم القواعد العربية


-1 تعريف المُسْتغَاث:
هو ما طُلِبَ إقبَالُه لِيُخلَّص من شِدَّة أو يُعينَ على مشَقَّة.
-2 ما يَتَعَلق به من أحكام: يتعلَّقُ بالمُسْتغاثِ أحْكامٌ هي:
-1 اختصَاصُه بـ "يَا" من بينِ أدوات النِّداءِ، مَذْكُورةً وجوباً.
-2 غَلَبَةَ جَرِّه بـ "لامٍ" مفتوحةٍ في أوَّلِه، وإنْ اقتَرَن بـ "أَلْ"، وهي لام الجَرّ، فُتِحتْ للفَرق بينها وبينَ لام "المُسْتَغاق مِنْ أجْلِه" في نحو "يَا للهِ لَعَليٍّ".
-3 ذكر مُسْتَغَاثٍ من أَجْلِهِ بعدَه جَوَازاً إمَّا مَجْرورٍ باللامِ المكْسورَةِ، سَواء أكانَ مُنْتَصَراً عليه، نحو "يا لَعَلِيٍّ لظَالِمٍ لا يخافُ الله" أمْ مُنْتصِراً له يحو "يا لَعُمَر لِلْمِسْكين".
وإما مجرورٍ بـ "من" نحو:
يَا لَلْرِّجَالِ ذَوِي الأَلْبَابِ مِن نَفَر ... لاَ يَبْرَحُ السفَهُ المُرْدِي لهم دِينا
-4 أنه إذا عُطِفَ على المُستغَاث، فإن أُعِيدَتْ "يا" معه فُتحَتْ لامُه نحو:
"يا لَقَومي ويَا لَأَمْثَالِ قَوْمي ... لأُناسٍ عُتُوُّهُم في ازْدِياد"
وإن لم تُعِد "يا" معه كسرت لامه نحو:
قول الشاعر:
يَبكيكَ نَاءٍ بَعيدُ الدّار مُغتَرِبٌ ... يَا لَلْكهُولِ وللشِبانِ لِلعجَبِ
-5 ويَجوزُ أن لا يُبتدأ المُسْتَعاثُ باللام فالأكثر حِينَئذٍ أن يُحتَمَ بالألف عوضاً عن اللام، ولا يجتمعان كقوله:
يَا يَزِيدَا لِآمِلٍ نَيْلَ عِزَّ ... وغِنىَ بَعْدَ فاقَةٍ وَهَوَانٍ (فـ "يزيدا" مُسْتغاث والألف فيه عِوضٌ من اللام و "لآملٍ" مُسْتغاث له وهو اسمُ فاعل و "نيلَ" مفعولٌ به)
قد يخلو المُسْتغاثُ من اللام والألف فيُعْطَى ما يستحقُّه لو كان مُنادة غيرَ مُستغاثٍ كقولِ الشاعر:
أَلاَ يَا قَومِ لِلعَحَبظِ العَجيبِ ... وَلِلغَفَلاتِ تَعْرِضُ للأرِيب ("يا قوم" مُستَغاث مضاف لياءِ المتكلم المَحذُوفةِ اجْتِزَاء بالكسرة. والأريب: العالم بالأمور.
أمَّا مع اللام، فهو مُعَرب مجرورٌ باللام، ومع الألف فهو مبني على الضم المقدر لمناسبة الألف في محل نصب.
-3 المُتعَّجبُ منه:
هو المستغاثُ بعَيْنه أُشرِب مَعْنى التَّعَجُّب من ذاتِه أو صفتِه نحو: "يَا لَلْحَرِّ" تَعَجُباً من شِدَّتِهِ و "يَا لَلدَّوَاهي" عند استِعْظامِها.
-4 هاء السَّكْت:
وفي حَالِ وَصْلِهِ بالأَلِفِ إذا وُقِف على كلٍّ مِنْهُمَا يجُوز أن تَلْحَقَه "هاء السَّكْت" نحو "يَا زَيْداهُ" و "يا دَوَاهِيَاهُ".
-5 حُطْم صِفَةِ المُسْتَغَاثَ جَرَرْتَ صفته، نحو "يَا لإِبْرَاهيمَ الشُّجاعِ للمَظلوم".
-6 قد يكون المستغاث مستغاثاً من أَجْلِهِ كأن تقول: "يا لَلْقاسِم لِلْقَاسِم"، أي أجعوك لتُنْصِفَ مِن نَفْسِك.
-7 حَذْفُ المستغاث:
قد يُحَّف المستغاثُ فيلي "يا" المستغاثُ مِنْ أجْلِهِ كقوله:
يَا لِأُنَاسٍ أبَوْا إلاَّ مُثابَرَةً ... عَلى التَّوَغُّلِ فِي بَعْيٍ وعُدْوَانِ
أي يا لَقَومِي لأناس.

الاستغاثة

ألفية ابن مالك

الاستغاثة:
إذا استغيث اسمّ منادىً خُفضا ... باللام مفتوحاً كيا للمرتضى
وافتح مع المعطوف إن كرّرت يا ... وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا
ولامُ ما استغيث عاقبت ألِف ... ومثله اسمّ ذو تعجّبٍ ألِف
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِغَاثَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْغَوْثِ وَالنَّصْرِ. (1)
وَالاِسْتِغَاثَةُ شَرْعًا: لاَ تَخْرُجُ فِي الْمَعْنَى عَنِ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ تَكُونُ لِلْعَوْنِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الاِسْتِخَارَةُ:
2 - الاِسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ.
وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالأَْوْلَى بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ. (2) فَالاِسْتِخَارَةُ أَخَصُّ، لأَِنَّهَا لاَ تُطْلَبُ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ.

الاِسْتِعَانَةُ:
3 - الاِسْتِعَانَةُ: طَلَبُ الْعَوْنِ. اسْتَعَنْتُ بِفُلاَنٍ طَلَبْتُ مَعُونَتَهُ فَأَعَانَنِي، وَعَاوَنَنِي (3) . وَتَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ فِيمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمِنَ اللَّهِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (4) فَالْفَرْقُ أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي الشِّدَّةِ.
__________
(1) الجوهري، لسان العرب مادة (غوث) .
(2) لسان العرب مادة (خير) ، والعدوي على الخرشي 1 / 36.
(3) الصحاح مادة (عون) .
(4) سورة الفاتحة / 5.

حُكْمُ الاِسْتِغَاثَةِ:

4 - لِلاِسْتِغَاثَةِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ:
الأَْوَّل: الإِْبَاحَةُ، وَذَلِكَ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ الأَْحْيَاءِ، إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا - وَمِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فَإِنَّهُ يُبَاحُ طَلَبُهُ مِنْ كُل مُسْلِمٍ، بَل يَحْسُنُ ذَلِكَ - فَلَهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِالْمَخْلُوقِينَ أَوْ لاَ يَسْتَغِيثَ، وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ السُّؤَال وَالذُّل وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ لَهُمْ كَمَا يَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى، لأَِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَخْلُوقِينَ فِي الأَْصْل مُحَرَّمَةٌ، وَلَكِنَّهَا أُبِيحَتْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَالأَْفْضَل الاِسْتِعْفَافُ عَنْهَا (1) إِلاَّ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِغَاثَةِ هَلاَكٌ، أَوْ حَدٌّ، أَوْ ضَمَانٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ بِالاِسْتِغَاثَةِ أَوَّلاً. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل أَثِمَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سَبْقُ ضَمَانٍ لِلدِّمَاءِ وَالْحُقُوقِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.
الثَّانِي: النَّدْبُ، وَذَلِكَ إِذَا اسْتَغَاثَ بِاَللَّهِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فِي الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} . (2)
الثَّالِثُ: الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِغَاثَةِ هَلاَكٌ أَوْ ضَمَانٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ وُجُوبِهِ أَثِمَ.
الرَّابِعُ: التَّحْرِيمُ، وَذَلِكَ إِذَا اسْتَغَاثَ بِمَنْ لاَ يَمْلِكُ فِي الأُْمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالْقُوَّةِ أَوِ التَّأْثِيرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ إِنْسَانًا، أَوْ جِنًّا، أَوْ مَلَكًا، أَوْ نَبِيًّا، فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} . (3)
__________
(1) كشاف القناع 4 / 113، والاستغاثة لابن تيمية ص 139.
(2) سورة النمل / 62.
(3) سورة يونس / 106.

الاِسْتِغَاثَةُ بِاَللَّهِ:

5 - (أ) فِي الأُْمُورِ الْعَادِيَةِ:
أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الأُْمَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الاِسْتِغَاثَةِ بِاَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قِتَال عَدُوٍّ أَمِ اتِّقَاءِ سَبُعٍ أَمْ نَحْوِهِ. لاِسْتِغَاثَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَللَّهِ فِي مَوْقِعَةِ بَدْرٍ (1) ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْقُرْآنُ بِذَلِكَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (2) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَنْ نَزَل مَنْزِلاً ثُمَّ قَال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِل مِنْ مَنْزِلِهِ. (3)
__________
(1) حديث استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم بالله في موقعة بدر. أخرجه مسلم والترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ " لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه (مست
(2) سورة الأنفال / 9.
(3) حديث " من نزل منزلا. . . ". أخرجه مسلم وأحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي من حديث خولة بنت حكيم السلمية مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4 / 2080 ط عيسى الحلبي 1375 هـ، والفتح الكبير 3 / 242 ط مصطفى الحلبي 1350 هـ) .

(ب) وَتُسْتَحَبُّ أَيْضًا الاِسْتِغَاثَةُ بِاَللَّهِ فِي الأُْمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالْقُوَّةِ وَالتَّأْثِيرِ، وَفِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. مِثْل إِنْزَال الْمَطَرِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ، وَشِفَاءِ الْمَرَضِ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (1) وقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} . (2)
وَيُسْتَغَاثُ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَال: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ (3)
الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

6 - الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول أَقْسَامٌ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِكُل مَخْلُوقٍ حَال حَيَاتِهِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ
__________
(1) سورة يونس / 106.
(2) سورة الأنعام / 17.
(3) حديث " كان النبي صلى الله عليه إذا كربه أمر. . . ". أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك وقال: هذا حديث غريب، وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير هذا الوجه. وقد حكم الألباني بحسنه وقال: فيه عن الترمذي (4 / 267) الرقاشي واسمه يزيد كما وقع عند ابن السني (332) وهو ضعيف، لكن له شاهد في المستدرك 1 / 509 (فيض القدير 5 / 159 ط المكتبة التجارية 1356 هـ، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني 4 / 231 نشر المكتب الإسلامي 1399 هـ، والكلم الطيب بتحقيق الألباني ص 72 نشر المكتب الإسلامي) .

النَّصْرُ} (1) وَلِقَوْلِهِ: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} (2) وَهِيَ مِنْ قَبِيل الْعَوْنِ وَالنَّجْدَةِ، كَمَا قَال تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (3)
الْقِسْمُ الثَّانِي: الاِسْتِغَاثَةُ بِالرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَيْهَا وَالْخِلاَفُ فِيهَا.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغِيثَ الْعَبْدُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبًا بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَفْعَل كَذَا كَمَا سَيَأْتِي.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الاِسْتِغَاثَةُ بِذَاتِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي.

أَنْوَاعُ الاِسْتِغَاثَةِ بِالْخَلْقِ:
7 - وَالاِسْتِغَاثَةُ بِالْخَلْقِ - فِيمَا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ - تَكُونُ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَسْأَل اللَّهَ بِالْمُتَوَسَّل بِهِ تَفْرِيجَ الْكُرْبَةِ، وَلاَ يَسْأَل الْمُتَوَسَّل بِهِ شَيْئًا، كَقَوْل الْقَائِل: اللَّهُمَّ بِجَاهِ رَسُولِكَ فَرِّجْ كُرْبَتِي. وَهُوَ عَلَى هَذَا سَائِلٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَمُسْتَغِيثٌ بِهِ، وَلَيْسَ مُسْتَغِيثًا بِالْمُتَوَسَّل بِهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ شِرْكًا، لأَِنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَيْسَتِ اسْتِغَاثَةً بِالْمُتَوَسَّل بِهِ؛ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْحِل وَالْحُرْمَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
__________
(1) سورة الأنفال / 72.
(2) سورة القصص / 15.
(3) فتاوى ابن تيمية 1 / 103، 104، والاستغاثة في الرد على البكري 1 / 124، والآية من سورة المائدة / 2.

8 - الْقَوْل الأَْوَّل: جَوَازُ التَّوَسُّل بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَال حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ. قَال بِهِ مَالِكٌ، وَالسُّبْكِيُّ، وَالْكَرْمَانِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ، وَالسَّمْهُودِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِّ، وَابْنُ الْجَزَرِيِّ (1) .
9 - وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنَ الأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا إِلَيْكَ (2) ".
وَمِنْهَا مَا قَالَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ اغْفِرْ لأُِمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّك وَالأَْنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي،
__________
(1) القسطلاني 8 / 304، والمجموع للنووي 8 / 274، والمواهب اللدنية 8 / 303 - 305، ووفاء الوفا 3 / 1371، 1372، 1376، والمدخل لابن الحاج 2 / 249، والحصن الحصين وجلاء العينين 1 / 436.
(2) حديث " أسألك بحق السائلين. . . ". أخرجه ابن ماجه وسمويه وابن السني من حديث أبي سعيد الخدري. قال الحافظ البوصيري في الزوائد تعليقا على رواية ابن ماجه: هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، عطية - وهو العوفي - وفضل بن مرزوق، والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء. لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضل بن مرزوق، فهو صحيح عنده. قال المنذري: ذكره رزين، ولم أره في شيء من الأصول التي جمعها، إنما رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال، وحسنه شيخنا الحافظ أبو الحسن. وحكم الألباني بضعفه وبين وجوه ضعف الحديث بمختلف طرقه. (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 256 ط عيسى الحلبي 1352 هـ، والفتح الكبير 3 / 188 - 189 ط مصطفى البابي 1350 هـ، والترغيب والترهيب 3 / 272 نشر المكتبة التجارية 1380 هـ، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، والموضوعة 1 / 34 نشر المكتب الإسلامي) .

فَإِنَّك أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. (1)
وَمِنَ الأَْدِلَّةِ حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي (2) .
وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ وَالصَّلاَةُ تَسْتَدْعِي حَيَاةَ الْبَدَنِ. (3)
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى {
__________
(1) دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أسد. أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط ضمن قصة مطولة من حديث أنس بن مالك، قال الهيثمي: وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية، وقال: غريب من حديث عاصم والثوري، لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به. وحكم الألباني بضعفه (مجمع الزوائد 9 / 256 - 257 نشر مكتبة القدسي 1353 هـ، وحلية الأولياء 3 / 121 ط مكتبة الخانجي ومطبعة السعادة 1352 هـ، وسلسلة الأحاديث الضعيفة 1 / 32 ح 23 نشر المكتب الإسلامي) .
(2) حديث " من زار قبري. . . ". أخرجه ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعا، ورمز الألباني إلى أنه منكر (الفتح الكبير 3 / 195 ط مصطفى الحلبي 1350 هـ، وسنن الدارقطني 2 / 278 ط شركة الطباعة الفنية، وإرواء الغليل 4 / 336 نشر المكتب الإسلامي 1399 هـ، وضعيف الجامع الصغير 5 / 202 نشر المكتب الإسلامي) .
(3) حديث " إن النبي صلى الله عليه وسلم مر على موسى وهو قائم. . . ". أخرجه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا بلفظ " مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره " وزاد في حديث عيسى بن يونس " مررت ليلة أسري بي " (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4 / 1845 ط عي

وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} (1) أَنَّهُ قَال: كَانَ أَهْل خَيْبَرَ تُقَاتِل غَطَفَانَ، كُلَّمَا الْتَقَتَا هَزَمَتْ غَطَفَانُ الْيَهُودَ، فَدَعَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا إِلاَّ نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ. فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَتَهْزِمُ الْيَهُودُ غَطَفَانَ (2) .
وقَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (3) . وَهَذَا تَفْخِيمٌ لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. (4)
وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ الأَْعْمَى الْمُتَوَسِّل بِرَسُول اللَّهِ فِي رَدِّ بَصَرِهِ. (5)
__________
(1) سورة البقرة / 89.
(2) حديث ابن عباس عن قوله تعالى (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) . # أخرجه الحاكم في مستدركه أثرا عن ابن عباس رضي الله عنه وقال: أدت الضرورة إلى إخراجه. قال ابن تيمية: وهذا مما أنكره عليه العلماء، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 119 ط المطبعة المنيرية 1373 هـ) .
(3) سورة النساء / 64.
(4) جلاء العينين 1 / 440.
(5) حديث " الأعمى المتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم في رد بصره ". أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث عثمان بن حنيف، ولفظ الترمذي " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فأدعه +، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى إلي، اللهم فشفعه في ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي. وحكم عليه الألباني بالصحة (فيض القدير 2 / 134 ط المكتبة التجارية 1356 هـ، وتحفة الأحوذي 10 / 32 نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجه 1 / 441 ط عيسى الحلبي 1372 هـ، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق. الألباني 1 / 404 نشر المكتب الإسلامي 1388 هـ، ومشكاة المصابيح بتحقيق الألباني 2 / 768 نشر المكتب الإسلامي 1399 هـ) .

10 - الْقَوْل الثَّانِي: أَجَازَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ (1) وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ الاِسْتِغَاثَةَ بِاَللَّهِ مُتَوَسِّلاً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّالِحِينَ حَال حَيَاتِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ. وَاسْتَشْهَدَ لِهَذَا بِحَدِيثِ الأَْعْمَى الَّذِي دَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُتَوَسِّلاً بِرَسُول اللَّهِ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرًا أَتَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَال: اُدْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتَ وَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتَ. فَقَال: اُدْعُ قَال: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ فِي حَاجَتِي لِتُقْضَى. اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ (2) وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ: فَقَامَ، وَقَدْ أَبْصَرَ.
11 - الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ الاِسْتِغَاثَةِ إِلاَّ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمُنِعَ التَّوَسُّل فِي تِلْكَ الاِسْتِغَاثَةِ بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا.
__________
(1) جلاء العينين 1 / 434، ومجموعة فتاوى ابن تيمية 1 ص 102 ط الملك سعود.
(2) حديث عثمان بن حنيف سبق تخريجه مع اختلاف يسير في اللفظ (ف / 9) .

وَصَاحِبُ هَذَا الرَّأْيِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (1) ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَل مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (2) .
وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لاَ يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ (3) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ:
12 - اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُ: وَهُوَ أَنْ يَسْأَل اللَّهَ، وَيَسْأَل الْمُتَوَسَّل بِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، كَمَا كَانَ يَفْعَل الصَّحَابَةُ، وَيَسْتَغِيثُونَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ (4) ، وَيَزِيدَ بْنِ الأَْسْوَدِ الْجُرَشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَهُوَ اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ، وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ
__________
(1) مجموعة فتاوى ابن تيمية 1 / 104، وقرة عيون الموحدين ص 105، والاستغاثة ص 315، 316.
(2) سورة الأحقاف / 5.
(3) حديث " أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين. . . " أخرجه الطبراني في معجمه الكبير بإسناده، وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث عبادة بن الصامت بلفظ مقارب، وفي إسناده ابن لهيعة (مجموع فتاوى ابن تيمية 1 / 110 ط مطابع الرياض 1381 هـ، ومسند أحمد بن حنبل 5 / 317 نشر المكتب الإسلامي) .
(4) أخرج البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " (فتح الباري 2 / 494 ط السلفية بالسعودية)

يَسْأَل اللَّهَ لَهُ. فَهُوَ مُتَوَسِّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ فِي حَيَاةِ الشَّفِيعِ، وَلاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ. (1)
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْل الْجَنَّةِ، كُل ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأََبَرَّهُ (2) قَال الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى اللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا لأََوْقَعَ مَطْلُوبَهُ، فَيَبَرُّ بِقَسَمِهِ إِكْرَامًا لَهُ، لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ. (3)
فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ خَصَّهُ اللَّهُ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْأَل فَيَدْعُوَ لِلْمُسْتَغِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ.

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِغَاثَةٌ فِي سُؤَال اللَّهِ:
13 - وَهِيَ أَنْ يَسْتَغِيثَ الإِْنْسَانُ بِغَيْرِهِ فِي سُؤَال اللَّهِ لَهُ تَفْرِيجَ الْكَرْبِ، وَلاَ يَسْأَل اللَّهَ هُوَ لِنَفْسِهِ. وَهَذَا جَائِزٌ لاَ يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ.
وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ (4) أَيْ بِدُعَائِهِمْ، وَصَلاَتِهِمْ،
__________
(1) الاستغاثة، الرد على البكري ص 123.
(2) حديث " ألا أخبركم بأهل الجنة. . . " أخرجه البخاري ومسلم والترمذي مرفوعا من حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه (جامع الأصول في أحاديث الرسول 10 / 547 نشر مكتبة الحلواني 1392 هـ) .
(3) جلاء العيون ص 443.
(4) حديث " هل تنصرون وترزقون. . . . " أخرجه البخاري من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، ولم يصرح مصعب بسماعه من سعد فيما رواه البخاري، فهو مرسل عنده. قال ابن حجر: إن صورة هذا السياق مرسل لأن مصعبا لم يدرك زمان القول، لكن هو محمول على أنه سمع ذلك من أبيه، وقد وقع التصريح من مصعب بالرواية له عن أبيه عند الإسماعيلي وغيره (فيض القدير 6 / وفتح الباري 6 / 88، 89 ط السلفية) .

وَاسْتِغْفَارِهِمْ.
وَمِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (1) . أَيْ يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ. فَالاِسْتِنْصَارُ وَالاِسْتِرْزَاقُ يَكُونُ بِالْمُؤْمِنِينَ بِدُعَائِهِمْ، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل مِنْهُمْ. لَكِنَّ دُعَاءَهُمْ وَصَلاَتَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الأَْسْبَابِ، وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَنْصِرِ بِهِ وَالْمُسْتَرْزِقِ بِهِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأََبَرَّهُ. مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ (2) .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَكَ فَافْعَل (3) وَقَوْل الرَّسُول
__________
(1) حديث " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين " أخرجه الطبراني من حديث أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد، وفي رواية " يستنصر بصعاليك المسلمين " قال الهيثمي: ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح (مجمع الزوائد 10 / 262 نشر مكتبة القدسي 1353 هـ) .
(2) حديث " إن من عباد الله من لو أقسم على الله. . . . " أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا بلفظ " كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك " قال الترمذي: هذا حديث صحيح حسن من هذا الوجه (سنن الترم وجامع الأصول 9 / 92 نشر مكتبة الحلواني)
(3) حديث أويس القرني. أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا بلفظ " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " (مختصر صحيح وجامع الأصول 9 / 231 - 232 نشر مكتبة الحلواني 1392 هـ) .

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ لَمَّا وَدَّعَهُ لِلْعُمْرَةِ: لاَ تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ (1) .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ:
14 - أَنْ يَسْأَل الْمُسْتَغَاثَ بِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَسْأَل اللَّهَتَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَأَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ أَنْ يُفَرِّجَ الْكَرْبَ عَنْهُ، أَوْ يَأْتِيَ لَهُ بِالرِّزْقِ. فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الشِّرْكِ، (2) " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (3) .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَال: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ (4) ؟ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ لَكَ
__________
(1) حديث " لا تنسنا من دعائك ". أخرجه أبو داود والترمذي بألفاظ مقاربة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال صاحب عون المعبود: وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وحكم الألباني بضعف الحديث (تحفة الأحوذي 10 / 7 نشر المكتبة السلفية، وعون المعبود 4 / 365، 366 نشر المكتبة السلفية، ومشكاة المصابيح بتحقيق الألباني 2 / 695 نشر المكتب الإسلامي، وضعيف الجامع الصغير بتحقيق الألباني 6 / 78 نشر المكتب الإسلامي) .
(2) الرد على البكري استغاثة ص 123، وفتح المجيد ص 180 وما بعدها.
(3) سورة يونس / 106 - 107.
(4) حديث: " شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. . . ". أخرجه مسلم والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظ مسلم: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟ فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شيء) " وأخرج البخاري ذكر الشج والآية تعليقا (صح وجامع الأصول 8 / 252 نشر مكتبة الحلواني 1392 هـ، وفتح الباري 7 / 365، 366 ط السلفية) .

مِنَ الأَْمْرِ شَيْءٌ} (1) فَإِذَا نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ مَا لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.

الاِسْتِغَاثَةُ بِالْمَلاَئِكَةِ:
15 - الاِسْتِغَاثَةُ بِهِمُ اسْتِغَاثَةٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُل اسْتِغَاثَةٍ بِغَيْرِ اللَّهِ مَمْنُوعَةٌ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِنَّهُ لاَ يُسْتَغَاثُ بِي، وَلَكِنْ يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ (2) وَلِحَدِيثِهِ أَيْضًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ اعْتَرَضَهُ جِبْرِيل، فَقَال لَهُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَال: أَمَّا إِلَيْكَ فَلاَ (3)
__________
(1) سورة آل عمران / 128.
(2) سبق تخريج الحديث هامش فقرة 11.
(3) حديث " لما ألقي إبراهيم في النار. . . " أخرجه الطبري من حديث معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام، وهو يوثق أو يقمط ليلقى في النار قال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. وأورده ابن كثير في تفسيره نقلا (تفسير الطبري 17 / 45 مصطفى الحلبي 1373 هـ، وتفسير ابن كثير 4 / 572 ط دار الأندلس، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1 / 28، 29 نشر المكتب الإسلامي، ومجموعة التوحيد ص 123) .

الاِسْتِغَاثَةُ بِالْجِنِّ:
16 - الاِسْتِغَاثَةُ بِالْجِنِّ مُحَرَّمَةٌ، لأَِنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِمَنْ لاَ يَمْلِكُ، وَتُؤَدِّي إِلَى ضَلاَلٍ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (1) وَيُعْتَبَرُ هَذَا مِنَ السِّحْرِ.

الْمُسْتَغِيثُ وَأَنْوَاعُهُ:
17 - إِذَا اسْتَغَاثَ الْمُسْلِمُ لِدَفْعِ شَرٍّ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتَهْدُوا الضَّال (2) وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (3) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَخْشَ الْمُغِيثُ عَلَى نَفْسِهِ ضَرًّا، لأَِنَّ لَهُ الإِْيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (4) . أَمَّا الإِْمَامُ وَنُوَّابُهُ فَإِنَّهُ
__________
(1) سورة الجن / 6.
(2) حديث " وتغيثوا الملهوف. . . " أخرجه أبو داود من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا، وأورده المنذري بلفظ " ويغيثوا الملهوف ويهدوا الضال " وعلق على إسناده فقال: ابن حجير العدوي مجهول. وقال البزار: هذا الحديث لا يعلم أحد أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن سويد، ولا رواه عن جرير مسندا إلا ابن المبارك، وروى هذا الحديث حماد بن زيد عن إسح (سنن أبي داود بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 4 / 355 ط مطبعة السعادة 1369 هـ، وجامع الأصول 6 / 532 نشر مكتبة الحلواني 1394 هـ، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 7 / 181 ط دار المعرفة) .
(3) حديث " من نفس عن مؤمن كربة. . . ". أخرجه مسلم وأحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (صحيح مسلم بتحقيق فؤاد عبد الباقي 4 / 2074 ط عيسى الحلبي 1375 هـ، والفتح الكبير 3 / 243 ط مصطفى الحلبي 1350 هـ) .
(4) سورة الأحزاب / 6.

يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإِْغَاثَةُ، وَلَوْ مَعَ الْخَشْيَةِ عَلَى النَّفْسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى وَظَائِفِهِمْ (1) .

18 - وَإِذَا اسْتَغَاثَ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُغَاثُ لأَِنَّهُ آدَمِيٌّ، وَلأَِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنِ الْغَيْرِ إِذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا، وَلَمْ يَخْشَ الْمُغِيثُ عَلَى نَفْسِهِ هَلاَكًا، لأَِنَّ لَهُ الإِْيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ (2) وَلِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ (3) وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ (4) . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْكَافِرُ حَرْبِيًّا وَاسْتَغَاثَ، فَإِنَّهُ يُجَابُ إِلَى طَلَبِهِ، لَعَلَّهُ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللَّهِ، أَوْ يَرْجِعُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ شَرٍّ وَيَأْسِرُهُ الْمَعْرُوفُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} (5) " أَيْ فَأَجِرْهُ، وَأَمِّنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَإِنِ اهْتَدَى وَآمَنَ عَنْ عِلْمٍ وَاقْتِنَاعٍ فَذَاكَ، وَإِلاَّ
__________
(1) نهاية المحتاج 8 / 24.
(2) نهاية المحتاج 8 / 24.
(3) حديث " إن الله يحب إغاثة الملهوف. . . . ". أخرجه ابن عساكر في التاريخ من حديث أبي هريرة بلفظ " إن الله يحب إغاثة اللهفان " وأخرجه أيضا أبو يعلى والديلمي من حديث أنس رضي الله عنه بهذا اللفظ، وحكم عليه الألباني بالضعف لانفراد هؤلاء بإخراجه محيلا على ما في مقدمة جمع الجوامع للسيوطي من أن كل ما عزي لمثل هؤلاء فهو ضعيف (فيض القدير 2 / 287 ط المكتبة التجارية، وضعيف الجامع الصغير بتحقيق الألباني 2 / 113، 1 / 21، 22 نشر المكتب الإسلامي) .
(4) حديث " لا تنزع الرحمة إلا من شقي ". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي. ورواه البخاري في الأدب المفرد قال ابن الجوزي في شرح الشهاب: وإسناده صالح. ورواه أيضا البيهقي، قال في المهذب: وإسناده صالح (تحفة الأحوذي 6 / 50 نشر المكتبة السلفية 1385 هـ، وفيض القدير 6 / 422 ط المكتبة التجارية 1357 هـ) .
(5) سورة براءة / 6.

فَالْوَاجِبُ أَنْ تُبْلِغَهُ الْمَكَانَ الَّذِي يَأْمَنُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَكُونُ حُرًّا فِي عَقِيدَتِهِ. (1)

الاِسْتِعَانَةُ بِالْكَافِرِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ:
19 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ لِدَفْعِ شَرٍّ، أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْمَخْلُوقُ تَجُوزُ بِالْمَخْلُوقِينَ مُطْلَقًا، فَيُسْتَغَاثُ بِالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، كَمَا يُسْتَغَاثُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُسْتَنْصَرُ بِهِ كَمَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُل الْفَاجِرِ (2) " فَلَمْ تَكُنِ الإِْغَاثَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلاً عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّينَ أَوِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الآْدَمِيِّينَ. (3)

اسْتِغَاثَةُ الْحَيَوَانِ:
20 - يَجِبُ إِغَاثَةُ الْحَيَوَانِ، لِمَا رُوِيَ مِنَ الأَْحَادِيثِ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلاً دَنَا إِلَى بِئْرٍ فَنَزَل، فَشَرِبَ مِنْهَا وَعَلَى الْبِئْرِ كَلْبٌ يَلْهَثُ، فَرَحِمَهُ، فَنَزَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فَسَقَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (4)
__________
(1) الطبري 10 / 79.
(2) حديث " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". رواه ابن أبي الدنيا في المداراة عن أبي هريرة بلفظ " إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر " روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: " يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين وابن حبان من حديث أنس بن مالك وأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة بلفظ " إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم " قال الحافظ العراقي: إسناده جيد، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. (كشف الخفاء ومزيل الإلباس 1 / 273، 274 ط مؤسسة الرسالة، وفيض القدير 2 / 279 ط المكتبة التجارية 1356 هـ) .
(3) الاستغاثة لابن تيمية ص 138 ط السلفية
(4) حديث " إن رجلا دنا إلى بئر ". أخرجه البخاري ومسلم وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا واللفظ لابن حبان (الترغيب والترهيب 3 / 210، 2 / 71، 72 نشر مصطفى البابي الحلبي 1373 هـ، وفتح الباري 5 / 40، 41 ط السلفية) .

حَالَةُ الْمُسْتَغِيثِ:
21 - إِذَا كَانَ الْمُسْتَغِيثُ عَلَى حَقٍّ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ إِغَاثَةِ الْمُسْلِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} (1) " أَيْ إِنِ اسْتَنْقَذُوكُمْ فَأَعِينُوهُمْ بِنَفِيرٍ أَوْ مَالٍ، فَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْكُمْ، فَلاَ تَخْذُلُوهُمْ إِلاَّ أَنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ عَلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَلاَ تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ. إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا أَسْرَى مُسْتَضْعَفِينَ، فَإِنَّ الْوِلاَيَةَ مَعَهُمْ قَائِمَةٌ، وَالنُّصْرَةَ لَهُمْ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لاَ تَبْقَى مِنَّا عَيْنٌ تَطْرُفُ، حَتَّى نَخْرُجَ إِلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ إِنْ كَانَ عَدَدُنَا يَحْتَمِل ذَلِكَ، أَوْ نَبْذُل جَمِيعَ أَمْوَالِنَا فِي اسْتِخْرَاجِهِمْ حَتَّى لاَ يَبْقَى لأَِحَدٍ دِرْهَمٌ، كَذَلِكَ قَال مَالِكٌ وَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ (2)
وَلِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أُذِل عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ، أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَل عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (3)
22 - أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُسْتَغِيثُ عَلَى بَاطِلٍ، فَإِنْ أَرَادَ النُّزُوعَ عَنْهُ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ اُسْتُنْقِذَ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ
__________
(1) سورة الأنفال / 72.
(2) القرطبي 8 / 57.
(3) حديث " من أذل عنده مؤمن فلم ينصره. . . . . ". أخرجه أحمد بن حنبل بهذا اللفظ من حديث سهل بن حنيف مرفوعا، قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات (مسند أحمد بن حنبل 3 / 487 نشر المكتب الإسلامي 1398 هـ، وفيض القدير 6 / 46 ط المكتبة التجارية 1357 هـ.) .

