نتائج البحث عن (غصب) 36 نتيجة

غصب: الغَصْبُ: أَخْذُ الشيءِ ظُلْماً. غَصَبَ الشيءَ يَغْصِـبُه غَصْباً، واغْتَصَبَه، فهو غاصِبٌ، وغَصَبه على الشيءِ: قَهَره، وغَصَبَه منه. والاغْتِصَابُ مِثْلُه، والشَّيْءُ غَصْبٌ ومَغْصُوب. الأَزهري: سمعت العرب تقول: غَصَبْتُ الجِلْدَ غَصْباً إِذا كَدَدْتَ عنه شَعَرَه، أَو وَبَره قَسْراً، بِلا عَطْن في الدِّباغِ، ولا إِعْمالٍ في نَـدًى أَو بَوْلٍ، ولا إِدراج. وتكرّر في الحديثِ ذِكْرُ الغَصْبِ، وهو أَخْذُ مالِ الغَيْرِ ظُلْماً وعُدْواناً. وفي الحديث: أَنه غَصَبَها نَفْسَها: أَراد أَنه واقَعَها كُرْهاً، فاستعاره للجِماعِ.
الْغَيْن وَالصَّاد وَالْبَاء

غَصَب الشَّيْء يَغْصِبه غَصْباً، واغتصبه: اخذه ظلما.

وغَصبه على الشَّيْء: قهره.
غصب
: (غَصَبَه يَغْصِبُه (غَصْباً: (أَخَذَه ظُلْماً، كاغْتَصبه) وَهُوَ غَاصِبٌ. (و) غَصَبَ (فُلاناً على الشَّيءِ: قَهَرَه) ، والاغْتِصابُ مِثْلُه. (و) غَصَبَ (الجِلْدَ) غَصْباً، إِذَا (أَزالَ عَنهُ شَعَرَه ووبَرَه نَتْفاً وقَشْاً بِلَا عَطْنٍ فِي دِباغ وَلَا إِغْمَالٍ) بالغَيْنِ المُعْجَمَة (فِي نَدًى) أَو بَوْل وَلَا إِدْراج. قَالَ الأَزْهرِيُّ: سمِعْتُ ذَلِكَ عَنِ العَرب.
وَفِي لِسَان الْعَرَب: وَقد تَكَرَّر ذِكْرُ الغصْب فِي الحَدِيث، وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الغَيْرِ ظُلْماً وعُدُواناً. وَفِي الحَدِيثِ (أَنَّه غصَبَها نَفْسَها) أَرادَ أَنَّه وَاقَعها كُرْها فاسْتَعَارَه لِلْجِمَاع.
[غصب]الغصب: أخذ الشى ظلما. تقول: غَصَبَه منه، وغَصَبَه عليه، بمعنى. والاغتصاب مثله، والشئ غصب ومغصوب.
باب الغين والصاد والباء معهما غ ص ب، ص ب غ يستعملان فقط

غصب: الغَصْبُ: أخذ الشيء ظلماً وقهراً.

صبغ: الصِّبْغُ والصِّباغُ ما يلون به الثيابُ. والصَّبْغُ مصدره، والصِّباغة حِرْفةُ الصَّبْاغِ. والصِّبْغُ والصِّباغُ: ما يُصْطَبَغُ في الأطعِمةِ ونحوها أي يؤتدم، قال تعالى: وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ . وصِبْغةٌ الله: الملةُ التي يمل بها المسلمون أي يدينون بها. والأصبَغُ من الطير: ما أبيض ذنبه، والأسمُ الصِّبْغةُ. وصَبَغَتِ الناقة لغة في سَبَغَت، يعني: جاءَتْ بَولَدِها تامّاً والمَصْبَغُ: المكان الذي يُصْبَغُ فيه، والمصدر المَصْبَغُ أيضاً، يقال: صبغته مصبغا.
[غصب]نه: الغصب أخذ مال الغير ظلمًا. ومنه ح: إنه "غصبها" نفسها، أي وطيها.
غ ص ب: (الْغَصْبُ) أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَبَابُهُ ضَرَبَ تَقُولُ: (غَصَبَهُ) مِنْهُ. وَغَصَبَهُ عَلَيْهِ. وَ (الِاغْتِصَابُ) مِثْلُهُ. وَالشَّيْءُ (غَصْبٌ) وَ (مَغْصُوبٌ) .
غصَبَ يَغصِب، غَصْبًا، فهو غاصِب، والمفعول مَغْصوب• غصَبه مالَه: أخذه منه قهرًا وظلمًا وعَنوةً "غصَب القراصنةُ السفينةَ- {{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}} ".• غصَب المرأةَ: زنَى بها كرهًا منها أو عَنْوة.• غصَب خصمَه على الاعتراف بجريمته: قهره وأكرهه عليه "غصَبه على مغادرة منزله".

اغتصبَ يغتصب، اغتصابًا، فهو مغتصِب، والمفعول مغتصَب• اغتصب السُّلطةَ ونحوَها: استولى عليها بالقوّة، أخذها قهرًا وظلمًا دون وجه حقّ "اغتصب مالاً/ الأرضَ من جاره".• اغتصب المرأةَ: غصَبها؛ زنَى بها رغمًا عنها.

اغتصاب [مفرد]: مصدر اغتصبَ.• الاغتصاب: فرض المعاشرة الجنسيّة بالقوّة على فتاة أو امرأة وتعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.

اغتصابيَّة [مفرد]: اسم مؤنَّث منسوب إلى اغتصاب: "سياسة صهيونيّة اغتصابيّة- لابد من التصدّي للأطماع الاغتصابيّة الإسرائيليّة".• نزعة اغتصابيّة: نزعة تميل إلى تملُّك كلّ شيء بالقهر والقوَّة دون وجه حقّ "تُحجِّم المقاومة من النزعة الاغتصابيّة لليهود".

غَصْب [مفرد]: مصدر غصَبَ ° بالغَصْب/ غَصْبًا عنه: على كُره منه، ضدّ إرادته، دون رضاه، عَنْوة.
غ ص ب

غصب على عقله. واغتصبت فلانة نفسها: جومعت مقهورة.
(غصب)الشَّيْء غصبا أَخذه قهرا وظلما وَيُقَال غصبه مَاله وغصب مِنْهُمَاله وَالْمَرْأَة زنى بهَا كرها وَالْجَلد أَزَال عَنهُ شعره ووبره بِلَا عطن فِي الدّباغ وَنَحْوه وَفُلَانًا على الشَّيْء قهره فَهُوَ غَاصِب (ج) غصاب
(غ ص ب) : (الْغَصْبُ) أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَقَهْرًا وَيُسَمَّى الْمَغْصُوبُ غَصْبًا وَيُقَالُ اُغْتُصِبَتْ فُلَانَةُ نَفْسُهَا إذَا وُطِئَتْ مَقْهُورَةً غَيْرَ طَائِعَةٍ.
غصب: الغَصْبُ: أخْذُ الشَّيْءِ ظُلْماً وقهْراً، غَصَبَ يغْصِبُ غَصْباً، واغْتًصَبَ اغْتِصاباً.
غصب: غصب: جار، بغي، طغى، استبد (ألكالا).
غصب على نفسه أو غصب نفسَه: ضبط نفسه وقسرها (بوشر).
انغصب: اختُطِف، سُلِب، اغتُصِب (فوك).
غَصْب: اختلاس أموال الدولة (ألكالا).
غَصْب: الاستيلاء على الشيء قهراً (فان دون برج ص58 رقم 1).
غَصْب: جبْر، قسْر. وبالغصب وغصباً: جبراً، قسراً، بالقوة. وغصباً عنه: ضدّ رغبته. وبالطيب أو بالغصب وغصب وإلارضا طوعاً أو كُرها. (بوشر). وفي ألف ليلة (برسل 2: 65) فجعلوه مجنون بالغصب أي قرروا أنه مجنون رغماً عنه.
غَصْبِيَّة: شيء يعمل قسراً (بوشر) غصبية: قَسْر، جَبْر (همبرت ص214).
غصبانية: قسراً، جبراً، بالقوة (بوشر).
غَصيب، طيّباً أو غصيباً: طوعاً أو كُرهاً (قصة عنتر ص44).
غَصَّاب: مغتصب، مستلب، مختطف، (فوك، المعجم اللاتيني- العربي).
اغتصاب: قسر، جبر (بوشر).
الغصب: في آداب البحث هو منع مقدمة الدليل على نفيها قبل إقامة المعلل الدليل على ثبوتها، سواء كان يلزم منه إثبات الحكم المتنازع فيه ضمنًا، أو لا.
الغصب: في اللغة أخذ الشيء ظلمًا، مالًا كان أو غيره، وفي الشرع: أخذ مال متقوم محترم بلا إذن مالكه، بلا خفية، فالغضب لا يتحقق في الميتة؛ لأن ليست بمال، وكذا في الحر، ولا في خمر المسلم؛ لأنها ليست بمتقومة، ولا في مال الحربي؛ لأنه ليس بمحترم، وقوله: بلا إذن مالكه احتراز عن الوديعة، وقوله: بلا خفية؛ ليخرج السرقة.
الغصب:[في الانكليزية] Constraint [ في الفرنسية] Contrainte بالفتح وسكون الصاد المهملة لغة أخذ الشيء من الغير بالتغلّب متقوما كان أو لا.وعند الفقهاء أخذ مال متقوّم محترم من يد مالكه بلا إذنه لا خفية. فالآخذ يسمّى غاصبا والمأخوذ مغصوبا. فبقيد المال خرج أخذ غير المال كأخذ الدّم والحرّ والميتة وكفّ من تراب وقطرة ماء ومنفعة. وبقيد المتقوّم خرج أخذ الخمر والخنزير، والمتقوّم مباح الانتفاع شرعا.وقولهم محترم أي حرام أخذه بلا سبب شرعي خرج به أخذ مال الحربي في دارهم. وقولهم من يد مالكه أي من تصرّف مالكه، فإزالة يد المالك معتبرة في الغصب عند الحنفية وعند الشافعي رحمة الله عليه هو إثبات يد العدوان عليه كما في الدرر شرح الغرر. فهو عندهم إزالة اليد المحقّقة بإثبات اليد المبطلة. وعند الشافعي رحمه الله إثبات اليد المبطلة ولا يشترط إزالة اليد. فزوائد المغصوب لا تضمن عند الحنفية خلافا للشافعي لأنّ إثبات اليد متحقّق بدون إزالة اليد. وقولهم بلا إذنه احتراز عن الرّهن والعارية. وقولهم لا خفية احتراز عن السّرقة، هكذا يستفاد من الدرر وشرح الوقاية وجامع الرموز. وعند أهل النظر هو المنع مع الاستدلال وذلك بأن يستدلّ بدليل على انتفاء المقدمة الممنوعة، سمّي به لأنّ السّائل ترك هناك منصب نفسه وهو المنع والمطالبة فقط وأخذ منصب غيره وهو التعليل، كذا في شرح آداب المسعودي، وفي الرشيدية هو أخذ منصب الغير.
غ ص ب: غَصَبَهُ غَصْبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَاغْتَصَبَهُ أَخَذَهُ قَهْرًا وَظُلْمًا فَهُوَ غَاصِبٌ وَالْجَمْعُ غُصَّابٌ مِثْلُ كَافِرٍ وَكُفَّارٍ وَيَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ فَيُقَالُ غَصَبْتُهُ مَالَهُ وَقَدْ تُزَادُ مِنْ فِي الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ فَيُقَالُ غَصَبْتُ مِنْهُ مَالَهُ فَزَيْدٌ مَغْصُوبٌ مَالُهُ وَمَغْصُوبٌ مِنْهُ وَمِنْ هُنَا قِيلَ غَصَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا إذَا زَنَى بِهَا كُرْهًا وَاغْتَصَبَهَا نَفْسَهَا كَذَلِكَ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ وَيُبْنَى لِلْمَفْعُولِ فَيُقَالُ اُغْتُصِبَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا وَرُبَّمَا قِيلَ عَلَى نَفْسِهَا يُضَمَّنُ الْفِعْلُ مَعْنَى غُلِبَتْ وَالشَّيْءُ مَغْصُوبٌ وَغَصْبٌ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ.
(غَصَبَ)قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «الغَصْب» وَهُوَ أخْذُ مَالِ الْغَيْرِ ظُلْما وعُدْوَانا.يُقَالُ: غَصَبَه يَغْصِبُه غَصْباً، فَهُوَ غَاصِب ومَغْصُوب.وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ غَصَبَها نَفْسَها» أَرَادَ أنَّه وَاقَعَها كُرْهاً، فاسْتعاره للجِماع.
غصب1 غَصَبَهُ, (S, A, Msb, K,) aor. ـِ (Msb, K,) inf. n. غَصْبٌ; (S, Mgh, Msb;) and ↓ اغتصبهُ; (S, Msb, K;) He took it wrongfully, unjustly, or injuriously; (S, A, Mgh, K;) or by force; (Mgh, Msb;) مِنْهُ and عَلَيْهِ [i. e. from him], both meaning the same. (S.) الغَصْبُ repeatedly occurs in the traditions, signifying The taking another's property wrongfully, unjustly, injuriously, or by violence. (L.) But as employed in law, it means The taking property that has a price and is forbidden, without the permission of its owner, without stealthiness: therefore it does not rightly apply in the case of an animal that has died a natural death or not been slaughtered according to the law, because it is not property; nor in the case of the free person, in like manner; nor in the case of the wine of the Muslim, because it has not a price; nor in the case of the property of him with whom one is at war, because it is not forbidden; the saying “ without the permission of the owner ” precludes the trust, or deposit; and the saying “ without stealthiness ” excludes theft. (KT.) b2: One says also, غَصَبْتُهُ مَالًا and غَصَبْتُ مِنْهُ مَالًا I took property from him [wrongfully, &c., or] by force. (Msb.) b3: And غَصَبَهَا نَفْسَهَا (Msb, TA) and نفسها ↓ اغتصبها (Msb) (tropical:) He violated her; forced her; had connection with her against her will; (TA;) or constuprated her by force. (Msb.) b4: And غَصَبَ فُلَانًا عَلَى الشَّىْءِ (K, TA) and ↓ اغتصبه (TA) He compelled such a one by force to do the thing. (K, TA.) b5: and غَصَبَ الجِلْدَ, (K, TA,) inf. n. as above, (TA,) (assumed tropical:) He removed from the skin its hair and its fur by plucking and peeling, without subjecting it to the process termed عَطْنٌ, in the tan, and without إِغْمَال [i. e. burying it] in moist earth, (K, TA,) or [soaking it in] urine [to loosen the hair and fur], and without folding it up: so Az heard it expl. by the Arabs. (TA.) 3 غاصبهُ إِيَّاهُ, accord. to Freytag, signifies He took it from him by violence: but for this he has not named any authority.]8 إِغْتَصَبَ see 1, in three places. b2: One says also, of a woman, اُغْتُصِبَتْ نَفْسَهَا, meaning (tropical:) She was constuprated by force; (A, Mgh, Msb;) as also اُغْتُصِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا. (Msb.) غَصْبٌ and ↓ مَغْصُوبٌ A thing taken wrongfully, unjustly, injuriously, (S, Mgh,) or by force: (Mgh, Msb:) the former originally an inf. n. (Msb.) غَاصِبٌ One taking, or who takes, a thing wrongfully, unjustly, injuriously, (TA,) or by force: pl. غُصَّابٌ. (Msb.) مَغْصُوبٌ: see غَصْبٌ. b2: مَغْصُوبٌ لَهُ and مِنْهُ A man from whom a thing has been taken [wrongfully, unjustly, injuriously, or] by force. (Msb.)
غَصَبَة
من (غ ص ب) جمع غاصب بمعنى الأخذ للشيء قهرا وظلما، والزاني بالمرأة كرها، والمزيل عن الجلد شعره ووبره دون دبغه.
غَصْبَة
من (غ ص ب) الأخذة على سبيل القهر والظلم.
غَصَبَهُ يَغْصِبُهُ: أخَذَهُ ظُلْماً،كاغْتَصَبَهُ،وـ فُلاناً على الشَّيءَ: قَهَرَهُ،وـ الجِلْدَ: أزَالَ عنه شَعْرَهُ وَوَبَرَهُ نَتْفاً وقَشْراً، بلاَ عَطْنٍ في دِباغٍ، ولا إعْمالٍ في نَدًى.
الْغَصْب: فِي اللُّغَة أَخذ الشَّيْء من الْغَيْر على وَجه الْقَهْر وَالظُّلم مَالا كَانَ أَو غَيره يُقَال غصب زَوْجَة فلَان وخمر فلَان. وَفِي الشَّرْع إِزَالَة الْيَد المحقة بِإِثْبَات الْيَد المبطلة فِي مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم قَابل للنَّقْل بِغَيْر إِذن مَالِكه عَلَانيَة - وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ أَخذ مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم بِلَا إِذن مَالِكه بِلَا خُفْيَة. فالغصب لَا يتَحَقَّق فِي الْميتَة لِأَنَّهَا لَيست بِمَال. وَكَذَا فِي الْحر وَلَا فِي خمر الْمُسلم لِأَنَّهَا لَيست بمتقومة فِي حَقه وَلَا بِمَال الْحَرْبِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحترم - وَقَوله بِلَا إِذن الْمَالِك احْتِرَاز عَن الْوَدِيعَة - وَقَوله بِلَا خُفْيَة عَن السّرقَة وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ إِثْبَات الْيَد المبطلة وَلَا يشْتَرط إِزَالَة الْيَد المحقة. وفوائد الْقُيُود فِي كتب الْفِقْه. وَفِي الْوِقَايَة الْغَصْب أَخذ مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم بِلَا إِذن مَالِكه يزِيل يَده.وَذكر فِي الزَّاهدِيّ أَن الْغَصْب على ضَرْبَيْنِ. مَا هُوَ مُوجب للضَّمَان فَيشْتَرط إِزَالَة الْيَد وَمَا هُوَ مُوجب للرَّدّ فَيشْتَرط لَهُ إِثْبَات الْيَد وَلِهَذَا لَو كَانَ فِي يَد إِنْسَان درة ضرب عَلَيْهَا يَده فَوَقَعت فِي الْبَحْر فقد ضمن وَإِن فقد إِثْبَات الْيَد وَلَو أتلف ثَمَر بُسْتَان مَغْصُوب لم يضمن وَإِن وجد إِثْبَات الْيَد. وَعند أَرْبَاب المناظرة هُوَ منع الْمُقدمَة الممنوعة مَعَ الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل يدل على انْتِفَاء تِلْكَ الْمُقدمَة قبل إِقَامَة الْمُعَلل الدَّلِيل على ثُبُوتهَا وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْمَنْع غصبا لِأَن السَّائِل ترك هُنَاكَ منصب نَفسه وَهُوَ الْمَنْع أَي مُطَابقَة الدَّلِيل وَغَايَة أمره تأييده مَنعه بالسند فَإِذا ترك منصبه وَأخذ منصب غَيره أَعنِي الْمُسْتَدلّ وَهُوَ الِاسْتِدْلَال فقد غصب حَقه كَمَا لَا يخفى.
غصب
غَصَبَ(n. ac. غَصْب)
a. [acc. & Bi], Snatched, rent, tore from; took by force from.
b. [acc. & 'Ala], Forced, compelled, constrained to.
c. Violated, forced, outraged.

غَاْصَبَa. Used violence to.
b. Took by violence.

تَغَاْصَبَa. Used violence to each other.

إِنْغَصَبَ
a. [ coll. ], Was forced
compelled, constrained
إِغْتَصَبَa. see I (a)
غَصْبa. Violence, force, compulsion, constraint.
b. Theft; plunder.

غَاْصِب
. ( pl.
reg. &
غُصَّاْب)

a. Violent; tyrannical; oppressor.

N. Ag.
إِغْتَصَبَa. see 21
N. Ac.
إِغْتَصَبَa. Violence, force; oppression, tyranny.

غَصْبًا عَنْهُ
a. Against his will, in spite of him.

غُصْلُب
a. Tall, slim.
الغصب: لغة: أخذ الشيء ظلما. وشرعا: الاستيلاء على حق الغير عدوانا.والغصب في آداب البحث: منع مقدمة الدليل وإقامة الدليل على نفيها قبل إقامة المعلل الدليل على ثبوتها سواء لزم إثبات الحكم المتنازع فيه ضمنا أم لا.
الغَصْب: في اللغة: أخذُ الشيء ظلماً مالاً كان أو غيرَه، وفي الشرع: أخذ مال متقومَّ محترم بلا إذن مالكه بلا خُفية، ويقال: للآخذ: غاصبٌ وللمال المأخوذ: مغصوبٌ، ولصاحبه: مغصوبٌ منه.

الغَصْب في آداب البحث

التعريفات الفقهيّة للبركتي

الغَصْب في آداب البحث: هو منع مقدمة الدليل على نفيها قبل إقامة المعلل للدليل على ثبوتها، سواء كان يلزم منه إثباتُ الحكم المتنازع فيه ضِمناً أوْ لا.
التَّعْرِيفُ:
1 - الْغَصْبُ لُغَةً: هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَقَهْرًا، وَالاِغْتِصَابُ مِثْلُهُ، يُقَال: غَصَبَهُ مِنْهُ وَغَصَبَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (1) .
وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ: إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ بِفِعْلٍ فِي الْمَال (2) . وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلاَ حِرَابَةٍ (3) .
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ (4) .
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى مَال الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ (5) .
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير.
(2) بدائع الصنائع 7 / 143.
(3) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي 2 / 442، 459، الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 3 / 581 - 583، 607 ط دار المعارف.
(4) السراج الوهاج للغمراوي شرح المنهاج ص 266.
(5) الشرح الكبير مع المغني 5 / 374، ط دار الكتاب العربي.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعَدِّي:
2 - التَّعَدِّي هُوَ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْحَقِّ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْغَصْبِ (1) .

ب - الإِْتْلاَفُ:
3 - الإِْتْلاَفُ هُوَ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (2) .
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ هُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمَالِكِ.
وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِزَوَال يَدِ الْمَالِكِ أَوْ تَقْصِيرِ يَدِهِ. أَمَّا الإِْتْلاَفُ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ.
كَمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الآْثَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ أَوْ تَرَتُّبُ الضَّمَانِ (3) .

ج - الاِخْتِلاَسُ:
4 - الاِخْتِلاَسُ لُغَةً: أَخْذُ الشَّيْءِ مُخَادَعَةً عَنْ غَفْلَةٍ. وَاصْطِلاَحًا: أَخْذُ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ جَهْرًا مَعَ الْهَرَبِ بِهِ، سَوَاءٌ جَاءَ الْمُخْتَلِسُ جِهَارًا أَوْ سِرًّا.
__________
(1) المغرب والمصباح المنير.
(2) البدائع 7 / 164.
(3) تكملة فتح القدير 7 / 361.

وَالصِّلَةُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْذَ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنَّ الْوَسِيلَةَ فِيهِمَا تَخْتَلِفُ (1) .

د - السَّرِقَةُ:
5 - السَّرِقَةُ: هِيَ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ وَالاِسْتِتَارِ، وَهِيَ تُوجِبُ الْحَدَّ.
وَالصِّلَةُ أَنَّ الْغَصْبَ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ عَلاَنِيَةً دُونَ اسْتِخْفَاءٍ، بِخِلاَفِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ خُفْيَةً وَاسْتِتَارًا (2) .

هـ - الْحِرَابَةُ:
6 - الْحِرَابَةُ: أَخْذُ الْمَال عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَوِ النَّجْدَةُ وَحُكْمُهَا يَخْتَلِفُ عَنْ حُكْمِ الْغَصْبِ فِي الْجُمْلَةِ
؛ لأَِنَّ الْمُحَارِبَ يُقْتَل أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُقْطَعُ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَْرْضِ، وَلاَ يُفْعَل بِالْغَاصِبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (3) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
7 - الْغَصْبُ حَرَامٌ إِذَا فَعَلَهُ الْغَاصِبُ عَنْ عِلْمٍ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ
__________
(1) لسان العرب والمصباح المنير، القليوبي 3 / 26، الشرح الصغير 4 / 476.
(2) مغني المحتاج 4 / 158.
(3) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3 / 582.

بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ (1) .
أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: فَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (2)
وَأَمَّا السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ: فَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (3) وَقَوْلُهُ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ (4)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمَغْصُوبُ نِصَابَ سَرِقَةٍ.

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَصْبُ:
8 - فِي بَيَانِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَصْبُ اتِّجَاهَانِ:
__________
(1) المغني 5 / 220، كشاف القناع 4 / 83، المهذب 1 / 367، والبدائع 7 / 148.
(2) سورة النساء / 29.
(3) حديث: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 158) ومسلم (3 / 1305 - 1306) من حديث أبي بكرة، واللفظ المذكور لمسلم.
(4) حديث: " لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه ". أخرجه أحمد (5 / 72) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 172) وقال: رواه أبو يعلى، وأبو حرة وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين.

الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِيلاَءِ، أَيْ إِثْبَاتِ يَدِ الْعُدْوَانِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، بِمَعْنَى إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الاِسْتِيلاَءِ، الاِسْتِيلاَءَ الْحِسِّيَّ بِالْفِعْل، وَإِنَّمَا يَكْفِي الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمَال وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، وَلَوْ أَبْقَاهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ (1) .
وَالثَّانِي: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَبِرَأْيِهِمَا يُفْتَى فِي الْمَذْهَبِ: وَهُوَ أَنَّ الْغَصْبَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، بِفِعْلٍ فِي الْمَال، أَيْ أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ (وَهُوَ أَخْذُ الْمَال) وَإِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ، أَيْ بِالنَّقْل وَالتَّحْوِيل.
وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَعَدَمُ الْيَدِ: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ (2) .
__________
(1) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي 3 / 442 والشرح الصغير 3 / 583 ومغني المحتاج 2 / 275 وكشاف القناع / 83.
(2) البدائع 7 / 143، تكملة الفتح 7 / 368 ط مصطفى محمد، تبيين الحقائق 5 / 224.

مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْغَصْبُ:
9 - مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْغَصْبُ مِنْهُ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَال الْمَنْقُول الْمُتَقَوِّمُ الْمَعْصُومُ الْمَمْلُوكُ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ الْمُبَاحِ، فَمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالصُّلْبَانِ، كَالأَْمْتِعَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْكُتُبِ وَالْحُلِيِّ وَالدَّوَابِّ وَالسَّيَّارَاتِ، يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْغَصْبُ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِيهِ، فَهُوَ مَا يَأْتِي:

أ - الْعَقَارُ:
10 - الْعَقَارُ هُوَ: كُل مَا لاَ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنَ الأَْرَاضِي وَالدُّورِ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبِهَا؛ لأَِنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهُمْ لِتَوَافُرِ مَعْنَى الْغَصْبِ إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى الشَّيْءِ بِالسُّكْنَى وَوَضْعِ الأَْمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضِمْنًا بِالضَّرُورَةِ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ؛ لاِسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْيَدَيْنِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ

فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَْرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ (2) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إِمْكَانُ غَصْبِ الأَْرْضِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِيمَا يُنْقَل وَيُحَوَّل؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْغَصْبِ فِي رَأْيِهِمَا - وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِالنَّقْل - لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْعَقَارُ كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَعْنَى الْغَصْبِ فِيهِ؛ لِعَدَمِ إِمْكَانِ نَقْلِهِ وَتَحْوِيلِهِ، فَمَنْ غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، كَغَلَبَةِ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ صَاعِقَةٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ عِنْدَهُمَا؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ بِإِزَالَةِ الْيَدِ؛ لأَِنَّ الْعَقَارَ فِي مَحَلِّهِ لَمْ يُنْقَل، فَصَارَ كَمَا لَوْ حَال بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، فَتَلِفَ الْمَتَاعُ، فَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَهُمَا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْهَلاَكُ بِفِعْل الْغَاصِبِ كَأَنْ هَدَمَهُ، فَيَضْمَنُهُ، لأَِنَّ الْغَصْبَ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْعَقَارِ، فَيُعْتَبَرُ
__________
(1) الشرح الكبير مع الدسوقي 4 / 443، بداية المجتهد 2 / 311، مغني المحتاج 2 / 275 وما بعدها، المغني 5 / 223، كشاف القناع 4 / 83 وما بعدها.
(2) حديث: " من ظلم قيد شبر من الأرض. . . ". فتح الباري (5 / 103، 105) ومسلم (3 / 1232) من حديث عائشة.

الإِْتْلاَفُ، وَالإِْتْلاَفُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُتْلِفِ (1) .
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَالأَْصَحُّ أَنْ يُقَال: جُحُودُ الْوَدِيعَةِ لَوْ كَانَتْ عَقَارًا بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، فَلاَ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فِي الْعَقَارِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
ب - الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ:
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي غَصْبِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا غُصِبَتِ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي فَسْخِ الإِْجَارَةِ لِذَهَابِ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ عَدَمِ الْفَسْخِ.
وَفَصَّل آخَرُونَ فِي الْحُكْمِ.
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِجَارَة ف 54)
ج - زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ وَغَلَّتُهُ وَمَنَافِعُهُ:
12 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَقُّقِ غَصْبِ
__________
(1) البدائع 7 / 145 وما بعدها، تبيين الحقائق 5 / 224، تكملة فتح القدير 7 / 368 ط مصطفى محمد، اللباب شرح الكتاب 2 / 189.

زَوَائِدِ الْمَغْصُوبِ وَغَلَّتِهِ وَمَنَافِعِهِ أَوْ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ خِلاَفَهُمْ فِي الضَّمَانِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
غَصْبُ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ:
13 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (1) : لاَ تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتْلِفُهَا مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَمْ لِذِمِّيٍّ إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهَا، كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ، وَمَا حَرُمَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يُضْمَنْ بِبَدَلٍ عَنْهُ، لأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا، فَمَا لاَ يَحِل بَيْعُهُ وَلاَ تَمَلُّكُهُ، لاَ ضَمَانَ فِيهِ.
لَكِنْ إِذَا كَانَتْ خَمْرُ الذِّمِّيِّ مَا زَالَتْ بَاقِيَةً عِنْدَ الْغَاصِبِ، يَجِبُ رَدُّهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا.
فَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْزَمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَدُّهَا. وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا، لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى اقْتِنَائِهَا، وَيَحْرُمُ رَدُّهَا إِلَى الْمُسْلِمِ إِذَا
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 285، 291، فتح العزيز شرح الوجيز 11 / 258، المهذب 1 / 374 المغني 5 / 256، كشاف القناع 4 / 84 وما بعدها، الميزان الكبرى للشعراني 2 / 90.

لَمْ يَكُنْ صَانِعَ خَلٍّ (خَلاَّلاً) ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْمْرِ، فَقَالُوا: تُرَدُّ الْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ، أَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلَمٍ إِلَيْهِ، وَلاَ تُرَدُّ الْخَمْرُ غَيْرُ الْمُحْتَرَمَةِ، بَل تُرَاقُ.
وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّل، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخَل لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ إِنْ كَانَ الْخَل أَنْقَصَ قِيمَةً مِنَ الْعَصِيرِ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْل الْعَصِيرِ.
وَلَوْ غَصَبَ شَخْصٌ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، كَالْخَمْرِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ، فَإِذَا تَلِفَا بِيَدِهِ ضَمِنَهُمَا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دَبَغَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ عِنْدَهُمْ، وَلاَ قِيمَةَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (1) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا غَصَبَهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ، أَوِ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ خَلَّل الْخَمْرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَمْ
__________
(1) البدائع 7 / 147 وما بعدها، الدر المختار 5 / 147 - 149، تكملة فتح القدير 7 / 396 - 405، تبيين الحقائق 5 / 333، اللباب شرح الكتاب 2 / 195.

ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا، وَكَذَا الْخِنْزِيرُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ.
لَكِنْ لَوْ قَامَ الْغَاصِبُ بِتَخْلِيل خَمْرِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا لاَ خَمْرًا؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهُوَ إِتْلاَفُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيَضْمَنُ، وَلِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَل بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ إِذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ، وَيَأْخُذُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ إِنْ دَبَغَهَا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَّل الْخَمْرَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ.
وَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا اسْتَهْلَكَهُ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ عِنْدَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَالْخَمْرُ عِنْدَهُمْ كَالْخَل عِنْدَنَا، وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ (1) ، وَبِهِ يُقَرُّونَ عَلَى بَيْعِهِمَا.
لَكِنْ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قِيمَةُ الْخَمْرِ لاَ رَدُّ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمَلُّكِهَا، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ
__________
(1) هذا مروي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، وأمرنا بتركهم وما يدينون (نصب الراية 4 / 369، تكملة الفتح 7 / 398) .

يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُ الْخَمْرِ وَتَمْلِيكُهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
أَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَوْ لِذِمِّيٍّ، فَلاَ يُضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ؛ لأَِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ، وَلاَ يَدِينُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الأَْدْيَانِ تَمَوُّلَهُمَا.
وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مِنَ الْمُسْلِمِ قِيمَةَ صَلِيبٍ غَصَبَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لأَِنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (1) كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لاَ تُضْمَنُ خَمْرُ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرُهُ، وَلاَ آلاَتُ الْمَلاَهِي وَالأَْصْنَامِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (2) . وَلأَِنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهَا، وَمَا لاَ قِيمَةَ لَهُ لاَ يُضْمَنُ.
لَكِنْ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَوَّلُونَهَا.
وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرُ وَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ، خُيِّرَ صَاحِبُهَا بَيْنَ أَخْذِهَا خَلًّا، أَوْ مِثْل عَصِيرِهَا إِنْ عَلِمَ قَدْرَهَا وَإِلاَّ فَقِيمَتُهَا. أَمَّا خَمْرُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ إِذَا تَخَلَّلَتْ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا بَيْنَ
__________
(1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 204، 3 / 447، الشرح الصغير 3 / 592، 593.
(2) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 424) ومسلم (3 / 1207) من حديث جابر بن عبد الله.

أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، أَوْ أَخْذِ الْخَل، عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ جِلْدَ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ، أَوْ كَلْبًا مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ مِثْل كَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حِرَاسَةٍ فَأَتْلَفَهُ الْغَاصِبُ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْقِيمَةَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْجِلْدِ أَوْ الْكَلْبِ، وَأَمَّا الْكَلْبُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَلاَ قِيمَةَ لَهُ.

آثَارُ الْغَصْبِ:
لِلْغَصْبِ آثَارٌ تَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ وَالْغَاصِبِ وَالْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

أَوَّلاً - مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ:
14 - يَلْزَمُ الْغَاصِبَ الإِْثْمُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَال الْغَيْرِ، وَرَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَضَمَانُهَا إِذَا هَلَكَتْ. (1)
أ - الإِْثْمُ وَالتَّعْزِيرُ:
15 - يَسْتَحِقُّ الْغَاصِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الآْخِرَةِ، إِذَا فَعَل الْغَصْبَ عَالِمًا أَنَّ الْمَغْصُوبَ مَال الْغَيْرِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ،
__________
(1) الدر المختار 5 / 126، القوانين الفقهية ص330، مغني المحتاج 2 / 277، المهذب 1 / 367، المغني 5 / 259 وما بعدها.

وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ عَمْدًا مُوجِبٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَْرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ (1)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (2) بِأَنَّهُ يُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالسِّجْنِ غَاصِبٌ مُمَيَّزٌ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ رِعَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ عَفَا عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ؛ لِدَفْعِ الْفَسَادِ وَإِصْلاَحِ حَالِهِ وَزَجْرًا لَهُ وَلأَِمْثَالِهِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، فَلاَ يُعَزَّرُ.
فَإِنْ حَدَثَ الْغَصْبُ وَالشَّخْصُ جَاهِلٌ بِكَوْنِ الْمَال لِغَيْرِهِ، بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّيْءَ مِلْكُهُ فَلاَ إِثْمَ وَلاَ مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ خَطَأٌ لاَ مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (3) ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَالْغُرْمُ إِذَا صَارَتْ هَالِكَةً.
__________
(1) حديث: " من ظلم قيد شبر من أرض طوقه. . . ". تقدم ف 10.
(2) الشرح الكبير 2 / 442، الشرح الصغير 3 / 583، القوانين الفقهية ص 330، ومغني المحتاج 4 / 277.
(3) حديث: " إن الله تجاوز عن أمتي. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 659) من حديث أبي ذر الغفاري، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 353) .

ب - رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ:
16 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إِلَى صَاحِبِهَا حَال قِيَامِهَا وَوُجُودِهَا بِذَاتِهَا، (1) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (2) وَقَوْلِهِ أَيْضًا: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا (3) .
وَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ إِلَى مَكَانِ الْغَصْبِ لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ بِاخْتِلاَفِ الأَْمَاكِنِ.
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَجَبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، كَمَا فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: الأَْصْل أَنَّ الْمَالِكَ يَصِيرُ
__________
(1) البدائع 7 / 148، والدر المختار 5 / 128، وتكملة الفتح 7 / 367، والشرح الصغير 3 / 582 وما بعدها، والقوانين الفقهية ص329، والمهذب 1 / 317، والميزان للشعراني 2 / 88، وكشاف القناع 4 / 78، ط بيروت.
(2) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". أخرجه الترمذي (3 / 557) من حديث سمرة بن جندب يرويه عنه الحسن البصري، وقال ابن حجر في التلخيص (3 / 53) : الحسن مختلف في سماعه عن سمرة.
(3) حديث: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا. . . ". أخرجه أبو داود (5 / 273) والترمذي (4 / 462) من حديث يزيد بن سعيد الكندي، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن.

مُسْتَرِدًّا لِلْمَغْصُوبِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ الشَّيْءُ مَغْصُوبًا بِتَفْوِيتِ يَدِهِ عَنْهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ أَعَادَهُ إِلَى يَدِهِ، وَزَالَتْ يَدُ الْغَاصِبِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَغْصِبَهُ مَرَّةً أُخْرَى. (1)
وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ بِالرَّدِّ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَالِكُ بِحُدُوثِ الرَّدِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لأَِنَّ إِثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ، لاَ يَخْتَلِفُ بِالْعِلْمِ أَوِ الْجَهْل بِحُدُوثِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ قَدْ فَاتَ، كَأَنْ هَلَكَ أَوْ فُقِدَ أَوْ هَرَبَ، رَدَّ الْغَاصِبُ إِلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، بِأَنْ كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا مِنَ الطَّعَامِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ. كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ.

ثَانِيًا - حُقُوقُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ:
17 - لِلْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حُقُوقٌ تُقَابِل مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ مِنَ الأَْحْكَامِ السَّابِقَةِ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ هِيَ: رَدُّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْغَلَّةِ، وَالتَّضْمِينِ، وَحَقُّهُ فِي الْهَدْمِ وَالْقَلْعِ لِمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي مِلْكِهِ،
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 150.

وَالْجَمْعُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْغَلَّةِ.

أ - رَدُّ أَوِ اسْتِرْدَادُ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ وَزَوَائِدِهِ وَغَلَّتِهِ وَمَنَافِعِهِ:
18 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ الْغَاصِبُ عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي غَصَبَهُ إِذَا كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (1) وَقَوْلِهِ: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا أَوْ جَادًّا، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا (2) ؛ وَلأَِنَّ رَدَّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ هُوَ الْمُوجَبُ الأَْصْلِيُّ لِلْغَصْبِ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُعَلَّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلاَّ بِرَدِّهِ، وَالْوَاجِبُ الرَّدُّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي غَصَبَهُ؛ لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ بِتَفَاوُتِ الأَْمَاكِنِ. (3)
وَأَمَّا زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنْ
__________
(1) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". تقدم تخريجه ف / 16.
(2) حديث: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه. . ". تقدم تخريجه ف / 16.
(3) تكملة فتح القدير 7 / 367، والشرح الصغير 3 / 590، والقوانين الفقهية ص 329، والمهذب 1 / 367، والمغني والشرح الكبير 5 / 374، 423.

الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ تُضْمَنُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِ، أَمْ مُنْفَصِلَةً كَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ، مَتَى تَلِفَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ؛ لِتَحَقُّقِ إِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ (الضَّامِنَةِ) ؛ لأَِنَّهُ بِإِمْسَاكِ الأَْصْل تَسَبَّبَ فِي إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ، وَإِثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الأَْصْل مَحْظُورٌ. (1)
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ لاَ تُضْمَنُ إِذَا هَلَكَتْ بِلاَ تَعَدٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالتَّقْصِيرِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، أَمْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْجَمَال؛ لأَِنَّ الْغَصْبَ فِي رَأْيِهِمَا هُوَ إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى مَال الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيل يَدَ الْمَالِكِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَيَدُ الْمَالِكِ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ عُنْصُرَ " إِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ " لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا، كَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ.
فَإِنْ تَعَدَّى الْغَاصِبُ عَلَى الزِّيَادَةِ، بِأَنْ
__________
(1) المهذب 1 / 370، المغني والشرح الكبير 5 / 399 وما بعدها.

أَتْلَفَهَا أَوْ أَكَلَهَا أَوْ بَاعَهَا، أَوْ طَلَبَهَا مَالِكُهَا فَمَنَعَهَا عَنْهُ، ضَمِنَهَا؛ لأَِنَّهُ بِالتَّعَدِّي أَوِ الْمَنْعِ صَارَ غَاصِبًا. (1)
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْرْجَحِ عِنْدَهُمْ فِي نَوْعِ الزِّيَادَةِ، فَقَالُوا: إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي بِفِعْل اللَّهِ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ، فَلاَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وَلَوْ نَشَأَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَال الْغَاصِبِ كَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَثَمَرِ الشَّجَرِ. فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ تَلِفَتْ أَوِ اسْتُهْلِكَتْ، وَيَجِبُ رَدُّهَا مَعَ الْمَغْصُوبِ الأَْصْلِيِّ عَلَى صَاحِبِهَا. (2)
أَمَّا مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَمْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَغْصُوبُ عَقَارًا كَالدَّارِ، أَمْ مَنْقُولاً كَالْكِتَابِ وَالْحُلِيِّ وَنَحْوِهِمَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَوَجَبَ
__________
(1) البدائع 7 / 143، 160، الدر المختار ورد المحتار 5 / 143، تكملة الفتح 7 / 388، اللباب شرح الكتاب 2 / 194.
(2) بداية المجتهد 2 / 313، الشرح الصغير 3 / 596، الشرح الكبير للدردير 3 / 448، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني 2 / 220.

ضَمَانُهُ كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ذَاتُهَا. (1)
وَذَهَبَ مُتَقَدِّمُو الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لاَ يَضْمَنُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَسُكْنَى الدَّارِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهَا أَوْ عَطَّلَهَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ عِنْدَهُمْ؛ وَلأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْحَادِثَةَ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهَا مَعْنَى الْغَصْبِ؛ لِعَدَمِ إِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا.
وَأَوْجَبَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ ضَمَانَ أَجْرِ الْمِثْل فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ - وَالْفَتْوَى عَلَى رَأْيِهِمْ - وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ وَقْفًا، أَوْ لِيَتِيمٍ، أَوْ مُعَدًّا لِلاِسْتِغْلاَل، بِأَنْ بَنَاهُ صَاحِبُهُ أَوِ اشْتَرَاهُ لِذَلِكَ الْغَرَضِ. (2)
وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ - أَيْ ذَاتُهُ - بِاسْتِعْمَال الْغَاصِبِ غَرِمَ النُّقْصَانَ؛ لاِسْتِهْلاَكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَأَمَّا غَلَّةُ الْمَغْصُوبِ: فَلاَ تَطِيبُ فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِلْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، وَقَال
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 286، المهذب 1 / 367، فتح العزيز شرح الوجيز 11 / 263، المغني 5 / 270، القواعد لابن رجب ص 212.
(2) البدائع 7 / 145، الدر المختار ورد المحتار 5 / 144 وما بعدها، تكملة الفتح 7 / 394، اللباب شرح الكتاب 2 / 195، ونقل المحاسني في شرح المجلة للمادتين 459، 471، فتوى المتأخرين بزيادة ضمان بيت المال على الثلاثة المذكورة.

أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: تَطِيبُ لَهُ. (1)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ غَلَّةُ مَغْصُوبٍ مُسْتَعْمَلٍ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ أَكْرَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ أَرْضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَل فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ فَوَّتَ عَلَى رَبِّهِ اسْتِعْمَالِهِ، إِلاَّ إِذَا نَشَأَ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ كَلَبَنٍ وَصُوفٍ وَثَمَرٍ. (2)

ب - الضَّمَانُ:
19 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ نَقَصَ أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ حَدَثَ عَيْبٌ مُفْسِدٌ فِيهِ، أَوْ صُنِعَ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى سُمِّيَ بِاسْمٍ آخَرَ، كَخِيَاطَةِ الْقُمَاشِ، وَصِيَاغَةِ الْفِضَّةِ حُلِيًّا، وَصِنَاعَةِ النُّحَاسِ قَدْرًا، وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهُ، وَحُقَّ لِلْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَضْمِينُهُ، (3) بِأَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِنَ
__________
(1) المراجع السابقة.
(2) الشرح الصغير 3 / 595، 596.
(3) تكملة الفتح 7 / 363، تبيين الحقائق 5 / 333، والدر المختار ورد المحتار 5 / 130 اللباب 2 / 188، وبداية المجتهد 2 / 312، وشرح الرسالة 2 / 217، والقوانين الفقهية ص 330، ومغني المحتاج 2 / 281، 284 وكشاف القناع 4 / 116 وما بعدها، والمغني والشرح الكبير 5 / 376 وما بعدها.

الْمِثْلِيَّاتِ (1) ، وَهِيَ الْمَكِيلاَتُ كَالْحُبُوبِ، وَالْمَوْزُونَاتُ كَالأَْقْطَانِ وَالْحَدِيدِ، وَالذَّرْعِيَّاتُ كَالأَْقْمِشَةِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ الأَْصْلِيَّ فِي الضَّمَانَاتِ هُوَ الْمِثْل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (2) وَلأَِنَّ الْمِثْل أَعْدَل، لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ، فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ وَأَقْرَبَ إِلَى الأَْصْل، فَالْمِثْل أَقْرَبُ إِلَى الشَّيْءِ مِنَ الْقِيمَةِ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ صُورَةً وَمَعْنًى، فَكَانَ الإِْلْزَامُ بِهِ أَعْدَل وَأَتَمَّ لِجُبْرَانِ الضَّرَرِ، وَالْوَاجِبُ فِي الضَّمَانِ الاِقْتِرَابُ مِنَ الأَْصْل بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ تَعْوِيضًا لِلضَّرَرِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْل صَفِيَّةَ: أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَفَّارَتِهِ؟ فَقَال: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ. (3)
__________
(1) المال المثلى هو ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به، أو هو ما تماثلت آحاده أو أجزاؤه، بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به كالحبوب والنقود والأدهان.
(2) سورة البقرة / 194.
(3) حديث عائشة: " ما رأيت صانعة طعام مثل صفية. . . ". أخرجه النسائي (7 / 71) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (5 / 25) .

20 - فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمِثْل أَوْ كَانَ الْمَال قِيَمِيًّا (1) كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَذَلِكَ فِي ثَلاَثِ حَالاَتٍ: (2)
الأُْولَى: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، كَالْحَيَوَانَاتِ وَالدُّورِ وَالْمَصُوغَاتِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهَا قِيمَةٌ تَخْتَلِفُ عَنِ الأُْخْرَى بِاخْتِلاَفِ الصِّفَاتِ الْمُمَيِّزَةِ لِكُل وَاحِدٍ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ خَلِيطًا مِمَّا هُوَ مِثْلِيٌّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالْحِنْطَةِ مَعَ الشَّعِيرِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِثْلِيًّا تَعَذَّرَ وُجُودُ مِثْلِهِ، وَالتَّعَذُّرُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ حِسِّيٌّ، كَانْقِطَاعِ وُجُودِ الْمِثْل فِي السُّوقِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَإِنْ وُجِدَ فِي الْبُيُوتِ، أَوْ حُكْمِيٌّ، كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل. أَوْ شَرْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلضَّامِنِ، كَالْخَمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ، يَجِبُ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا.
__________
(1) المال القيمي: هو ما ليس له مثل في الأسواق، أو يوجد مع التفاوت المعتد به في القيمة، أو هو ما تفاوتت أفراده، فلا يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور والأراضي والأشجار وأفراد الحيوان والمفروشات والمخطوطات والحلي ونحوها.
(2) الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين 5 / 129.

ج - الْهَدْمُ وَالْقَلْعُ.
21 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يُلْزَمُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى صَاحِبِهِ كَمَا أَخَذَهُ، كَمَا يُلْزَمُ بِإِزَالَةِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ (1) وَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَقَلْعِ الشَّجَرِ الَّذِي غَرَسَهُ أَوِ الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ بِلاَ إِذْنِ الْمَالِكِ.
غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ فَصَّلُوا فِي الأَْمْرِ كَمَا يَلِي:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ سَاجَةً (خَشَبَةً عَظِيمَةً تُسْتَعْمَل فِي أَبْوَابِ الدُّورِ وَبِنَائِهَا) فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ حَوْلَهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، زَال مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا، لِصَيْرُورَتِهَا شَيْئًا آخَرَ، وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ (الْغَاصِبِ) مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ لِلْمَالِكِ، وَضَرَرُ الْمَالِكِ يَنْجَبِرُ بِالضَّمَانِ، وَلاَ ضَرَرَ فِي الإِْسْلاَمِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلَمْ يَزُل مِلْكُ مَالِكِهَا، لأَِنَّهُ " يَرْتَكِبُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ وَأَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ ".
__________
(1) حديث: " ليس لعرق ظالم حق. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 653) من حديث سعيد بن زيد، وخرج الحديث ابن حجر في الفتح (5 / 19) وقال عن طرقه: في أسانيدها مقال، لكن يتقوى بعضها ببعض.

وَعَقَّبَ قَاضِي زَادَهْ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، فَقَال: لاَ فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ وَبَيْنَ الْعَكْسِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ الْمَالِكِ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ، وَضَرَرَ الْغَاصِبِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَجْبُورَ دُونَ الضَّرَرِ الْمَحْضِ، فَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّرَرَ الأَْعْلَى عِنْدَ إِمْكَانِ الْعَمَل بِالضَّرَرِ الأَْدْنَى، فَيُعْمَل بِقَاعِدَةِ: " الضَّرَرُ الأَْشَدُّ يُزَال بِالأَْخَفِّ " فِي مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ، أَيْ أَنَّهُ يُعَوِّضُ الْمَالِكَ، وَتَزُول مِلْكِيَّتُهُ عَنِ السَّاجَةِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّاجَةِ فَهِيَ. . لَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى فِيهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الأَْرْضِ (السَّاجَةِ) أَكْثَرَ، أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِ الْغَرْسِ، وَهَدْمِ الْبِنَاءِ، وَرَدِّ الأَْرْضِ فَارِغَةً إِلَى صَاحِبِهَا كَمَا كَانَتْ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ لاَ تُغْصَبُ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ، فَيَبْقَى فِيهَا حَقُّ الْمَالِكِ كَمَا كَانَ، وَالْغَاصِبُ جَعَلَهَا مَشْغُولَةً، فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهَا، إِذْ لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ، فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْمَالِكِ قِيمَةَ الأَْرْضِ وَيَأْخُذَهَا.
وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ الْغَرْسِ مِنْهَا أَوْ هَدْمِ الْبِنَاءِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسَ مَقْلُوعًا

أَنْقَاضًا) رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الطَّرَفَيْنِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا فَتُقَوَّمُ الأَْرْضُ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ، وَتُقَوَّمُ وَبِهَا شَجَرٌ وَبِنَاءٌ مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ، فَيَضْمَنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا زَرَعَ الْغَاصِبُ الأَْرْضَ، فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مِلْكًا فَإِنْ أَعَدَّهَا صَاحِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ، فَيَكُونُ الأَْمْرُ مُزَارَعَةً بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبِ، وَيُحْتَكَمُ إِلَى الْعُرْفِ فِي حِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، النِّصْفِ أَوِ الرُّبُعِ مَثَلاً، وَإِنْ كَانَتْ مُعَدَّةً لِلإِْيجَارِ فَالنَّاتِجُ لِلزَّارِعِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْل الأَْرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، فَعَلَى الْغَاصِبِ نُقْصَانُ مَا نَقَصَ الزَّرْعُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ وَقْفًا أَوْ مَال يَتِيمٍ، اعْتُبِرَ الْعُرْفُ إِذَا كَانَ أَنْفَعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ أَنْفَعَ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْل، لِقَوْلِهِمْ: يُفْتَى بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ. (1)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي حَالَةِ الْبِنَاءِ: أَنَّ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا أَوْ عَمُودًا أَوْ خَشَبًا، فَبَنَى فِيهَا أَوْ بِهَا. يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَبَيْنَ إِبْقَائِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الأَْنْقَاضِ، بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ أَوِ الْهَدْمِ، وَلاَ يُعْطِيهِ قِيمَةَ
__________
(1) تكملة فتح القدير 7 / 379 - 383، الدر المختار 5 / 135 - 137، تبيين الحقائق 5 / 228 وما بعدها، اللباب شرح الكتاب 2 / 192.

التَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ قِيمَةَ لَهُ، أَيْ إِنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ مَصْلَحَةَ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ.
وَمَنْ غَصَبَ سَارِيَةً أَوْ خَشَبَةً فَبَنَى عَلَيْهَا، فَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا وَإِنْ هَدَمَ الْبُنْيَانَ.
أَمَّا فِي حَالَةِ الْغَرْسِ: فَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا أَشْجَارًا، فَلاَ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهَا، وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ كَالْبُنْيَانِ، فَإِنْ غَصَبَ أَشْجَارًا، فَغَرَسَهَا فِي أَرْضِهِ، أُمِرَ بِقَلْعِهَا.
وَأَمَّا فِي حَالَةِ الزَّرْعِ: فَمَنْ زَرَعَ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ زَرْعًا، فَإِنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا فِي إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُقْلِعَ الزَّرْعَ، أَوْ يَتْرُكَهُ لِلزَّارِعِ وَيَأْخُذَ الْكِرَاءَ، وَإِنْ أَخَذَهَا بَعْدَ إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ فَلِلْمَالِكِيَّةِ رَأْيَانِ: رَأْيٌ أَنَّ الْمَالِكَ يُخَيَّرُ كَمَا ذُكِرَ، وَرَأْيٌ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ، وَالزَّرْعُ لِزَارِعِهِ (1) . وَقَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْغَاصِبَ يُكَلَّفُ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ وَقَلْعِ الْغِرَاسِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ إِنْ حَدَثَ،
__________
(1) الشرح الكبير للدردير 3 / 448، الشرح الصغير 3 / 595، بداية المجتهد 2 / 319، القوانين الفقهية ص331.

وَإِعَادَةُ الأَْرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَأُجْرَةُ الْمِثْل فِي مُدَّةِ الْغَصْبِ إِنْ كَانَ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَمَلُّكَهَا بِالْقِيمَةِ، أَوْ إِبْقَاءَهَا بِأُجْرَةٍ، لَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ إِجَابَتُهُ فِي الأَْصَحِّ؛ لإِِمْكَانِ الْقَلْعِ بِلاَ أَرْشٍ. وَلَوْ بَذَرَ الْغَاصِبُ بَذْرًا فِي الأَْرْضِ وَكَانَ الْبَذْرُ وَالأَْرْضُ مَغْصُوبَيْنِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ إِخْرَاجَ الْبَذْرِ مِنْهَا وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ رَضِيَ الْمَالِكُ بِبَقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ إِخْرَاجُهُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ قَلْعُ تَزْوِيقِ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إِنْ رَضِيَ الْمَالِكُ بِبَقَائِهِ، (1)
وَوَافَقَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مَسْأَلَتَيِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ أَمَّا فِي حَالَةِ زَرْعِ الأَْرْضِ فَقَالُوا: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إِبْقَاءِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَخْذِ أَجْرِ الأَْرْضِ وَأَرْشِ النَّقْصِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ لَهُ، وَدَفْعِ النَّفَقَةِ لِلْغَاصِبِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 289، 291، المهذب 1 / 371، الميزان للشعراني 2 / 89 وما بعدها.

شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ (1) وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: خُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ (2) أَيْ لِلْغَاصِبِ. (3)

د - الْجَمْعُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْغَلَّةِ:
22 - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ فِي مَسْأَلَةِ جَمْعِ الْمَالِكِ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، وَبَيْنَ أَخْذِ الْغَلَّةِ كَالأُْجْرَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ إِيجَارِ الأَْعْيَانِ الْمَغْصُوبَةِ.
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل - لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجْمَعُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَةٍ وَغَلَّةٍ؛ لأَِنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنَدًا، أَيْ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ، فَتَكُونُ الْغَلَّةُ مِنْ حَقِّ الْغَاصِبِ إِذَا أَدَّى قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ، وَلاَ يُلْزَمُ الْغَاصِبُ بِالْقِيمَةِ إِلاَّ بِتَلَفِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فَوَاتِهِ. (4)
وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي - لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ عِنْدَ
__________
(1) حديث: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم. . . ". أخرجه أبو داود (3 / 693) والترمذي (3 / 639) من حديث رافع بن خديج، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: هو حديث حسن.
(2) حديث: " خذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته ". أخرجه النسائي (7 / 40) من حديث رافع بن خديج.
(3) المغني 5 / 223 - 225، 234، 245، كشاف القناع 4 / 87 - 94.
(4) تكملة الفتح 9 / 329 ط دار الفكر، الشرح الصغير 3 / 907.

التَّلَفِ وَالْغَلَّةِ؛ لأَِنَّهُ تَلِفَتْ عَلَيْهِ مَنَافِعُ مَالِهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْفَعِ الْقِيمَةَ، وَالأُْجْرَةُ أَوِ الْغَلَّةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَفُوتُ مِنَ الْمَنَافِعِ، لاَ فِي مُقَابَلَةِ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، فَتَكُونُ الْقِيمَةُ وَاجِبَةً فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِ الشَّيْءِ، وَالْغَلَّةُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَتُهُ إِلَى حِينِ تَلَفِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ حِينِ التَّلَفِ لَمْ تَبْقَ لَهُ مَنْفَعَةٌ حَتَّى يَتَوَجَّبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا.
وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ: هَل يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، فَقَال أَرْبَابُ الاِتِّجَاهِ الأَْوَّل: الضَّامِنُ يَمْلِكُ الْمَال الْمَضْمُونَ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ.
وَقَال أَصْحَابُ الاِتِّجَاهِ الثَّانِي: لاَ يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. (1)

ثَالِثًا - مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ مِنْ أَحْكَامٍ:
يَتَعَلَّقُ بِضَمَانِ الْمَغْصُوبِ الْمَسَائِل التَّالِيَةُ:
__________
(1) المبسوط 16 / 14، البدائع 7 / 152، اللباب شرح الكتاب 2 / 193، تبيين الحقائق 5 / 325، بداية المجتهد 2 / 315، شرح الرسالة 2 / 220.

أ - كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ:
23 - إِذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَكَانَ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، (1) أَوْ مِنَ الْعَقَارَاتِ أَوِ الْمَنْقُولاَتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (2) بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، أَيْ غَرَامَتُهُ أَوْ تَعْوِيضُهُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْهَلاَكُ بِتَعَدٍّ مِنْ غَيْرِهِ. لاَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ لِلْمَالِكِ؛ لأَِنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَعِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ، فِي ذَلِكَ: الْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَهُ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِأَمْرِ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَخْلُوقٍ. (3)
وَكَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ: أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِالْمِثْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا، وَبِقِيمَتِهِ إِذَا كَانَ قِيَمِيًّا، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُجُودُ الْمِثْل وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ (ف: 19، 20) .
__________
(1) المبسوط 11 / 50، البدائع 7 / 150، 168، الدر المختار 5 / 138، تبيين الحقائق 5 / 223، 234، تكملة الفتح 7 / 363، اللباب شرح الكتاب 4 / 188 وما بعدها.
(2) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 443، الشرح الصغير 3 / 588 - 592، القوانين الفقهية ص330 وما بعدها، بداية المجتهد 2 / 312، مغني المحتاج 2 / 281، 284، فتح العزيز شرح الوجيز 11 / 242 بذيل المجموع، المغني 5 / 221، 254، 258، كشاف القناع 4 / 116 وما بعدها.
(3) القوانين الفقهية ص331.

ب - وَقْتُ الضَّمَانِ:
24 - لِلْفُقَهَاءِ فِي وَقْتِ الضَّمَانِ مَذَاهِبُ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَقْدِيرِ قِيمَةِ التَّعْوِيضِ وَوَقْتِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمِثْلِيِّ إِذَا انْقَطَعَ مِنَ السُّوقِ وَتَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: وُجُوبُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَهُوَ يَوْمُ انْعِقَادِ السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
الثَّانِي: يَوْمَ الاِنْقِطَاعِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ.
الثَّالِثُ: يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ يَوْمُ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُتُونِ وَالْمُخْتَارِ، وَاخْتَارَتْ الْمَجَلَّةُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ. (الْمَادَّةُ: 891)
وَأَمَّا الْقِيَمِيُّ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ. (1)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ تُقَدَّرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِالْغَصْبِ، فَتُقَدَّرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ، فَلاَ يَتَغَيَّرُ التَّقْدِيرُ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ؛ لأَِنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مَحَل الضَّمَانِ.
لَكِنْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ ضَمَانِ الذَّاتِ وَضَمَانِ الْغَلَّةِ، فَتُضْمَنُ الأُْولَى يَوْمَ
__________
(1) البدائع 7 / 151، والدر المختار 5 / 128، والمبسوط 11 / 50، وتكملة الفتح 7 / 363، وتبيين الحقائق 5 / 223، واللباب شرح الكتاب 2 / 188.

الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا، وَتُضْمَنُ الْغَلَّةُ مِنْ يَوْمِ اسْتِغْلاَلِهَا، وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي وَهُوَ غَاصِبُ الْمَنْفَعَةِ، فَيَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ بِمُجَرَّدِ فَوَاتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا. (1)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الضَّمَانِ هُوَ أَقْصَى قِيمَةٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ تَعَذُّرِ وُجُودِ الْمِثْل، وَإِذَا كَانَ الْمِثْل مَفْقُودًا عِنْدَ التَّلَفِ فَالأَْصَحُّ وُجُوبُ الأَْكْثَرِ قِيمَةً مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ، أَمْ بِتَغَيُّرِ الْمَغْصُوبِ فِي نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْمَال الْقِيَمِيُّ: فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيمَةٍ لَهُ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ. (2)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، وَفُقِدَ الْمِثْل، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْقِطَاعِ الْمِثْل؛ لأَِنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْل، فَقُدِّرَتِ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَتَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ وَتَلِفَ، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ
__________
(1) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 443، 448، الشرح الصغير 3 / 588 وما بعدها، بداية المجتهد 2 / 312، والقوانين الفقهية ص330.
(2) مغني المحتاج 2 / 283، والمهذب 1 / 368، البجيرمي على الخطيب 3 / 136، نهاية المحتاج 4 / 119 - 121.

الْغَصْبِ إِلَى حِينِ الرَّدِّ، إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الْمَغْصُوبِ نَفْسِهِ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ، وَسِمَنٍ وَهُزَالٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الْقِيمَةُ وَتَنْقُصُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ مَغْصُوبَةٌ فِي الْحَال الَّتِي زَادَتْ فِيهَا، وَالزِّيَادَةُ لِمَالِكِهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ. وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ لَمْ تُضْمَنِ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ لِهَذَا السَّبَبِ لاَ يُضْمَنُ إِذَا رُدَّتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِذَاتِهَا، فَلاَ يُضْمَنُ عِنْدَ تَلَفِهَا. (1)

ج - انْتِهَاءُ عُهْدَةِ الْغَاصِبِ:
25 - تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْغَاصِبِ وَتَنْتَهِي عُهْدَتُهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:
الأَْوَّل - رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إِلَى صَاحِبِهَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً بِذَاتِهَا، لَمْ تُشْغَل بِشَيْءٍ آخَرَ.
الثَّانِي - أَدَاءُ الضَّمَانِ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ مَطْلُوبٌ أَصَالَةً.
الثَّالِثُ - الإِْبْرَاءُ مِنَ الضَّمَانِ إِمَّا صَرَاحَةً مِثْل: أَبْرَأْتُكَ مِنَ الضَّمَانِ، أَوْ أَسْقَطْتُهُ عَنْكَ، أَوْ وَهَبْتُهُ مِنْكَ وَنَحْوُهُ، أَوْ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ: وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ
__________
(1) المغني 5 / 257 وما بعدها، المغني والشرح الكبير 5 / 421 وما بعدها، كشاف القناع 4 / 117.

الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ، فَيَبْرَأُ الآْخَرُ؛ لأَِنَّ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ أَحَدِهِمَا إِبْرَاءٌ لِلآْخَرِ ضِمْنًا.
الرَّابِعُ - إِطْعَامُ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ أَوْ لِدَابَّتِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ، أَوْ تَسَلَّمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ عَلَى وَجْهِ الأَْمَانَةِ كَالإِْيدَاعِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى قِصَارَتِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ، وَعَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّهُ مَالُهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، أَوْ عَلَى وَجْهِ ثُبُوتِ بَدَلِهِ فِي ذِمَّتِهِ، كَالْقَرْضِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمْ يَبْرَأِ الْغَاصِبُ، حَتَّى تَتَغَيَّرَ صِفَةُ الْغَصْبِ. (1)

د - تَعَذُّرُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ:
26 - قَدْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ لِتَغَيُّرِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: تَغَيُّرُ الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْغَاصِبِ: إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْل الْغَاصِبِ.
وَالتَّغَيُّرُ بِفِعْلِهِ قَدْ يَكُونُ تَغَيُّرًا فِي الْوَصْفِ أَوْ تَغَيُّرًا فِي الاِسْمِ وَالذَّاتِ، وَكُل حَالاَتِ التَّغَيُّرِ يَكُونُ الْمَغْصُوبُ فِيهَا مَوْجُودًا.
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 151، الشرح الصغير 3 / 600، و601، السراج الوهاج شرح المنهاج ص368، المغني والشرح الكبير 5 / 437، كشاف القناع 4 / 103.

فَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنَبًا فَأَصْبَحَ زَبِيبًا، أَوْ رُطَبًا فَأَصْبَحَ تَمْرًا، فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ اسْتِرْدَادِ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَبَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ قِيمَتَهُ.
وَإِذَا تَغَيَّرَ وَصْفُ الْمَغْصُوبِ بِفِعْل الْغَاصِبِ مِنْ طَرِيقِ الإِْضَافَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ، كَمَا لَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ، أَوْ خُلِطَ الدَّقِيقُ بِسَمْنٍ، أَوْ اخْتَلَطَ الْمَغْصُوبُ بِمِلْكِ الْغَاصِبِ بِحَيْثُ يُمْتَنَعُ تَمْيِيزُهُ، كَخَلْطِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ، أَوْ يُمْكِنُ بِحَرَجٍ، كَخَلْطِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، فَيَجِبُ إِعْطَاءُ الْخِيَارِ لِلْمَالِكِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ قَبْل تَغْيِيرِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَى الْغَاصِبَ قِيمَةَ الزِّيَادَةِ، مِثْلَمَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ فِي التَّخْيِيرِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا، كَقِصَارَةٍ لِثَوْبٍ وَخِيَاطَةٍ بِخَيْطٍ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا لِتَعَدِّيهِ بِعَمَلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّ الْمَغْصُوبِ كَمَا كَانَ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَيَأْخُذُهُ بِحَالِهِ وَأَرْشِ
__________
(1) البدائع 7 / 160 وما بعدها، الدر المختار 5 / 134 - 138، تبيين الحقائق 5 / 226، 229، اللباب مع الكتاب 2 / 191، 193، تكملة فتح القدير 7 / 375، 284، الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 454، الشرح الصغير 3 / 600.

النَّقْصِ إِنْ نَقَصَ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَيْنًا كَبِنَاءٍ كُلِّفَ الْقَلْعَ وَأَرْشَ النَّقْصِ إِنْ كَانَ، وَإِعَادَةَ الْمَغْصُوبِ كَمَا كَانَ، وَأُجْرَةَ الْمِثْل إِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَإِنْ صَبَغَ الْغَاصِبُ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ بِصَبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ بِالصَّبْغِ وَلَمْ تَنْقُصْ فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ لَزِمَهُ الأَْرْشُ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ اشْتَرَكَ فِيهِ أَثْلاَثًا: ثُلُثَاهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَثُلُثُهُ لِلْغَاصِبِ. (1)
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَالشَّافِعِيَّةِ إِجْمَالاً، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِ الصَّبْغِ مِنَ الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِتْلاَفًا لِمِلْكِهِ وَهُوَ الصَّبْغُ، وَإِنْ حَدَثَ نَقْصٌ ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ؛ لأَِنَّهُ حَصَل بِتَعَدِّيهِ. فَضَمِنَهُ كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ، وَإِنْ حَصَلَتْ زِيَادَةٌ، فَالْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَلِكَيْهِمَا، فَيُبَاعُ الشَّيْءُ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ.
وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا غَصَبَ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ بِمَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْهُ، كَحِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ أَوْ سِمْسِمٍ، أَوْ صِغَارِ الْحَبِّ بِكِبَارِهِ، أَوْ زَبِيبٍ أَسْوَدَ بِأَحْمَرَ، لَزِمَهُ تَمْيِيزُهُ
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 291 وما بعدها.

وَرَدُّهُ وَأَجْرُ الْمُمَيَّزِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُ جَمِيعِهِ وَجَبَ تَمْيِيزُهُ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ شَقَّ وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهُ فَهُوَ كَالتَّالِفِ، وَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ: الْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةَ فِي الْقِيَمِيِّ. (1)
وَالْخُلاَصَةُ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ، وَعَلَى حَقِّ الْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَقَدْ تَتَغَيَّرُ ذَاتُ الْمَغْصُوبِ وَاسْمُهُ بِفِعْل الْغَاصِبِ، بِحَيْثُ زَال أَكْثَرُ مَنَافِعِهِ الْمَقْصُودَةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا دَقِيقًا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ نُحَاسًا فَاتَّخَذَهُ آنِيَةً، فَإِنَّهُ يَزُول مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنِ الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ: الْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ، وَلَكِنْ لاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهُ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّ فِي إِبَاحَةِ الاِنْتِفَاعِ بَعْدَ ارْتِضَاءِ الْمَالِكِ بِأَدَاءِ الْبَدَل أَوْ إِبْرَائِهِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نُقْصَانًا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ، كَأَنْ كَانَ ثَوْبًا
__________
(1) كشاف القناع 4 / 94 - 95 وما بعدها، المغني 5 / 266 وما بعدها، المغني والشرح الكبير 5 / 429 - 431.

فَتَمَزَّقَ، أَوْ إِنَاءً فَانْكَسَرَ، أَوْ شَاةً فَذُبِحَتْ، أَوْ طَعَامًا فَطُحِنَ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَرَدَّ مَعَهُ أَرْشَ مَا نَقَصَ؛ لأَِنَّهُ نُقْصَانُ عَيْنٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، نَقَصَتْ بِهِ الْقِيمَةُ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ.
فَإِنْ تَرَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - لَمْ يَزُل مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَيَأْخُذُهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ إِنْ نَقَصَ، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَتِهِ. (1)

هـ - نُقْصَانُ الْمَغْصُوبِ:
27 - قَال الْجُمْهُورُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ نَقْصَ الْمَغْصُوبِ بِسَبَبِ هُبُوطِ الأَْسْعَارِ؛ لأَِنَّ النَّقْصَ كَانَ بِسَبَبِ فُتُورِ رَغَبَاتِ النَّاسِ، وَهِيَ لاَ تُقَابَل بِشَيْءٍ، وَالْمَغْصُوبُ لَمْ تَنْقُصْ عَيْنُهُ وَلاَ صِفَتُهُ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فِي السُّوقِ فِي غَصْبِ الذَّوَاتِ، أَمَّا التَّعَدِّي فَيَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، فَلِلْمَالِكِ إِلْزَامُ الْغَاصِبِ قِيمَةَ الشَّيْءِ إِنْ تَغَيَّرَ سُوقُهَا عَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّعَدِّي، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَ شَيْئِهِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُتَعَدِّي.
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 148، 149، الشرح الصغير 3 / 591 وما بعدها، المهذب 1 / 376، المغني 5 / 263.

وَأَمَّا النَّقْصُ الْحَاصِل فِي ذَاتِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي صِفَتِهِ. فَيَكُونُ مَضْمُونًا سَوَاءٌ حَصَل النَّقْصُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل الْغَاصِبِ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ النَّقْصُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا كَمَا هُوَ، أَوْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ كُلِّهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَلاَ يَأْخُذُ قِيمَةَ النَّقْصِ وَحْدَهَا. وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ، أَوْ يَأْخُذَهُ مَعَ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، أَيْ يَأْخُذُ قِيمَةَ النَّقْصِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَوْمَ الْغَصْبِ عِنْدَ سَحْنُونٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَشْهَبُ بَيْنَ نَقْصٍ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَجِنَايَةِ الْغَاصِبِ. (1)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَحْوَالاً أَرْبَعَةً لِنَقْصِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَجَعَلُوا لِكُل حَالَةٍ فِي الضَّمَانِ حُكْمًا، وَهِيَ مَا يَأْتِي:
__________
(1) بداية المجتهد 2 / 312 وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 452 وما بعدها، القوانين الفقهية ص 331، مغني المحتاج 2 / 286، 288، المهذب 1 / 369، كشاف القناع 4 / 99 وما بعدها، المغني 5 / 262 - 263، المغني والشرح الكبير 5 / 400.

الأُْولَى - أَنْ يَحْدُثَ النَّقْصُ بِسَبَبِ هُبُوطِ الأَْسْعَارِ فِي الأَْسْوَاقِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ مَضْمُونًا إِذَا رَدَّ الْعَيْنَ إِلَى مَكَانِ الْغَصْبِ؛ لأَِنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ لَيْسَ نَقْصًا مَادِّيًّا فِي الْمَغْصُوبِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنَ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ فُتُورِ الرَّغَبَاتِ الَّتِي تَتَأَثَّرُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا.
الثَّانِيَةُ - أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ بِسَبَبِ فَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، كَضَعْفِ الْحَيَوَانِ، وَزَوَال سَمْعِهِ أَوْ بَصَرِهِ، أَوْ طُرُوءِ الشَّلَل أَوِ الْعَرَجِ أَوِ الْعَوَرِ، أَوْ سُقُوطِ عُضْوٍ مِنَ الأَْعْضَاءِ، فَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي غَيْرِ مَال الرِّبَا، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ؛ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى حَالِهَا.
فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ أَمْوَال الرِّبَا، كَتَعَفُّنِ الْحِنْطَةِ، وَكَسْرِ إِنَاءِ الْفِضَّةِ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ إِلاَّ أَخْذُ الْمَغْصُوبِ بِذَاتِهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ بِسَبَبِ النُّقْصَانِ؛ لأَِنَّ الرِّبَوِيَّاتِ لاَ يُجِيزُونَ فِيهَا ضَمَانَ النُّقْصَانِ، مَعَ اسْتِرْدَادِ الأَْصْل؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا.
الثَّالِثَةُ - أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ بِسَبَبِ فَوَاتِ مَعْنًى مَرْغُوبٍ فِيهِ فِي الْعَيْنِ، مِثْل الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ الشَّبَابِ، وَالْهَرَبِ، وَنِسْيَانِ الْحِرْفَةِ، فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي كُل الأَْحْوَال.

لَكِنْ إِنْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا، كَالْخَرْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ سِوَى تَضْمِينِ الْغَاصِبِ مِقْدَارَ النُّقْصَانِ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ بِذَاتِهَا.
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ فَاحِشًا كَالْخَرْقِ الْكَبِيرِ فِي الثَّوْبِ بِحَيْثُ يُبْطِل عَامَّةَ مَنَافِعِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهِ وَتَضْمِينِهِ النُّقْصَانَ لِتَعَيُّبِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ وَأَخْذِ جَمِيعِ قِيمَتِهِ؛ لأَِنَّهُ أَصْبَحَ مُسْتَهْلِكًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ. (1)
وَالصَّحِيحُ فِي ضَابِطِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ، هُوَ أَنَّ الْيَسِيرَ: مَا لاَ يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُل فِيهِ نُقْصَانٌ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَالْفَاحِشُ: مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَجِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، وَيَبْقَى بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ. (2)
وَقَدَّرَتِ الْمَجَلَّةُ (م 900) الْيَسِيرَ: بِمَا لَمْ يَكُنْ بَالِغًا رُبُعَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَالْفَاحِشَ: بِمَا سَاوَى رُبُعَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ أَزْيَدَ.
وَإِذَا وَجَبَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، قُوِّمَتْ
__________
(1) البدائع 7 / 155، تبيين الحقائق 5 / 228 وما بعدها، تكملة الفتح 7 / 382، رد المحتار لابن عابدين 5 / 132، اللباب شرح الكتاب 2 / 190.
(2) تبيين الحقائق 5 / 229، تكملة فتح القدير 7 / 383، رد المحتار 5 / 136.

الْعَيْنُ صَحِيحَةً يَوْمَ غَصْبِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمُ نَاقِصَةً، فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا كَانَ الْعَقَارُ مَغْصُوبًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ تُضْمَنْ عَيْنُهُ بِهَلاَكِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ النَّقْصَ الطَّارِئَ بِفِعْل الْغَاصِبِ أَوْ بِسُكْنَاهُ أَوْ بِسَبَبِ زِرَاعَةِ الأَْرْضِ مَضْمُونٌ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ وَتَعَدٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ. (1)

اخْتِلاَفُ الْغَاصِبِ وَالْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ وَالْمَغْصُوبِ:
28 - إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي أَصْل الْغَصْبِ وَأَحْوَال الْمَغْصُوبِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، بِأَنْ قَال الْغَاصِبُ: قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَقَال الْمَالِكُ: اثْنَا عَشَرَ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى الْمَالِكِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَكْثَرُ مِمَّا قَالَهُ الْغَاصِبُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ سُمِعَتْ، وَكُلِّفَ الْغَاصِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا قَالَهُ إِلَى حَدٍّ لاَ تَقْطَعُ الْبَيِّنَةُ بِالزِّيَادَةِ
__________
(1) تبيين الحقائق 5 / 229، تكملة فتح القدير 7 / 369، المجلة (م 905) .

عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِ الْمَغْصُوبِ، فَقَال الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: هُوَ بَاقٍ، وَقَال الْغَاصِبُ: تَلِفَ، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّلَفِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي صِنَاعَةٍ فِيهِ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ عَلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ، فَقَال الْغَاصِبُ: رَدَدْتُهُ، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ، وَهُوَ عَدَمُ الرَّدِّ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ فِي الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ، بِأَنْ قَال الْغَاصِبُ: كَانَ مَرِيضًا أَوْ أَعْمَى مَثَلاً، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ (1) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْغَاصِبُ: هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدَيَّ، أَيْ قَضَاءً وَقَدَرًا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْغَاصِبِ، فَالْقَاضِي يَحْبِسُ الْغَاصِبَ مُدَّةً يَظْهَرُ فِيهَا الْمَغْصُوبُ عَادَةً لَوْ كَانَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ؛
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 287، المهذب 1 / 376، المغني 5 / 295، كشاف القناع 4 / 114، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 438.

لأَِنَّ الْحُكْمَ الأَْصْلِيَّ لِلْغَصْبِ هُوَ وُجُوبُ رَدِّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَهِيَ بَدَلٌ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْعَجْزُ عَنِ الأَْصْل، لاَ يَقْضِي بِالْقِيمَةِ الَّتِي هِيَ خَلَفٌ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فِي أَصْل الْغَصْبِ، أَوْ فِي جِنْسِ الْمَغْصُوبِ وَنَوْعِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَهُوَ يُنْكِرُ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.
وَلَوِ ادَّعَى الْغَاصِبُ رَدَّ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَيْبَ فِي الْمَغْصُوبِ، فَلاَ يُصَدَّقُ الْغَاصِبُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَلَوْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، فَأَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ أَوِ السَّيَّارَةَ مَثَلاً تَلِفَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ رُكُوبِهِ، وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ فَتُقْبَل بَيِّنَةُ الْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ؛ لأَِنَّ بَيِّنَةَ الْغَاصِبِ لاَ تَدْفَعُ بَيِّنَةَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ رَدَّهَا، ثُمَّ غَصَبَهَا ثَانِيًا وَرَكِبَهَا، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ.

وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَ الدَّابَّةَ وَنَفَقَتْ عِنْدَهُ. وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَيْهِ وَأَنَّهَا نَفَقَتْ عِنْدَهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّ شُهُودَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَال، لِمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ وَمَا عَلِمُوا بِالرَّدِّ، فَبَنَوُا الأَْمْرَ عَلَى ظَاهِرِ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إِلَى وَقْتِ الْهَلاَكِ، وَشُهُودُ الْغَاصِبِ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ بِالرَّدِّ حَقِيقَةَ الأَْمْرِ وَهُوَ الرَّدُّ؛ لأَِنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ، فَكَانَتِ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى الرَّدِّ أَوْلَى.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ. (1)
وَرَأَى الْمَالِكِيَّةُ مَا رَآهُ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي دَعْوَى تَلَفِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ الْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ أَشْبَهَ فِي دَعْوَاهُ، سَوَاءٌ أَشْبَهَ رَبَّهُ أَمْ لاَ، فَإِنْ كَانَ قَوْل الْغَاصِبِ لَمْ يُشْبِهْ فَالْقَوْل لِرَبِّهِ بِيَمِينِهِ. (2)
__________
(1) البدائع 7 / 163 وما بعدها، تكملة الفتح 7 / 387، اللباب مع الكتاب 2 / 194.
(2) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 456، الشرح الصغير 3 / 601، 602 وما بعدها، القوانين الفقهية ص331.

ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْغَاصِبُ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ:
29 - قَدْ يَتَصَرَّفُ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الإِْيدَاعِ، عِلْمًا بِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَرَامٌ، فَيَهْلَكُ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْمُتَصَرِّفِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَحْدُثُ تَكْرَارُ الْغَصْبِ، فَيَغْصِبُ الشَّيْءَ غَاصِبٌ آخَرُ فَمَنِ الضَّامِنُ لِلْمَغْصُوبِ حِينَئِذٍ؟
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ إِذَا تَصَرَّفَ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ الأَْوَّل، أَوِ الْمُرْتَهِنِ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوِ الْمُسْتَعِيرِ، أَوِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ. أَوِ الْوَدِيعِ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الأَْوَّل، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ أَوِ الْمُسْتَأْجِرُ أَوِ الْوَدِيعُ أَوِ الْمُشْتَرِي، رَجَعُوا عَلَى الْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ؛ لأَِنَّهُمْ عَمِلُوا لَهُ، وَالْمُشْتَرِي إِذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْغَاصِبِ الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ ضَامِنٌ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ كَرَدِّ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْغَاصِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً الْغَصْبَ؛

لأَِنَّهُ يَعْمَل فِي الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ. (1)
وَإِذَا غَصَبَ شَخْصٌ شَيْئًا مِنْ آخَرَ، فَجَاءَ غَيْرُهُ وَغَصَبَهُ مِنْهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ الأَْوَّل؛ لِوُجُودِ فِعْل الْغَصْبِ مِنْهُ، وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ الثَّانِيَ أَوِ الْمُتْلِفَ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْغَصْبِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ الثَّانِي أَزَال يَدَ الْغَاصِبِ الأَْوَّل الَّذِي هُوَ بِحُكْمِ الْمَالِكِ فِي أَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِ (أَيْ عَلَى الْمَالِكِ) وَلأَِنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْجَهْل غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلضَّمَانِ؛ وَلأَِنَّ الْمُتْلِفَ أَتْلَفَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ فَضَمِنَهُ بِفِعْل نَفْسِهِ.
فَإِنِ اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الأَْوَّل، وَكَانَ هَلاَكُ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ الثَّانِي، رَجَعَ الْغَاصِبُ الأَْوَّل بِالضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ بِدَفْعِهِ قِيمَةَ الضَّمَانِ مَلَكَ الشَّيْءَ الْمَضْمُونَ (أَيِ الْمَغْصُوبَ) مِنْ وَقْتِ غَصْبِهِ، فَكَانَ الثَّانِي غَاصِبًا لِمِلْكِ الأَْوَّل.
وَإِنِ اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي أَوِ الْمُتْلِفِ، لاَ يَرْجِعُ هَذَا بِالضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَمِنَ
__________
(1) رد المحتار 5 / 139.

فِعْل نَفْسِهِ، وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ أَوِ اسْتِهْلاَكِهِ وَإِتْلاَفِهِ.
وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ الضَّمَانِ مِنْ شَخْصٍ، وَبَعْضَهُ الآْخَرَ مِنَ الشَّخْصِ الآْخَرِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ مَبْدَأِ تَخْيِيرِ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَوْقُوفَ الْمَغْصُوبَ إِذَا غُصِبَ، وَكَانَ الْغَاصِبُ الثَّانِي أَمْلأََ مِنَ الأَْوَّل، فَإِنَّ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ يُضَمِّنُ الثَّانِيَ وَحْدَهُ. (1)
وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَالِكَ مَتَى اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي يَبْرَأُ الآْخَرُ عَنِ الضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الاِخْتِيَارِ، فَلَوْ أَرَادَ تَضْمِينَهُ بَعْدَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا رَدَّ الْغَاصِبُ الثَّانِي الْمَغْصُوبَ عَلَى الأَْوَّل بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، وَإِذَا رَدَّهُ إِلَى الْمَالِكِ بَرِئَ الاِثْنَانِ. (2)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إِذَا رُفِعَتْ لَهُ حَادِثَةُ الْغَصْبِ أَنْ يَمْنَعَ الْغَاصِبُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال الْمِثْلِيِّ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَتَوَثَّقَ بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ (أَيْ كَفِيلٍ) ، وَإِذَا غَصَبَ الْمَغْصُوبَ شَخْصٌ آخَرُ
__________
(1) البدائع 7 / 144، 146، الأشباه مع الحموي 2 / 96 وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار 5 / 126 وما بعدها، الشرح الكبير للدردير 3 / 457، مغني المحتاج 2 / 279، فتح العزيز شرح الوجيز 11 / 252، المغني 5 / 252، المجلة (م 910) .
(2) الدر المختار 5 / 138، المجلة (م 910) .

ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ آكِل الْمَغْصُوبِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْغَصْبِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لأَِنَّهُ بِعِلْمِهِ بِالْغَصْبِ صَارَ غَاصِبًا حُكْمًا مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ، وَبِأَكْلِهِ الْمَغْصُوبَ يُصْبِحُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَوَارِثُهُ وَمَوْهُوبُ الْغَاصِبِ كَالْغَاصِبِ إِنْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ، فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ وَالْقِيَمِيِّ بِقِيمَتِهِ، وَيَضْمَنُونَ الْغَلَّةَ وَالْحَادِثَ السَّمَاوِيَّ؛ لأَِنَّهُمْ غُصَّابٌ بِعِلْمِهِمْ بِالْغَصْبِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُتْبِعَ بِالضَّمَانِ أَيَّهُمَا شَاءَ. (1)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْيْدِيَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِل صَاحِبُهَا الْغَصْبَ؛ لأَِنَّ وَاضِعَ الْيَدِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْجَهْل لَيْسَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ، بَل يُسْقِطُ الإِْثْمَ فَقَطْ، فَيُطَالِبُ الْمَالِكُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، لَكِنْ لاَ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الآْخِذِ مِنَ الْغَاصِبِ إِلاَّ بِعِلْمِهِ بِالْغَصْبِ، حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْغَصْبِ، أَوْ إِنْ جَهِل بِهِ وَكَانَتْ يَدُ الْوَاضِعِ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ، كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمُقْتَرِضِ وَالسَّائِمِ؛ لأَِنَّهُ تَعَامَل مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى الضَّمَانِ، فَلَمْ يَغُرَّهُ.
__________
(1) الشرح الصغير 3 / 585، 590، 602.

أَمَّا إِنْ جَهِل الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ بِالْغَصْبِ، وَكَانَتْ يَدُهُ يَدَ أَمَانَةٍ بِلاَ اتِّهَابٍ، كَوَدِيعٍ وَشَرِيكٍ مُضَارِبٍ، فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ دُونَ الآْخِذِ؛ لأَِنَّهُ تَعَامَل مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ بَل يَدَ أَمَانَةٍ، إِلاَّ أَنَّ أَخْذَهُ الشَّيْءَ لِلتَّمَلُّكِ. (1)
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ حَرَامٌ وَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ عَمِل عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (2) أَيْ مَرْدُودٌ، وَتَكُونُ الأَْرْبَاحُ لِلْمَالِكِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّ الشَّخْصَيْنِ شَاءَ: الْغَاصِبِ أَوِ الْمُتَصَرِّفِ لَهُ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ حَال بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ (الضَّامِنَةَ) عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُتَصَرِّفُ لَهُ فَلأَِنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا كَانَ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْغَصْبِ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ بِالْغَصْبِ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ،
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 279، السراج الوهاج ص267.
(2) حديث: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 301) ومسلم (3 / 1344) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.

وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا رَدَّ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ الشَّيْءَ إِلَى الْغَاصِبِ بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ.
وَأَمَّا غَاصِبُ الْغَاصِبِ فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ كَالْغَاصِبِ الأَْوَّل، وَمَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالآْكِل أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَبَضَهُ عَنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنْ كَانَ الآْكِل عَالِمًا بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَإِذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الآْكِل لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الآْكِل بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الآْكِل فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهِيَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ غَرَّ الآْكِل وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُهُ. (1)

تَمَلُّكُ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ بِالضَّمَانِ:
30 - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ فِي تَمَلُّكِ الْغَاصِبِ
__________
(1) المغني والشرح الكبير 5 / 413 - 419، كشاف القناع 4 / 120 وما بعدها، القواعد لابن رجب ص 217.

الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِالضَّمَانِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بَعْدَ ضَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ حُدُوثِ الْغَصْبِ، حَتَّى لاَ يَجْتَمِعَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَالِكُ، وَيَنْتِجُ عَنِ التَّمَلُّكِ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ قَبْل أَدَاءِ الضَّمَانِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، كَمَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ شَخْصٌ عَيْنًا فَعَيَّبَهَا، فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا، مَلَكَهَا الْغَاصِبُ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْبَدَل كُلَّهُ، وَالْمُبْدَل قَابِلٌ لِلنَّقْل، فَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ؛ لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ الْبَدَلاَنِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ لاَ يَحِل فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ، بِأَنْ يَأْكُلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُطْعِمَهُ غَيْرَهُ قَبْل أَدَاءِ الضَّمَانِ، وَإِذَا حَصَل فِيهِ فَضْلٌ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل اسْتِحْسَانًا، وَغَلَّةُ الْمَغْصُوبِ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ إِرْكَابِ سَيَّارَةٍ مَثَلاً لاَ تَطِيبُ لَهُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبِحِ الاِنْتِفَاعَ بِالْمَغْصُوبِ قَبْل إِرْضَاءِ الْمَالِكِ، لِمَا فِي حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الأَْنْصَارِ: أَنَّ امْرَأَةً دَعَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَال: أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ أَرْسِل إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْعِمِيهِ الأُْسَارَى. (1)
فَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الاِنْتِفَاعَ بِهَا، مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا؛ وَلَوْ كَانَتْ حَلاَلاً لأََطْلَقَ لَهُمْ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: يَحِل لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ بِالضَّمَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْل إِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ؛ لأَِنَّ الْمَغْصُوبَ مَمْلُوكٌ لِلْغَاصِبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ، عَمَلاً بِالْقَاعِدَةِ: " الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ " فَتَطِيبُ بِنَاءً عَلَيْهِ غَلَّةُ الْمَغْصُوبِ لِلْغَاصِبِ. (2)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ إِنِ اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ وَرِثَهُ عَنْهُ، أَوْ غَرِمَ
__________
(1) حديث رجل من الأنصار أن امرأة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه أبو داود (3 / 627 - 628) وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير (2 / 127) .
(2) بدائع الصنائع 7 / 152 وما بعدها.

لَهُ قِيمَتَهُ بِسَبَبِ التَّلَفِ أَوِ الضَّيَاعِ أَوِ النَّقْصِ أَوْ نَقَصَ فِي ذَاتِهِ، لَكِنْ يُمْنَعُ الْغَاصِبُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَغْصُوبِ بِرَهْنٍ أَوْ كَفَالَةٍ خَشْيَةَ ضَيَاعِ حَقِّ الْمَالِكِ، وَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ قَبُولُهُ وَلاَ الأَْكْل مِنْهُ وَلاَ السُّكْنَى فِيهِ، مِثْل أَيِّ شَيْءٍ حَرَامٍ. أَمَّا إِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ (فَاتَ عِنْدَهُ) فَالأَْرْجَحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ. فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِجَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْ لَحْمِ الأَْغْنَامِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا بَاعَهَا الْغَاصِبُ لِلْجَزَّارَيْنِ، فَذَبَحُوهَا؛ لأَِنَّهُ بِذَبْحِهَا تَرَتَّبَتِ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمَنِ اتَّقَاهُ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَتَمَلَّكُ بِالضَّمَانِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ ذَهَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِيمَةِ لأَِنَّهُ حِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَوَجَبَ لَهُ الْبَدَل كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَال، وَإِذَا قَبَضَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَدَل مَلَكَهُ لأَِنَّهُ بَدَل مَالِهِ فَمِلْكُهُ كَبَدَل التَّالِفِ، وَلاَ يَمْلِكُ
__________
(1) الشرح الكبير 3 / 445 وما بعدها، الشرح الصغير 3 / 601.

الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِالْبَيْعِ، فَلاَ يُمْلَكُ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ. فَإِنْ رَجَعَ الْمَغْصُوبُ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِذَا رَدَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ رَدُّ الْبَدَل؛ لأَِنَّهُ مَلَكَهُ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ زَالَتِ الْحَيْلُولَةُ فَوَجَبَ الرَّدُّ. (1)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْبَيْعِ لِغَيْرِهِ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالتَّضْمِينِ، كَالشَّيْءِ التَّالِفِ لاَ يَمْلِكُهُ بِالإِْتْلاَفِ؛ وَلأَِنَّهُ غَرِمَ مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْقِيمَةَ لأَِجْل الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، لاَ عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ، وَلِهَذَا إِذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَيْهِ، رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ. (2)

نَفَقَةُ الْمَغْصُوبِ:
31 - قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا أَنْفَقَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، كَعَلَفِ الدَّابَّةِ، وَسَقْيِ الأَْرْضِ وَعِلاَجِهَا وَخِدْمَةِ شَجَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ
__________
(1) المهذب 1 / 368، ومغني المحتاج 2 / 277، 279.
(2) كشاف القناع 5 / 276 - 253، المغني والشرح الكبير 5 / 417.

مِمَّا لاَ بُدَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، يَكُونُ فِي نَظِيرِ الْغَلَّةِ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا الْغَاصِبُ مِنْ يَدِ الْمَغْصُوبِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ ظُلِمَ لاَ يَظْلِمُ. فَإِنْ تَسَاوَتِ النَّفَقَةُ مَعَ الْغَلَّةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ زَادَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَلَّةِ، فَلاَ رُجُوعَ لِلْغَاصِبِ بِالزَّائِدِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ غَلَّةَ لِلْمَغْصُوبِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ لِظُلْمِهِ، وَإِنْ زَادَتِ الْغَلَّةُ عَلَى النَّفَقَةِ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِزَائِدِهَا. (1)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَرَعَ الْغَاصِبُ الأَْرْضَ الْمَغْصُوبَةَ وَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَيُخَيَّرُ مَالِكُ الأَْرْضِ بَيْنَ تَرْكِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِنَفَقَتِهِ، (2) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ (3) .
__________
(1) الشرح الصغير 3 / 598.
(2) المغني والشرح الكبير 5 / 392.
(3) حديث: " من زرع في أرض قوم من غير إذنهم. . . ". تقدم تخريجه ف / 22.

* حكم الغصب:
الغصب حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ من غيره شيئاً مهما كان إلا بطيبة من نفسه.
1 - قال الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة/188).
2 - عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)). متفق عليه (¬1).
* إذا غصب أرضاً فغرسها أو بنى فيها لزمه القلع وإزالة البناء وضمان النقص والتسوية إن طالبه المالك بذلك، وإن تراضيا على القيمة جاز.
* إذا زرع الغاصب الأرض وردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرة
الأرض لمالكها، وإن كان الزرع قائماً فيها، خُيِّر ربها بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، وبين أخذه بنفقته.
* يجب على الغاصب رد ما غصبه على صاحبه ولو غرم أضعافه لأنه حق غيره فوجب رده، وإن اتجر في المغصوب فالربح بينهما مناصفة، وإن كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب رده وأجرة مثله مدة بقائه في يده.
* إذا نسج الغاصب الغزل أو قصر الثوب أو نجر الخشب ونحو ذلك لزمه رده لمالكه وأرش نقصه ولا شيء للغاصب.
* إذا خلط الغاصب ما أخذه بما لا يتميز كزيت بمثله، أو أرز بمثله ونحوهما، فإن لم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما، وإن نقصت ضمنها الغاصب، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه.
* ما تلف أو تعيب من مغصوب مثلي غرم مثله، وإلا يكن مثلي فقيمته يوم تعذر المثل.
* تصرفات الغاصب من بيع ونكاح وحج ونحو ذلك موقوفة على إجازة المالك، فإن أجازها وإلا بطلت.
* القول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قول الغاصب مع يمينه ما لم تكن بينة للمالك، والقول في رده وعدم عيبه قول المالك ما لم تكن بينة.
* إذا فتح قفصاً أو باباً أو حل وكاءً أو رباطاً أو قيداً فذهب ما فيه أو تلف ضمنه، سواء كان مكلفاً أو غير مكلف؛ لأنه فوّته عليه.
* إذا أتلفت البهائم شيئاً من الزروع ونحوها ليلاً ضمنه صاحبها؛ لأن عليه حفظها ليلاً، وما أتلفته نهاراً لم يضمنه؛ لأن على أهل المزارع حفظها نهاراً إلا إن فرط صاحبها فيضمن ما أتلفته.
* من اقتنى كلباً عقوراً أو أسداً أو ذئباً فأطلقه، أو طيراً جارحاً فأتلف شيئاً ضمنه.
* إذا أراد رد المغصوب وجهل صاحبه سلمه الحاكم إن كان عدلاً، أو تصدق به عنه، ويضمنه إن لم يجزه صاحبه فيما بعد.
* إذا كانت بيد الغاصب أموال مغصوبة، وسرقات، وأمانات، وودائع للناس، ورهون ونحوها، ولم يعرف أصحابها فله الصدقة بها، وله صرفها في مصالح المسلمين ويبرأ من عهدتها.
* من كسب مالاً حراماً كثمن خمر ثم تاب، فإن كان لم يعلم بالتحريم ثم علم جاز له أكله، وإن كان يعلم بالتحريم ثم تاب فإنه يتخلص منه فينفقه في وجوه البر ولا يأكله.
* لا ضمان في إتلاف آلات اللهو، والصلبان، وأواني الخمر، وكتب الضلال والمجون، وآلات السحر ونحوها؛ لأنها محرمة لا يجوز بيعها، لكن يكون إتلافها بأمر الحاكم ورقابته؛ ضماناً للمصلحة، ودفعاً للمفسدة.
* من أجج ناراً بملكه فتعدت إلى ملك غيره بتفريطه فأتلفت شيئاً ضمنه، لا إن طرأت ريح فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس من فعله ولا بتفريطه.
* البهائم إذا اعترضت الطرق العامة المعبدة بالإسفلت ونحوه فضربتها سيارة فهلكت فهي هدر لا ضمان على من أتلفها إن لم يفرط أو يتعد، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها.
* يحرم على الغاصب الانتفاع بالمغصوب ويجب عليه رده، وكذا سائر المظالم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه)). أخرجه البخاري (¬2).
* يجوز للإنسان الدفاع عن نفسه وماله إذا قصده آخر لقتله، أو أخذ ماله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه مالك)) قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله)) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((هو في النار)). أخرجه مسلم (¬3).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3198)، واللفظ له، ومسلم برقم (1610).
(¬2) أخرجه البخاري برقم (2449).
(¬3) أخرجه مسلم برقم (140).
21 - الغصب
- الغصب: هو الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق.
- أقسام الظلم:
ينقسم الظلم إلى ثلاثة أقسام:
1 - ظلم لا يغفره الله وهو الشرك.
2 - ظلم يغفره الله وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه.
3 - ظلم لا يتركه الله وهو ظلم الخلق بعضهم لبعض.
- أنواع الجناية:
الجناية في الأصل نوعان:
الأول: الجناية على الآدمي.
الثاني: جناية على البهائم والجمادات من عقار ومنقول.
- الأيدي التي تضمن النفوس والأموال:
الأيدي التي تضمن النفوس والأموال ثلاث:
الأولى: اليد المتعدية: وهي كل من وضع يده على مال غيره ظلماً.
الثانية: اليد المباشرة: فكل من أتلف لغيره نفساً أو مالاً بغير حق عمداً أو سهواً أو جهلاً فعليه ضمانه.
الثالثة: اليد المتسببة: فكل مَنْ فعل ما ليس له فِعْله في ملك غيره، أو في الطرق، أو تسبب لإتلافه بفعلٍ غير مأذون فيه، فتلف بسبب فعله ضمنه.
9 - الغصب
لغة: هو أخذ الشىء قهرا وظلما، فهو غاصب والاغتصاب مثله (1).

واصطلاحا: فقد عرفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنه: إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل فى المال (2).

وعرفه المالكية بأنه: أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة (3).

وعرفه الشافعية بأنه: الاستيلاء على حق الغير أى على وجه التعدى بغير حق (4). وعرفه الحنابلة بأنه: استيلاء على حق غيره من مال أو اختصاص قهرا بغير حق (5). والغصب حرام: إذا فعله الغاصب عن علّم، لأنه معصية، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب فقول الله تعالى:} يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم {(النساء: 29).

وأما السنة فمنها: قوله (صلى الله عليه وسلم): "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا " (6).

وقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه " (7).

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب، وإن لم يبلغ المغصوب نصاب سرقة.

ويلزم الغاصب الإثم إذا علم أنه مال الغير، ورد العين المغصوبة ما دامت قائمة وضمانها إذا هلكت (8).

يستحق الغاصب المؤاخذة فى الآخرة، إذا فعل الغصب عالما أن المغصوب مال الغير، لأن ذلك معصية، وارتكاب المعصية عمدا مُوجب للمؤاخذة، لقوله (صلى الله عليه وسلم): "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " (9). للمالك المغصوب منه حقوق تقابل ما يلزم الغاصب من الأحكام المذكورة وهى: رد عين المغصوب، والثمار والغلة، والتضمين وحق المالك المغصوب منه فى الهدم والقلع لما أحدثه الغاصب فى ملكه، والجمع بين أخذ القيمة والغلة.

وإذا تلف المغصوب فى يد الغاصب آو نقص أو أتلفه، أو حدث عيب مفسد فيه:

وجب على الغاصب ضمانه بأن يدفع للمالك المغصوب منه مثله إن كان من ذوات المثليات،

فإن لم يقدر الغاصب على المثل أو كان المال قيميا وجب عليه ضمان القيمة (10).

أ. د/ فرج السيد عنبر
__________
المراجع
1ـ المصباح المنير 2/ 448، التعريفات، للجرجانى ص 141.
2 - بدائع الصنائع 7/ 143.
3 - الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى 2/ 442، 459.
4 - السراج الوهاج للغمراوى شرح المنهاج ص 226، مغنى المحتاج 2/ 275.
5 - كشاف القناع 4/ 76.
6 - أخرجه البخارى فى كتاب: العلم" باب: ليبلغ الشاهد الغائب " فتح البارى بشرح صحيح البخارى 1/ 240.
7 - أخرجه الإمام أحمد فى المسند 5/ 72.
8 - مغنى المحتاج 2/ 277، بدائع الصنائع 7/ 48 1.
9 - أخرجه البخارى فى كتاب. المظالم والغصب "باب: إثم من ظلم شينا من الأرض " فتح البارى بشرح صحيح البخارى 5/ 123.
10 - تبيين الحقائق 5/ 333، بداية المجتهد 2/ 238، مغنى المحتاج 2/ 281كشاف القناع 4/ 106 وما بعدها.
لغة: أخذ الشيء من الغير على سبيل القهر والظلم بلا حرابة.
شرعا: أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده بلا خفية.
وهي مصدر: غصبه- بكسر الصاد- وقيل: اغتصبه أيضا، وغصبه منه وغصبه عليه والشيء غصب ومغصوب.
- الغصب لا يتحقق في الميتة لأنها ليست بمال، ولا في خمر المسم لأنها ليست بمتقومة محترمة، ولا في الحربي لأنه ليس بمحترم.
وقوله: «بغير إذن مالكه» : احترازا عن الوديعة.
وقوله: «خفية» : لتخرج السرقة.
قال ابن عرفة: الغصب: أخذ مال غير منفعة ظلما وقهرا لا بخوف قتال.
فائدة:
القدر المشترك بين الغصب والإتلاف:
تفويت المنفعة على المالك ويختلفان في أن الغصب لا يتحقق إلا بزوال يده أو تقصيرها. أما الإتلاف فقد يتحقق مع بقاء اليد. كما يختلفان في الآثار من حيث المشروعية، وترتب الضمان.
السرقة: أخذ النصاب من حرزه على استخفاء.
الحرابة: الاستيلاء على الشيء مع تعذر الفوت.
الخيانة: هي جحد ما ائتمن عليه.
الانتهاب: كالغصب إلا أنه يستخفى في أوله.
«المصباح المنير (غصب) ص 448، وتهذيب الأسماء واللغات 2/ 60، وتحرير التنبيه ص 210، والتوقيف ص 538، والمغرب 2/ 105، وشرح حدود ابن عرفة ص 466، والمطلع ص 274، ودستور العلماء 3/ 5، والتعريفات للجرجانى ص 141، وفتح الرحيم 3/ 119، والروض المربع ص 313، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 260، وفتح الوهاب 1/ 231، والموسوعة الفقهية 1/ 217، 2/ 218، 24/ 294، 28/ 216».

الاسْتِيلاءُ على حَقٍّ مُحْتَرَمٍ لِغَيْرِه قَهْراً وعَلانِيَةً بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
Usurpation: "Ghasb": openly taking something unjustly and by force.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت