سير أعلام النبلاء
|
جغريبك، طغرلبك:
4142- جغريبك 1: هو السلطان داود بن الأَمِيْرِ مِيْكَائِيْلَ بنِ سَلْجُوْقِ بنِ دُقَاقٍ التُّرُكْمَانِيُّ السَّلْجُوْقِيُّ صَاحِبُ خُرَاسَانَ؛ وَوَالِدُ السُّلْطَانِ أَلب آرسلاَن؛ وَأَخُو صَاحِبِ العِرَاقِ وَالعَجَمِ طُغْرُلْبَك؛ وَهُمَا أَوَّلُ المُلُوْك السَّلْجُوْقيَّة اسْتولَوا عَلَى الممَالِكِ وَأَبَادُوا الدَّوْلَة البُوَيْهِيَّة. وَكَانَ جَغْرِيْبِك يُنكر عَلَى أَخِيْهِ الظُّلم وَفِيْهِ ديَانَة وَعدل. عَاشَ سبعينَ سَنَةً وَامتدت أَيَّامُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بسَرْخَس فِي رَجَب سَنَة إِحْدَى. وَقِيْلَ: فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وخمسين وأربع مائة. فنقل ودفن بمرو. وَأَوّلُ ظُهُوْرهم كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ بَلْ قَبْلهَا وَكَانَ جَدُّهُم دُقَاق مِنَ الأُمَرَاء وَكَذَا وَلدُه سَلْجُوْق فَقَدَّمَهُ الخَان بيغو وَكثُر جندُه وَصَارَ يَغْزُو كَفَرَةَ التُّرك وَعُمِّرَ دَهْراً وَجَاز المائَة وَقَامَ ابْنُه مِيْكَائِيْل مُدَّة ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي الغَزْو وَجَرَى لِوَلَدَيْهِ حُرُوْبٌ فِي حُدُوْدِ الأَرْبَعِ مائَة حَتَّى تَوطَّد ملكهُم. تمَلَّك بَعْد جَغْرِيبك ابْنُهُ أَلب آرسلاَن. 4143- طُغْرُلْبَكَ 2: مُحَمَّدُ بنُ مِيْكَائِيْلَ السُّلْطَانُ الكَبِيْرُ رُكْنُ الدِّيْنِ أَبُو طَالِبٍ. أَصلُ السَّلْجُوْقيَّة مِنْ بَرِّ بُخَارَى؛ لَهُم عددٌ وَقوَةٌ وَإِقدَام وَشجَاعَة وَشَهَامَة وَزعَارَة فَلاَ يَدخُلُوْنَ تَحْتَ طَاعَة وَإِذَا قصدهُم ملكٌ دَخَلُوا البرية عَلَى قَاعِدَة الأَعرَاب وَلَمَّا عَبَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُوْدُ بنُ سُبُكْتِكِين إِلَى بلاَد مَا وَرَاء النَّهْر وَجَدَ رَأْسَ السَّلْجُوْقيَّة قويَّ الشوكَة فَاسْتمَاله وَخَدَعَهُ حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَاسْتشَار الأُمَرَاءَ فَأَشَارَ بَعْضُهُم بتغرِيق كِبَارهُم وأَشَارَ آخرُوْنَ بِقطع إِبهَامَاتهم لِيَبْطُلَ رَمْيُهُم ثُمَّ اتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى تَفرِيقهم فِي النَّوَاحِي وَوَضَعَ الخَرَاج عَلَيْهِم فَتَهَذَّبُوا وَذَلُّوا فَانْفصل مِنْهُم أَلْفاً خَركَاهُ وَمضُوا إِلَى كَرْمَان وَمَلِكُهَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بنِ بُوَيْه فَأَحْسَنَ إِلَيْهِم وَلَمْ يَلبَثْ أَن مَاتَ بَعْدَ الأَرْبَع مائَة فَقصدُوا أَصْبَهَان وَنَزَلُوا بِظَاهِرهَا وَكَانَ صَاحِبُهَا علاَء الدَّوْلَة بن كاكويه، __________ 1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 198"، والعبر "3/ 225". 2 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "8/ 190 و 202"، والعبر "3/ 220"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 73"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 294". |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
ثم أركبوه وخرقوا به السوق، حتى عبروا به باب سور السلطان وأنزلوه بدار السلطنة، ووظفوا له الرواتب، ورتبوا له الوظائف، وشرفوه وسوروه وطوقوه، وخطبوا له على المنابر في الجمع والجوامع. وخصوه بالعوارف والصنائع النصائع.
لكنهم لم ينعتوه إلا بالمعظم، ولم يسموه بالسلطنة ولم يسموه، وكانوا يقتصرون به على المعظم. وذلك غاية أن يعظموه، لكنه كان في قدّ عقله من غفلته، وعي لهجة من غيّ جهلته. وفي كسرة من سكرته، وفي ذلة من لذته. فما زال مدة مقامه مستحلا لمحارم شهواته، مستحليا مذاق اللهو في لهواته، مترنما بنغماته، متبغما بخرافاته. والخليفة مع ذلك في ولائه معتقد وللوائه عاقد. متيقظ لتدبير مصالحه وهو عنها راقد. وقد أوعز إلى عساكره بالتأهب للمسير في خدمته، وإعادته إلى عادته في سلطنته. واستوزر له شرف الدين الخراساني، وكان رجلا كبيرا يرجع إلى سؤدد وكرم محتد. وكان قد وصل إلى بغداد في عهد السلطان سنجر رسولا، وأعاد البردة والقضيب النبويين معه إلى دار الخلافة، وكانا قد أخذا في النوبة المسترشدية. وأقام شرف الدين هذا في الظل الأمامي، وهو مخصوص بالاحترام، فرأى المقتفي أن يجعله وزير سليمان، وسيره إلى أذربيجان. وجهز معه عساكر وافية العدد، وافرة العدد. فمضوا به إلى أرّانية ثقة بأتابك إيلدكز فما رفع بهم رأسا، ولا قراهم إيناسا. ووصل السلطان محمد بن محمود وجرى المصاف، ووقع بين الفريقين الانتصاف. ثم انهزم سليمان موليا، وعن عسكر الخليفة متخليا. فعادت العساكر إلى بغداد عادمة للظفر، نادمة للسفر. ورجع سليمان عائدا إلى بغداد في طريق الدربند القرابلي، فصبحه زين الدين علي كوجك من الموصل، وقبضه في المضيق، وحمله إلى قلعة الموصل. واعتقله وأراحه من التعب، وأباحه ما كان يؤثره من اللعب، وكان ذلك في شعبان سنة 551 هـ. ذكر اتصال الملك جغري شاه بن محمود بأخيه السلطان محمد قال-رحمه الله-: كان الملك جغري شاه مع أتابك آياز في أذربيجان. فشغل خواطر الأميرين إيلدكز وأرسلان آبه، صاحبي أذربيجان، عند اتصالهما بالسلطان سليمان، بعد انهزام محمد إلى أصفهان. فلما عاد محمد إلى السلطنة، سير شرف الدين |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
124 - ألْب أرسلان بْن جُغْري بك، واسمه دَاوُد بْن ميكائيل بْن سلجوق بْن تُقاق بْن سلجوق، السّلطان عَضُد الدولة أبو شجاع، الملقَّب بالعادل، واسمه بالعربي مُحَمَّد بْن دَاوُد. [المتوفى: 465 هـ]
أصله من قرية يقال لها النور. وتقاق: بالتركي قوس حديد، وهو أول مَن دخل فِي الْإِسْلَام. وألْب أرسلان أول مَن ذُكر بالسلطان على منابر بغداد. قدِم حلبَ فحاصرها فِي سنة ثلاثٍ وستين، حَتَّى خرج إليه محمود بن نصر بن صالح بن مرداس صاحبها مع أمّه، فأنعم عليه بحلب، وسارَ إِلَى الملك ديوجانس، وقد خرج من القسطنطينية، فالتقاه وأسره، ثُمَّ مَنَّ عليه وأطلقه. ثُمَّ سار فغزا الخَزَر، والأبخاز. وبلغ ما لم يبلغ أحدٌ من الملوك. وكان ملكًا عادلًا، مَهِيبًا، مطاعاً، معظماً. ولي السلطنة بعد وفاة عمه السلطان طُغْرُلْبَك بْن سلْجُوق فِي سنة سبْعٍ وخمسين. وبلغ طُغْرُلْبَك من العُمر نيِّفًا وثمانين سنة. -[213]- قال عَبْد الواحد بْن الحُصَيْن: سار ألْب أرسلان فِي سنة ثلاثٍ وستين إِلَى ديار بَكْر، فخرج إليه نصر بْن مروان، وخَدَمه بمائة ألف دينار. ثُمَّ سار إِلَى حلب ومنَّ على ملكها. ثُمّ غزا الروم، فصادف مقدّم جيشه عند خِلاط عشرة آلاف، فانتصَر عليهم، وأسَر مقدّمهم. والتقى ألْب أرسلان وعظيم الروم بين خِلاط ومَنَازكُرْد فِي ذي القعدة من العام، وكان في مائتي ألف، والسّلطان فِي خمسة عشر ألفًا. فأرسل إليه السلطان فِي الهدْنة. فقال الكلب: الهُدْنةُ تكون بالرّيّ. فعزم السلطان على قتاله، فلقِيَه يوم الجمعة فِي سابع ذي القعدة، فنُصِر عليه، وقَتَل فِي جيشه قتلًا ذريعًا، وأسره ثمّ ضربه ثلاث مقارع، وقطع عليه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وأي وقت طلبه السلطان بعساكره حضر، وأن يُسلم إليه كلّ أسير من المسلمين عنده. وأعزَّ اللَّه الْإِسْلَام وأذلَّ الشِّرْك. وكان السلطان ألْب أرسلان فِي أواخر الأمر من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم فِي الجهاد وَفِي نصر الدين. وقنعَ من الرّعّية بالخراج الأصليّ. وكان يتصدَّق فِي كل رمضان بأربعة آلاف دينار ببلْخ، ومرْو، وهَراة، ونَيْسابور، ويتصدق بحضرته بعشرة آلاف دينار. ورافعَ بعضُ الكُتّاب نظامَ المُلْك بقصة، فدعا النّظَّامَ وقال له: خُذْ هَذِهِ الورقة، فإنْ صدقوا فيما كتبوه فهذِّب أحوالك، وإنْ كذبوا فاغفر لكاتبها وأَشْغِلْهُ بمهمٍ من مهمات الديوان حَتَّى يُعْرِض عن الكذب. وغزا السلطان فِي أول سنة خمس وستين جيْحُون. فعبر جيشه فِي نيِّفٍ وعشرين يومًا من صَفَر، وكان معه زيادة على مائتي ألف فارس، وقَصَدَ شمس المُلْك تِكِين بن طغماج. وأتاه أعوانه بوالي قلعة اسمه يوسف الخُوارَزْمي، وقربوه إِلَى سريره مع غلامين، فأمر أن تُضرب له أربعة أوتاد وتُشدّ أطرافه إليها، فقال يوسف للسلطان: يا مخنث، مثلي يُقتل هَذِهِ القتلة؟ فغضب السلطان، فأخذ القوس والنشاب وقال: خلوه. ورماه فأخطأه، ولم يكن يُخْطئ له سهم، فأسرع يوسف إليه إِلَى السرير، فنهض السلطان، فنزل فعثر وخرَّ على وجهه، فوصل يوسف، فبرك عليه وضَرَبه بسِكَينٍ كَانَتْ معه فِي خاصرته، ولحِق بعض الخدم يوسف فقتله، وحُمِل السلطان وهو مُثْقَل، وقضى نَحْبَه. وجلسوا لعزائه ببغداد فِي ثامن جُمَادَى الآخرة، وعاش أربعين -[214]- سنة وشهرين. وعهِد إِلَى ابنه ملكشاه، ودُفن بمرْو. ونقل ابن الأثير: أنّ أَهْل سَمَرْقَنْد لما بلغهم عبور السلطان النَّهر تجمّعوا ودَعُوا الله، وختموا ختمات، وسألوا الله أن يكفيهم أمره، فاستجاب لهم. وقيل إنه قال: لما كان أمس صعدت على تلّ، فرأيت جيوشي، فقلتُ فِي نفسي: أَنَا ملك الدنيا، ولن يقدر عليَّ. فعجَّزني اللَّه بأضعف من يكون. فأنا أستغفر الله من ذلك الخاطر. |