الْبَقَاءَ عَلَى بَاطِلِهِ فَلاَ. وَكَذَلِكَ كُل ظَالِمٍ فَإِنَّ نُصْرَتَهُ مُحَرَّمَةٌ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَل الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَل بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ (1) . وَقَوْلُهُ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لاَ يَعْلَمُ أَحَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ (2) .
وَقَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا اسْتَغَاثَ الظَّالِمُ وَطَلَبَ شَرْبَةَ مَاءٍ فَأَعْطَيْتَهُ إِيَّاهَا كَانَ ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى ظُلْمِهِ (3) .

ضَمَانُ هَلاَكِ الْمُسْتَغِيثِ:
23 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْعَ الْمُسْتَغِيثِ عَمَّا يُنْقِذُ حَيَاتَهُ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِغَاثَتِهِ بِلاَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ إِنْ لَمْ يُغِثْهُ - يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَهُ بِيَدِهِ.
__________
(1) حديث " مثل الذي يعين قومه. . . " أخرجه أبو داود وابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود بهذا اللفظ، وأخرجه البيهقي بلفظ مقارب. قال المناوي: وفيه انقطاع فإن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه (الترغيب والترهيب 3 / 198 نشر مصطفى الحلبي 1373 هـ، وفيض القدير 5 / 511 ط المكتبة التجارية 1356 هـ) .
(2) حديث " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله. . . ". أخرجه الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي من حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا اللفظ. وأخرجه أبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر بهذا المعنى، وأورد الألباني أسانيد الحديث المختلفة وحكم بصحته (الترغيب والترهيب 3 / 199 نشر مصطفى الحلبي 1373 هـ وعون المعبود 10 / 65 نشر المكتبة السلفية 1399 هـ، وإرواء الغليل 7 / 349 - 351 نشر المكتب الإسلامي 1399 هـ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 178 نشر المكتب الإسلامي) .
(3) إحياء علوم الدين 2 / 143

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ الضَّمَانَ (الدِّيَةَ) ، وَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ طَلَبِ الْغَوْثِ، أَوْ رُؤْيَةِ مَنْ يَحْتَاجُ لِلْغَوْثِ بِلاَ طَلَبٍ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ ضَمَانَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرِ الْفِعْل الْقَاتِل (1) .

حُكْمُ مَنْ أَحْجَمَ عَنْ إِجَابَةِ الْمُسْتَغِيثِ.
الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ الإِْشْرَافِ عَلَى الْهَلاَكِ:
24 - إِذَا اسْتَغَاثَ الْمُشْرِفُ عَلَى الْهَلاَكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ وَجَبَتْ إِغَاثَتُهُ، فَإِنْ مُنِعَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاَكِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ: لِلْمُسْتَغِيثِ أَنْ يُقَاتِل بِالسِّلاَحِ، إِنْ كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ مُحَرَّزٍ فِي إِنَاءٍ، لِمَا وَرَدَ عَنْ الْهَيْثَمِ أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ وَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى بِئْرٍ فَأَبَوْا، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا فَأَبَوْا، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تُقْطَعَ، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال لَهُمْ عُمَرُ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِمُ السِّلاَحَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ فِي الْمَاءِ حَقُّ الشَّفَةِ. فَإِذَا مَنَعَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِمْ حَقَّ الْمُسْتَغِيثِينَ بِقَصْدِ إِتْلاَفِهِمْ كَانَ لِلْمُسْتَغِيثِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُحَرَّزًا، فَلَيْسَ لِلَّذِي يَخَافُ الْهَلاَكَ مِنَ الْعَطَشِ أَنْ يُقَاتِل صَاحِبَ الْمَاءِ بِالسِّلاَحِ، بَل لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ سِلاَحٍ، وَكَذَلِكَ فِي
__________
(1) تكملة البحر الرائق 8 / 335، والدسوقي 4 / 242، ومغني المحتاج 4 / 5، وكشاف القناع 6 / 15 ط الرياض، والمغني 9 / 580.

الطَّعَامِ، لأَِنَّهُ مِلْكٌ مُحَرَّزٌ لِصَاحِبِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الآْخِذُ ضَامِنًا (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُقَاتِل بِالسِّلاَحِ، وَيَكُونُ دَمُ الْمَانِعِ هَدَرًا (2) .

الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ:
25 - لإِِغَاثَةِ مَنْ سَيَتَعَرَّضُ لِلْحَدِّ حَالَتَانِ:
الأُْولَى: قَبْل أَنْ يَصِل أَمْرُهُ إِلَى الإِْمَامِ، أَوِ الْحَاكِمِ، يُسْتَحَبُّ إِغَاثَتُهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ رَفْعِ أَمْرِهِ لِلْحَاكِمِ (3) .
لِمَا رُوِيَ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلاً سَرَقَ بُرْدَهُ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَال: فَلَوْلاَ كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ فَقَطَعَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) .
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا وَصَل أَمْرُهُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَلاَ إِغَاثَةَ وَلاَ شَفَاعَةَ. لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةَ حِبُّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَكَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَل مَنْ كَانَ
__________
(1) المبسوط 23 / 166.
(2) حاشية الدسوقي 4 / 242، والمغني 9 / 580.
(3) فتح الباري 12 / 72 - 73 ط المطبعة البهية
(4) خبر صفوان أخرجه أبو داود ومالك والنسائي واللفظ له، قال عبد القادر الأرناؤوط: وإسناده حسن (جامع الأصول في أحاديث الرسول 3 / 600 - 602 نشر مكتبة الحلواني 1390 هـ، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 6 / 225 ط دار المعرفة، وسنن النسائي 8 / 68 نشر المكتبة التجارية، وتنوير الحوالك شرح على موطأ مالك 3 / 49 نشر مكتبة المشهد الحسيني) .

قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا (1) .

الاِسْتِغَاثَةُ عِنْدَ الْغَصْبِ:
26 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغِيثَ أَوَّلاً، وَأَنْ يَدْفَعَ الصَّائِل أَوِ السَّارِقَ بِغَيْرِ الْقَتْل. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، أَوْ لَمْ يُغِثْهُ أَحَدٌ، أَوْ مَنَعَهُ الصَّائِل، أَوِ السَّارِقُ مِنْ الاِسْتِغَاثَةِ، أَوْ عَاجَلَهُ، فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً - وَلَوْ بِالْقَتْل، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ عِرْضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (2) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى لِصًّا فَأَصْلَتَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَال: فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ. وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَال: لِصٌّ دَخَل بَيْتِي وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ، أَقْتُلُهُ؟ قَال:
__________
(1) روت عائشة رضي الله عنها " أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت. . . ". أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها (فتح الباري 12 / 87 ط السلفية، وجامع الأصول في أحاديث الرسول 3 / 561 نشر مكتبة الحلواني 1390 هـ) .
(2) حديث " من قتل دون ماله. . . ". أخرجه أحمد بن حبل وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن زيد مرفوعا ولفظ أبي داود: " ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني أيضا، وأخرج البخاري الجزء الأول من الحديث " من قتل دون ماله فهو شهيد " من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (فيض القدير 6 / 195 ط المكتبة التجارية 1357 هـ، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 7 / 158 ط دار المعرفة، وتحفة الأحوذي 4 / 681 ط السلفية، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني 5 / 335 نشر المكتب الإسلامي، وفتح الباري 5 / 123 ط السلفية) .

نَعَمْ بِأَيِّ شَيْءٍ قَدَرْتَ.

27 - فَإِذَا قَتَل الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْغَاصِبَ، أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ السَّارِقَ بِدُونِ اسْتِغَاثَةٍ وَاسْتِعَانَةٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِمْكَانِ دَفْعِهِ بِمَا هُوَ دُونَ الْقَتْل، فَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ: يَجِبُ الْقَوَدُ.
الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَضْمَنُ الْقَاتِل، لأَِنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ الْقَتْل، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُ فَإِذَا انْدَفَعَ بِقَلِيلٍ فَلاَ يَلْزَمُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَإِنْ ذَهَبَ مُوَلِّيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ كَأَهْل الْبَغْيِ. فَإِنْ فَعَل غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَدِّيًا (1) .

الاِسْتِغَاثَةُ فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الْفَاحِشَةِ:
28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِغَاثَةَ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ عَلاَمَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ الإِْكْرَاهِ الَّتِي تُسْقِطُ الْحَدَّ عَنِ الْمُكْرَهَةِ الأُْنْثَى (2) ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (3) .
__________
(1) ابن عابدين 5 / 321 بولاق، والمغني لابن قدامة 9 / 181، 282 وحاشية الدسوقي 4 / 357، والجمل 5 / 168، قليوبي 3 / 332.
(2) الشرح الصغير 4 / 455، والمغني 9 / 59 ط القاهرة والمحلى 8 / 231، وفتح القدير 4 / 166.
(3) حديث " عفي عن أمتي الخطأ والنسيان. . ". أخرجه الطبراني من حديث ثوبان بلفظ " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، قال السخاوي: والحديث يروى عن ثوبان وأبي الدرداء ذر + ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا، لا سيما وأصل الباب حديث أبي هريرة في 35 ط المكتبة التجارية 1356 هـ، والمقاصد الحسنة ص 228 - 230 نشر مكتبة الخانجي بمصر 1375 هـ. وإرواء الغليل 1 / 123 نشر المكتب الإسلامي)

اسْتِغْرَاق

استغاثة إمارة غرناطة بالسلطان المملوكي جقمق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استغاثة إمارة غرناطة بالسلطان المملوكي جقمق.
844 رجب - 1440 م
أرسلت إمارة غرناطة آخر إمارات الإسلام في الأندلس بسفارة استغاثة ونجدة بعثتها إلى السلطان المملوكي جقمق وذلك طلبا للعون والمساعدة، وكان المسلمون في غرناطة يعانون من ضراوة الهجوم الذي يشنه النصارى الأسبان على دولتهم، لكن هذه الاستغاثة لم تجد استجابة كافية من السلطان المملوكي.

١ ـ تعريفها: هي نداء المستغاث له، عند توقّع أمر مكروه لا يقدر على دفعه، للمستغاث به، لينقذه ممّا وقع فيه. أو هي نداء شخص لإغاثة غيره، مثل: «يا للناس للغريق» (١) .

لغة: طلب الغوث والنّصر.
قال في «القاموس القويم للقرآن الكريم» : واستغاث: طلب الغوث والمساعدة، واستغاث به: استنصره واستعان به.
قال تعالى: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ. [سورة القصص، الآية 15] استنصره، وقال:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ.
[سورة الأنفال، الآية 9] وقال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ.
[سورة الكهف، الآية 29] الاستغاثة: طلب الغوث والنصر، وفي الاصطلاح كذلك.
والاستغاثة غير التوسل، لأن الاستغاثة لا تكون إلا في حالة الشدّة، والتوسل يكون في حالة الشدّة وحالة الرخاء. قال ابن تيمية: ولم يقل أحد أن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك باللّوح، والقلم، أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما طلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
«القاموس القويم 1/ 62، ومجموع فتاوى ابن تيمية 1/ 103، والموسوعة الفقهية 4/ 22، 14/ 150».

طَلَبُ العَوْنِ لِإزالَةِ الشَّدائِدِ وتَفْرِيجِ الكُرُوبِ.
Asking for help: "Istighāthah": asking for help and rescue. Original meaning: support at the time of hardship.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت