تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الأحاديث المشيرة إلى خلافته و كلام الأئمة في ذلك
أخرج الترمذي و حسنه و الحاكم و صححه [ عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر ] و أخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء و الحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه و أخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن [ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : يكون خلفي اثنا عشر خليفة : أبو بكر لا يلبث إلا قليلا ] صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة و قد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب و في الصحيحين في الحديث السابق أنه صلى الله عليه و سلم لما خطب قرب وفاته و قال : [ إن عبدا خيره الله ] الحديث و في أخره [ و لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر ] وفي لفظ لهما [ لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر ] قال العلماء : هذا إشارة إلى الخلافة لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين و قد ورد هذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه و لفظه [ سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر ] أخرجه ابن عدي و من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الترمذي و غيره و من حديث ابن عباس في زوائد المسند و من حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني و من حديث أنس أخرجه البزار و أخرج الشيخان [ عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن أبيه قال : أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأمرها أن ترجع إليه قالت : أرأيت إن جئت و لم أجدك ـ كأنها تقول : الموت ـ قال صلى الله عليه و سلم : إن لم تجديني فأتي أبا بكر ] و أخرج الحاكم و صححه [ عن أنس رضي الله عنه قال : بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال : إلى أبي بكر ] وأخرج ابن عساكر [ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه و سلم تسأله شيئا ؟ فقال لها : تعودين فقالت : يا رسول الله إن عدت فلم أجدك ـ تعرض بالموت ـ فقال : إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي ] و أخرج مسلم [ عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم في مرضه : ادعي لي أبا بكر أباك و أخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن و يقول قائل : أنا أولى و يأبى الله و المؤمنون إلا أبا بكر ] و أخرجه أحمد و غيره من طرق عنها و في بعضها [ قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم في مرضه الذي فيه مات : ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي ثم قال : دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر ] و أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : من كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مستخلفا لو استخلف ؟ قالت أبو بكر قيل لها : ثم من بعد أبي بكر ؟ قالت : عمر قيل لها : من بعد عمر ؟ قالت أبو عبيدة بن الجراح و أخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال [ : مرض النبي صلى الله عليه و سلم فاشتد مرضه فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ] قالت عائشة : يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس فقال [ مري أبا بكر فليصل بالناس ] فعادت فقال : [ مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يو سف ] فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الحديث متواتر ورد أيضا من حديث عائشة و ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر و عبد الله بن زمعة و أبي سعيد و علي بن أبي طالب و حفصة رضي الله عنها : و قد سقت طرقهم في الأحاديث المتواتر و في بعضها عن عائشة رضي الله عنها : لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك و ما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا و إلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل لذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أبي بكر و في حديث ابن زمعة رضي الله عنه [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرهم بالصلاة و كان أبو بكر غائبا فتقدم عمر فصلى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا لا لا يأبى الله و المسلمون إلا أبا بكر يصلي بالناس أبو بكر ] وفي حديث ابن عمر [ كبر عمر فسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبيره فأطلع رأسه مغضبا فقال : أين ابن أبي قحافة ؟ ] قال العلماء : في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق و أحقهم بالخلافة و أولاهم بالإمامة قال الأشعري : [ قد علم بالضرورة أن رسول الله أمر الصديق أن يصلي بالناس مع حضور المهاجرين و الأنصار مع قوله يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ] فدل على أنه كان أقرأهم : أي أعلمهم بالقرآن انتهى و قد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة منهم عمر و سيأتي قوله في فصل المبايعة و منهم علي و أخرج ابن عساكر عنه قال : لقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم أبا بكر أن يصلي بالناس و إني أشاهد و ما أنا بغائب و ما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي صلى الله عليه و سلم لديننا قال العلماء : و قد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي صلى الله عليه و سلم و أخرج أحمد و أبو داود و غيرهما [ عن سهل بن سعد قال : كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم و قال : يا بلال إن حضرت الصلاة و لم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس ] فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى و أخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات و ابن عساكر [ عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر قال : لست أنا أقدمه و لكن الله يقدمه ] و أخرج الدارقطني في الأفراد و الخطيب و ابن عساكر [ عن علي رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم سألت الله أن يقدمك ثلاثا فأبى علي إلا تقديم أبي بكر ] و أخرج ابن سعد [ عن الحسن قال : قال أبو بكر : يا رسول الله ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس ؟ قال : لتكونن من الناس بسبيل قال : و رأيت في صدري كالرقمتين قال : سنتين ] و أخرج ابن عساكر [ عن أبي بكرة قال : أتيت عمر ـ و بين يديه قوم يأكلون ـ فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال : ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب ؟ قال : خليفة النبي صلى الله عليه و سلم صديقه ] و أحرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال : [ أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له : اشفنى فيما اختلف الناس فيه هل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم استخلف أبا بكر ؟ فاستوى الحسن قاعدا و قال : أو في شك هو ؟ لا أبا لك ! أي و الله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه و لهو كان أعلم بالله و أتقى له و أشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره و أخرج ابن عدي [ عن أبي بكر بن عياش قال : لي الرشيد : يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق ؟ قلت : يا أمير المؤمنين سكت الله و سكت رسوله و سكت المؤمنون قال : و الله ما زدتني إلا غما قال : يا أمير المؤمنين مرض النبي صلى الله عليه و سلم ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال : يا رسول الله من يصلي بالناس ؟ قال : مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام و الوحي ينزل فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم لسكوت الله و سكت المؤمنون لسكوت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعجبه فقال : بارك الله فيك ] و قد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى : {{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه }} قال : هو و الله أبو بكر و أصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر و أصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام و أخرج يونس بن بكير عن قتادة قال : لما توفي النبي صلى الله عليه و سلم ارتدت العرب فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال : فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر و أصحابه {{ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه }} و أخرج ابن أبي حاتم عن جويبرفي قوله تعالى : {{ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد }} قال : هم بنو حنيفة قال ابن أبي حاتم و ابن قتيبة : هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم و قال الشيخ أبو الحسن الأشعري : سمعت أبا العباس بن شريح يقول : خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية قال : لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم و للناس إلى قتال أهل الردة و من منع الزكاة قال : فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر و افتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذابا أليما قال ابن كثير : و من فسر القوم بأنهم فارس و الروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم و تمام أمرهم كان على يد عمر و عثمان و هما فرعا الصديق و قال تعالى : {{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض }} الآية قال ابن كثير : هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق و أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال : إن ولاية أبي بكر و عمر في كتاب الله يقول الله : {{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض }} الآية و أخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال : أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم في القرآن لأن الله تعالى يقول : {{ للفقراء المهاجرين }} إلى قوله : {{ أولئك هم الصديقون }} فمن سماه الله صديقا فليس يكذب و هم قالوا : يا خليفة رسول الله قال ابن كثير : استنباط حسن و أخرج البيهقي عن الزعفراني قال : سمعت الشافعي يقول : أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق و ذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم و أخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرة قال : ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما كانوا إلا خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما كانوا يجتمعون على خطأ و لا ضلال و أخرج الحاكم و صححه عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن و ما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء و قد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر و أخرج الحاكم و صححه الذهبي عن مرة الطيب قال : جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال : ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة و أذلها ذلا ؟ ـ يعني أبا بكر ـ و الله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا و رجالا قال : فقال علي : لطالما عاديت الإسلام و أهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئا إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا |