المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(أمريكة الشمالية) إِحْدَى قارات الدُّنْيَا السَّبع اكتشفت كأمريكة الجنوبية فِي نِهَايَة الْقرن الْخَامِس عشر وَهِي بَين المحيطين الأطلسي وَالْهَادِي وَفِي شماليها الْمُحِيط الجامد الشمالي وَهِي كَذَلِك على شكل مثلث كَبِير تَقْرِيبًا رَأسه إِلَى الْجنُوب وَتَقَع بَين خطي الْعرض 10 و 83 الشماليين وتمتد من المنطقة الحارة إِلَى المنطقة الجامدة الشمالية وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أمريكي شمَالي
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
جُمَالِيَة
من (ج م ل) مؤنث جُمَالِيّ. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
جَمَّاليَّة
من (ج م ل) مؤنث جَمَّالِي، والجمالية: مدينة بمحافظة الدقهلية بمصر وحي من أحياء القاهرة. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الصِّفَات الجمالية: مَا يتَعَلَّق باللطف وَالرَّحْمَة.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الصفات الجمالية: ما يتعلق بالرحمة واللطف.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
رَأْسِمَاليَّةالجذر: ر أ س
مثال: الرَّأْسِماليَّة مذهب اقتصادي حَديثالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم ورودها في المعاجم القديمة. الصواب والرتبة: -الرَّأْسِماليَّة مذهب اقتصادي حَديث [فصيحة] التعليق: جاء ضمن قرارات مجمع اللغة المصري أنه «إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء»، وقد اعتمد مجمع اللغة المصري على هذه الصيغة اعتمادًا كبيرًا لتكوين مصطلحات جديدة تعبِّر عن مفاهيم العلم الحديث، وكان قد انتهى فريق من العلماء واللغويين إلى وجود أصل لهذه الصيغة في لغة العرب، فقد جاء في القرآن الكريم «جاهليّة» و «رهبانيّة»، وجاء في الشعر والنثر الجاهليين كثير من الأمثلة، منها: «لصوصيّة» و «عبوديّة» و «حريّة» و «رجوليّة» و «خصوصيّة»، وقد انتهى هذا الفريق - بعد دراسة أجراها على المصادر الصناعية المستعملة حديثًا- إلى أنَّ المصدر الصناعي يصاغ من معظم أنواع الكلام العربيّ، فيصاغ من الأسماء المركبة كما في هذا المثال، وفي هذه الحالة يعامل معاملة المركب الإضافي فتكسر السين من الكلمة تخفيفًا، وهو ما وَرَد في الوسيط والأساسي. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الصفات الجمالية: ما يتعلق باللطف والرحمة.
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
جماعة يهودية وظيفية قتالية استيطانية (المرتزقة)
Jewish Military Settler Functional Group (Mercenaries) «الجماعة الوظيفية الاستيطانية» هي الجماعة البشرية التي تُستجلَب من خارج المجتمع أو تُجنَّد من داخله ثم تُنقَل من مكان إلى مكان آخر لتُوطَّن فيه بغرض أن تؤدي وظيفة محدَّدة ذات طابع قتالي عادةً، ولكن ليس ضرورياً أن تكون كذلك دائماً، فقد تكون ذات طابع زراعي أو تجاري، أو ذات طابع مُختلَط؛ زراعي قتالي، أو تجاري قتالي، أو زراعي تجاري، وهكذا. أما «الجماعة الوظيفية القتالية» فهي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بدور قتالي وحسب، فالجندي المرتزق هو الجندي الذي يُستجلَب من خارج المجتمع، أو يُجنَّد من داخله (عادةً من صفوف أقلية إثنية أو دينية معينة لها علاقة خاصة بالمجتمع) . وهو يقوم بالقتال من أجل المال بالدرجة الأولى، فالدوافع هنا يجب ألا تكون دوافع داخلية مركبة (الانتماء ـ حب الوطن ـ الانتقام) ، بل لابد أن يكون الدافع خارجياً بسيطاً وهو الربح المادي الذي يأخذ صورة أجر مادي عاجل ومباشر (راتب شهري) أو آجل (إقطاعية أو غيرها من العوائد المالية) . وكل من العنصر الاستيطاني والقتالي يشكل جماعة وظيفية، فهو عنصر متحرك غير منتم لا يدين بالولاء لأحد إلا لراعيه الذي يقوم بتمويله، وهو عنصر لا يُعرَّف من خلال سماته الإنسانية وإنما من خلال وظيفته، فهو وسيلة لا غاية، وأداة لا هدف، والمجتمع ينظر إليه من ناحية مدى نفعه ومدى احتياجه إليه، ويدخل معه في علاقة تعاقدية محايدة. والجندي المرتزق والمستوطن هما وسيلة من وسائل الإنتاج، أو بتعبير أدق إحدى أدوات الفتك التي تنظم علاقات الإنتاج وعملية توزيع الثروة لصالح من يسيطر على هذه الآلة أو الوسيلة. وعادةً ما يعيش الجنود المرتزقة، وكذلك أعضاء الجماعات الاستيطانية، على مقربة من أعضاء الأغلبية، ولكنهم مع هذا يظلون في عزلة عنهم فهم منبتو الصلة بالجماهير مرتبطون بالنخبة الحاكمة التي تسخرهم لمصلحتها، دون أن تخشى بأسهم أو تخاف من أن يقوموا بمحاولة المشاركة في السلطة أو القرار السياسي، فهم بلا قاعدة ولا شرعية ولا سلطات إلا ما يستمدونه من الراعي، وذلك على عكس المقاتلين من أعضاء الأغلبية، فهؤلاء عادةً ما يطالبون بنصيبهم في السلطة إن قويت شوكتهم، كما أنهم يستندون إلى قاعدة جماهيرية يستمدون منها الشرعية. وفي تقديرنا أن الجندي الذي يدافع عن وطنه ويتقاضى أجراً عن ذلك ليس بمرتزق، لأن دوافعه للقتال والاستيطان أكثر تركيباً من الجندي المرتزق، كما أنه أقل حركية لارتباطه بوطنه. والشيء نفسه ينطبق على المواطن الذي يرابط في مناطق حدودية دفاعاً عن الوطن، فهو مرتبط بوطنه ولا يتسم بأية حركية إلا في إطار رؤيته. وهنا يمكن أن تثار قضية الغارات التي يشنها البدو أو القراصنة على المدن والسفن من أجل الغنائم، أي من أجل الربح المادي، وهل يمكن اعتبارهم مرتزقة. ونحن نميل إلى عدم تصنيفهم كمرتزقة، فرغم وجود عنصر مشترك أساسي بين المرتزقة من جهة والبدو والقراصنة من جهة أخرى (الحركية والقتال من أجل المال) إلا أن هناك عنصراً أساسياً آخر غائباً في حالة الفريق الثاني وهو الراعي أو الحامي الذي يصدر الأوامر للعنصر المرتزق ويوجهه ويوظفه. ومن هنا تظهر مشكلة تصنيف المماليك، فقد تم استجلابهم كرقيق ليقاتلوا نظير أجر أو نظير التمتع بمستوى معيشي مرتفع. ولكنهم، بالتدريج، أصبحوا يقاتلون لصالح أنفسهم كجماعة إثنية مُستجلَبة مستقلة. ولتحديد الأمور، يمكننا أن نتخيل مُتصَلاً أحد أطرافه المجاهد الذي لا يقاتل إلا ابتغاء مرضاة الله والمقاتل الذي يموت من أجل الوطن أو العقيدة ولا يستهلك إلا ما يضمن له الاستمرار في الجهاد والقتال دون الحصول على أية مكاسب مادية، والطرف الآخر للمُتصَل هو المرتزق الذي لا يقاتل إلا ابتغاء الأجر، ويمكننا أن نضع بينهما الجندي الذي يدافع عن قضية ويأخذ أجراً ويحقق مكاسب مادية وطبقية تزيد عن حاجته، ثم نضع بعد ذلك المماليك بعد أن تحولوا إلى طبقة مقاتلة تقاتل من أجل زيادة مكاسبها وتدافع في الوقت نفسه عن الوطن (مصدر المكسب) . ويجيء بعد ذلك جماعات البدو والقراصنة الذين يشنون الغارات من أجل الربح، ثم يجيء أخيراً الجندي المرتزق. ويبدو أن كثيراً من المجتمعات (عبر التاريخ) نظرت إلى العبرانيين وإلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية استيطانية وقتالية. وهذا لا يعني أن سائر المجتمعات كانت تنظر إلى سائر العبرانيين وإلى الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان من هذا المنظور، كما لا يعني أنها كانت تنظر إلى اليهود فقط من هذا المنظور (إذ تُوجَد عناصر بشرية استيطانية وقتالية أخرى كاليونانيين على سبيل المثال) . ولا يعني هذا أيضاً أن اليهود بطبيعتهم مادة بشرية استيطانية وقتالية أو أن عندهم قابلية طبيعية ليصبحوا كذلك. فمن المعروف أن الغالبية الساحقة من العبرانيين ومن أعضاء الجماعات اليهودية لم تضطلع بأيٍّ من هاتين الوظيفتين. فالقضية، إذن، هي قضية مجموعة أو مجموعات من البشر عاشت تحت ظروف تاريخية اقتصادية وثقافية معيَّنة أدَّت إلى اضطلاع قطاعات منها بهذه الوظيفة. وما سنتناوله في هذا المدخل هو نمط تكرَّر بشكل لافت للنظر في عدد من المجتمعات في العالم القديم، ثم تكرَّر في بلاد الغرب بشكل أكثر وضوحاً في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، وترجم نفسه في نهاية الأمر إلى وعد بلفور ثم إلى الدولة الصهيونية في العصر الحديث. ولكن الطبيعة الاستيطانية والقتالية للدولة الصهيونية (التي نسميها «الدولة الوظيفية» ) ، وهيمنة هذه الدولة على أذهان الغالبية الساحقة ليهود العالم في الوقت الحالي، يُكسب هذا النمط أو النموذج أهمية غير عادية ويضفي علىه مركزية لم يكن يتمتع بها من قبل. ومن ثم يصبح من اللازم لنا اكتشاف جذوره وسُبُل تَشكُّله في ماضي العبرانيين والجماعات اليهودية. لقد تَعمَّق هذا الاتجاه بسبب مانسميه «المسألة العبرانية» ، أي قلة عدد العبرانيين وتَخلُّف المجتمع العبراني الحضاري والتكنولوجي والعسكري مع وجوده في واحد من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم. فلم يتمكن المجتمع العبراني من استيعاب الطاقات البشرية داخله، ومن ثم كان لابد من تصديرها. وإلى جانب هذا، كان هذا المجتمع عُرضة لغزوات جيوش الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تقوم بأسر أعداد كبيرة من العبرانيين ثم تُهجِّرهم إلى أماكن أخرى أو تُجنِّدهم في صفوفها. ويبدو أن العبرانيين القدامى كانوا من المرتزقة منذ بداية ظهورهم في التاريخ، فكلمة «عبراني» ذاتها تشير إلى العبد الذي أصبح كذلك برضاه وحوَّل نفسه إلى أداة في يد الآخر. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة «خابيرو» (التي يذهب البعض إلى أنها تعني العبرانيين) تعني «الجندي المرتزق» ، وأن الكلمة كانت تُطلَق على أية جماعات من الرحل أو الغرباء أو الأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ولكن يبدو أن الخابيرو، كانوا بدواً مرتزقة يغيرون لاستلاب الغنائم أو ربما جماعة كانت تنضم بشكل مؤقت لقوة محاربة نظامية أو غير نظامية من أجل تحقيق الربح. ولعل اشتراكهم مع الهكسوس في غزو مصر كان شيئاً من هذا القبيل. وعلى كل، ومهما كانت اشتقاقات الكلمة، فإن هناك مؤشرات عديدة على أن العبرانيين القدامى، مع استقرارهم في كنعان، كانوا يعملون كمرتزقة، كما أنهم حاربوا في صفوف الفلستيين كمرتزقة ضد بني جلدتهم. وقد قام الملك العبراني أمصيا) 769ـ 798 ق. م) ، تاسع ملوك المملكة العبرانية، بجمع جيش من المرتزقة من المملكة الشمالية وحاول إخضاع أدوم للهيمنة العبرانية. كما تم تجنيد العبرانيين كمرتزقة في جيوش مصر الفرعونية حينما بدأ ملوك المملكة الجنوبية مبادلة الأحصنة بالجنود. وفي الأسرة السادسة والعشرين استعان بهم بسماتيك الأول (663 ـ 605 ق. م) الذي كوَّن جيشاً من المرتزقة كان يضم في صفوفه يهوداً، وقام بسماتيك الثاني (594 ـ 589 ق. م) من بعده بتوطين جماعة استيطانية في جزيرة إلفنتاين. وحينما سقطت المملكة الجنوبية، فرت جماعات من العبرانيين إلى مصر واستقرت في أماكن معروفة بأن فيها حاميات عسكرية. ويُلاحَظ أن الدياسبورا هنا (أي انتشار اليهود في بقاع الأرض) مرتبطة بنشاطين متلازمين هما في واقع الأمر نشاط واحد: الاستيطان والقتال كمرتزقة. والانتشار لا علاقة له بتحطيم الهيكل كما يدَّعي الصهاينة. ومما يجدر ذكره أن التهجيرين، الآشوري والبابلي، لم يكن الهدف منهما تأديب العبرانيين وحسب وإنما نقلهم ليصبحوا جماعة وظيفية استيطانية، إذ تحوَّل المُهجَّرون إلى العمل بالزراعة والشئون المالية، وليس هناك ما يدل على تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية قتالية. وقد استخدم الفُرس العبرانيين كجماعة استيطانية قتالية، فأقاموا جماعات يهودية موالية للدولة الفارسية على هيئة مستعمرات في أرجاء الإمبراطورية، كما عمل اليهود جواسيس وجنوداً مرتزقة. وقد حوَّلت حامية إلفنتاين ولاءها من السلطة المصرية إلى السلطة الفارسية الفاتحة، فالمرتزقة كما أسلفنا يتبعون من يدفع لهم. وأسس دارا الأول جيشاً قوياً يضم جنوداً يونانيين ويهوداً مرتزقة. وحينما فتح الإسكندر الشرق الأدنى القديم، تصاعدت ظاهرة تحويل اليهود إلى جماعات استيطانية قتالية بالدرجة الأولى خصوصاً أن الحكم البطلمي والسلوقي كان مبنياً أساساً على المرتزقة. وقد أبقى الإسكندر على المزايا التي منحها الفرس لليهود، فانضموا إلى الجيوش اليونانية كمرتزقة. ولم تكن هناك فرقة قومية خاصة باليهود، ولذا انضم المرتزقة اليهود إلى فرق الآسيويين الذين تَكاثَر عدهم بين عامي 200 و150 ق. م. وكان يُشار إلى اليهود أحياناً بوصفهم «فُرساً» ، ويذكر يوسيفوس أن المرتزقة من يهود الإسكندرية كان يُشار إلىهم بوصفهم «مقدونيين» . وكان البطالمة ينظرون إلى اليهود كجماعة استيطانية قتالية وتجارية يتوقف أمن أعضائها على رضا النخبة الحاكمة الأمر الذي يجعل منهم عنصراً مأمون الجانب، ولذا شجعهم البطالمة على الهجرة إلى مصر للعمل فيها مرتزقة وتجاراً ومزارعين وأفراد شرطة وموظفين وملتزمي ضرائب. وحينما أسر سوتر الأول عدداً كبيراً من اليهود في إحدى حملاته على فلسطين، وطنهم في مصر ليستخدمهم أداة لقمع المصريين. وقد قام بطليموس الثاني (فيلادلوفوس) (283 ـ 244 ق. م) بإعتاق العبيد العبرانيين الذين أسرهم ثم وَطَّنهم في معسكرات باعتبارهم وحدات قتالية استيطانية (باليونانية: كليروخوا) . وحينما فتح البطالمة برقة في عام 145 ق. م، وَطَّنوا اليهود فيها ليشددوا قبضتهم علىها (على حد قول يوسيفوس) . وفي العام نفسه، شيَّد أونياس الرابع معبداً يهودياً في لينتوبوليس كانت تُرابط حوله فرقة من المرتزقة اليهود. وقد خدم اليهود في فرق المشاة والفرسان على حدٍّ سواء، خصوصاً إبان حكم بطليموس السادس (180 ـ 145 ق. م) الذي سلَّم مملكته تقريباً إلى المرتزقة اليهود الذين وصلوا إلى أعلى المراتب العسكرية بما في ذلك القيادات. ويُقال إن الملكة كليوباترا الثالثة اعتلت العرش بفضل مساعدة قواد الجيش من اليهود. وكان من بينهم خلكياس وأنانياس ولدا أونياس اللذان قادا جيشها في فلسطين. وكان المرتزقة اليهود من أرباب الإقطاعات، وكان في وسعهم تأجير أرضهم وتوريثها لأبنائهم دون عناء كبير. وانخرط اليهود أيضاً في سلك الشرطة وحراسة الممتلكات وتحصيل المكوس الجمركية على ضفتي النيل، وهو عمل ذو طابع عسكري، ولذا كان يُطلَق على المحصلين اسم «حراس النهر» لكن هناك من يذهب إلى أنهم كانوا موظفين من قبل الإدارة المالية ولا شأن لهم بأعمال الحراسة. ولم يختلف موقف السلوقيين كثيراً عن موقف البطالمة، فقد نقل أنطيوخوس الثالث ألف أسرة يهودية من بابل (التي كانت تابعة للإمبرطورية السلوقية) ، مع أجهزتها الحربية، إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى في عام 210 ق. م.، وذلك لتأسيس حامية منهم موالية للسلوقيين، ولقمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي. ويبدو أن مثراديتيس قد وَطَّن بعض هؤلاء أو غيرهم في شبه جزيرة القرم. ومع وصول الرومان إلى المنطقة، تم تسريح الجيش البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي المتميِّز لليهود والذي ارتبط بوظيفتهم كمرتزقة، لا سيما أن الرومان كانوا لا يُجنِّدون سوى اليهود الذين تخلوا عن دينهم. ومع هذا، انخرط اليهود في سلك الجندية كمرتزقة واستمروا يعملون في الجيوش الرومانية حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الرومان كانوا أيضاً يوطنونهم كعنصر استيطاني قتالي. ونحن نعرف أن أول توطين لليهود في أوربا كان مع الحامية الرومانية التي وُطِّنت في مدينة (كولونيا) والتي اشتُق اسمها من كلمة لاتينية تعني «مستعمرة» (وكلمة «كولونيالية» مشتقة من الجذر نفسه) . ولكن يبدو أنهم لم يُوطَّنوا كعنصر قتالي وإنما كعنصر مالي. ومع هذا، يمكن القول بأن الاستيطان والقتال كانا متلازمين في معظم الأحوال في العالم القديم. وقد اختلف الأمر بشكل جوهري مع انتشار المسيحية والإسلام. فالقتال لم يَعُد يُمارَس من أجل الكسب المالي وتحقيق المغانم الاقتصادية وحسب وإنما أصبح يتم أيضاً من منطلق عقائدي ديني، الأمر الذي نجم عنه استبعاد غير المؤمنين. ولذا لم يَعُد بإمكان المرتزقة اليهود الاستمرار في ممارسة مهنتهم، فانخرطوا في وظائف أخرى وأصبح أعضاء الجماعات اليهودية من الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة التي تعمل بالتجارة والربا. ولابد هنا من ملاحظة أن حامل رأس المال الربوي لا يختلف كثيراً عن حامل السلاح نظير أجر، فكلاهما عنصر متعاقد غريب لا ينتمي للجماهير التي يضربها أو يستغلها، تم حوسلته تماماً، أي تحويله إلى وسيلة، تستخدمها الطبقة الحاكمة. وكلاهما عنصر حركي لا ولاء له (إلا إلى أرض بعيدة أو وطن وهمي أصلي يحلم بالعودة اليه ولا يعود له أبداً) ومن هنا تسميتنا للجماعة الوظيفية المالية «المماليك المالية» حتى يتبيَّن التواصل بين وظائف أعضاء الجماعات اليهودية الاستيطانية والقتالية ووظائفهم المالية (التجارية الربوية) . وقد صُنِّف اليهود في الحضارة الغربية على أنهم غرباء، والغريب في العرف الألماني (الذي حل محل القانون الروماني في كثير من المجالات) كان تابعاً للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح اليهود أقنان بلاط. ولكن من الصعب الحديث عن أقنان البلاط باعتبارهم جماعة استيطانية. ومع هذا، فهناك حالات محددة من الاستيطان اليهودي في العصور الوسطى. فقد قام شارلمان بتوطين اليهود في جنوب فرنسا في ماركا هسبانيكا لتكون حاجزاً على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي. ويمكن أن نستخدم عبارة «جماعة استيطانية» بشيء من التجاوز للإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية الذين دعاهم شارلمان للاستيطان في فرنسا ذاتها بهدف تشجيع التجارة، وإلى أولئك الذين صاحبوا الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر، وإلى أولئك الذين استقروا فيها باعتبارهم مادة استيطانية تجارية. وقد عرفت شبه جزيرة أيبريا الاستيطان اليهودي سواء في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) أو المسيحية. فأثناء الفتح الإسلامي، كان المسلمون يُوطِّنون اليهود في المدن التي يفتحونها، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية حتى يتفرغ المسلمون للعمليات القتالية. وقد ثار المسيحيون في إشبيلية، وفتكوا بأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً استيطانياً قتالياً. كما لجأت القوات المسيحية إلى النهج نفسه أثناء حرب الاستعادة، فكانت تسمح، من الناحية الاسمية، لكل من اليهود والمسلمين بالاحتفاظ بمنازلهم والبقاء فيها، ولكنها من الناحية الفعلىة كانت تسمح لأعضاء الجماعة اليهودية وحسب بالاستيطان والبقاء في المناطق المفتوحة (مثل بالينسيا ولامنشا والأندلس وغيرها) . ولا ندري هل كانت الفرق المسماة «تشاليزيان» في المجر في القرن العاشر جماعة استيطانية قتالية أم كانت جماعة قتالية وحسب. فكلمة «تشاليزيان» مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتُقت منه كلمة «حالوتسيم» العبرية (بمعنى رواد) ، وهي الكلمة التي استخدمها الصهاينة فيما بعد لوصف طلائع المستوطنين الصهاينة. والرائد هو الجندي الذي يُوضَع في مقدمة الصفوف. ويبدو أن جنود التشاليزيان كانوا من بقايا يهود الخزر، إذ أن مملكة المجر اجتذبت أعداداً كبيرة منهم عند تأسيسها، فعملوا بالقتال نظير المال، أي أنهم كانوا جماعة قتالية وربما استيطانية ولكنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية مالية. ومن المعروف لنا أن الدولة العثمانية قامت، حينما ضمت أجزاء من المجر في عام 1526، بتهجير 2000 يهودي إليها ليكونوا عنصراً استيطانياً موالياً للسلطان العثماني. ولعل هذا كان ضمن نظام السورجون العثماني، و «سورجون» كلمة معناها «نفي أو ترحيل أو تهجير عنصر بشري ما، إما كشكل من أشكال العقاب أو لتحقيق خدمة للدولة العثمانية» . وقد وطَّن العثمانيون اليهود في قبرص لموازنة العنصر المسيحي فيها، كما وطنهم ملوك بولندا في المدن البولندية لتشجيع التجارة. ولكن أهم التجارب الاستيطانية شبه القتالية للجماعات اليهودية على الإطلاق (قبل التجربة الصهيونية) هي تجربتهم كجماعة استيطانية تجارية شبه قتالية في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، حيث اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بوظيفة الأرندا (دفع مقابل عائد الأراضي الزراعية) منذ أواخر القرن السادس عشر، فقاموا باستئجار ضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا وإدارتها لحسابهم. وكان الأرنداتور (المديرون أو الوكلاء) اليهود يستأجرون مناطق ومدناً بأكملها فيعتصرون الأقنان الأوكرانيين لحساب النبلاء البولنديين. ولحماية هؤلاء الوكلاء وأسرهم، شيَّد النبلاء مدناً صغيرة تُسمَّى «شتتل» كانوا يعيشون فيها تحت حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ومن التجارب الاستيطانية الأخرى للجماعات اليهودية تجربة يهود رومانيا الذين كان يُطلَق عليهم اسم «هرسوفلتسي» (وهو مُشتق من كلمة «هرسوف» الرومانية وتعني «ميثاق» ) ،والذين وَطَّنهم النبلاء الإقطاعيون (البويار) في رومانيا بعد منحهم ميثاقاً حصلوا بمقتضاه على ميزات معيَّنة، من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين والحصول على أرض فضاء دون مقابل لإقامة معابدهم ومدارسهم وحمَّاماتهم ومقابرهم. وكانت علاقة الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بالنبلاء الشلاختا، فقد أسس البويار لليهود مدناً صغيرة تشبه الشتتل من أوجه كثيرة. ويُلاحَظ أن اليهود هنا كانوا عنصراً استيطانياً تجارياً غير قتالي. ورغم أن التجربة الاستيطانية لليهود في رومانيا استمرت أساساً في الفترة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أننا ذكرناها مع تجارب الجماعة اليهودية الاستيطانية في العصر الوسيط في الغرب لأنها من ناحية البنية تقع داخل إطار الاستيطان الوسيط. وعلى كلٍّ، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروماني تشبه إلى حدٍّ كبير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أوربا الوسيطة. ويمكننا الآن الدخول إلى العصر الحديث، لنقول إن كثيراً من أساطير وديباجات الاستيطان الغربي وُلدت مع الإصلاح الديني البروتستانتي. وقد ظهرت الأسطورة الاسترجاعية التي تذهب إلى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى صهيون كجماعة وظيفية استيطانية دينية يسهم توطينها في صهيون في الإسراع بعملية الخلاص. وبالتدريج، مع تَطوُّر مراحل الإمبريالية الغربية من الأطوار المركنتالية الأولى إلى المراحل التالية (المرحلة الصناعية وغيرها) ، أخذت معالم الأسطورة تتكشف وتتحدد بحيث تحولت صهيون إلى فلسطين البلد الواقع في وسط بلاد الشرق ويطل على بوابات مصر والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس (بعد افتتاحها) . وبدأ اليهود يتحولون من شعب مقدَّس أو شعب شاهد أو شعب منبوذ إلى جماعة وظيفية تجارية وقتالية نشطة. وبعد سنوات طويلة من المقاومة والرفض من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، تلقفت الحركة الصهيونية الأسطورة وتحولت من أسطورة بروتستانتية إلى أسطورة يهودية. وهكذا أصبحت صهيون المكان الذي تَخرُج منه جيوش المستوطنين اليهود «حالوتسيم» الذين يسيرون في المقدمة مسلحين أمام الرب. وإذا كانت الأسطورة الاسترجاعية تجعل من اليهود جماعة استيطانية، فإن الأساطير الأخرى كانت تجعل من سائر المستوطنين الغربيين البيض يهوداً. فالبيوريتان، أي المُتطهِّرون، وهم المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة، كانوا يتوحدون تماماً بالعبرانيين القدامى. فهم، في خروجهم من أوربا ودخولهم الأرض العذراء، كانوا يتصورون أنهم يشبهون تماماً العبرانيين القدامى حينما خرجوا من مصر ودخلوا كنعان، وأن استيلاءهم على أرض أمريكا العذراء وإبادة سكانها يشبه استيلاء العبرانيين على المدن الكنعانية وإبادة سكانها (حسب الرواية التوراتية) . ومن ثم، نجد أن أرض أمريكا كان يُشار إليها بوصفها صهيون الجديدة، وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم بأنهم أبناء العهد (بل لقد اقترح أحدهم، لدى التفكير في اختيار لغة للولايات المتحدة بعد استقلالها، أن تكون العبرية لغة الدولة الجديدة) . ونجد أن الأسطورة نفسها تسيطر وبشكل درامي على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا (الأفريكانر) . هذا من ناحية الإطار الفكري أو التصوري. أما من ناحية الممارسة التاريخية الفعلىة، فيمكننا القول بأن الاستيطان أصبح البُعد الأساسي في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية. بل ويمكننا الذهاب إلى أنه لايمكن فهم تفاعلات هذه التواريخ وحركياتها إلا بإدراك مدى استيعاب أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي (أي غالبية يهود العالم) في تجربته الاستيطانية. فقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من النشاطات الاستيطانية خصوصاً في البلاد البروتستانتية إما كممولين أو كجماعة وظيفية استيطانية. ومع بداية العصر الحديث، كانت أهم جماعة يهودية في العالم تُوجَد في هولندا التي كانت من أنشط الدول الاستيطانية. وقد ساهم اليهود في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وغيرهما من الشركات وفي تجارة العبيد كما اشترك عدد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها في بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءاً من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر في الهند الغربية في ترينيداد والمارتينيك وجامايكا وجزر الباهاما وكوراساو وسورينام. وكوراساو هي إحدى جزر الهند الغربية الهولندية على مقربة من ساحل فنزويلا، مساحتها 212 ميلاً مربعاً، احتلها الأسبان عام 1527، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1634. وتعود أهميتها إلى أنها من التجارب الأولى للجماعات اليهودية الاستيطانية، وإلى أنها تندرج في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ نشاطه في العالم الجديد واستمر في التوسع إلى أن وصل إلى آخر حلقاته في فلسطين في العصر الحديث. وقد جرى أول استيطان يهودي في كوراساو عام 1650 حين وصلت 12 عائلة يهودية يحمل أفرادها خطاباً من مجلس هولندا يطلب من حاكم الجزيرة أن يمد لهم يد المساعدة، بأي صورة من الصور؛ بالعبيد أو بالأرض أو بالأحصنة أو القطعان أو الأجهزة. ويبدو أن اليهود كانوا جماعة استيطانية زراعية، على حين أن المستوطنين الهولنديين كانوا يهملون الزراعة لأن تجارة البضائع المهربة كانت أكثر ربحاً. ومع هذا، يبدو أن التجربة لم تنجح تماماً بسبب بعض القيود التي فُرضت على حركتهم (ربما بسبب جو محاكم التفتيش الذي ساد العالم الجديد والذي وجد طريقه إلى كوراساو رغم أنها كانت تابعة لهولندا) . ولذا، حينما طلب مجلس هولندا إلى أحد أعضاء الجماعة اليهودية أن ينقل مزيداً من الأسر اليهودية إلى كوراساو وعرض منحهم حقوقاً وامتيازات استثنائية (مثل الإعفاء من الضرائب لمدة عشرة أعوام، وحق حيازة الأراضي التي يجدونها ملائمة، وحق الامتناع عن العمل يوم السبت) ، لم يجد هذا الطلب أذناً صاغية. وحينما استولت البرتغال على البرازيل من هولندا، عام 1654، فرت مجموعة من اليهود إلى كوراساو وأخذت رأس مالها معها. وقد كان ضمن نشاطاتهم الأساسية تجارة العبيد. وفي تلك الآونة، أُزيلت كل القيود عن الجماعة اليهودية. وفي عام 1693، رحلت مجموعة من اليهود إلى الولايات المتحدة، فكانت أول جماعة يهودية تستوطن فيها. ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها عام 1639 من هولندا ثم من إنجلترا عام 1652، فكُفلت لهم كل الحريات والمزايا، ومُنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديون سورينام مرة أخرى، عام 1667، حاول بعض اليهود عام 1674 الرحيل مع الرعايا البريطانيين، ولكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها باعتبارهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تَركَّز اليهود فيما يُسمَّى «يودين سافان» ، أي «سافاناه اليهود» ، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670 كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة أو شبه دولة يهودية استيطانية قتالية في العصر الحديث) . وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين راحوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، حتى أقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستعمرة عشرة آلاف نسمة عام 1719، غالبيتهم الساحقة من العبيد بطبيعة الحال. وكان العبيد المُستجلَبون من أفريقيا يهربون ويلجأون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا، ولكنهم كانوا يهربون بدورهم وينضمون إلى السكان الأصليين. ثم بدأ تحالف من جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين في شن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 ـ 1774، وكوَّن المستوطنون البيض ميليشيات عسكرية وجردوا الحملات ضد الثوار (تماما كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين) ، ولكن الإرهاق من الحرب وانتشار الأمراض أدَّى إلى انتصار تَحالُف السود السكان الأصليين وإلى سقوط أول دولة يهودية في العصر الحديث. كما استوطن اليهود معظم بلاد أمريكا اللاتينية، خصوصاً الأرجنتين التي وطَّن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، فيما يُعدُّ أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث بخلاف تجربة إسرائيل. ويُلاحَظ أن هذه النشاطات الاستيطانية تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي (البروتستانتي) أو الاستعمار الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو) . ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز في روسيا وبولندا في شرق أوربا) الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي أيضاً الفترة التي شهدت الهجرات الاستيطانية الغربية. ويمكننا أن نترك التسلسل التاريخي قليلاً، لنركز على حركة يهود اليديشية داخل إطار التشكيل الاستعماري الروسي (الأرثوذكسي) في عصر القياصرة ثم في عصر البلاشفة. وقد تحكمت في السياسة الاستيطانية عند الروس والبلاشفة عدة عوامل متداخلة: 1 ـ المسألة اليهودية، ومحاولة دمج اليهود ثقافياً واقتصادياً. 2 ـ المشكلة السكانية في روسيا باعتبارها دولة مترامية الأطراف. 3 ـ محاولة الدولة الروسية ترويس المناطق التي ضمتها من الدولة العثمانية وغيرها من المناطق، وخَلْق كثافة سكانية روسية فيها (وهنا كان اليهود يُعَدّون جماعة وظيفية استيطانية روسية) . وفي محاولة دمج الجماعة اليهودية، كان التصور السائد أن المسألة اليهودية يمكن حلها، أو التخفيف من حدتها، بتحويل اليهود إلى جماعة وظيفية استيطانية تُنقل إلى أماكن مختلفة فتستفيد الدولة الروسية بتعمير الأراضي وتتخلص في الوقت نفسه من الفائض اليهودي (وهذا هو المنهج الغربي الصهيوني نفسه، أي حل المسألة اليهودية لدول أوربا عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وبذا تصبح فلسطين قاعدة للغرب) . وفي الفترة بين عامي 1807 و1808، خصَّص القيصر بعض أراضيه لتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية فيها لتحويلهم إلى عنصر نافع، ولدمجهم في المجتمع. وبعد ضم الخانات التركية حول البحر الأسود، سُميَّت المنطقة المحتلة باسم «روسيا الجديدة» ، وتم تشجيع اليهود على الاستيطان فيها بهدف تعميرها وتأكيد الوجود السكاني الروسي فيها. وقد استمر البلاشفة في الاتجاه الاستعماري الاستيطاني نفسه والذي يرمي إلى حل المسألة اليهودية وتعمير المناطق التي تم ضمها في آن واحد. وفي إطار هذا، تم توطين اليهود في بيروبيجان، وجري التفكير في توطينهم في القرم. ويجب أن نشير هنا إلى أن كثيراً من اليهود الموجودين في الجمهوريات السوفيتية (غير الروسية) السابقة، مثل جورجيا وأوزبكستان وبخارى وليتوانيا ولاتفيا، يوجدون فيها في إطار الاستعمار الاستيطاني الروسي السوفيتي الذي كان يرمي إلى خَلْق كثافة سكانية روسية. ولكن النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية كان داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (البروتستانتي) ، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، واتجهت غالبيتهم (85%) إلى الولايات المتحدة أهم التجارب الاستيطانية الغربية. وقد يُثار هنا سؤال: بأي معنى يمكن استخدام اصطلاح «جماعة وظيفية استيطانية» في حالة المهاجرين اليهود، مع أنهم كانوا ضمن جماعات أخرى من المهاجرين الغربيين الذين هاجروا بكامل حريتهم، علماً بأن الولايات المتحدة لم تعد دولة استيطانية بعد إعلان استقلالها؟ وسنقر ابتداءً بأن استخدام المصطلح في هذا السياق فيه شيء من التجاوز وقَدْر من المجاز، ومع هذا يمكن أن نشير إلى مايلي: 1 ـ لم تفقد الولايات المتحدة طابعها الاستيطاني إلا مع بداية القرن العشرين، بل إن عملية طرد السكان الأصليين وإبادتهم لم تبدأ إلا عام 1830. وقد ضمت الولايات المتحدة أراضي شاسعة من المكسيك وغيرها بعد ذلك التاريخ، وهي أراض احتاجت إلى مستوطنين. كما أن رعاة البقر (أو الكاوبوي) في الغرب الأمريكي ظلوا ملمحاً أساسياً في الحضارة الأمريكية، ورعاة البقر هم الرواد (حالوتسيم) الأمريكيون البيض. 2 ـ لم يكن اليهود أحراراً تماماً في عملية الهجرة، فقد صنفتهم أوروبا باعتبارهم فائضاً بشرياً منبوذاً. 3 ـ كانت الولايات المتحدة تسمح ليهود اليدشية بالهجرة إليها والاستيطان فيها بقدر حاجتها إليهم، وبما يتفق مع أمنها القومي. ويجب ملاحظة أن الدول الاستيطانية التي استقرت فيها غالبية اليهود، بدأت تفقد طابعها الاستيطاني وتتحول إلى دول مستقرة ذات بنية سكانية ثابتة واضحة. ومع اختفاء السكان الأصليين، تلجأ هذه المجتمعات إلى الحصول على المادة البشرية بطرق قانونية (عن طريق الهجرة) ، وتقوم بدمج وصهر العناصر الوافدة. كما أنها دول ذات مستوى اقتصادي متقدم استوعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دون تمييز أو قيود، وهي مجتمعات ذات أصول بروتستانتية وصلت إلى درجة عالية من العلمنة والتعاقدية. لكل هذا، فهي مجتمعات لا تحتاج إلى أي متعاقدين غرباء أو جماعة وظيفية تجارية أو زراعية أو استيطانية أو قتالية، إذ يتم تجنيد العاملين (والخبراء والمقاتلين) من داخل المجتمع ذاته. ولعل هذا يُفسِّر سر اختفاء اليهود باختفاء الوظيفة التي كانت سبباً من أسباب استمرارهم. من كل ما تَقدَّم يتبين مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالاستيطان وبالقتال. ويمكن أن نشير هنا إلى ظاهرة أخرى وهي أن العالم العربي بدأ، منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في تحويل اليهود المستعربة، أي يهود العالم العربي المحليين، إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين له بالولاء بغض النظر عن أصولهم العرْقية والحضارية. وقد تم هذا من خلال عدة قنوات: 1 ـ منح الجنسيات الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها لأعضاء الجماعة اليهودية. 2 ـ فرنسة يهود العالم الغربي من خلال مدارس الأليانس. 3 ـ هجرة عناصر يهودية غربية إلى العالم العربي تولت قيادة الجماعات اليهودية في العالم العربي. ومع انتصاف القرن العشرين، وظهور الدولة الصهيونية، تم تحويل الغالبية العظمي من يهود العالم العربي إلى مادة استيطانية لاجذور لها في المنطقة وعلى استعداد لأن تُنقل إلى أي مكان وأن تُوظَّف لصالح من يقوم بعمليات النقل والتوظيف والتمويل. ومن الأمور الجديرة بالذكر أن أعداداً كبيرة من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر كانوا يهوداً أتوا من فرنسا أو تم تجنيدهم من بين صفوف اليهود المحليين الذين كان يتم فرنستهم، كما كانت الفرقة الأجنبية (الفرنسية) تضم أعداداً كبيرة من اليهود. ونحن نرى أن من الأفضل تفسيرياً أن ننظر إلى الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة عادية لها نمط إنتاجي مما هو معروف (إقطاعي ـ رأسمالي ... إلخ) وإنما باعتبارها دولة وظيفية، فهي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية على هيئة دولة. وقد تم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية والذي جرى بمقتضاه نقل من يرغب من اليهود إلى فلسطين ليصبح عنصراً استيطانياً قتالياً يدافع عن المصالح الغربية نظير مستوى معيشي مرتفع، وهذا هو نمط القتال نظير المال. ولذا، فإن إسرائيل، بالنسبة للراعي الإمبريالي الجديد (الذي حل محل البطالمة والسلوقيين والرومان والنبلاء البولنديين [شلاختا] ) ، هي أساساً، وظيفة تُؤدَّى ودور يُلعَب. ولم يُطلَق مصطلح «مرتزقة» على الصهاينة لأن هذا المصطلح لا يترك انطباعاً طيباً في النفس البشرية، ولذا يُطلق الصهاينة على أنفسهم اسم «حالوتسيم» ، أي «المنخرطون في السلك العسكري في مقدمة الصفوف» ، ومن هنا تأتي ترجمتها بكلمة «الرواد» . ويُشار إلى إسرائيل بأنها قلعة على حدود أوربا في الشرق وحصن ضد الهمجية الشرقية. ومن المعروف أن المرتزقة، في العصور الحديثة، كانوا يوضعون دائماً في مقدمة الصفوف، أي على الحدود الأمامية، كما حدث على سبيل المثال عام 1956 عند إنزال القوات البريطانية أثناء العدوان على مصر، حيث أُنزل الأفارقة والهنود في بداية الأمر باعتبارهم مادة بشرية رخيصة، ثم أُنزلت المادة البشرية البريطانية الثمينة فيما بعد. وهذا هو وضع الدولة الصهيونية، والرواد الصهاينة، حيث يوضعون في المقدمة، فهم الشعب المختار للاستيطان والقتال. ولا يُنظَر إلى الدولة الصهيونية إلا من منظور مدى نفعها: فهي تارة ثروة إستراتيجية، وهي تارة أخرى حاملة طائرات وحارس للمصالح الغربية. ولكنها، في جميع الأحوال، أداة ووسيلة وحسب لا غاية أو هدف. وتتسم الدولة الصهيونية الوظيفية أيضاً بالعزلة عما حولها حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها بكفاءة. وبعد أن ضمت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، تبلورت الأمور تماماً. وأدرك المستوطنون الصهاينة هويتهم كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فكر جماعة جوش إيمونيم التي ترى أن الاستيطان والقتال عبء مقدَّس ملقى على عاتق الشعب المختار، وأن على اليهودي أن يقبل مصيره الإلهي إذ لاخيار له. ويمكننا أن نقول إن الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية، والوظيفة التي تضطلع بها، هما السلعة الأساسية التي تنتجها، وهما مصدر دخلها الثابت. ولذا، يمكننا الحديث عن هذا الدور باعتباره إحدى علاقات الإنتاج مع الإمبريالية (وعلاقات الفتك مع الشعب الفلسطيني المُستَهْدَف) . وقد سمينا المستوطنين الصهاينة «المماليك الاستيطانية القتالية» تمييزاً لهم عن «المماليك المالية» وهم الجماعات اليهودية الوظيفية المالية. ونحن نرى أن هذا النموذج التحليلي أكثر تفسيرية لأنه يفسر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي والسياسية الخارجية الإسرائيلية. ومع هذا، فإننا نذهب إلى أن دور الدولة الوظيفية الصهيونية سيتغير، مع ظهور النظام العالمي الجديد، حيث سيتراجع دورها القتالي (المرتبط بوضعها الاستيطاني) وسيتحول «المماليك الاستيطانية القتالية» إلى «المماليك المالية» مرة أخرى، وسيحل رأس المال العالمي محل السيف والمدفع ورأس المال الربوي، وسيحمل الجنرال الإسرائيلي السابق السامسونايت بدلاً من المدفع الرشاش، وسيحضر بالطيران المدني المكيف بدلاً من الطيران العسكري وبالليموزين بدلاً من الدبابة، ولن يمطرنا بالصواريخ والنابالم، كما كان يفعل حتى عهد قريب، وإنما بعقود الصفقات التجارية المريبة والرشاوى الخفية التي تفسد العباد وتفلس البلاد. وكما قال شمعون بيريز: «الشعب اليهودي لا يهدف إلى السيطرة وإنما يهدف إلى البيع والشراء» ، أي أن الجنرال أصبح إنساناً اقتصادياً يمثل شعباً مختاراً لعمليات البيع والشراء والأعمال المالية. ومثل هذا الإنسان لا يحب ولا يكره فهو يبحث عن الربح، كما أنه لا يصدع رأسه بالحديث عن القيم أو المطلقات أو الهويات، ولا يكنُّ احتراماً للآخر لأنه لا يكنُّ احتراماً لذاته، وهو في النهاية عنصر حركي طرح عن نفسه تراثه وقيمه ونزع نفسه من وطنه ليستوطن أرض الآخرين. وعلى هذا، فإن هدف العمليات القتالية والاستيطانية والمالية واحد في كل هذه الحالات، ضمان تدفق خيرات هذه الأرض لقوى خارجها. وقد لُوحظ أن أعداداً كبيرة من الإسرائيليين تعمل مرتزقة في بعض دول العالم الثالث. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 2000 فرد من الجيش الإسرائيلي عملوا كمرتزقة ومدربين في أفريقيا على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بدءاً بالطيارين في أوغندا وانتهاءً بالمظليين في زائير. وتُوجَد شركات خاصة (مثل شركة ليفدان) يديرها جنرالات سابقون ويشغل صفوفها أفراد سُرِّحوا حديثاً من الجيش الإسرائيلي. ويتلقى المرتزق الإسرائيلي مبلغ 2500 دولار علاوة على بدلات أخرى. وقد صرح مسئول من الشركة بأن ما تفعله هذه الشركة لا يختلف عما كانت تفعله الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة. جماعة يهودية وظيفية تجارية Jewish Trading Functional Group «الجماعة الوظيفية التجارية» هي الجماعة التي يضطلع أفرادها بالتجارة والنشاطات التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بمهنة التجارة في كثير من المجتمعات الإنسانية. ويُفسِّر أعداء اليهود هذه الظاهرة بصيغهم اللفظية الجاهزة، مثل: «الطبيعة اليهودية الخاصة» أو «خصوصية الشخصية اليهودية» أو «النزوع الأزلي عند اليهود نحو استغلال الآخرين» . وهناك أيضاً التفسير الصهيوني الذي لا يقل تهافتاً عن الصيغ السابقة، وهو «أن المجتمعات التي عاش فيها اليهود فرضت علىهم مهنة التجارة ثم الربا فرضاً ومنعتهم من الاشتغال بالزراعة أو ملكية الأراضي الزراعية» . وهكذا، فبينما يرى التفسير الأول (المعادي لليهود) أن الأغيار ضحية عنف اليهود، يرى التفسير الصهيوني أن اليهود هم ضحية عنف الأغيار. وهذه الأقوال السابقة كلها لا قيمة لها من الناحية التفسيرية، ولولا شيوعها لما كلفنا أنفسنا عبء ذكرها أو الرد عليها. ولكن، بدلاً من استخدام النماذج التفسيرية العنصرية الجاهزة التي تختزل التفاصيل وتعفي الإنسان من مشقة التفكير والتمحيص، يمكننا أن نستقرئ أحداث التاريخ المتعيِّن وبعض تفاصيله الدالة لنصوغ منها نماذج أكثر تركيبية وتفسيرية. لقد ورد ذكر العبرانيين لأول مرة في التاريخ المدوَّن على أنهم بدو رحل يقومون بالرعي والتجارة. ولكن، عند استقرارهم في أرض كنعان عملوا بالزراعة أساساً وظل نشاطهم التجاري محدوداً بل يكاد يكون منعدماً. ويُلاحَظ أن لفظ «كنعاني» كان مرادفاً للفظ «تاجر» (هوشع 12/8 وأشعياء 23/8 وأمثال 31/24) . ولعل هذا يُفسِّر خلو العهد القديم من الإشارة إلى التجارة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً مهماً، بعكس الإشارات الكثيرة إلى الزراعة والقوانين والطقوس والشعائر والأعياد المرتبطة بها. وإن كان ثمة رأي يذهب إلى أن هذا لا يعكس بالضرورة حالة المجتمع العبراني قبل قيام المملكة المتحدة وإنما يعكس، في واقع الأمر، الموقف السلبي الذي اتخذه كُتَّاب العهد القديم المحافظون ضد التجار وشئون المال. ولكن مما له دلالته أن التلمود يضم كتاباً كاملاً يُسمَّى «زراعيم» يتناول أمور الزراعة. ومهما تكن حقيقة الأمر، فقد تغيَّر الوضع مع ظهور المملكة العبرانية المتحدة التي كانت تشكل وحدة سياسية كبيرة نوعاً ما ولها سلطة مركزية أكثر مما كان علىه الحال إبان عصر القضاة. فقد كانت دولة في حاجة إلى تمويل المشروعات المعمارية الكبرى مثل هيكل سليمان، ووجدت أنه قد يكون من الممكن توفير الاعتمادات اللازمة من خلال النشاط التجاري. ومما شجع على هذا الاتجاه موقع فلسطين باعتبارها ممراً رئيساً بين التشكيلين الحضاريين الأساسيين في الشرق الأدنى القديم (مصر وبلاد الرافدين) ، فضلاً عن وقوعها على واحد من أهم طرق التجارة في العالم القديم، بحيث كان بإمكان من يحكمها أن يحقق أرباحاً كبيرة من خلال التجارة. وبالفعل، قامت الدولة العبرانية بتطوير العلاقات التجارية مع مدينة صور إحدى أهم القوى التجارية الاقتصادية آنذاك. واشتركت الدولتان في إنشاء أسطول في عتسيون جابر، ونشطت تجارة وصناعة التجميع، فكانت المملكة تشتري العربات الحربية من مصر وتُجمِّعها وتشتري الأحصنة من مصادر أخرى وتبيعها لملوك سوريا من الحيثيين والأراميين. وقد تكون قصة ملكة سبأ وزيارتها لسليمان دليلاً على ازدهار التجارة الدولية للمملكة العبرانية المتحدة. ومما يجدر ذكره أن الدولة احتكرت هذه التجارة. أما التجارة الداخلية، فيبدو أنها ظلت ضئيلة الشأن وبدائية تأخذ شكل المقايضة. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً بعد انقسام المملكة المتحدة إلى المملكتين الشمالية والجنوبية. ولكن الصورة تبدأ في التغير قليلاً مع التهجير البابلي، حيث اشتغل بالتجارة كثير من أعضاء الجماعة اليهودية المهجَّرين، خصوصاً أن الإمبراطورية البابلية كانت لديها تجارة دولية نشطة في ذلك الوقت. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية في بابل إلى جماعة وظيفية وسيطة، وأصبح هذا هو النموذج السائد مع ازدياد انتشار الجماعات اليهودية في العالم القديم خارج فلسطين، إذ ظهرت جماعات يهودية وسيطة في أرجاء الدولة الفارسية وفي الإسكندرية وروما وفي أنحاء أخرى من العالم القديم. لكن هذا لا يعني أن جميع اليهود، في جميع أنحاء العالم، كانوا يعملون بالتجارة منذ التهجير البابلي، إذ أن من الثابت تاريخياً أن قطاعات كبيرة منهم ظلت تعمل بالزراعة في بابل وفي بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد تبلور تماماً هذا الاتجاه نحو العمل بالتجارة مع سقوط الدولة الرومانية وبداية العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت أوربا بعد سقوط الإمبراطورية لهجمات القبائل البربرية، مثل: الوندال والفرنجة والهن والقوط والسكسون والتيوتون وغيرهم، وهو ما أدَّى إلى تَحوُّل مركز الحياة ثانيةً من المدينة (التي كانت تمر بالمراحل الأولى من نموها) إلى الريف. وأدَّى هذا بدوره إلى حدوث تراخ شديد في عملية تَحوُّل الاقتصاد من إنتاج طبيعي استهلاكي يستند إلى القيمة الاستعمالية إلى إنتاج بضاعي يستند إلى القيمة التبادلية. ونتيجة ذلك، ظلت القارة الأوربية كياناً استهلاكياً بصورة أساسية، يُصدِّر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ونجم عن هذا استقطاب المجتمع الأوربي إلى طبقتين: طبقة السادة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. وكانت أولاهما تحتكر التجارة، أما الثانية فلم تكن قادرة على الاضطلاع بها لعدم تَوفُّر رأس المال أو الخبرة لديها. لكن النشاط التجاري لم يكن من الاتساع بحيث يستدعي ظهور طبقة تجارية محلية. وأدَّى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الطبقتين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يضطلع بوظيفة التجارة جسم غريب مثل أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يقطنون المدن والموانئ مع التجار الفينيقيين. ويقول الحاخام آجوس: «لقد ورثت المسيحية القانون الروماني المعادي للتجارة والربا، بينما ورث اليهود المدن والحياة في المدينة وتقاليدها القانونية والحضارية» . وهذا قول يتسم بكثير من المبالغة ولكنه، مع هذا، يصف جانباً مهماً من الواقع. وبعد الفتح الإسلامي وضم منطقة سوريا وفلسطين، تبلور دور اليهود كتجار داخل التشكيل الحضاري الغربي بصورة نهائية. وبالتالي اختفى التجار الفينيقيون، وفُتح المجال على مصراعيه أمام اليهود ليصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة تقريباً في الغرب. بل وأصبحت الجماعات اليهودية، بانتشارها في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالمين الإسلامي والمسيحي، تشكل أول نظام ائتماني عالمي يُسهِّل عملية انتقال التاجر من بلد إلى آخر ويُيسِّر عمليات التبادل التجاري وينظمها. وبذلك، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون الجسر التجاري والمالي بين العالمين الإسلامي والمسيحي مع بداية العصر الوسيط في الغرب، ولعبوا دوراً خطيراً في التجارة الدولية بينهما. ومما يجدر ذكره أن التجارتين الدولية والمحلية كانتا مرتبطتين تماماً، إذ كان التاجر يحمل السلعة من بلد إلى آخر أو من سوق إلى آخر ويبيعها بنفسه أو يبيعها لتاجر يهودي آخر مقيم في المدينة. ويُقال إن أعضاء النخبة الحاكمة في مملكة الخَزَر كانوا يرغبون في تطوير التجارة بمملكتهم، ومن ثم اعتنقوا اليهودية حتى يمكنهم التمتع بالتسهيلات الائتمانية التي يتمتع بها اليهود في شتاتهم، أي انتشارهم. ومن العناصر التي ساهمت في تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، علاقتها الخاصة بالزراعة في أوربا إبَّان العصور الوسطى (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة» ) . ولعل العنصر الحاسم في عملية تحويل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة هو اكتمال ملامح النظام الإقطاعي، فهو مجتمع يقوم على التفرقة بين الطبقات والجماعات ويحافظ على استقلال كل واحدة منها وعلى هويتها، كما أنه مجتمع يستند إلى التضامن المسيحي. وقد كان على الفلاح أن يقسم يمين الولاء الديني، كما كان الملوك يحكمون بالحق الإلهي للملوك. ولهذا، لم يَعُد بإمكان اليهودي أن ينتمي إلى مثل هذا المجتمع بعد تبلور هويته المسيحية، فلم يَعُد بوسع اليهودي، على سبيل المثال، أن يؤدي الخدمة العسكرية أو يمتلك الأراضي أو يزرعها لأن كل هذا يتطلب يمين الولاء المسيحي. ولمّا كانت الزراعة والقتال هما الوظيفتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي الغربي فقد تَحوَّل اليهودي بالدرجة الأولى إلى غريب، كما استُبعد على المستوى الاقتصادي والديني والحضاري، أي على جميع المستويات تقريباً. ولذا لم يكن أمام أعضاء الجماعات اليهودية سوى أن يملأوا الفراغات في المجتمع ويضطلعوا بالوظائف التي ليست من صميم بنيته، أي أنهم تَحوَّلوا إلى وسطاء عليهم شراء المواثيق من الملوك والأمراء، وتوثقت علاقتهم بالسلطة الدنيوية الحاكمة حتى أصبحوا أقنان بلاط يتبعون التاج الملكي والخزانة الملكية ويُوضَعون تحت حماية الملك ويشكلون ما يشبه الملْكية الخاصة له، يحققون له الأرباح عن طريق التجارة والقيام بنشاطات مالية وإدارية أخرى مثل: جمع الضرائب والعمل في بعض الصناعات، أي أنهم أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة وأداة طيعة لها. وقد يكون من المفيد هنا أن نحذر من افتراض وجود نموذج عام يُطبَّق بأسلوب واحد وعلى مستوى العالم الغربي من مرحلة زمانية إلى مرحلة زمانية أخرى. فالنموذج الذي طرحناه عام للغاية ويصلح إطاراً تصورياً متحرراً إلى حدٍّ ما من الزمان والمكان، وذا قيمة تحليلية وحسب، ويظل التطور التاريخي ذاته مختلفاً ومليئاً بالتعرُّجات والنتوءات. ويمكننا أن نقول إن النموذج ينطبق إلى حدٍّ كبير على إنجلترا، وبدرجة أقل على فرنسا حيث كان يوجد يهود يعملون بالزراعة. وفي ألمانيا، استولى النبلاء على حق ملكية اليهود إذ أصدر تشارلز الرابع مرسوماً بذلك في عام 1356 يسمح لهم بامتلاك وحماية اليهود. وكان هناك يهود يعملون بالحرَف، مثل الصباغة وصناعة الحرير والدباغة والصياغة، خصوصاً في إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية. ويختلف الوضع في إيطاليا من مقاطعة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى. ويمكن أن نضيف أن شرق أوربا كان وثنياً حتى القرن العاشر الميلادي، أي أنه ظل خارج هذا الإطار تماماً لفترة زمنية طويلة. وحينما انضوى تحت هذا الإطار، فإنه ظل تشكيلاً اقتصادياً له خصوصيته، ولعب اليهود داخله دوراً مغايراً بعض الشيء عن الدور الذي لعبوه في غرب أوربا ووسطها. وبعد كل هذه التحفظات، يمكننا أن نبدأ في عرضنا التاريخي، ونشير إلى أن اليهود أصبحوا ـ منذ القرن الخامس الميلادي ـ تجاراً دوليين ومحليين وازدادت أهميتهم مع الفتح الإسلامي. وقد أشار ابن خرداذبة إلى التجار الراذانية باعتبارهم تجاراً دوليين يمتد نشاطهم في كل أرجاء العالم القديم. وقد احتكر أعضاء الجماعات اليهودية معظم التجارة الدولية، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو في الطريق البري الشمالي عبر القارة الأوربية من خلال بلاد السلاف، في الفترة بين عامي 800 و1200. وكانوا يقومون بتجارة الأنسجة والفراء والعقاقير والسلع التَرفَيِّة التي يأتون بها من الشرق والرقيق الذي يأتون به من بلاد السلاف التي اشتُق اسمها من كلمة من لاتينية العصور الوسطى إسكلافوس scelavus أي «عبد» ، ومن هنا أيضاً تسميتهم «الصقالبة» . ولهذا، أصبح اليهودي المتجول معروفاً في كل مدينة وبلدة وفي كل سوق ومولد. وكانت الدول التي تريد إنعاش حركة التجارة فيها ترسل في طلب بعض اليهود وتوطنهم كي يقوموا بدور الوسيط وينشطوا الحركة التجارية التي يعجز المجتمع الزراعي بتنظيمه الجامد التقليدي عن القيام بها. ولهذا السبب، كان يُنص في المعاهدات أحياناً على تَبادُل اليهود. فقد اشترطت مدينة رافنا في معاهدة عُقدت مع البندقية في أواخر العصور الوسطى أن ترسل المدينة الأخيرة بعض اليهود ليقوموا بالأعمال المصرفية والتجارية فيها. كما كان الملوك يحاولون الحفاظ على اليهود ضمن اهتمامهم بالتجارة والحركة التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة إلى درجة أن كلمة «تاجر» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» تقريباً. ففي أحد المواثيق الألمانية الصادرة في القرن العاشر الميلادي (965) ترد إشارة إلى «اليهود والتجار الآخرين» . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التجارة التي اشتغل بها أعضاء الجماعات اليهودية تتسم بصفتين أساسيتين، أولاهما أن التجارة اليهودية هي ما يعرف باسم «التجارة البدائية» ، وهي تجارة تختلف عن التجارة الحديثة من عدة وجوه. فالتجارة الحديثة هي جزء عضوي وأساسي من نظام المجتمع الرأسمالي والرأسمالية الرشيدة، أما التجارة البدائية فتلعب دوراً ثانوياً وهامشياً في مجتمعات ما قبل الرأسمالية (العبودي والإقطاعي وغيرهما) ، حيث يتميَّز الإنتاج في هذه المجتمعات بأنه إنتاج لقيمة استعمالية وليست تبادلية، أي أن الإنتاج كان موجهاً نحو إشباع حاجات المجتمع وحسب، وإذا ما تَبقَّى فائض من السلع بعد أن يستهلك المجتمع ما يريد، يقوم التاجر البدائي بنقله من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر. كما كانت تنشأ داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية، حاجة إلى بعض السلع الكمالية مثل التوابل والذهب، فكان التاجر البدائي يقوم بتوريدها وسد الحاجة التي تنشأ إلىها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التجارة البدائية تجارة هامشية دون أن يضفي هذا الاعتبار إيحاءات سلبية، فهي لا تلعب أيَّ دور في حركة الإنتاج وإنما تظل على هامشها. والصفة الثانية للتجارة اليهودية وثيقة الصلة بالأولى. فالتجارة اليهودية، على خلاف التجارة التي تطورت بين المسيحيين، كانت منذ البداية مرتبطة بالطبقة الحاكمة في المجتمع الإقطاعي، حيث كان التاجر اليهودي (وكذلك المرابي اليهودي) ، كما أسلفنا، ملكية للأمير أو الإمبراطور أو النبيل الإقطاعي، وكان يقوم بالتجارة ليحقق أرباحاً لا تتحول إلى رأسمال مستثمر في المجتمع وإنما تصب في خزائن النبيل الإقطاعي من خلال الضرائب والإتاوات التي كان على اليهود دفعها. ومن هنا، كانت التجارة اليهودية تعبيراً عن العلاقات القائمة في المجتمع الإقطاعي ولا تشكل نقيضاً لها على الإطلاق. ولعل هذا ما كان يعنيه ماركس حين أشار إلى وجود اليهود في مسام المجتمع الإقطاعي، فهم فيه وليسوا منه، وهم هامشيون في وجودهم لا يشكلون أي تحدٍّ له. ولكن حركيات التطور داخل المجتمع الغربي، التي جعلت اليهود يضطلعون بدور التجارة الدولية والمحلية، هي ذاتها التي جعلت استمرارهم فيها مستحيلاً. وبعد أن كان وضعهم القانوني مستقراً، بدأ هذا الوضع في الانهيار مع تضاؤل أهمية دورهم الاقتصادي. ويمكن أن نورد بعض الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع: 1 ـ سيطرت المدن الإيطالية في القرن العاشر الميلادي على التجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومما عقَّد الأمر بالنسبة للتجار اليهود، عدم وجود الإمكانات المالية أو العسكرية الكافية لامتلاك الأساطيل البحرية، وهو أمر كان متاحاً لمدينتي البندقية وجنوة اللتين كانتا تمتلكان أساطيل تجارية قوية وكانتا من أوائل المدن/الدول الأوربية التي ظهرت فيها طبقة تجارية نشطة. وقد حاولت هاتان المدينتان قدر استطاعتهما أن توقفا التجارة اليهودية. ومما عوض اليهود لبعض الوقت عن فقدانهم تجارة المتوسط تنشيط تجارتهم من خلال الطريق البري الذي يمر عبر الدول السلافية ابتداءً من إسبانيا وانتهاءً بالبحر الأسود. 2 ـ ساهمت حروب الفرنجة التي يُطلَق عليها اسم «الحروب الصليبية» ، وهي تعبير عن الإرهاصات الأولى لولادة الرأسمالية الأوربية، في القضاء على كثير من مراكز التجمع التجاري اليهودي في أوربا. وإلى جانب ذلك، دعمت هذه الحروب العلاقات بين الدول الأوربية المختلفة وبدأت تظهر شبكة علاقات بينها. كما أصبح الطريق إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، وغيره من الطرق، مفتوحاً بعد أن أخذ التجار المسيحيون يتحركون بسهولة خلف جنود حملات الفرنجة. وقد ظهرت شبكة طرق في القارة الأوربية استخدمها التجار المسيحيون، ولكنها لم تكن آمنة بالنسبة للتجار من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أن السلطات سمحت للتجار اليهود بالتظاهر بأنهم مسيحيون حتى يمكنهم الانتقال بسهولة والاستمرار في تجارتهم. 3 ـ بدأت تظهر هياكل مركزية حكومية في بعض الدول الأوربية مثل إنجلترا وفرنسا مع القرن الثالث عشر الميلادي، وفي إسبانيا بعد ذلك التاريخ. وهذه الهياكل لم تجد في أعضاء الجماعات اليهودية ـ من حيث هم أقنان بلاط ـ فائدة كبرى، ولذا طُرد اليهود في تلك المرحلة. ورغم عدم قيام سلطة مركزية في ألمانيا، فإن وضع اليهود تخلخل تماماً هناك. 4 ـ بدأت تظهر في أوربا طبقة تجارية محلية بلغت شيئاً من القوة في القرن الحادي عشر الميلادي. وقد أخذت قوة هذه الطبقة في التعاظم، فبدأ التجار والحرَفيون في تكوين نقابات تضمهم وتقوم بالضغط لصالحهم، وتحاول طرد التاجر اليهودي المنافس الذي كان يحظى بالدعم من السلطة الإقطاعية. وبدأت المدن تكتسب شيئاً من القوة والاستقلال، ووصلت حركة استقلالها إلى ذروتها مع القرن الثالث عشر الميلادي، واستولى التجار من الطبقة الوسطى بصورة متزايدة على المجالس المدنية والحكومات المحلية. ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب وُلدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو أو الشتتل. حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تَعُد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح. وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تماماً مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تَركَّز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضاً. وبالتدريج، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية في تحويل مدخراتهم إلى النوع السائل الذي يَسهُل حمله من بلد إلى بلد، وتَحوَّل اليهودي إلى مبادلة النقد ثم إلى إقراضه بالفائدة العالية، أي أنه وجد نفسه خارج النشاط الزراعي ثم خارج النشاط التجاري فتَحوَّل من تاجر إلى مراب، وتَحوَّل اليهود ككل من جماعة وظيفية وسيطة تقوم بدور الوساطة بين طبقات المجتمع إلى جماعة وسيطة عميلة تقوم بدور الوساطة ولكنها في الوقت نفسه أداة في يد الطبقة الحاكمة أولاً وقبل كل شيء. ولكن معدلات النمو لم تكن متساوية في أوربا، فلم تكن البنية الاقتصادية لشرق أوربا تشبه البنية الاقتصادية لغربها مع بداية العصور الوسطى. ولذا، رحبت النخبة الإقطاعية الحاكمة في بولندا وليتوانيا في أواخر القرن الثالث عشر بالعناصر التجارية، مثل اليهود والأرمن والتجار الألمان، لتطوير القطاع التجاري الدولي والمحلي فيها، دون اللجوء إلى بورجوازية محلية لها جذور في المجتمع ولها قاعدة جماهيرية فيه قد تطالب بقدر من الاستقلال بعد أن يقوى ساعدها، وقد تطالب بالمشاركة في صنع القرار وتُصرُّ على تَبنِّي سياسة تهدف إلى حماية الصناعة والتجارة المحلية، الأمر الذي قد يُضرُّ بمصالح كبار الملاك الإقطاعيين الذين كانوا يُصدِّرون محاصيلهم إلى الغرب ويحتكرون التجارة في بعض السلع الحيوية. ومن ثم، وجد النبلاء الإقطاعيون البولنديون في التجار اليهود ضالتهم المنشودة لأنهم أكثر العناصر بُعداً وغربة عن البيئة، وبالتالي يمكنهم القيام بالنشاط التجاري والمالي والصناعي دون تشكيل أي خطر على انفتاح الاقتصاد الإقطاعي البولندي، فأصبحوا أداة هذا الإقطاع. وقد ظهر في بولندا يهود الأرندا الذين لعبوا دوراً أساسياً في تصدير المحاصيل البولندية إلى أوربا، ولاسيما إبَّان حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 (. وقد اضطلع يهود الأرندا بأنشطة مالية وصناعية أخرى مثل تحصيل الضرائب واحتكار تجارة الملح، وساهموا بذلك في ملء خزائن النبلاء وفي ضرب البورجوازية المحلية. وبعد سقوط التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها وانسحاب التجار اليهود منها، ظهر عنصر جديد هو يهود إسبانيا والبرتغال من المارانو السفارد الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا مع نهاية القرن الخامس عشر وانتشروا في أوربا والدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي. وكان يهود المارانو يمتلكون الخبرات اللازمة ورأس المال اللازم للأعمال المالية الكبرى، وهو ما جعلهم يمولون كثيراً من الشركات الاستعمارية الجديدة وعمليات الاستيطان والاستثمار في العالم الجديد. فاستقروا في البرازيل واشتركوا في تجارة السكر والرقيق والمنسوجات حيث استفادوا بعلاقاتهم بالحكومة البرتغالية التي كانت تملك مستعمرات في أفريقيا مثلت مصدراً جيداً للعبيد. وشهد منتصف القرن السابع عشر الميلادي ذروة تطوُّر الدور الاقتصادي للجماعات اليهودية في أوربا والعالم، حيث اكتملت حلقة ما يمكن تسميته «التجارة الدولية اليهودية» ووصلت إلى قمتها وأصبحت عالمية بشكل لم يسبق له مثيل. وكان يهود المارانو هم حلقة الوصل الأساسية في هذه التجارة، فتركزوا في المدن الأوربية الكبرى، خصوصاً في تلك البلاد التي يتبعها إمبراطوريات مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال، حيث احتفظ المارانو بعلاقتهم مع أقاربهم الذين لم يُطرَدوا من شبه جزيرة أيبريا. وبذلك أصبحوا يلعبون دوراً أساسياً في تجارة الأطلسي والعالم الجديد. كما تركز المارانو في هامبورج وبوردو وبايون، وظهر من بينهم (ومن صفوف الإشكناز) يهود البلاط الذين لعبوا دوراً أساسياً في تجارة الإمارات الألمانية ووسط أوربا بشكل عام. وكانت تساعد هذا المركز الأوربي قاعدة ضخمة من صغار التجار اليهود وتجار العملة، حيث كان يهود الأرندا الإشكناز في بولندا، الذين امتدت نشاطهم من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، يشكلون أحد أجنحتهم المهمة. أما الجناح الآخر، فتَمثَّل في يهود الدولة العثمانية الذين تمركزوا في موانئ البحر الأبيض المتوسط. بل وكان للمارانو - كما أشرنا - قاعدة في المغرب وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي المستعمرات الهولندية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية في العالم الجديد. وهكذا اكتملت هذه الحلقة التجارية الدولية الضخمة. ومع أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بدأ يهود الإشكناز انتشارهم مرة أخرى في أنحاء العالم إلى أن أصبحوا أغلبية يهود العالم. ويُلاحَظ أن عودة اليهود إلى دول غرب أوربا، في القرن السابع عشر الميلادي، كانت عودة إلى دول لها مشروعها الرأسمالي الاستعماري الضخم المتكامل. ولكن، رغم أنهم كانوا يمثلون عنصراً تجارياً نشطاً، إلا أنهم لم يشكلوا عنصراً مستقلاً يمثل تجارة يهودية ملتصقة بالإقطاع، بل أصبحوا تجاراً يدينون باليهودية ويشكلون جزءاً من كلٍّ غربي لا يتحكمون فيه ولا يشكلون فعالية مستقلة داخله، حتى وإن تمتعوا بقدر من الاستقلال، لأنه في النهاية قَدْر صغير لا يؤثر على الاتجاه العام للرأسماليات التي ينتمون إليها. وقد ظلت التجارة اليهودية الهامشية قائمة في وسط أوربا وشرقها بدرجة أكبر حتى عصر الإعتاق (في القرن الثامن عشر) ، فظهرت بورجوازيات محلية في ألمانيا ثم بولندا أخذت تزاحم التجار اليهود وتطردهم. وقد تدهور وضع التجار اليهود، خصوصاً في بولندا بعد تقسيمها وبعد تَدنِّي وضع اليهود الاقتصادي فيها. ومن هنا ظهرت مسألة يهودية في كل من هذه البلاد. وكان للتجارة اليهودية دائماً بُعد سلبي أو مظلم، فقد كانت تجارة هامشية طفيلية " تعيش على تَخلُّف المجتمع " على حد قول ماركس، وتتسلل دائماً إلى الشقوق الناجمة عن التخلف، وإلى الأطراف التي تحفّ بها المخاطر ولا تجد من يعمل فيها، ولذا نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية اشتغلوا بتجارات مشينة مثل: تجارة الرقيق والمشروبات الكحولية والرقيق الأبيض، وهي جميعاً تجارات كريهة للنفس البشرية. فكانت تجارة المشروبات الكحولية في شرق أوربا من النشاطات التجارية الأساسية بينهم، وكانت مشكلة السكْر مشكلة أساسية تواجه الفلاحين والأقنان في شرق أوربا، وهو ما زاد سخط الجماهير عليهم. كما أن احتكار أعضاء الجماعات اليهودية لبعض السلع الأساسية، مثل الملح (لحساب النبلاء الإقطاعيين) ، جعلهم في حالة احتكاك وتوتر دائمين مع الفلاحين وكل عملائهم، رغم أن أرباح تجارة الكحول والملح كانت تَصبُّ أساساً في خزائن النبلاء ولم يكن اليهود سوى وسطاء فيها. ومنذ عام 1880، ومع تدهور دورهم التجاري، اشتغل بعض أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الرقيق الأبيض، فكانوا يُصدِّرون الفتيات اليهوديات من منطقة الاستيطان عبر جاليشيا إلى العالم الجديد، خصوصاً إلى الأرجنتين. وقد وصل نشاط تجار الرقيق الأبيض من اليهود إلى مصر والهند والصين أيضاً. كما أدَّى التدني التدريجي لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، وتضييق الخناق عليهم، إلى اشتغالهم بأنواع من التجارة غير المشروعة مثل تهريب السلع دون دفع جمارك عليها. وساعدهم في ذلك تَوفُّر شبكة الاتصالات الضخمة لديهم، وتَحدُّثهم باللغة اليديشية التي لم يكن يفهمها سواهم. وكانت مثل هذه النشاطات مسئولة عن ظهور الصورة السلبية التي أشاعها عن اليهود المعادون لهم، وعمموها بعد عزلها عن الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها، بحيث تحوَّلت هذه الصورة إلى نموذج يُعبِّر عن الطبيعة الأزلية لليهود! وقد حاربت مختلف الحكومات بقايا التجارة اليهودية وعزلتها، وحاولت دمج أعضاء الجماعات اليهودية عن طريق تحويلهم إلى عناصر اقتصادية منتجة، إلى أن قضت الثورات الشيوعية والإبادة النازية لبعض يهود الغرب على البقية الباقية من التجارة اليهودية الشرعية وغير الشرعية. ويُلاحَظ أنه لا يوجد أثر للتجارة اليهودية في الولايات المتحدة، إذ أن اليهود هاجروا مع ملايين المهاجرين إلى مجتمع تجاري علماني نفعي يحكم على الأعضاء بمقدار مدى نفعهم ومدى إسهامهم الاقتصادي في مجتمعهم. ومع هذا، تركت التجارة اليهودية أثرها في يهود روسيا السوفيتية حيث تواجدت أعداد كبيرة منهم في قطاع تجارة التجزئة والسوق السوداء. أما في الولايات المتحدة، فيظهر أثر الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود في تَركُّز رأس المال اليهودي في الصناعات القريبة من المستهلكين، مثل السينما والملابس، وفي بُعدهم عن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثماراً بعيد المدى وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولكن ميراث التجارة اليهودية آخذ في الزوال تماماً. وقد ترك اشتغال يهود العالم الغربي بالتجارة والأعمال المالية أثره العميق فيهم، إذ يُعَدُّ اشتغالهم بالتجارة سبباً في «استمرارهم» واحتفاظهم بنوع من الاستقلال العرْقي والقومي، وهذه سمة أساسية في الجماعات الوظيفية. والتجارة اليهودية التي تفترض انعزال التاجر عن مجتمعه هي الأساس الاقتصادي للجيتو ولكثير من التصورات الدينية والفكرية التي يُقال لها «قومية» والتي تتحدث عن «الشعب اليهودي» و «الشعب المختار» الذي يُوجَد على هامش التاريخ أو ربما خارجه، شأنها شأن التاجر اليهودي. والتجارة اليهودية مسئولة عن تحديد صورة اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. فاليهودي يظهر على أنه التاجر والمموِّل الشره والرجعي المحافظ في آن واحد. وربما يعود هذا إلى أن التجارة اليهودية نشاط شبه رأسمالي ولكنها تجارة مرتبطة بالنظام الإقطاعي، ولذلك فهي شيء مُبهَم يَصعُب تصنيفه. بل ويُقال إن الفلاحين كانوا ينظرون إلى التجارة اليهودية باعتبارها ضرباً من السحر، نظراً لطبيعتها الهامشية والطفيلية. فالنبيل الإقطاعي والفلاح يعملان بالزراعة، ولا غرابة إذا ظهرت ثمرة جهدهما، لأنهما يقومان بجهد في تحويل مادة ما (الأرض) إلى شيء آخر (الثمرة) من خلال الجهد الإنساني، أما اليهودي فكان لا يملك سوى رأسماله الذي يقوم بتحريكه (شراء السلع وبيعها) فيراكم الثروات دون جهد أو عمل دون أن ينتج شيئاً ملموساً وكأنه ساحر يخرج الأرنب من القبعة بتحريكها. والفكر الصهيوني ذو بُعد تجاري واضح، فهرتزل والصهاينة يتحدثون باستمرار وجدية عن شراء حائط المبكى بل وعن شراء فلسطين ذاتها. وانطلاقاً من التصور التجاري نفسه، لا يزال الإسرائيليون يتحدثون عن دفع تعويضات للفلسطينيين نظير أن يبحثوا لأنفسهم عن وطن آخر، كما تُقدِّم الحركة الصهيونية ما يشبه الرشوة لليهود السوفييت ليهاجروا إلى الأرض المقدَّسة. وأخيراً، فإننا نميل إلى تسمية الدولة الصهيونية بالدولة الوظيفية، فهي تلعب دوراً يشبه في كثير من النواحي دور التجارة اليهودية في أوربا. كما أن الدولة الصهيونية هامشية ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية الغربية مثل ارتباط التجار اليهود بالطبقات الحاكمة التي كانت تستخدمهم أداة لضرب القوى الوطنية المحلية. الراذانية Radhanites «الراذانية» جماعة من التجار اليهود، وورد اسمهم في صيغتين: الراذانية عن ابن خرداذبه والرادانية عند ابن فقيه. ويُقال إن الاسم مُشتق من كلمة «ردن» الفارسية بمعنى «عرف الطريق» . وهناك من يذهب إلى أنه من الكلمة «رادنوس» اللاتينية (نهر الرون) . ويختلف الباحثون في أصلهم فيقول البعض إنهم من جنوب فرنسا، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنهم أصلاً من العراق. وقد وصف ابن خردازبه في كتابه المسالك والممالك نشاطهم في المجال التجاري، قائلاً إنهم يتكلمون «العربية والفارسية والرومية [اليونانية] والإفرنجية [لغة الفرنجة أي الفرنسية القديمة] والأندلسية [الإسبانية] والصقلية [اللغات السلافية] » . وهم يسافرون من الغرب إلى الشرق براً أو بحراً، من فرنسا إلى السند والهند والصين ثم يعودون حاملين من الصين المسك والعود والكافور. وهم في رحلتهم هذه يسلكون عدة طرق. يجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف. وقد استمر نشاط التجار الراذانية حتى القرن التاسع الميلادي حين سيطرت المدن/الدول الإيطالية على التجارة الدولية. جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) Jewish Financial Functional Group (Usury and Money Lending) «الجماعة الوظيفية المالية» هي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بوظائف مالية مختلفة مثل الربا وجمع الضرائب. ويُفرِّق علم الاقتصاد الحديث والمؤرخون الاقتصاديون في الغرب بين الربا والإقراض بفائدة. ففي الإطار الربوي يتم الإقراض لسد حاجة أو لدفع ضريبة أو جزية أو لبناء قصر أو كنيسة أو لتجريد حملة عسكرية. والقرض الربوي لا يصبُّ في أية عملية إنتاجية، كما أن سعر الفائدة يكون عالياً جداً وغير محدَّد، وغالباً ما يُحدَّد في ضوء مدى حاجة المدين إلى القرض. أما الإقراض بفائدة، فقد عُرِّف بأنه إقراض مبلغ من المال بهدف استثماره في شراء البضائع أو في مشروع صناعي لتحقيق ربح، والقرض هنا يصبُّ في العملية الإنتاجية وعادة ما يتم تحديد نسبة فائدة معقولة. لكن هذه التفرقة لم تكن معروفة أو معمولاً بها في العصور القديمة حتى الثورة الصناعية في الغرب. ولذلك، فسوف نستخدم مصطلح «الربا» للإشارة إلى عملية الإقراض بفائدة أياً كان الهدف وأياً كان سعر الفائدة، خصوصاً وأن الإقراض اليهودي كان في معظمه ربوياً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وقد ارتبطت صورة اليهودي بشخصية المرابي في العقل الغربي وعَبْر التاريخ الغربي، وهي الصورة التي خلدها شكسبير بشخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. وقد فسر المعادون لليهودية اشتغال اليهود بالربا، مثلما فسروا اشتغالهم بالتجارة، على أنه جزء من طبيعتهم الأزلية ونزوعهم الأبدي نحو امتصاص دم الآخرين، في حين فسره المؤرخون الصهاينة بأنه وظيفة فُرضت على اليهود فرضاً باعتبارهم ضحايا أزليين لذئاب الأغيار. وليس لهذين التفسيرين أية علاقة بالواقع المتعيِّن للجماعات اليهودية. فقد كان العبرانيون، حين ظهروا لأول مرة في التاريخ، بدواً رُحَّلاً لا يتعاملون بالنقود، ولذا لم يكن هناك مجال للإقراض أو الاقتراض. ولم يكن اقتصاد المملكة العبرانية المتحدة متقدماً بما فيه الكفاية ليتطلب السيولة النقدية اللازمة لعمليات الاستثمار أو حتى لشراء السلع التَرفَيِّة، حيث كان الاقتصاد الداخلي بدائياً مبنياً على المقايضة والتبادل. أما الإنشاءات المعمارية التي قامت بها الدولة، فتم تمويلها من خلال التجارة الدولية التي احتكرتها. واشتغل العبرانيون المُهجَّرون إلى بابل بالزراعة، ولكن أعداداً منهم بدأت تقطن المدينة حيث اشتغلوا بالتجارة الدولية والمحلية، وظهرت بيوتات مالية تجارية ـ مثل بيت موراشو ـ كانت تُقدِّم القروض نظير فوائد. ويبدو أن بعض يهود الإسكندرية اشتغلوا بأعمال الربا، فيَذكُر يوسيفوس أن كبير الموظفين (ألبارخ) الإسكندري أقرض الملك أجريبا مبلغاً من المال. ولكن حالة يهود الإسكندرية كانت الاستثناء وليست القاعدة، ولذا لا نجد حتى القرن الرابع الميلادي أي هجوم على اليهود باعتبارهم مرابين. ومع القرن السادس الميلادي، بدأ اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا في الإمبراطورية الفرنجية. كما ظهر مرابون يهود في العالم الإسلامي، ولكنهم لم يحتكروا هذه المهنة إذ اشتغل بها أعضاء الأقليات العرْقية والدينية الأخرى كما اشتغل بها بعض أعضاء الأغلبية. ولم تتركز أغلبية اليهود في هذه المهنة بل كانوا يعملون في معظم الحرف والمهن الأخرى. وبدأ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي في مهنة الربا ابتداءً من القرن العاشر الميلادي. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة، تُساق عدة أسباب ربما كان أهمها اضطرار اليهود إلى اعتزال التجارة الدولية والمحلية، وظهور المدن/الدول الإيطالية، وحروب الفرنجة، وتشكيل نقابات الحرَفيين. ومن ثم اضطر اليهود إلى تحويل ممتلكاتهم إلى رأسمال سائل يَسهُل حمله، وإلى الاشتغال بأعمال الصيرفة واستبدال العملة ثم الربا. وقد شجعت على هذه العملية عدة أسباب أخرى أهمها: 1 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في التشكيل الحضاري الغربي. والجماعة الوسيطة هي التي تضطلع بوظائف (مثل الاتجار والإقراض بالربا) لا يقبل أعضاء المجتمع القيام بها بسبب ارتباطهم بأواصر قرابة أو صداقة أو جيرة تجعل دخولهم في علاقات موضوعية باردة محايدة أمراً عسيراً. ومن هنا كان من المنطقي أن يعمل أعضاء الجماعة اليهودية الوسيطة، الذين يقومون بمهنة التجارة، بالربا حينما تضطرهم الظروف إلى تغيير وظيفتهم. 2 ـ ولعل التنظيم الجامد للمجتمع الإقطاعي الغربي لعب دوراً أساسياً في هذا المضمار، فلم يكن أمام التاجر اليهودي الذي كانت تُغلَق أمامه فرص التجارة بدائل كثيرة مطروحة، إذ لم يكن بمقدوره أن يعمل في الزراعة أو القتال أو في كثير من الحرف الأخرى، خصوصاً بعد تشكيل نقابات الحرفيين التي كانت تُعَد أكثر القطاعات عداء لليهود. 3 ـ تُحرِّم الكنيسة الربا على المسيحيين حيث صدرت عدة قرارات في هذا الشأن. وكان أولها قرار اتُخذ في مجمع نيقيا في عام 325 ثم في مجمع أورليان في عام 538، ولكن هذه القرارات كانت تُحرِّم الربا على رجال الدين لا على جميع المسيحيين، إلى أن صدر قرار شارلمان عام 789. ووصل التحريم قمته في المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 حيث شمل التحريم كل المسيحيين ( «إن الذين يجهرون بالربا لا يُقبَلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يُدفَنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صلواتهم» ) . أما اليهودية فلم تُحرِّمه، ولكنها حرَّمت إقراض اليهودي لأخيه اليهودي بالربا، فقد جاء في سفر التثنية (23/19 - 20) «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يُقرَض بربا للأجنبي. تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها» ومن المعروف أن الجماعات الوظيفية تتبنى مقاييس أخلاقية مزدوجة، مقاييس تنطبق على عضو الجماعة وأخرى تنطبق على أعضاء المجتمع المضيف. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن الفقه الديني اليهودي لم يتقبل بسهولة مسألة الإقراض بربا وقد قال راشي في القرن الحادي عشر الميلادي «إن كل من يقرض أجنبياً بفائدة سيهلك» وقد أصبح التحريم أقل حدة في القرن الحادى عشر الميلادي عندما أصدر أحد الحاخامات فتوى مفادها أن اليهودي ينبغي عليه ألا يقرض الأغيار بربا، حين يكون بوسعه أن يكسب رزقه بطريقة أخرى. كما أصدر الحاخام أليعازر بن ناثان (من ألمانيا) فتوى مماثلة جاء فيها: «حينما لا يملك اليهود حقولاً أو كروماً يمكنهم العيش من ريعها، يصبح إقراض المال بربا ضرورياً لكسب رزقهم ومسموحاً به» . وقد جاء في المشناه «بإمكان الإنسان أن يُقرض ويقترض بربا من الكفار» . ولكن وردت إلى جانب ذلك تحفظات بحيث لا تصبح المسألة مطلقة، فأورد التلمود اقتباساً من المزمور 15 الذي جاء فيه «فضته لا يعطيها بالربا» ، كما جاء في سفر الأمثال (28/8) ما يبيِّن أن الإقراض بالربا ليس مُحرَّماً ولكنه مع هذا مكروه، ثم ذُكر أن الإقراض بالربا مباح إذا كانت الفائدة ضرورية لحياة الإنسان وليس الهدف منها الحصول على الثروة والترف. 4 ـ تزامنت عملية تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة مع ظهور حاجة ماسة إلى المال السائل اللازم لتجريد حملات حروب الفرنجة ولبناء الكاتدرائيات والكنائس. بل وبدأت تظهر في أوربا، بسبب التحولات الاقتصادية العميقة التي كانت تخوضها آنذاك، حاجة ماسة إلى اقتراض النقود، لا لسد الحاجة الشخصية وإنما للاستثمار التجاري، أي أن عملية الاقتراض بدأت تصبح مسألة أساسية للنظام الاقتصادي. وفي القرن الحادي عشر الميلادي، تصاعدت وتيرة تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة واشتغالهم بالربا. وبعد عدة عقود، كان معظم السكان في أوربا المسيحية، في غربها ووسطها، مدينين لليهود الذين أصبحوا مالكين لقرى ومدن بل بعض الأماكن المسيحية المقدَّسة مثل الأضرحة والمزارات. وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم يهود أوربا. وأصبحت كلمتا «مرابي» و «يهودي» مترادفتين مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. وقد مارس المرابون اليهود نشاطهم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. أما في فرنسا، فقد مارسوا نشاطهم في فترات مختلفة من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. واكتسب أعضاء الجماعات اليهودية أهميتهم في ألمانيا، بوصفهم مرابين، من القرن الثالث عشر الميلادي حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ثم امتد نشاطهم بعد ذلك إلى بولندا واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا عن التجارة، إذ ظل هناك يهود يعملون بها حتى القرن الخامس عشر الميلادي بل وحتى بعد ذلك التاريخ، خصوصاً في الدول السلافية. كما أن من المعروف أن التجارة اليهودية وصلت قمة ازدهارها في القرن السابع عشر الميلادي أيام يهود البلاط. وقد كُسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعات فرسان المعبد الألمانية، واللومبارد في إيطاليا، والكوهارسين في فرنسا. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيراً من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع في عام 1248 لقب «أبناء الكنيسة الرومانية المميَّزين» للمرابين المسيحيين. ومع هذا، كان ارتباط كلمة «المرابي» بكلمة «اليهودي» من القوة حتى أن إحدى القصائد الألمانية تشير إلى «اليهود المسيحيين» أي «المرابين المسيحيين» . وكانت كلمة «لومبارد» أيضاً مرادفة لكلمة «مرابي» ، ولذا يُوجَد نص فرنسي (1315) يشير إلى «اللومبارد واليهود والمرابين الآخرين» . وقد احتدمت المنافسة في بداية الأمر بين أعضاء الجماعات اليهودية من جهة، واللومبارد والكوهارسين من جهة أخرى. فهؤلاء المرابون كانوا يشغلون المكانة نفسها ويضطلعون بالوظيفة نفسها ويتمتعون بالمزايا نفسها وتنزل بهم الكوارث نفسها، فقامت صراعات بينهم لهذا السبب. وحينما اضطهد هنري الثالث ملك إنجلترا الكوهارسين في عام 1251 وزج ببعضهم في السجن (وفرَّ البعض الآخر) ، عم الفرح أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن بعد عامين، حينما قام لويس التاسع بطرد اليهود، استولى الكوهارسين على بيوتهم وممتلكاتهم بحماس غير عادي. وكانت المواثيق تعامل أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من المرابين على قدم المساواة، وكانوا أحياناً يُطرَدون جميعاً كما حدث عام 1427 في برن (سويسرا) . ومع ذلك لم يقوَ المرابون اليهود على الاستمرار في المنافسة، إذ تمتَّع المرابون المسيحيون بمساندة حكوماتهم التي كانوا يوفرون لها قدراً كبيراً من الأمن اللازم للعمليات المالية. ولكن الأهم من هذا أن جماعات اللومبارد أو الكوهارسين كانت لديهم شبكة اتصال ضخمة، وكان بوسعهم تدبير قروض ضخمة لم يكن بمقدور اليهود تدبيرها. ومع تراجع الكنيسة باعتبارها أحد المنافسين، وتأييدها اللومبارد وغيرهم، ومع تزايد ابتزاز الأمراء لأقنان البلاط، أي المرابين اليهود، سقط الربا اليهودي مع نهاية العصور الوسطى ولم تعد لرأس المال اليهودي أهمية كبرى، كما لم يعد هناك رأسمال يهودي ضخم عند وقوع الثورة التجارية. وبينما كان المرابي اليهودي في البداية يُقرض الملوك والأباطرة ثم كبار النبلاء الإقطاعيين، فإنه راح يُقرض صغار النبلاء والفرسان ثم بعد ذلك الحرفيين والفلاحين والفقراء. وبدلاً من وجوده بجوار الطبقة الحاكمة، انسحب إلى الهامش حيث لم يَعُد اليهود يشكلون الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة. وهبط اليهودي من مرتبة الصيرفي إلى المرابي الذي يُقرض مبالغ صغيرة لمدة قصيرة بفائدة عالية وبضمان رهونات بسيطة مثل درع أو قطعة حلي أو بعض الملابس. ولعل ماحدث في مدينة ريجنزبرج في ألمانيا مثل جيد على هذا التدهور التدريجي التاريخي، فحتى عام 1250 كانت بلدية المدينة هي أهم مدين لليهود، وحتى عام 1400 كان أهم المدينين هم النبلاء ورجال الدين. أما بعد ذلك التاريخ، فقد احتل الفرسان ومواطنو المدن والحرفيون هذا المكان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، كان القرويون في جنوب فرنسا يُشكلون 65% من المقترضين حيث اقترضوا 43% من المبالغ، وكان سكان المدينة يشكلون 30% من عملاء المرابين اليهود حيث اقترضوا 41%، وكان الفرسان والنبلاء يمثلون 2% واقترضوا 9%، ورجال الدين 1% واقترضوا 5%. ولم يكن النمط مختلفاً في إنجلترا، حيث تخصص المرابي اليهودي في إقراض الطبقات الفقيرة التي يقترض أعضاؤها أموالاً ثم يجدون بعد ذلك في الغالب صعوبة بالغة في تسديد الديون. وقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته على عكس تصورات المعادين لليهود. ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلاً خاصاً حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا. فكان المرابي يصبح شريكاً موصياً أو شريكاً يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيباً من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئاً من ماله إذا لم يربح، وهذا هو ما تفعله بعض البنوك الإسرائيلية الآن لتتمكن من إقراض الإسرائيليين دون الإخلال بالقواعد الدينية. وكان المرابي يلعب دوراً اقتصادياً أساسياً في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أوكاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره. وعلى سبيل المثال، ساعد هارون (من لنكولن في إنجلترا) في القرن الثاني عشر الميلادي في بناء ما لا يقل عن تسع كاتدرائيات. كما موَّل المرابون اليهود بعض حملات حروب الفرنجة. والربا اليهودي، شأنه شأن التجارة اليهودية، كان عملية هامشية غير منتجة. فالمرابي برغم أهميته لا يلعب دوراً متعيِّناً واضحاً في العملية الإنتاجية، إذ إن أساس فائض القيمة في النظام الإقطاعي هو نمط الإنتاج الإقطاعي ذاته الذي ينتج قيمة استهلاكية وحسب دون الاهتمام بالقيمة التبادلية. وكان الأمير الإقطاعي والفلاح يشتركان في الإنتاج، أما المرابي فيظل خارج العملية أو على هامشها. ومن هنا، فإن الإقراض الربوي، شأنه شأن التجارة البدائية، لا يلعب دوراً في العملية الإنتاجية لأنه إقراض من أجل الاستهلاك أو نشاطات أخرى تقع خارج نطاق العملية الإنتاجية، على عكس الإقراض الرأسمالي الذي يُوظَّف في العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الإقراض هو أحد أسس عملية الإنتاج الرأسمالي. ولا شك في أن هذه الهامشية جعلت عناصر المجتمع تنظر إلى اليهودي على أنه شخصية طفيلية لا تبدع ولا تنتج، ولكنها تستولي على عائد الإنتاج. بل كان البعض يرون أن الربا، مثله مثل التجارة البدائية، يُعَدُّ شكلاً من أشكال السحر، إذ ينتج المرابي الثروة عن طريق تحريك أمواله لا عن طريق أي جهد إبداعي متعيِّن. لكن المرابي اليهودي لم يكن سوى أداة في عملية اقتصادية ضخمة إذ كان يَعُدُّ من أقنان البلاط، أي ملكية خاصة للملك يبيعهم متى شاء. وكانت أموال المرابي تئول إلى الملك من الناحية القانونية، ولكنه كان من الناحية الفعلية يتركها لأولاد المرابي حتى يستمروا في وظيفتهم. وكان الأمير أو الملك يبيع لليهود المواثيق التي تحميهم، وتحدد حقوقهم وتؤكدها، وتضمن لهم الأمن اللازم للاستمرار في العمليات المالية. وهذه حقوق لم يكن يتمتع بمثلها سكان المدن أو عامة الشعب. وكانت عملية بيع المواثيق هذه تضمن أن تصب ثمرة العملية الربوية بأسرها في خزانة الملك الذي كان يُسمَّى «شيخ المرابين» . أما اليهود فلم يكونوا سوى الوسيط الذي يلعب دور الإسفنجة، فهم يمتصون ثروة الشعب التي يعتصرها الحاكم فيما بعد عن طريق منح المواثيق لأعضاء الجماعة اليهودية وفرض الضرائب علىهم. وقد كان اليهود أكبر مصدر دخل للملك في إنجلترا، حيث كانوا يشكلون حوالي 12% من كل مصادر دخله. وفي بعض الإمارات المسيحية، في إسبانيا مثلاً، كانوا يشكلون نسبة أكبر من ذلك. وقد اضطر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الاعتماد الكامل على الملك أو الأمير الإقطاعي لحمايتهم من غضب الجماهير وفتكها، وكان هو بدوره يفضلهم في مرحلة من المراحل على غيرهم من المرابين نظراً لعجزهم وانفصالهم عن المجتمع ولعدم وجود قاعدة بشرية تدعمهم وتساندهم، وهو ما جعل منهم جماعة وظيفية وسيطة مثالية. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نميِّز بين الجماعة الوظيفية الوسيطة والجماعة الوظيفية الوسيطة العميلة. فالجماعة الوسيطة، رغم قربها من الطبقة الحاكمة، تؤدي خدمة لكل طبقات المجتمع. أما الجماعة العميلة، فهي أداة في يد الحاكم يستخدمها لصالحه ضد بقية طبقات المجتمع. وعلى هذا، كان التاجر اليهودي وسيطاً، أما المرابي اليهودي فكان عميلاً. ولكل هذا، كان الملك يبذل قصارى جهده ليمنع المرابين من اعتناق المسيحية إذ أن هذا يشكل إضعافاً وتبديداً للأداة التي يستخدمها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن يتمتع بثمرة الرذيلة (أو هكذا كان التبرير والادعاء) . كما كان الملك يمنع اليهود من العمل في أي وظيفة أخرى، وكانت المواثيق التي تُمنَح لهم تمنع المسيحيين من الاشتغال بالربا. وقد طُرد طبيب ألماني مسيحي من مدينته لأنه تعدى على الحقوق والاختصاصات التجارية والمالية لليهود بأن اسثمر أمواله في الربا من خلال صديق يهودي له. وكان الملك يلجأ عند عجزه عن تسديد ديونه، إلى منح المرابي اليهودي حق جَمْع الضرائب من الفلاحين. ولكنه كان يلقي بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشاً للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد. ولعل هذا هو السبب في أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يراكموا قط رأسمالاً كافياً ولم يتحولوا قط إلى طبقة حاكمة، بل كانوا يعملون دائماً من خلال السلطة الحاكمة وفي خدمتها. ورغم أن المرابي اليهودي كان مجرد أداة، إلا أنه أصبح محط كراهية معظم أعضاء المجتمع وطبقاته، بما في ذلك المستفيدون منه. فقد كانوا يرون الربا شراً لابد منه، ولكنه شر أكيد، حيث تُعَدُّ كراهية المرابي أمراً متأصلاً في المجتمعات البشرية. وكان لفظ «سكتور sector» يُطلَق على كل من المرابي والقاتل في الإمبراطورية الرومانية. وربما يُعزَى توجيه تهمة الدم لليهود والقول بأنهم يطبخون عجين عيد الفصح بدم طفل مسيحي إلى اشتغالهم بمهنة الربا، فهم يمتصون دم ضحاياهم مجازاً. وليس من الصعب على الوجدان الشعبي أن يضع ما هو مجازي مقام الحقيقة الواقعة. وثمة أسباب متباينة جعلت المرابي اليهودي محط كراهية شديدة من كثير من الطبقات. فبالنسبة للطبقات الفقيرة، كان المرابي هو أداة الاستغلال المباشرة حيث كان يحتك بهم بشكل دائم، فضلاً عن أنهم كثيراً ما كانوا يخفقون في تسديد ديونهم فيفقدون مصدر رزقهم ذاته سواء كان هذا المصدر قطعة الأرض أو الآلات التي يعملون بها أو ملابسهم ذاتها. أما كبار النبلاء، فكانوا يرون في اليهودي قوة مالية ضخمة تساند الملك في صراعه معهم، كما أن المرابي اليهودي كان يعوق محاولتهم الاستيلاء على أراضي صغار البارونات الذين كان المرابي اليهودي يقرضهم فيحققون البقاء والاستمرار. وكان سكان المدن يرون في المرابي اليهودي غريماً لهم، وأداة في يد الحاكم الإقطاعي يستخدمها لقمعهم ولإعاقة تطورهم، خصوصاً أنه كان يتمتع بمزايا لا يتمتعون بها. ثم كان هناك عداء الكنيسة لهم، وهو عداء له بطبيعة الحال جذوره الدينية العقائدية وإن كان قد اكتسب بعداً اقتصادياً أيضاً لأن الكنيسة كما أسلفنا كانت تقوم هي ذاتها بالإقراض وتساند جماعات من المرابين. ومن أكبر مصادر الكراهية، ارتفاع سعر الفائدة عن معدلها المفترض وهو 12.5%. لكن المرابي لم يكن يتمتع في العصور الوسطى بضمانات كافية، بل كان معرضاً باستمرار لخسارة أمواله وفقدان حياته. كما لم يكن في مقدور المرابين على الدوام أن يلزموا مدينيهم بالوفاء بالتزاماتهم عن طريق الالتجاء إلى القانون، فكانوا دائماً مهدَّدين بالطرد. ويضاف إلى ذلك أن القانون المسيحي في العصور الوسطى، بتحريمه الربا، قد اضطر المرابين إلى ابتداع حيل قانونية عديدة من بينها وجود وسيط بين الدائن والمدين، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة سعر الفائدة. فوصلت الفائدة في إنجلترا إلى ما بين 43 و86% وفي النمسا (في عام 1244) إلى 173% وفي بروفانس (فرنسا) إلى 300%. ومن الصعب على من يقترض بمثل هذه الفائدة أن يسدد ديونه. ولذا، كانت عملية الإقراض والتسديد تنتهي بتوجيه تهمة السرقة إلى المرابي، وهي كذلك بشكل من الأشكال. ومما كان يدعم شكوك الناس في المرابي أن المواثيق التي كانت تُمنَح للمرابين اليهود تجعل من حقهم الاستيلاء على الأشياء المرهونة حين يعجز أصحابها عن تسديد القرض والتصرف فيها حتى لو اكتُشف أنها مسروقة، وكان هذا يتناقض مع القانون والأعراف الألمانية. ومن هنا، تصورت الجماهير أن المواثيق التي تُمنح لليهود تحابيهم وأنها بمنزلة ستار لتغطية عمليات السرقة الفعلية. وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضواً في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورة هائلة. ويُلاحَظ في الهجمات الشعبية على المرابين أنها لم تستهدفهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين. ومن هنا كانت الجماهير لا تميِّز بين اليهود أو اللومبارد والكوهارسين أو غيرهم من المرابين مثل أعضاء العصبة الهانسية في إنجلترا (حوالي عام 1381) . وحينما كانت الجماهير تطلب طرد المرابين، فإنها لم تكن تخص المرابين اليهود وحدهم بهذا الطلب بل كان يتم طرد وملاحقة كل المرابين. وحينما كان المرابون اليهود يُطردون «إلى الأبد» من مدينة أو مقاطعة ويحل محلهم مرابون لومبارد أو كوهارسين، كانت الجماهير تكتشف أن المرابين الجدد ليسوا أفضل من اليهود الأشرار. بل تذكر المصادر أن متوسط معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه اليهود كان أقل في العادة من المعدل الذي كان يتقاضاه اللومبارد والكوهارسين، ربما بسبب ضعف مركزهم. ولكن هناك حالات، كما حدث في بوهيميا في نهاية القرن الخامس عشر، تقاضى فيها اليهود ضعف معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه المرابي غير اليهودي، وذلك حتى يمكنهم تسديد الضرائب المفروضة عليهم. وكثيراً ما كانت المدن التي تطرد اليهود تطلب عودتهم من جديد، وترحب بهم، وتعتبرهم منقذين، لتقوم بطردهم مرة أخرى بعد فترة. وفي الفترة من 1300 إلى 1500 طُرد اليهود مائة وخمسين مرة من أماكن في جنوب ووسط أوربا، ولكن ورغم ذلك، لم تخل هذه المنطقة منهم في أية لحظة تاريخية. وقد ترك اشتغال الجماعات اليهودية بالربا أعمق الأثر عليهم، فقد جعلهم جماعة هامشية مكروهة من المجتمع، بغيضة لدى معظم طبقاته. وكرد فعل لمشاعر الكراهية ضدهم ولهامشيِّتهم، نمت في صفوفهم أفكار مثل الشعب المختار الذي لا علاقة له بالتاريخ أو الجغرافيا، فضلاً عن النزوع إلى تقسيم العالم إلى «يهود أبرار» و «أغيار أشرار» ، وهذه هي التربة التي نمت فيها الصهيونية فيما بعد. وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدر للدخل وإنما أمراً مرغوباً فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد. وهذه طريقة إنسانية مألوفة يبرر بها الإنسان ما يقوم به من أعمال بغيضة تتنافى مع إنسانيته، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر. ومن جهة أخرى، ترك اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا أو الإقراض الربوي أثراً عميقاً في هيكلهم الوظيفي، فلم تظهر بينهم طبقة رأسمالية، ولم يحصلوا على قوة سياسية حقيقية بل تزايد ارتباطهم بالمجتمع الإقطاعي واعتمادهم الكامل على القوة السياسية الحاكمة. كما اشتغلوا بحرَف مرتبطة بأعمال الرهونات، مثل إصلاح الملابس المُستعمَلة وتسويقها وإصلاح الدروع والمجوهرات. وكان من شأن هذا كله أن يؤثر في التطور الاقتصادي اللاحق للجماعات اليهودية في أوربا. ويرتبط نظام الأرندا بالإقراض الربوي داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا، فقد كان المرابي اليهودي يقوم بإقراض النبيل الإقطاعي البولندي بضمان ريع ضيعته ثم يتعاقد النبيل مع اليهودي لإدارة الضيعة، فكان هذاالأخير يلجأ إلى قمع واستغلال الفلاحين الأوكرانيين حتى يسترد قرضه. والواقع أن نظام الأرندا هو أهم مؤسسة في التاريخ الاقتصادي للجماعات اليهودية في الغرب، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار التطورات اللاحقة وظهور الدولة الصهيونية التي تدخل في علاقة مع الولايات المتحدة من ناحية والعرب من ناحية أخرى، تشبه في كثير من الوجوه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالنبلاء البولنديين والفلاحين الأوكرانيين. غير أن وضع أعضاء الجماعات اليهودية تدهور، كما أسلفنا، في معظم أنحاء أوربا، فاشتغلوا بأعمال الرهونات. ولكن، مع القرن السابع عشر الميلادي وظهور يهود المارانو السفارد الذين اشتغلوا أيضاً بإقراض الدولة والملكيات المطلقة وتوفير المال اللازم للوفاء باحتياجاتهم، بدأت طبيعة الربا اليهودي في التغير. فالأمراء الذين يقترضون من يهود البلاط كانوا ينفقون جزءاً من تلك الأموال في الترف والحروب، ولكنهم كانوا ينفقون الجزء الآخر في تطوير الصناعات في إماراتهم وفي تحديثها. وبذلك نكون قد بدأنا في دخول العصر الحديث. وقد وجد رأس المال اليهودي طريقه إلى النظام المصرفي الحديث، ولكنه أصبح في أوربا الغربية جزءاً صغيراً من كلٍّ أكبر، بحيث لا يمكن الحديث عن رأسمال يهودي مستقل. وكان الوضع في ألمانيا مختلفاً حيث تَركَّز اليهود في أهم ثلاثة مصارف بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن النازية قضت على هذا الهيكل الاقتصادي. جماعة وسيطة Middleman Group » الجماعة الوسيطة «هي الجماعة الوظيفية التجارية أو المالية التي تضطلع بدور التجارة والإقراض بالربا وبدور الالتزام. التجارة اليهودية Jewish Trade انظر: «جماعة وظيفية يهودية تجارية « الربا اليهودي Jweish Usury انظر: «جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) « الضرائب التي يدفعها أعضاء الجماعات اليهودية Taxes Paid by Members of Jewish Communities علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالضرائب لها وجهان مترابطان تمام الترابط: فهم من جهة دافعو ضرائب، ومن جهة أخرى محصلو ضرائب. وقد خلَّفت علاقة الجماعات اليهودية بالضرائب، سواء في دفعها أو جمعها، أثراً عميقاً فيهم، وسنتناول في هذا المدخل الجماعات اليهودية من منظور الضرائب المفروضة على أعضائها. لم يتمتع العبرانيون باستقلال سياسي إلا لفترات قصيرة للغاية، ولذلك كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون دائماً أقلية صغيرة داخل تشكيل إمبراطوري أو حضاري ضخم. وكانت الضرائب دائماً أكبر مصدر للريع بالنسبة للإمبراطوريات في العصور القديمة أو في العصور الوسطى في الغرب، أو في العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) أو في العصر الإسلامي الثاني (العثماني) ، أي حتى الثورة الصناعية. وكانت الضرائب تُفرَض في كثير من الأحيان على الجماعة اليهودية ككل، لا على أعضائها كل على حدة شأنها في هذا شأن معظم الأقليات والجماعات الأخرى. ويبدو أن إطار السلطة الذاتية للجماعات المحكومة كان أنجع الطرق لضمان تَدفُّق الريع الضرائبي، فكانت الجماعة اليهودية، وغيرها من الجماعات، تتمتع باستقلال ذاتي في الأمور الدينية والتربوية والقضائية. وكانت قيادتها تتمتع بسلطات خاصة، فكانت، في كثير من الأحيان، هي التي تحدِّد الضرائب وتقوم بجمعها من أعضاء الجماعة، بل أصبحت هذه المهمة أهم وظائفها. ولذا، حاولت السلطة الحاكمة دائماً أن تُقوِّي قبضة القيادات اليهودية وتحقق لها مركزاً متميِّزاً داخل الجماعة، لتضمن ولاءها لها ولتصبح أداة طيعة في يدها. ومن ثم، كانت قيادات الجماعة تُعفَى من الضرائب عادةً، وكان أمير اليهود (الناسى) ، ورأس الجالوت (المَنْفَى) ، وكثير من الحاخامات، يُعْفَون من الضرائب، بل وكان يُسمَح لهم بفرض ضريبة خاصة لتمويل منصبهم ذاته. وكثيراً ما كان الحاخامات يحصلون على معاشهم من خلال ضريبة خاصة تُفرَض لهذا الغرض. وكان الهدف من هذا هو تحويل هذه القيادات إلى أداة في يد السلطة الحاكمة وموظفين عندها بحيث يمكنها من خلالهم اعتصار الجماعة اليهودية. وكانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية أحياناً لا كوسيلة لاعتصار أعضائها وحسب وإنما لاعتصار الجماهير الشعبية، وبذلك لم يكن أعضاء الجماعة سوى الإسفنجة التي يتم امتصاص هذه الجماهير عن طريقها. فكان الحاكم على سبيل المثال يفرض ضريبة عالية على أعضاء الجماعة اليهودية، ويمنحهم نظير ذلك مزايا وحقوقاً خاصة تُيسِّر لهم عملية استغلال الجماهير، كأن يسمح لهم بتحصيل فائدة عالية على القروض أو يصرح لهم بحرية الحركة من مدينة لأخرى دون أن تتصدى لهم السلطات الإقطاعية المختلفة. وقد يسَّر هذا على كل من التاجر والمرابي اليهودي إدارة أعمالهما وجعلهما أكثر كفاءة من نظرائهما المسيحيين. وكلما تزايد السخط الشعبي، كان يتزايد اعتماد هؤلاء المرابين اليهود على السلطة الحاكمة التي كانت تزيد من اعتصارهم عن طريق فرض ضرائب جديدة عليهم أو تسلمهم للجماهير فتمتص السخط الشعبي وتصادر أموال اليهود وتطردهم، ثم تستدعيهم مرة أخرى لتبيع لهم من جديد المزايا والمواثيق والحماية، أي أن جَمْع الضرائب ودفعها ساهم في عملية حوسلة اليهود. لكن العناصر السابقة لم تتحقق في كل زمان ومكان، فتعرُّجات التاريخ وتركيبيته تتحدى أي نسق منظم وأية سمات عامة، وهذا لا يقلل من دلالة وفاعلية النموذج التفسيري. وإذا انتقلنا الآن إلى العرض التاريخي، يمكننا القول بأن العبرانيين، حتى انتهاء عصر القضاة، لم يعرفوا نظاماً ضريبياً بسبب أسلوب حياتهم القَبَلي وبساطته. بل إن الدولة العبرانية المتحدة ذاتها، إبَّان حكم داود، كانت أقرب إلى اتحاد القبائل، ولذا لم تُفرَض أية ضرائب في عهده. ومع حكم سليمان، بدأت الدولة تصل إلى قدر من التركيب والمركزية، وظهرت طبقة حاكمة تضم داخلها قطاعات كهنوتية وأخرى عسكرية وثالثة إدارية، كما بدأت حركة تشييد مبان حكومية من أهمها بناء الهيكل. وقد تطلَّب كل ذلك تمويلاً وهو ما أدَّى إلى فرض الضرائب، ففُرضت ضريبة الشيقل حيث كان على كل عبراني بالغ أن يدفع للهيكل نصف شيقل (ويتناول التلمود في أحد كتبه الأحكام الخاصة بالشيقل) . كما كانت تُقدَّم للهيكل هدايا وضرائب عينية. ومنذ هذه اللحظة التاريخية، بدأت الضرائب تلعب دوراً مهماً في حياة العبرانيين، ومن المعروف أن من أسباب انقسام الدولة العبرانية المتحدة شكوى قبائل الشمال من فداحة الضرائب التي فرضها سليمان. وبطبيعة الحال، استمرت المملكتان العبرانيتان، الشمالية والجنوبية، في تحصيل الضرائب. وثمة إشارة في العهد القديم إلى أن الملك العبراني كان يأخذ عُشر إنتاج الحقول، وكان من حقه أن يُجنِّد بعض الرجال والنساء ليعملوا خَدَماً له، حسب نظام السخرة السائد في الشرق الأدنى القديم والذى طبقه سليمان إبَّان حكمه. كما فرض ملوك المملكتين ضرائب خاصة أثناء الحروب وحينما تعيَّن عليهم دفع جزية للآشوريين أو البابليين. واستمر هذا الوضع قائماً إلى أن اجتاح الأشوريون ثم البابليون المملكتين وهجَّروا بعض عناصرها إلى بلاد الرافدين. حيث شهدت هذه الفترة تحوُّلاً مهماً، تمثَّل في بداية تحوُّل العبرانيين إلى جماعة وظيفية. وقد ظهر بيت موراشو في بابل، فكانت شركتهم تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري لقاء الإفادة منها. وبعد صدور مرسوم قورش وعودة بعض اليهود، دخل أعضاء الجماعات النمط الأساسي الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أنهم أصبحوا جماعة تُفرَض عليها ضرائب جماعية وتتمتع باستقلال ذاتي لتسهيل عملية جَمْع الضرائب، وقد ترأس هذه الجماعة الكهنة الذين أُعفوا من الضرائب. وقد أصبح الهيكل هو المركز الأساسي للجماعة (ولم تَعُد مؤسسة الملكية تزاحمه) ، فكان يجمع ضريبة نصف الشيقل ويحصل على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير. وفي مرحلة لاحقة، قبل سقوط الهيكل، كان يجمع ما يُسمَّى بالشيقل المقدَّس ويساوي ضعف الشيقل العادي وهو عبارة عن جزية سنوية يدفعها يهود فلسطين والعالم وتُنقَل إلى الهيكل (مركز العبادة القربانية) . وكان الصدوقيون هم الذين يحصِّلون هذه الضرائب ويحصلون على هذه الهدايا وعلى جزء كبير من القرابين، وهو ما حوَّلهم إلى أرستقراطية كهنوتية ثرية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الضرائب مصدر الشقاق الأساسي بين الأرستقراطية اليهودية (المندمجة في الثقافة الإمبراطورية، فارسية كانت أم هيلينية) من جهة، والجماهير اليهودية المتشبعة بالثقافة المحلية (الآرامية) ، ومنهم فقراء رجال الدين، من جهة أخرى. وقد اهتم اليونانيون بالريع الضريبي، فكانوا يفرضون ضرائب متنوعة على اليهود وغيرهم، بل وضريبة على الزيجات أحياناً. كما أسسوا شبكة ضخمة منظمة لتحصيل الضرائب عمادها أعضاء الطبقات الثرية المحلية. وكان الملتزمون اليهود يحاولون قدر استطاعتهم، مثلما هو الحال دائماً مع البشر، أن يحصلوا ضرائب أكثر من المفروضة لأنهم كانوا يحصلون على الفرق بين ما ينبغي عليهم تسديده لخزانة الدولة وما يحصِّلونه بالفعل. وكانت هذه الجماعة الوظيفية المالية، التي ارتبطت مصالحها بمصالح الدولة الهيلينية (البطلمية أو السلوقية) ، متأغرقة تماماً من الناحية الثقافية، الأمر الذي زاد الهوة بينها وبين الجماهير. وكان السبب الأساسي للتمردات اليهودية المتتالية هو الضرائب المتزايدة. ويُلاحَظ أن اليهود في الدولة البطلمية عملوا كملتزمي ضرائب ليس إزاء أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما على مستوى المجتمع ككل، فقد قاموا بتحصيل المكوس الجمركية (وهي مهن مالية ولا شك، يرى البعض أنها كانت قتالية أيضاً، إذ كان المحصلون يُطلَق عليهم اسم «حراس النيل» ) . كما اشتركوا في تحصيل الضرائب على الأسماك والكروم والنخيل والمراعي بل وعلى صناعة الأحذية وهي نشاطات اقتصادية عامة. وكان كبير الموظفين (ألبارخ) ، وهو منصب استمر حتى الدولة البيزنطية، هو المسئول عن جَمْع الجمارك على السفن. ويبدو أنه كان من أهم المناصب الإدارية المالية، وكان لمن يشغل هذا المنصب مكانة قيادية. ومع تَزايُد أزمة السلوقيين نتيجة حروبهم مع البطالمة، ونتيجة تَصاعُد الضغوط الرومانية، وبعد هزيمتهم على يد الرومان، كان عليهم دفع تعويض ضخم لهم، وهو ما اضطر الملوك السلوقيين إلى البحث عن مصادر جديدة للريع، فتعاونوا مع أثرياء المجتمع اليهودي، خصوصاً فئة ملتزمي الضرائب الذين تنافسوا على رفع الضرائب إرضاءً للسلطة السلوقية. ويبدو أن الضرائب تحت حكم الأسرتين اليهوديتين، الحشمونية التي تمتعت بشيء من الاستقلال، والهيرودية التي حكمت باسم روما، لم تكن أخف وطأة، كما هو واضح في التمردات التي حدثت بين جماهير الشعب. وبعد أن ضُمت فلسطين للدولة الرومانية، عُيِّن لها حاكم روماني برتبة بريفكتوس، وكان يُشار له أيضاً باسم «بروكرياتور» والتي تعني حرفياً «الوكيل المالي» أو «محصل الضرائب» ، وذلك باعتبار أن تحصيل الضرائب هو النشاط المالي الأكبر لكل موظفي الإمبراطورية. وفي مصر، ألغى يوليوس قيصر نظام جمع الضرائب البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي لليهود، وخصوصاً أن اليهود أصبح عليهم (رغم عضويتهم في البوليتيوما) أن يدفعوا ضريبة رؤوس كاملة، الأمر الذي كان يعني مساواتهم النسبية بالمصريين وفقدان غالبيتهم لمكانتهم المتميِّزة، باستثناء كبار الأثرياء الذين أصبحوا مواطنين رومانيين. كما تزايدت الضرائب عليهم، الأمر الذي كان أحد أسباب التمرد اليهودي الأول الذي انتهى بتحطيم الهيكل. وبعد هذا التمرد، فرض الرومان أول ضريبة مقصورة على اليهود وهي الفيسكوس جواديكوس، أي الضريبة اليهودية، وهي عبارة عن الشيقل الذي كان يدفعه اليهود من قبل للهيكل، واستمرت الإمبراطورية الرومانية في تحصيله وإرساله لمعبد جوبيتر كابيتولينوس. وبعد انتشار المسيحية والإسلام في الشرق الغربي، لم يتغيَّر وضع أعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من منظور الضرائب، إذ أنهم كانوا يدفعون للمسلمين ما كان يدفعه أهل الذمة نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية. أما في العالم الغربي، فقد تغيرت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية بالتدريج، ولم يَعُد الاختلاف بينهم وبين أعضاء المجتمع مجرد ضريبة أو ضريبتين يدفعونهما للنظام الحاكم، فمع تآكل البقية الباقية من القانون الروماني أصبح أعضاء الجماعة اليهودية حسب العرف الألماني «غرباء» ، وهو ما كان يعني وضعهم تحت الحماية الملكية لأنهم أصبحوا ملْكية خاصة للملك أو الإمبراطور، أي أن أعضاء الجماعة أصبحوا أداة من أدوات الإنتاج ومصدراً من مصادر الريع. وقد كُرِّس هذا الوضع تماماً بعد حروب الفرنجة في نهاية القرن الحادي عشر (1096) وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية إما فعلاً (أو اسماً وفعلاً) أقنان بلاط يشترون المواثيق والمزايا والحماية من الحاكم. وكانت الضرائب المفروضة عليهم تُعَدُّ مصدراً أساسياً مباشراً للريع الذي كان يُحصِّله الحاكم، أو وسيلة غير مباشرة لجمع الضرائب، وكان ذلك يتم من خلال الإقراض بالربا. فكان الحاكم يرفع الضريبة على اليهودي ويجعلها على سبيل المثال 11%، مقابل 10% للتاجر المسيحي، ثم يمنحه حقوقاً مقابل ذلك مثل حق رفع سعر الفائدة على الأموال. ولذا، نجد أن خُمْس دخل الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة كان مصدره اليهود، رغم أن عددهم كان لا يزيد عن 1% من عدد السكان قبل القرن الرابع عشر. وفي القرن الثالث عشر، حصلت الحكومة الإنجليزية على 13% من دخلها من الضرائب التي فرضتها على اليهود رغم أن عددهم كان يتراوح بين 4 آلاف و15 ألفاً في كل إنجلترا. وقد أصبح حق فرض الضرائب على اليهود، باعتباره مصدراً من أهم مصادر الريع، محل صراع بين الإمبراطور والنبلاء. وقد فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية مجموعة متنوعة من الضرائب من بينها ضريبة الرؤوس (وهي استمرار للفيسكوس جودايكوس) التي بُعثت في ألمانيا عام 1342 تحت اسم «أُبفربفينج Opferpfennig» وتعني «ضريبة المليم» ثم أصبحت تُسمَّى «لايب تسول leibzoll» ، أي «ضريبة الجسد» ، و «يودين تسول Judenzoll» ، أي «ضريبة اليهودي» . وبعد أن حل الأمراء محل الحكم الإمبراطوري (القرن السادس عشر) في فَرْض الضرائب على اليهود، أصبحت الضريبة تُسمَّى «نقود حماية اليهود» . وكان على اليهودي الذي ينتقل من بلد إلى آخر أن يدفع رسم المرور ورسماً للإقامة المؤقتة. ومن الضرائب الأخرى، ضريبة «يودين جلايت Judengeleit» ، أي «المرور الآمن» ، وهي ضريبة كانت تُفرَض على اليهود الذين يودون الانتقال من مكان إلى آخر، فكان يدفعها اليهود الأجانب العابرون، وكانت الضريبة تعطيهم الحق في التعاملات المالية. وكانت تُفرَض ضرائب على اللحم والذبح الشرعي وعلى شموع السبت، وفُرضت أحياناً ضريبة على الطعام كانت تُسمَّى «ضريبة السلة» . وفُرضت ضريبة تُسمَّى «ضريبة الفم» كان الهدف منها استبعاد اليهود غير النافعين الذين يأكلون ولا ينتجون. وفي العصر الحديث، ظلت الضرائب إشكالية أساسية في حياة الجماعات اليهودية. فاختفت الأشكال المختلفة للإدارة الذاتية، وتكفلت الدولة المركزية التي يتبعها جهاز إداري مركزي قوي بتقدير الضرائب وجمعها، وأُلغيت بالتدريج الضرائب المفروضة على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي محاولة للحد من الانفجار السكاني، كانت تُفرَض أحياناً ضرائب على طعام اليهود الشرعي وشموع السبت والزواج، وذلك لجعل هذه الشعائر مُكلِّفة. وكان عدد كبير من اليهود يتهربون من الضرائب ويقومون بتهريب البضائع للتهرب من الجمارك. فوقفت الدول الحديثة ضد هذا الوضع وحاولت تصفيته. وكان من بين إجراءات المنع، عدم استخدام اليديشية في المعاملات التجارية، ومطالبة اليهود بإضافة اسم العائلة لأسمائهم إذ كان أعضاء الجماعة اليهودية يكتفون بتسمية الفرد باسمه واسم أبيه بدون اسم العائلة، الأمر الذي كان يعني وجود عدد كبير من الأشخاص باسم واحد، مما يُسهِّل عملية التهريب. وقد ارتبط النظام الضريبي بمدى نفع اليهود، فكانت العناصر النافعة من ذوي المهن التي تحددها الدولة تُعفَى من الضرائب بل وتمنح امتيازات ضريبية خاصة. أما العناصر غير النافعة، فكانت تُفرَض عليها ضرائب تهدف إلى تشجيعها على الخروج والهجرة. ولكن، مع تَصاعُد معدلات التحديث في الغرب وفي داخل الجماعات اليهودية، ألغت الدولة الحديثة بالتدريج الضرائب الخاصة، ومنها البدلية العسكرية، وتم توحيد النظام الضريبي. وتقوم المنظمة الصهيونية العالمية والدولة الصهيونية بفرض ضرائب منظورة وغير منظورة على أعضاء الجماعات. فسندات إسرائيل والاشتراكات التي تُدفَع والتبرعات التي يتم جمعها من خلال حملات مسعورة جميعها نقود تُدفَع اسماً عن طيب خاطر ولكنها تُدفَع من الناحية الفعلية خوفاً من الفضيحة. ولذلك أشار آرثر هرتزبرج إلى اليهود المؤيدين لإسرائيل بوصفهم «يهود النفقة» ، أي اليهود الذين يدفعون تبرعات تشبه النفقة التي يدفعها الزوج السابق لمطلقته لا حباً فيها وإنما خوفاً منها. كما أشار إلى ما سماه «يهودية دفتر الشيكات» وهي يهودية أولئك اليهود الذين ينصرفون عن ممارسة شعائر دينهم ويحاولون تخفيف الإحساس بالذنب عن طريق دفع التبرعات للدولة الصهيونية. وقد بدأت حركات السلام داخل إسرائيل تُكوِّن جماعات في الخارج مهمتها جمع التبرعات لها خارج نطاق النداء اليهودي الموحَّد والنداء الإسرائيلي الموحَّد، وهي مؤسسات جمع الضرائب/التبرعات للمؤسسة الصهيونية. ويمكننا القول بأن علاقة الإمبريالية الغربية بالدولة الصهيونية علاقة شبيهة بعلاقات الأباطرة بأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية. فالإمبريالية الغربية تمنح العديد من التسهيلات والمزايا للدولة الصهيونية، مثل الدعم المالي والعسكري، والمعاهدات والمواثيق، نظير ضريبة يدفعها المستوطنون الصهاينة وهي القتال. والضريبة قد تكون دموية بعض الشيء، ولكن لها مردودها الريعي، وهو فرض السكون والسلام الغربي على المنطقة وضمان تَدفُّق الطاقة الرخيصة ودوران الدول العربية في فلك النظام الاقتصادي العالمي! أعضاء الجماعات اليهودية كمحصلي ضرائب Members of Jewish Communities as Tax Collectors عمل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية محصلي ضرائب. ففي عهد شارلمان، عمل أعضاء الجماعة ملتزمي ضرائب، وأُعفوا من الضرائب والمكوس المفروضة على المسافرين. وقد اضطلعوا بالمهمة نفسها في إنجلترا وألمانيا. كما أشرف أعضاء الجماعة على جمع الضرائب في إسبانيا المسيحية، وحينما طُردوا منها واجه النظام الجديد مشكلة البحث عن ملتزمي ضرائب بدلاً منهم. وكان أعضاء الجماعة يضطلعون بكثير من الوظائف المرتبطة بالضرائب في الدولة العثمانية سواء، باعتبارهم محصلي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمين. وكانت غالبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من اليهود، كما أن الإيصالات كانت تُكتَب أحياناً بحروف عبرية. ومن المعروف أنه عندما ذهب شبتاي تسفي إلى مصر، ساعده المموِّل روفائيل يوسف شلبي (من حلب) الذي كان من كبار ملتزمي الضرائب في مصر آنذاك. ولكن بولندا تظل دائماً أهم المناطق بسبب حجم الجماعة اليهودية فيها وبسبب علاقة دورهم فيها بالتطورات اللاحقة في تواريخ الجماعة اليهودية في العصر الحديث. وكانت الضرائب في بولندا تُفرَض من قبل الحكومة على الجماعة اليهودية ككل. ولتحصيلها، كان القهال يقوم بفرض مجموعة من الضرائب على أعضاء الجماعة، فكانت هناك ضريبة ملْكية وضريبة رؤوس وضريبة القهال لتمويل الجهاز التنفيذي والإداري والتعليمي والقضائي للقهال. ومع تدهور وضع القهال، أصبحت هذه الضريبة تُفرَض على الطعام وأُطلق عليها ضرائب السلة. وكان يُباع امتياز تحصيلها في مزاد عام، وهو ما كان يعني تزايد الضرائب عاماً بعد عام. ولأن المهمة الأساسية للقهال هي جَمْع الضرائب، باعتباره مؤسسة الإدارة الذاتية، فقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة في بادئ الأمر ثم كل مؤسسات القهال عندما بدأ الريع يتناقص. وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا بوظيفة جمع الضرائب من خلال نظام الأرندا، إذ كان اليهود يدفعون إيجار الضيعة للنبيل البولندي مقدماً ثم يقومون بتحصيل ريعها، وكانت الضرائب المختلفة تشكل جزءاً مهماً من هذا الريع. وكلما كان النبلاء البولنديون يزدادون حاجة إلى النقود، كان على اليهود أن يدفعوا إيجاراً أعلى ويحصلوا على المزيد من الضرائب من الفلاحين والأقنان. بل كان الملتزمون اليهود يحققون مزيداً من الأرباح ويرفعون الضرائب أحياناً دون علم النبيل الإقطاعي، كما كانوا يعاملون الفلاحين والأقنان بقسوة بالغة لتحصيل هذه الضرائب. ومن أهم هذه الضرائب ضريبة مفتاح الكنيسة، وكان على الفلاحين الأوكرانيين الأرثوذكس دفعها للمموِّل اليهودي ليدفعها للإقطاعي البولندي الكاثوليكي إن أرادوا أداء الصلاة. وكانت هناك ضريبة أخرى على الرداء الكهنوتي للقس كان عليه أن يدفعها إن أراد إقامة إحدى الشعائر. وقد أدَّى اضطلاع أعضاء الجماعة بهذه المهمة إلى تَزايُد كراهية الجماهير لهم، فاضطروا إلى الإقامة في الشتتلات داخل الريف بعيداً عن المراكز التلمودية في المدن. وكانت هذه العناصر سبباً في اقتلاع أعضاء الجماعة اليهودية وتآكل اليهودية الحاخامية. وفي وسط أوربا، كان يهود البلاط مصدر دخل كبير للأمراء الألمان والحكام (من حيث هم دافعو ضرائب) . كما قاموا بتنظيم الإطار الإداري للنظام الضريبي في كثير من الدول التي تواجدوا فيها، وعملوا كملتزمي ضرائب. ومع ظهور الدولة الحديثة، قامت بجمع الضرائب وصدرت قوانين تمنع أعضاء الجماعات اليهودية من الاشتغال بالالتزام، باعتباره وظيفة طفيلية غير منتجة. المتعهدون العسكريون Army Contractors and Suppliers » المتعهدون العسكريون» هم المموِّلون من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين كانوا يزودون الجيوش المتحاربة بالسلاح والعتاد العسكري الذي تحتاج إليه، وكذلك بالجراية اللازمة، وقد كانت وظيفة ذات أهمية حيوية لكثير من الدويلات التي لم تكن قد طورت بيروقراطيات متخصصة تتولى هذه المهمة ولم يكن عندها لا رأس المال ولا الاتصالات الدولية اللازمة لإنجاز هذه المهمة. وقد اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بهذه الوظيفة في إسبانيا المسيحية، ومن أهمهم يهودا ديلا كفالريا الذي زود ملك أراجون بالسلاح اللازم لحروبه عام 1276 ضد المسلمين في بالنسيا. وقام الأخوان رفايا بتمويل الملك بدرو الثالث ملك أراجون (1276 ـ 1285) في حروبه ضد نبلاء قشطالة. كما قام إسحق أبرابانيل بتزويد فرديناند وإيزابيلا بالسلاح في الفترة من عام 1489 إلى عام 1492، بينما قام أبراهام سنيور بتوفير السلاح اللازم للقوات الإسبانية التي قامت بتصفية الجيب الإسلامي الأخير في غرناطة. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون أيضاً في صناعة السلاح في هذه الفترة ذاتها. ولذا، فقد عارض بعض أعضاء المجلس الاستشاري لملك البرتغال قرار طردهم حتى لا تقع أسرار المهنة في يد العثمانيين إن استقر اليهود المطرودون في أملاك الدولة العثمانية، ويُقال إنهم ساهموا بالفعل في تطوير الأسلحة النارية فيها. واشترك اليهود في تجارة السلاح في وسط أوربا في القرن السادس عشر، ففي ألمانيا سُمح لإسحق ماير بالاستقرار في هالبرشتات في عام 1537 ليُزوِّد أحد الأديرة بالأسلحة. وحصل يوسف جيرشون من الإمبراطور على ميثاق يقضي بحمايته، وحدَّد الميثاق نشاطاته في توريد السلاح. ومن المعروف أن يهود المارانو (البرتغاليون في أمستردام) اضطلعوا بالوظيفة نفسها، فزودوا جيوش هولندا وإنجلترا والمغرب بالسلاح. ويبدو أن المتعهدين العسكريين اليهود اغتنموا فرصة الحروب الأهلية في المغرب في القرن السابع عشر وزودوا كل الأطراف المتحاربة بالسلاح. وقام يهود البلاط المتعهدون بتزويد حكومات وسط أوربا بكل اللوازم العسكرية من الخيول والجراية والزي العسكري الرسمي والأسلحة. وقد يسرت هذه المهمة، ليهود البلاط ولكل الجماعات اليهودية، الشبكة العالمية الضخمة التي كانت تضم يهود الأرندا في شرق أوربا وصغار التجار المتجولين بل والمتسولين اليهود المنتشرين في كل أرجاء أوربا. كما كانت الشبكة تضم تجار الدولة العثمانية. وكان بوسع هذه الشبكة أن تزود أي جيش بكل ما يريده من جراية ومعادن نفيسة وأموال، ولذا ساد الاعتقاد آنذاك بأن كل المتعهدين العسكريين يهود وأن كل اليهود متعهدون عسكريون (وقد روج النازيون هذه المقولة فيما بعد في دعايتهم ضد اليهود باعتبارهم مستفيدين من مآسي الآخرين) . ومن أهم عائلات يهود البلاط التي اضطلعت بهذه الوظيفة عائلات أوبنهايمر وجومبيريز وفيرتايمر ومايير وهيرشيل. ومما زاد من أهمية المتعهدين العسكريين اليهود ظهور الدولة المركزية المطلقة بحكامها المطلقين، والتي أسست جيوشاً مركزية لتوسيع نفوذها، ولفرض هيمنتها على مناطق جديدة، ولتشديد قبضتها على السوق المحلية. وقد لعب المتعهدون اليهود دوراً مماثلاً في إنجلترا في القرن السابع عشر. فكان أهم المتعهدين العسكريين في عصر كرومويل هو أبراهام إسرائيل كارفاجال الذي اشترك مع خمسة تجار آخرين في تزويد الجيش البريطاني بالقمح عام 1649. وقد تَمكَّن وليام أوف أورانج من أن يبحر إلى إنجلترا عام 1688 بعد أن حصل على قرض بدون فوائد من أحد الممولين اليهود وهو فرانسيسكو لوبيزسوسو (من لاهاي) . وقام فرانسيسكو دي كورفا وإسحق برييرا بتزويد الحملة بالعتاد العسكري. وكان وليام دي مدينا هو المتعهد العسكري لدوق مارلبورو. أما في أيرلندا، فقد قامت شركة ماكادو وبرييرا بتزويد جيوش دوق شومبرج بالجراية والسلاح. وقام المتعهدون العسكريون اليهود بالمهمة نفسها في فرنسا. فقد سُمح لعدد من الأسر اليهودية بالاستقرار في ميتز عام 1567 شريطة أن يتعهدوا بتزويد القوات الفرنسية بما تحتاج إليه. وكان لبعض الأسر اليهودية الفرنسية دور ملحوظ في المجال نفسه إبان الحكم المطلق لملك فرنسا لويس الرابع عشر. فكان يعقوب ويرمز هو المتعهد العسكري الأساسي في عصره، وهو دور اضطلع به هرز سرفبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان هذا المتعهد من الأهمية بمكان، حتى أنه استُثنى، حين تَقرَّر عام 1776 إنهاء نظام المتعهدين العسكريين، واستمر في ممارسة نشاطه في الألزاس واللورين. وفي أواخر القرن الثامن عشر، اضطلع بهذه الوظيفة موسى بلين (في ميتز) ، وموسى أليعازر لايفمان كالمر (في هانوفر) . ومن أهم المتعهدين العسكريين أبراهام جراديس الذي زود الجيوش الفرنسية بما كانت في حاجة إليه من عتاد وجراية إبَّان حرب الأعوام السبعة (1756ـ 1763) . كما اشترك معه كلٌّ من روفائيل منديس وبنيامين جراديس، وبعض مُلاَّك السفن اليهود، في تنظيم عملية إبحار السفن الفرنسية من أوربا إلى كندا. وقد أعطى فريدريك الأكبر إبان هذه الحرب عدداً من العقود للمتعهدين العسكريين من أعضاء الجماعة اليهودية، والذين أدوا عملهم بكفاءة عالية وحصلوا على كثير من المزايا وراكموا الثروات. وبدأ بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية في الاقتراض منهم وازداد الاختلاط بين الأرستقراطية وأثرياء اليهود، وكان هذا أحد الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى» صالونات النساء اليهوديات. « ولعب بعض أعضاء الجماعة اليهودية دوراً بارزاً في تزويد الجيوش الإنجليزية التي أُرسلت إلى المستعمرات بالسلاح والجراية. فزود ماتياس بوش قوات بنسلفانيا في المستعمرات الأمريكية بالسلاح في حربها ضد الفرنسيين. وقامت أسرة فرانكس، التي كان لها فروع في كل من لندن ونيويورك، بتزويد الجيش البريطاني في المستعمرات الأمريكية. وبعد الاستقلال، زودت أسرة شيفتول (من جورجيا) الجيش الأمريكي بالسلاح. واستمرت بعض الأسر اليهودية في القيام بهذا الدور إبَّان الحرب الأهلية، فزود المتعهدون اليهود الجيشين المتحاربين، الشمالي والجنوبي، بالجراية والأزياء العسكرية اللازمة. وقد اضطلع بعض المتعهدين اليهود بالدور نفسه في الدولة العثمانية، ولذلك كانت تربطهم علاقة وثيقة بالإنكشارية. أما في روسيا (في القرن التاسع عشر) ، فقد قام المتعهدون اليهود بتزويد الجيش بالجراية وبالمساهمة في بناء التحصينات العسكرية والطرق والسكك الحديدية. وقد انتهى دور المتعهدين العسكريين اليهود تماماً مع ظهور الدولة القومية الحديثة التي كانت تتبعها بيروقراطيات متخصصة تقوم بتزويد الجيش بكل ما يلزم من جراية وعتاد. ونحن لا نعرف الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تجارة السلاح في الوقت الحاضر، وإن كان من المعروف أن إسرائيل تلعب دوراً مهماً فيها، وبخاصة في مجال توريد السلاح للدول الفاشية والعنصرية التي تود الحكومات الغربية مساندتها ولكنها تخشى الرأي العام داخل بلادها وخارجها. ومن ثم تتولى إسرائيل هذه الوظيفة نيابة عنها، فكانت تقوم مثلاً بتزويد حكومة جنوب أفريقيا العنصرية بالأسلحة، بما في ذلك المواد والمعلومات اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية، وبذا تعيد إسرائيل إنتاج أحد الأدوار الوظيفية لبعض الجماعات اليهودية في العالم الغربي. ومما لا شك فيه أن اضطلاع بعض أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود في ذهن الكثيرين. وكما أسلفنا، فقد استغل النازيون هذه الحقيقة التاريخية لتوثيق ادعاءاتهم. ولكن مما يجدر ذكره أن اليهود، مهما بلغت درجة تَورُّطهم في تجارة السلاح، لم يكونوا قط مسئولين عنها، فما حدث هو ظهور حاجة لدى بعض المجتمعات الغربية إلى السلاح والعتاد الحربي والجراية اللازمة لتجريد حملات عسكرية كبيرة ومتكررة نتيجة ظهور الدولة المركزية المطلقة. ولكن هذه المجتمعات لم تكن تملك الإمكانات المادية أو الإدارية للوفاء بهذه الحاجة، ومن ثم نشأت ثغرة كان لا يمكن أن يملأها سوى عنصر وظيفي واحد مثل اليهود الذين كانوا يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية المالية. وهذا ما لم يذكره النازيون. والواقع أن رؤيتهم للأمور، تماماً مثل رؤية الصهاينة وكل العنصريين، تجتزئ من الواقع عنصراً ـ أو بعض العناصر ـ وتجعله النقطة المرجعية الوحيدة ثم تُوظِّفه في تبرير أي فعل تقوم به، مع إهمال كامل لكل عناصر الصورة التاريخية المركبة. جاك بافيا (؟ -1687) Jack Pavia تاجر ماس يهودي من أصل ماراني (برتغالي) ، وهو مؤسس الجماعة اليهودية في إقليم مدراس بالهند. وُلد لعائلة يهودية عاشت في هولندا، وهاجر إلى إنجلترا ليصبح من أوائل اليهود الذين استوطنوا بها بعد أن أُعيد فتح باب الاستيطان اليهودي في إنجلترا. اهتم بعملية استغلال مناجم الماس في جولكوندا فسافر إلى الهند وأسَّس تجارة له بها، واشتغل في تصدير الماس إلى إنجلترا واستيراد المرجان عن طريق أفراد أسرته في لندن. وفي عام 1683، نجح في الحصول على أذون من شركة الهند الشرقية تسمح باستيطان اليهود في مدراس وسافر إلى هناك عام 1684. وأثناء وجوده بها، نجح في إقناع حاكم الإقليم بتأسيس ميلشيا من الأوربيين. وقام بافيا بتمويل الخيل والسلاح على نفقته الخاصة كعضو في هذه الميليشيا التي ضمت أيضاً عدداً آخر من اليهود، وقد عُيِّن بافيا قبل عدة أيام من وفاته نائباً لملك بريطانيا في مدراس مدى الحياة. وتعود أهمية بافيا إلى ما يلي: 1 ـ تُبيِّن سيرة حياته ذلك الدور الحيوي الذي لعبه يهود المارانو في التشكيل الاستعماري الاستيطاني للغرب. 2 ـ كما تُبيِّن سيرة حياته الدور الريادي الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في هذه العملية. 3 ـ تُعَدُّ حياة بافيا نموذجاً جيداً لكيفية تَحوُّل جماعة وظيفية وسيطة إلى جماعة عسكرية، أو لتداخل الدورين المالي والقتالي للجماعات الوظيفية. ومن ثم، فإن تَطوُّره الشخصي يشبه تَطوُّر الجماعات اليهودية في الغرب، تلك الجماعات التي كانت جماعات وظيفية مالية في أوربا ثم تحوَّلت إلى جماعة وظيفية في فلسطين. الأرندا والإقطاع الاستيطاني Arenda and Settler Feudalism «أرندا» كلمة بولندية تعني حرفياً «أجرة» تُدفَع مقابل استئجار. وهي، كمصطلح، تُستخدَم للإشارة إلى استئجار ممتلكات ثابتة، مثل الأرض والطواحين والفنادق الصغيرة ومصانع الجعة ومعامل تقطير الكحول، أو إلى امتيازات أو حقوق خاصة مثل تحصيل الجمارك والضرائب. وقد تم تَبنِّي المصطلح بالمنطوق والمعنى المذكور في اليديشية والعبرية. وكان يُشار إلى المستأجر نفسه، خصوصاً الصغير، على أنه «أرندا» ، كما كان يُقال له «الأرنداتور» . وكان المصطلح ذائع الانتشار ويصف واحداً من أهم جوانب الاقتصاد البولندي الليتواني في أواخر العصور الوسطى. وقد ارتبط يهود بولندا بنظام الأرندا من بدايته. فهم، كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، كانوا مهيأين للاضطلاع بهذا الدور، خصوصاً أن المؤسسة اليهودية الأرثوذكسية أحلت عمليات الإقراض بالربا بين اليهود من خلال التحلِّة، وهو ما سهَّل لأي يهودي أن يُموِّل يهودياً آخر ويقرضه بربا، الأمر الذي وفر الاعتمادات اللازمة للاستثمارات. وكان الارتباط بين أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وهذا النظام من العمق بحيث أن كلمة «أرنداتور» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» . وكان يُشار إلى الأرندا، في بداية الأمر، بمصطلح «الأرندا الكبرى» أو «الأرندا الملَكَية» أو «الأرندا الحكومية» . ويشير هذا المصطلح إلى استئجار الاحتكارات العامة والعوائد العامة. وكانت أول أرندا كبرى حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية هو حق تحصيل بعض العوائد الملكية، أو حق إدارة مؤسسات ملكية مثل دار صك النقود ومناجم الملح والجمارك أو جمع الضرائب. وقد انتشر المستأجرون اليهود من المشتغلين بالأرندا في المقاطعات الشرقية من بولندا في القرن الخامس عشر. أما في غرب بولندا، حيث كان يتوفر للنبلاء البولنديين (شلاختا) رأسمال كبير، فقد مُنع اليهود من استئجار حق تحصيل العوائد الملكية باعتبار أن هذه عملية مربحة. ومع ازدياد نفوذ النبلاء، اتخذ البرلمان البولندي (سييم) قراراً عام 1538 بمنع اليهود من استئجار العوائد والمؤسسات الملكية. وقد اتخذ مجلس البلاد الأربعة قراراً مماثلاً حتى يقلل من الاحتكاك بين اليهود والنبلاء. ولكن القرار لم ينجح في وقف نشاط الأرندا بين اليهود، فاستمر المموِّلون اليهود في استئجار كثير من المزايا الملكية مثل الجمارك والضرائب على الخدمات، خصوصاً مطاحن الدقيق وبحيرات الأسماك، وفي إنتاج وتسويق المشروبات الكحولية. كما كان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يستأجرون ضياعاً بأكملها. بل ظلوا، حتى منتصف القرن السادس عشر، أهم مستأجري حق جمع الضرائب في المحطات المخصصة لذلك في ليتوانيا وروسيا البيضاء، كما كان هناك يهود أرندا في جاليشيا. وكان جامعو الضرائب (من اليهود وغير اليهود) يستخدمون أكثر الطرق قسوة للحصول على العائد، وكثيراً ما كانوا يُحصِّلون ضرائب أكثر من المقررة. وكان من حق جامع الضرائب أن يفتش العربات التي تمر من خلال البوابات وأن يُصادر العربات التي تحاول التهرب من استخدام الطريق العام. وقد حَدَث صراع بين النبلاء الليتوانيين واليهود، فأصدر البرلمان الليتواني (سييم) قراراً بقصر حق الأرندا على النبلاء. ولكن اليهود تحدوا هذا القرار، كما أصدر المجلس الليتواني (وهو يقابل مجلس البلاد الأربعة) قراراً يتحدى هذا القرار. وقد اشتغل عدد كبير منهم بالأرندا من الباطن، عن طريق كفيل مسيحي، حينما لم تكن تسنح لهم فرصة الاشتغال بها بشكل مباشر. ولكن، حدثت عدة تطورات أدَّت إلى ظهور الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية التي تختلف في كثير من الوجوه عن الأرندا الكبرى أو الحكومية أو الملكية. ولعل العنصر الأساسي والحاسم في ظهور الأرندا الزراعية هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الاسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة. ونتيجة عملية الضم هذه، وقع تحت تصرف النبلاء البولنديين مساحات ضخمة من الأراضي كانت في حاجة إلى رأس مال ضخم لاستثماره لإدارتها ولمد الطرق اللازمة لذلك. وقد تزامن هذا مع تَزايُد الصادرات الزراعية لبولندا إلى غرب أوربا (بسبب الانفجار السكاني وحرب الثلاثين عاماً) ، فأصبحت بولندا في الفترة 1577 ـ 1654 مصدراً أساسياً للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى الشرق الأوسط من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب. كما أخذت بولندا تُصدِّر محصولات زراعية أخرى. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواداً عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والماشية. ومع تزايد الصادرات الزراعية، حَدَث تَطوُّر في الصناعات الغذائية، وهو ما أدَّى إلى صَبْغ الزراعة في بولندا بصبغة تجارية. هذه هي الأرضية الاقتصادية المادية لظهور الأرندا الإقطاعية الاستيطانية. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ما حدث. فثمة عناصر خاصة بالتركيب الطبقي للشلاختا ورؤيتهم لأعضاء الجماعات اليهودية ووضع اليهود كجماعات وظيفية ساهمت (كلها مجتمعة أو بدرجات متفاوتة) في تشكيل هذه الظاهرة ودفعها من عالم الإمكانية إلى عالم الوجود المتحقق: 1 ـ أول هذه العناصر هو أن النبلاء البولنديين لم يكن لديهم الكفاءات أو رأس المال أو الرغبة في إدارة هذه الضياع البعيدة. 2 ـ كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، خاضعين لقوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم والمزايا الطبقية ماداموا لا يعملون بالتجارة. وكان اشتغالهم بالتجارة يعني، في واقع الأمر، فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يُوجَد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. 3 ـ كان يتعيَّن على النبلاء أيضاً البقاء في وارسو بالقرب من مراكز السلطة حيث تتم عملية صنع القرار السياسي والعسكري بسبب طبيعة النظام السياسي البولندي كملكية جمهورية، وحفاظاً على المكانة السياسية والتمتع بمظاهر الأبهة الأرستقراطية. 4 ـ كانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، وبخاصة مع تزايد فقر بولندا، فكانوا يقترضون من المرابين اليهود مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاتهم بضمان ضياعهم وغلتها وعوائدها وريعها. 5 ـ تزامن كل هذا مع تزايد تضييق المدن الملكية الخناق على أعضاء الجماعات اليهودية وممارسة التمييز ضدهم. 6 ـ شهدت الفترة من 1539 - 1549 تَزايُد التقارب بين النبلاء وأعضاء الجماعات اليهودية الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. فكان اليهود إذا طردتهم إحدى المدن الملكية انتقلوا منها إلى مدن النبلاء أو إلى الشتتلات داخل ضياع النيلاء. 7 ـ كان لدى اليهود كل ما يلزم عملية الاستثمار في ضياع النبلاء من الخبرة التجارية والإدارية ورأس المال. كما كانوا مادة بشرية حركية، ولم يكن لديهم أي مانع من الانتقال إلى أوكرانيا ليكونوا ممثلين للنبلاء البولنديين. 8 ـ ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، أن يطالبوا بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية. 9 ـ كان النبلاء البولنديون ينظرون إلى أعضاء الجماعة اليهودية كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تستخدم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد من ريع الأراضي الزراعية. لكل هذا، ظهرت الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية وتشكلت علاقة تعاقدية نفعية بين الشلاختا من جهة واليهود كجماعة استيطانية من جهة أخرى. ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد الجماعات اليهودية على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر، وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم. ونحن نصف نظام الأرندا الزراعي (غير المَلَكي) بأنه «إقطاع استيطاني» لنميِّزه عن أشكال الإقطاع السائدة في أوربا آنذاك. فالنظام الإقطاعي يتسم ولا شك بالاستغلال الطبقي، شأنه في هذا شأن النظم الاقتصادية الدنيوية (فهذه هي إحدى سمات البشر) . ولكن نظام الأرندا في أوكرانيا اكتسب أبعاداً استغلالية متطرفة تفوق كثيراً الإقطاع العادي. فالعلاقات السائدة في أوكرانيا كانت ولا شك علاقات إقطاعية بين النبلاء البولنديين (والليتوانيين) من جهة، والفلاحين والأقنان الأوكرانيين من جهة أخرى، وذلك فيما يختص بملكية الأراضي وتوزيع غلتها. ولكنه كان إقطاعاً اقتصادياً (مجرداً) بلا علاقات اجتماعية إقطاعية (متعيِّنة) . فالإقطاع التقليدي (في أوربا وفي غيرها من البلاد) يفترض وجود ثقافة مشتركة بين النبيل والقن، كما يفترض أن النبيل عادةً ما يوجد في ضيعته يديرها بنفسه ويدخل في علاقة مباشرة مع فلاحيه. ولذا، لم تكن علاقة النبيل الإقطاعي بأرضه علاقة تجارية خارجية موضوعية برانية وحسب وإنما كانت ذات جانب جواني يأخذ شكل الالتزام بمسئولياته كنبيل إقطاعي بكل ما تقتضيه النبالة وتفترضه وتفرضه من أعباء. وكانت هذه الروابط الإقطاعية المتعيِّنة تخفف إلى حدٍّ ما من حدة الاستغلال الاقتصادي. أما في حالة النبيل الإقطاعي البولندي، فهذه الشروط لم تكن متوفرة البتة، فهو كان دائماً غائباً عن ضيعته، ولم تكن له أية علاقة مباشرة معها أو مع فلاحيها، وكان يمثله عنصر بشري استيطاني غريب يمثل همزة الوصل بينه وبين فلاحيه. وكان اهتمامه بضيعته اهتماماً مالياً (تجارياً) ضيقاً، حيث كانت تمثل مصدراً للدخل وحسب (وليست مظهراً من مظاهر الأبهة الإقطاعية والمكانة الأرستقراطية والحسب والنسب) فهو لا يتحدث لغتهم الأوكرانية ولا ينتمي إلى كنيستهم الأرثوذكسية. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وفي خارجها، وإلى تَحوُّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن تُوجَد قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان. وما بين النبلاء البولنديين الكاثوليك والأقنان الأوكرانيين الأرثوذكس كان يقف الملتزم (الأرنداتور) اليهودي، أداة الأول في سحق الثاني. وبذلك تشكلت واحدة من أهم الجماعات الوظيفية المالية الاستيطانية شبه القتالية. وكانت العلاقة بين النبيل ووكيله اليهودي عادةً ما تأخذ شكل قرض يحصل عليه النبيل من اليهودي للوفاء باحتياجاته بضمان ريع ضيعته (التي يديرها اليهودي) أو أي عوائد أخرى مثل عوائد قطع الأخشاب ونقل البضائع وغير ذلك من النشاطات الحرفية والتجارية. وكان المموِّلون اليهود يستأجرون أحياناً مناطق ومدناً بأكملها ولعدة سنوات. ففي عام 1598، قام أحد أثرياء اليهود باستئجار جملة الأراضي التي يمتلكها مجموعة من النبلاء بلغت مساحتها مئات الأميال المربعة، وكان يدفع إيجاراً ضخماً لها. وكان كثير من يهود الأرندا يؤجرون الضياع من الباطن لصغار الممولين اليهود أو يرسلون في طلب أقارب لهم من بولندا ليقوموا بإدارة الضياع نيابة عنهم. وكان الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب والفراء ودبغ الجلود والصباغة وصناعة الزجاج وصنع الصابون (وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية العنصر الإثني السائد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في مثل هذه القطاعات الاقتصادية) . كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم يكن من الممكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم هم الذين كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فكانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. كذلك كان أعضاء الجماعة اليهودية تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع الترفية. ونظراً لغياب النبيل الإقطاعي، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، تسانده في ذلك القوة العسكرية البولندية التي تضمن بقاءه واستمراره في عملية اعتصار الأقنان الأوكرانيين من كل ثمرات عملهم. وبعد الانتهاء من هذه العملية، كان الأرنداتور يُبقي حصته من الريع ويرسل الباقي إلى النبيل. ولكن كثيراً ما كان الوكيل اليهودي يقوم بتحصيل ضرائب من الأقنان والفلاحين بما يزيد على حقه. وقد كانت جماعة يهود الأرندا تتسم بكثير من الخيلاء والقسوة (كما تقول الموسوعة العالمية اليهودية) . وكان يهود الأرندا لا يقومون بأية مهام قتالية بل كانوا جماعة وظيفية متحوسلة تقوم باستغلال الجماهير لحساب الحاكم (شأنهم شأن المماليك في المراحل الأولى من تاريخهم قبل تَحوُّلهم إلى نخبة حاكمة) ؛ وكان رأس المال الربوي والخبرة الإدارية يحلان محل السيف كأداة للاستغلال. ومع هذا، لم يكن البُعد العسكري مُفتقَداً تماماً. وقد ترجم الإقطاع الاستيطاني نفسه في ظاهرة الشتتل والمعبد/القلعة، فقد قام النبلاء بتشييد العديد من المدن الصغيرة كانت الواحدة منها تُسمَّى «شتتل» ويعيش فيها الملتزمون اليهود وأسرهم وأتباعهم في حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ولذا، نص القانون على أنه: «يجب على كل رب عائلة يهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور في بيته وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود» . كما كانت المعابد اليهودية تأخذ شكل قلاع تُوجَد في حوائطها كوات حتى يمكن أن تخرج منها فوهات البنادق والمدافع. ويتضح مدى تحوُّل اليهود إلى مادة استيطانية شبه قتالية في تحولهم هم أنفسهم إلى موضوع للصراع بين القوى الشعبية الفلاحية الأوكرانية المنتفضة من جهة والقوى الاستغلالية البولندية من جهة أخرى. فحينما حقق بوجدان شميلنكي (الزعيم الفلاحي الأوكراني) انتصاراً على البولنديين عام 1649، نصت المعاهدة المبرمة بين الطرفين على عدم السماح لليهود بالاستيطان في أوكرانيا إذ أن وجودهم فيها كان علامة على الهيمنة البولندية فهم أداته الطيعة. ولكن حينما ألحقت القوات البولندية الهزيمة بقوات شميلنكي عام 1651، اضطر إلى الاعتراف بحق اليهود في الاستيطان في ضياع الملك والشلاختا. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نسمي يهود الأرندا «المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية» . وقد كانت هذه الشتتلات تضم المعبد/القلعة (وهو معبد يهودي كان مُصمَّماً بحيث يمكن استخدامه كحصن وقلعة عسكرية، كما كانت تُقام فيه أيضاً الصلاة والدراسة) . وكانت حوائط المعبد/القلعة سميكة للغاية، كما أن المتاريس كانت مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية، بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية، محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم كثيراً. وقد أصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. وكان مسرح نظام الأرندا هو أوكرانيا التي أصبحت النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس (الذين يتحدثون الأوكرانية) والتجار اليهود (الذين يتحدثون اليديشية) غير المنتمين لهذا أو ذاك والذين يشكلون الوسيط التجاري والإداري والمالي بين الطرفين (إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن) . ويُلاحَظ أن التقسيم الطبقي كان أيضاً تقسيماً عرْقياً وإثنياً ودينياً. ولم يكن نشاط الأرندا مقصوراً على أوكرانيا وبولندا بل أصبح جزءاً من شبكة تجارة دولية. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين البولنديين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقد قاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقد نشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، وبين يهود الأرندا إبان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها (وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تُسهِّل اتصالاتهم وتجعل منهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية) . وقد ارتبط مصير أعضاء الجماعة اليهودية تماماً بمصير الأرندا (الزراعي الإقطاعي الاستيطاني البولندي) والقوة العسكرية البولندية التي كانت تسانده. وقد كان لنظام الأرندا الإقطاعي الاستيطاني أعمق الأثر في تَطوُّر تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا، وهو ما أثر بدوره في تاريخ الجماعات اليهودية في غرب أوربا وأعطى المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة: 1 ـ وجد اليهود أنفسهم بين مطرقة النبلاء وسندان الفلاحين. وقد كان اليهودي هو ممثل الإقطاع البولندي الشره وأداة الاستغلال المباشرة الواضحة، إذ تم حوسلته تماماً من قبل النبلاء. وكانت شراهة النبلاء الإقطاعيين تزداد سنة بعد سنة، فكانوا يزيدون من قيمة الإيجار، وكان على الوكيل اليهودي أن يزيد بدوره من الضرائب والإيجارات التي يحصلها من الفلاحين. ولكن يهود الأرندا كانوا يعيشون بين الفلاحين في أوكرانيا، بينما كان النبيل الإقطاعي يعيش في ضيعته أو قصره في بولندا. 2 ـ حدث ليهود بولندا، نتيجة نظام الأرندا، تطوران متناقضان: أ) انعزل يهود الريف عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى، واكتسبوا ثقافة الفلاحين السلافيين المتخلفة، وتشبعوا بالفلكلور الريفي بما في ذلك العقائد الشعبية المسيحية، الأمر الذي أضعف هويتهم اليهودية. وكانت هذه تربة خصبة لنشوء الحركات المشيحانية. ويُلاحَظ أن الحركتين الحسيدية والفرانكية نشأتا في منطقة بودوليا، وانتشرتا بين يهود أوكرانيا أسرع من انتشارها بين بقية يهود شرق أوربا. ب) في الوقت نفسه، ونظراً لتزايد عددهم، كان اليهود يوجدون لا على هيئة أقلية صغيرة تعيش داخل الجيتو في إحدى المدن المسيحية وإنما على هيئة مدن صغيرة (شتتلات) تضم تجمعات بشرية يشكل اليهود فيها نسبة مئوية كبيرة بل الأغلبية العظمى أحياناً، ومن هنا تكلست هويتهم وانعزلت واحتفظ اليهود برطانتهم الألمانية (اليديشية) . وقد ساهم الانفجار السكاني الذي حدث بينهم في تعميق هذا الاتجاه. 3 ـ زادت الأرندا من تَشوُّه البناء الطبقي ليهود بولندا بحيث تركزوا في تجارة الخمور التي أصبحت مشكلة أساسية في الريف البولندي (ثم الروسي بعد ذلك) . 4 ـ وبعد تَشوُّه البناء الوظيفي والعزلة وتزايد الأعداد، ضُمَ هذا الجزء من بولندا إلى روسيا، فوجدت روسيا عندها هذه الكثافة البشرية التي تتحدث اليديشية وتؤمن بالحسيدية وتتاجر في الخمور، وهي كتلة كانت مكروهة من السكان المحليين. وكانت البيروقراطية الروسية جاهلة باليهود وبكيفية التعامل معهم، ذلك لأنه كان مُحرَّماً عليهم دخول الإمبراطورية حتى نهاية القرن الثامن عشر. 5 ـ كان الوضع الطبقي المميَّز لليهود داخل البناء الاستيطاني للإقطاع يعني أنهم ليسوا عنصراً من التشكيل الحضاري البولندي. ولذا، حينما نشأت حركات ثورية مثل انتفاضة شميلنكي في أوكرانيا ثم الحركة القومية في بولندا، كان اليهود يقفون خارجها امتداداً لوضعهم الطبقي الهامشي والطفيلي. فهم لم يكونوا مستغلين فقط، مثل النبيل الإقطاعي الفرنسي أو التاجر الإنجليزي، وإنما كانوا غرباء أيضاً فسقطوا مع سقوط نظام الإقطاع الاستيطاني البولندي. وقد أضفت كل هذه العناصر على المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة. 6 ـ لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي حتى عام 1550. وكان يهود أوربا كافة مُركَّزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا حتى أنه، في القرن السابع عشر، كان هناك مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طُردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. وقد أخذ غزو يهود بولندا في الزيادة ابتداءً من القرن السادس عشر حتى أن أغلبية يهود العالم كانت في بداية القرن العشرين من نسل يهود بولندا (بل يُقال إن كل يهود العالم الغربي من أصل بولندي باعتبار أن العناصر اليهودية المحلية تم صهرها تماماً في الأغلبية (. 7 ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التجارة والاستيطان والقتال جزء أساسي من التجربة التاريخية للغالبية العظمى من الجماعات اليهودية في الغرب، وأنهم دخلوا العصر الحديث وعندهم قابلية (تبادل اختياري) للاشتراك في العمليات الاستيطانية القتالية. وفي هذه التربة الخصبة، ظهر جوزيف فرانك اليهودي البولندي المُتنصِّر الذي طالب بتسليح اليهود وتأسيس دولة مستقلة لهم. كما ظهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية المبني على تصديرها باعتبار أن اليهود عنصر استيطاني غريب (ومن المعروف أن معظم قيادات الصهيونية الاستيطانية من أصل بولندي روسي (. ويمكن القول بأن الأرندا الإقطاعية الاستيطانية تُكمل الحلقة المفقودة بين تجربة يهود الغرب والتجربة الصهيونية. فالعلاقة الثلاثية (النبلاء البولنديون ـ الوسطاء اليهود المستوطنون ـ أقنان أوكرانيا) تشبه كثيراً العلاقة الثلاثية السائدة في الشرق الأوسط (الإمبريالية الأمريكية ـ الوسطاء الصهاينة المستوطنون - عرب فلسطين) . والعنصر اليهودي في كلتا الحالتين عنصر استيطاني نافع يتم الحفاظ عليه بمقدار نفعه وليست له أهمية في حد ذاته. وما حدث، بشيء من التبسيط، هو أن المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية في أوكرانيا تحوَّلت إلى مماليك استيطانية قتالية شبه تجارية في فلسطين بعد تأسيس الدولة المملوكية الصهيونية، وهي دولة ذات قيمة إستراتيجية عسكرية بالنسبة للغرب (بالدرجة الأولى) وذات أهمية تجارية اقتصادية (بالدرجة الثانية) .ومع ظهور النظام العالمي الجديد، قد تتراجع الوظيفة العسكرية القتالية لتشغل المرتبة الثانية بينما تشغل الوظيفة التجارية الاقتصادية الدرجة الأولى، ولذلك سيتطابق وضع الدولة الصهيونية مع يهود الأرندا إذ ستصبح دولة وظيفية تجارية شبه قتالية. ونحن، بهذا، نكون قد اكتشفنا استمرارية تاريخية ونمطاً متكرراً داخل التاريخ الغربي الحقيقي، وليس استمرارية ميتافيزيقية داخل التاريخ اليهودي الوهمي. الخمور (النبيذ والكحول) والاتجار فيها Wine and Liquor Trade «تجارة الخمور والنبيذ» هي تجارة عادةً ما تضطلع بها جماعة وظيفية، ربما لأن الخمر تُذهب الوعي وترتبط في كثير من العقائد بالمقدَّس والغيب، أي أن الخمر مرتبطة بمنطقة وجدانية تقع خارج نطاق المألوف والعادي والروتيني، ومن هنا تظهر ضرورة اللجوء إلى جماعة وظيفية محايدة، ليس في مقدورها أن تُوظِّف لحظة غياب الوعي هذه لصالحها (بسبب عجزها) ، تماماً مثل الحلاق الذي تُسلِّم له رأسك ليقص الشعر، ويمكنه أن يقطع رأسك ويسلم من العقوبة إن كانت تسانده مجموعة من البشر لها سلطة. والشيء نفسه ينطبق على الماشطة التي تدخل البيوت وتعرف أخص خصائص النساء، وهو ما يجعلها مستودعاً لكثير من الأسرار التي يمكن أن تُستخدَم ضد من قالها. ولذا، فلابد لمن يقوم بمثل هذه الوظائف أن يكون محايّداً مجرَّداً من السلطة تحت رحمة المجتمع تماماً، حتى لا يسيطر عليه. ويبدو أن التحريم التلمودي الخاص بتناول خمور الأغيار جعل أعضاء الجماعات اليهودية مضطرين إلى أن يكون لهم كرومهم ومصانع الخمور الخاصة بهم. ولكن، مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي في الغرب، كانت كل مزارع الكروم المملوكة لليهود قد تمت تصفيتها مع انسحابهم التدريجي من مهنة الزراعة. ولكن اتجارهم في النبيذ والمشروبات الكحولية استمر حتى أصبحت هذه المهنة إحدى المهن أو الوظائف اليهودية الأساسية في شرق أوربا وألمانيا. ومع بداية القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، كان إنتاج المشروبات الكحولية وبيعها في بولندا وليتوانيا عملاً أساسياً يمتهنه أعضاء الجماعات اليهودية ومصدراً من أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، كما أصبح هذا العمل مهنة أساسية في بوهيميا والمجر. وقد ازداد ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الخمور نتيجة لنظام الأرندا. فرغم أن الخمور كانت تمثل الترف الأساسي في حياة الفلاحين، إلا أنهم كانوا ممنوعين من تقطيرها، إذ أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء البولنديين، وكان تأجير هذا الحق مصدراً أساسياً للريع الذي يحصل عليه النبيل من مستأجر الامتياز (الأرنداتور) . فكان اليهود يستأجرون معامل التخمير والتقطير والحانات، والتي كانت مرتبطة بنظام الأرندا في بولندا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وقد أصبح اليهودي (صاحب الحانة) شخصية أساسية في الريف الأوكراني وفي المدن الصغيرة. وكان اليهود يحتكرون ـ تقريباً ـ إنتاج وبيع المشروبات الكحولية. وكانت نسبة عالية منهم تعمل في هذه التجارة حتى بلغت، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، 15% من مجموع يهود المدن و85% من يهود الريف. وقد تسبَّب اشتغال اليهود بهذه التجارة في نشوء كثير من التوترات بينهم وبين بقية السكان. كما كان الفلاحون السلاف يفرطون في الشرب، وهو ما كان يزيد من أرباح اليهود، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا لا يشربون بهذا الإفراط. وكان أعداء اليهود بين طبقات المجتمع الأخرى يلقون اللوم على اليهود، مع أن الإفراط في الشرب كان ظاهرة اجتماعية صاحبت تَدنِّي الأوضاع الاقتصادية والثقافية في شرق أوربا والذي لم يكن اليهود مسئولين عنه بل ضحية له. وكانت الطبقات الحاكمة في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ترى أن اليهودي هو سر بلاء الريف وبلاء سكانه، ولذا كانوا يرون أن إصلاح حال الفلاحين لن يتأتى إلا بطرد اليهود من صناعة الخمور. ومع تدهور الاقتصاد البولندي ابتداءً من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت العناصر التجارية المسيحية تتجه إلى الهيمنة على تجارة النبيذ والكحوليات المربحة بين السكان. وكلما ازداد إفقار المدن وإفقار سكانها، كانت المطالبة بتأميم تجارة الخمور تزداد ضراوة. وأصبح استبعاد اليهود من هذه التجارة مطلباً أساسياً تطرحه الطبقة الوسطى البولندية، ثم أصبح هذا جزءاً من سياسة كثير من الدول المطلقة المستنيرة. وقد بدأت حركة استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية من صناعة الخمور في بولندا وامتدت إلى روسيا واستمرت فيها. ونصت براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني على ضرورة طرد اليهود من صناعة الخمور خلال عامين. ومع تفاقم مشكلة سُكْر الفلاحين، ازدادت ضراوة التشريعات ضد اشتغال اليهود بتجارة الخمور. ولكن كل هذه التشريعات لم تفلح، إذ أن إدمان الفلاحين السلاف للخمر كان نتاج ظروف حضارية واجتماعية مُركَّبة لم يكن اليهود مسئولين عنها، وإن كانوا قد استفادوا منها. ولم تُحسَم المسألة نهائياً إلا مع ظهور نظم اشتراكية في روسيا وبولندا أممَّت كل وسائل الإنتاج، ومنها صناعة الخمور، وأوجدت فرصاً بديلة لليهود. ويبدو أن تقاليد الاشتغال بإنتاج النبيذ وتسويقه استمرت على يد المستوطنين الصهاينة في فلسطين، إذ زرعوا كثيراً من الكروم وقاموا بتقطير الخمور. وقد قامت مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية بزراعة أول أشجار كروم أوربية، وأسست أول قبو خمور على الطريقة الأوربية. وكان البارون إدموند دي روتشيلد مهتماً بزراعة الكروم في فلسطين مؤملاً أن تتحوَّل إلى أحد الأسس الاقتصادية للقرية اليهودية في فلسطين، وقد قام ببناء أقبية كبيرة للخمور. ولكن التجربة لم تنجح، مثلها مثل كثير من التجارب الاستيطانية الأخرى. الإعلان Advertising لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً للغاية في صناعة الإعلان، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ارتبطت هذه الصناعة بآليات المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ويُعتبَر رجال صناعة الإعلان من اليهود من أهم العناصر المسئولة عن تَطوُّر مؤسسة الإعلان الحديثة وعن اتساع نشاطها وتَطوُّر أسلوب عملها. والواقع أن التبادل التجاري في المجتمعات التقليدية لا يعرف ظاهرة الإعلان، إذ كان النشاط الاقتصادي محكوماً بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية التي لا تسمح بالتنافس الشديد ولا بمحاولة التأثير على الزبائن واصطيادهم. ومع هذا، كان كثير من التجار في كثير من بلدان العالم الغربي يجأرون بالشكوى من التجار اليهود بسبب ملاحقتهم الزبائن أمام المحال التجارية وفي الطرقات وحتى في منازلهم. ولعل هذا يعود إلى أن التاجر اليهودي لم يكن ملتزماً بالقيم المسيحية مثل الثمن العادل والمحبة. كما أن أعضاء المجتمع المضيف، في علاقتهم به كعضو في جماعة وظيفية، هم مجرد شيء يشكل مصدراً للربح. وتزايدت أهمية الإعلانات في التجارة مع تزايد علمنة المجتمع وتزايد حدة المنافسة التجارية. لكن النقلة النوعية حدثت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن حقَّقت الثورة الصناعية توسعاً في الإنتاج، وبعد نمو طبقة وسطى من المستهلكين شكلت السوق الأساسية للمنتجات والسلع الاستهلاكية المختلفة، حيث أصبحت الإعلانات جزءاً لا يتجزأ من آليات السوق. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية من العناصر الرائدة في قطاع الإعلان نتيجة ميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية تمتلك خبرات تجارية ومالية مهمة أهلتهم لدخول مجالات كانت لا تزال تُعَدُّ جديدة وغير مألوفة وبالتالي تتميَّز بقدر كبير من المخاطرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فهم ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بصناعة الإعلان من خلال ارتباطهم بتجارة التجزئة والصحافة اللتين كانتا أيضاً من الأنشطة الجديدة التي صاحبت نمو المجتمعات الصناعية الرأسمالية، وهي أنشطة احتل فيها أيضاً أعضاء الجماعات اليهودية مكان الريادة. وبالتالي اكتسبت صناعة الإعلان أهمية كبيرة لتسويق منتجات مؤسسات التجزئة التجارية الجديدة، في حين شكلت الصحافة الأداة الرئيسية للإعلان عن هذه المنتجات. ويُعتبَر الأمريكي اليهودي ألبرت لاسكر أباً لصناعة الإعلان الحديثة حيث عمل على تحويل مهمة وكالة الإعلان، من مجرد وسيط بين المؤسسات التجارية التي كانت تضع برنامج الإعلانات لمنتجاتها من ناحية والصحافة وأجهزة الإعلام من ناحية أخرى، لتصبح الجهة الرئيسة المسئولة عن رسم وتخطيط ونشر الإعلانات الخاصة بمنتجات هذه المؤسسات. وقد انضم لاسكر عام 1898 إلى وكالة إعلان لورد وتوماس في شيكاغو، وأصبح عام 1904 (وعمره 24 سنة) شريكاً بها، ثم أصبح مالكها الوحيد عام 1912. وقد نجح لاسكر خلال ثلاثة عقود في تحويلها إلى واحدة من أهم وكالات الإعلان في الولايات المتحدة. ويُعتبَر ميلتون بيو Biow المسئول عن تطوير وكالة الإعلان الحديثة لتلبية احتياجات عالم التجارة والأعمال الحديثة. كما أسس إحدى أهم كبريات وكالات الإعلان في الولايات المتحدة والعالم. ويُعَدُّ أول من استخدم الراديو والتليفزيون لتقديم الفقرات الإعلانية القصيرة. وتُعتبَر وكالة جراي للإعلان، التي أسسها لورانس فالنستاين، من أهم مؤسسات الإعلان التي أوجدت فكرة خَلْق الطلب على السلعة قبل طرحها في الأسواق. كما ابتكرت وكالة إعلان أخرى هي وكالة دوتل داين وبرنبارخ التي تأسست في عام 1949 أسلوباً جديداً في الإعلان يعتمد على تَبنِّي نبرة هادئة تميل إلى التواضع في تقديم الإعلانات وهو أسلوب تبنته كثير من وكالات الإعلان الأخرى. وابتكرت وكالة أخرى، وهي وكالة نورمان كرايج وكومل، أسلوباً جديداً في الإعلان أطلقت عليه اسم «الإعلان العاطفي» ، وهو أسلوب يهدف إلى خَلْق نوع من التماثل والاندماج العاطفي عند المتلقي تجاه السلعة موضوع الإعلان. وكل هذه أساليب تميل إلى اللعب على الجوانب النفسية والعاطفية والحسية لدى المستهلك باعتباره مجرد هدف يتم توظيفه. ومن الجدير بالذكر أن عالم النفس المعروف إرنست ديختر من أهم الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت لها مساهمات مهمة في صناعة الإعلان والذي أسس معهد بحوث الدوافع. وفي إنجلترا، لم يصل أعضاء الجماعة اليهودية إلى مواقع بارزة في صناعة الإعلان إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تَنمُ صناعة الإعلان في أوربا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن شهدت وسائل الاتصال نمواً وتوسعاً كبيرين، إلا أن مشاركة أعضاء الجماعات اليهودية فيها انتهت مع مجئ النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب، فكان لاتساع وامتداد نشاط وكالات الإعلان الأمريكية والبريطانية إلى أوربا دور في أن يصبح لرجال الإعلان من اليهود شأن بارز في صناعة الإعلان الأوربية. ويجب التنبه إلى أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في قطاع الإعلانات لا يجعل منه نشاطاً اقتصادياً يهودياً، فهو أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من آليات السوق بكل وحشيته وعدم اكتراثه بالقيم الإنسانية والأخلاقية، ومحاولته توظيف الدوافع الإنسانية، خصوصاً الدافع الجنسي، في محاولة بيع السلع. وقد ظهر قطاع الإعلانات وتَطوَّر بظهور وتَطوُّر الاقتصاد الحديث، خصوصاً الرأسمالي. ويمكن القول بأن قطاع الإعلان كان سيظهر ويتطور سواء كان هناك يهود أم لا، تماماً كما ظهر وتَطوَّر في اليابان والهند وهي بلاد لا تُوجَد فيها أقليات يهودية تُذكر. ومع هذا، يمكن القول بأن وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذا القطاع بشكل ملحوظ لا يمكن تفسيره إلا على أساس انتمائهم إلى أقلية تشكل جماعة وظيفية، أي أن يهوديتهم تفسر تزايد عددهم داخل هذا القطاع الاقتصادي ولكنها لا تفسر وجود هذا القطاع وتطوره وآلياته. وهذا، على كلٍّ، هو النمط المهم في كثير من الظواهر في العالم الغربي ابتداءً من الرأسمالية والاستعمار وانتهاءً بالطلاق والإباحية والشذوذ الجنسي. تجارة الرقيق Slave Trade «تجارة الرقيق» هي تجارة تقوم بها عادةً جماعة وظيفية مالية. وتُحرِّم اليهودية على اليهودي استعباد اليهودي مدة تزيد على ستة أعوام، ولكنها لا تُحرِّم استعباد غير اليهود أو الاتجار فيهم. ويُقال إن العبرانيين القدامى كانوا عبيداً في مصر، وهو قول غير دقيق. فبرغم أن الاقتصاد المصري كان متقدماً، فإنه كان يعتمد أساساً على السخرة، مع عدم استبعاد أن تكون جماعة غريبة مثل العبرانيين قد تحوَّلت إلى عبيد وبخاصة بعد انحسار حكم الهكسوس: حُماتهم. ولم يكن العبرانيون، عند هجرتهم من مصر وتغلغلهم في كنعان وسكناهم فيها (في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد) ، على مستوى اقتصادي وحضاري متقدم، ولذا لم تكن لديهم حاجة إلى العبيد. ومن هنا حديث العهد القديم الدائم عن إبادة سكان القرى والمدن التي كان يجتاحها العبرانيون. ولم تكن المملكة العبرانية المتحدة، هي الأخرى، في حاجة إلى العبيد بسبب بساطة اقتصادها، فقد سدت حاجتها من العبيد عن طريق استعباد العبرانيين الذين فشلوا في أداء ديونهم. ولم يختلف الوضع كثيراً في المملكة الشمالية أو المملكة الجنوبية. ولا يُعرف عن العبرانيين أنهم اشتغلوا بتجارة الرقيق أو أنهم كانوا يستعبدون أعضاءً من الشعوب المجاورة. كما أنهم لم يتحولوا إلى عبيد. ولكن هناك إشارة إلى أن بعض فراعنة مصر كانوا يتبادلون مع المملكتين العبرانيتين الأحصنة المصرية بالمقاتلين اليهود، وأن هؤلاء العبيد هم الذين تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية قتالية في جزيرة إلفنتاين. وكان التهجير الآشوري والبابلي عملية نقل كتلة بشرية من مكان إلى آخر ولكنها لم تحوِّل المهجَّرين إلى عبيد، بل إن بعضهم أصبح من كبار المموِّلين. ولا تختلف الصورة في عصر الإمبراطوريات الفارسية واليونانية (السلوقية والبطلمية) ثم الرومانية. لكن الصورة تختلف في العصور الوسطى في أوربا. فنظراً لفقر أوربا الشديد، كان الرقيق أحد السلع القليلة التي يمكنها توريدها إلى الإمبراطورية البيزنطية والعالم الإسلامي حتى يمكنها استيراد البضائع منها. أي أن توريد العبيد كان نوعاً من أنواع تصحيح ميزان المدفوعات. ولذا، كانت تجارة الرقيق جزءاً أساسياً من التجارة الدولية. ولكن المصدر الأساسي للعبيد كان هو بلاد السلاف الوثنية المشتق اسمها من كلمة «سكلافوس scelavus» من لاتينية العصور الوسطى أي عبد (ومن هنا اسمهم العربي «الصقالبة» ) ، إذ كانت الدول المسيحية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسيحيين كما كانت الدولة الإسلامية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسلمين. وكانت قوافل اليهود تنتقل لأخذ العبيد من السلاف لنقلهم وبيعهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مهيئين أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع للاضطلاع بهذه الوظيفة، فقد كانوا جماعة وظيفية وسيطة يمكنها أن تعيش بين الفراغات وأن تدير مثل هذه التجارة المشينة التي لا يمكن أن يقوم أعضاء المجتمع بإدارتها. كما أن كونهم يهوداً قد زودهم بالحماية في حركتهم الدائبة بين العالمين المسيحي والإسلامي وكان بوسعهم أن يبيعوا عبيداً مسيحيين في العالم الإسلامي وعبيداً مسلمين في العالم المسيحي. ويذكر ابن خرداذبة أن العبيد كانوا من أهم السلع التي يحملها التجار الراذانية. وقد عملت أعداد كبيرة من التجار اليهود في تجارة الرقيق منذ العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وهذا أمر طبيعي، فتجارة الرقيق كانت جزءاً من التجارة الدولية. وقد مُنح هؤلاء التجار المواثيق التي تحميهم وتحمي سلعهم. وكان من الممنوع تعميد العبد لأن هذا يعني فقدان التاجر اليهودي سلعته. وكان هذا مصدر احتكاك شديد بين التجار اليهود والكنيسة، بل بين هؤلاء التجار ومعظم طبقات العالم الغربي المسيحي في العصر الوسيط. وبعد الثورة التجارية، ظهرت تجارة الرقيق - المرتبطة بالنظام الاقتصادي التجاري الجديد - والتي تطلبت إمكانات مادية ضخمة من سفن إلى جنود وحاميات في المستعمرات تحتاج إليها عملية اصطياد العبيد من أفريقيا وتوريدهم إلى المستوطنات في العالم الجديد. وقد انضم بعض كبار المموِّلين اليهود إلى هذه التجارة ولعبوا دوراً نشطاً، فامتلك يهود المارانو (السفارد) العبيد، خصوصاً في مستعمرات الكاريبي، وقاموا بالاتجار فيهم. ومما يسر لهم عملهم هذا، شبكة الاتصالات اليهودية الضخمة في تلك الآونة، فقد كان للمارانو قواعد في البرتغال وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي العالم الجديد وفي هولندا ومستعمراتها، كما كانت لهم ركائز في الدولة العثمانية وغيرها من الدول. وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد في المستعمرات الهولندية في الأمريكتين، فكانوا يعملون بهذه المهنة في البرازيل الهولندية (1630 ـ 1654) ، كما عمل بعضهم بها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الجديد. فاشتركوا في التجارة المثلثة أي شحن البضائع الأوربية، مثل الأسلحة والبارود والمشروبات الروحية (الجن) والحلي الرخيصة، إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يباعون في المزارع الأمريكية وفي جزر الكاريبي، ثم تعبئة هذه السفن بالمنتجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ والقهوة وغيرها من السلع لنقلها إلى أوربا. وكان يوجد مثلث آخر يبدأ في نيو إنجلاند في الولايات المتحدة حيث تُحمَّل السفن بشراب الروم وتتجه إلى أفريقيا حيث يباع الروم وتُحمَّل بالعبيد وتتجه لجزر الكاريبي لتُحمَّل بعسل قصب السكر الأسود الذي يُصنَّع منه الروم. وتظهر أسماء تجار يهود بين تجار العبيد في كوراساو، فيرد اسم مانويل ألفاريس كوريا باعتباره تاجر عبيد نشيطاً اشتغل بهذه المهنة عدة سنوات وعمل وسيطاً عام 1699 بين شركة الهند الغربية الهولندية والشركة البرتغالية، وذلك لنقل العبيد من أفريقيا إلى المكسيك عبر كوراساو حيث كانت تتم مبادلة العبيد بالعسل الأسود الذي يُصدَّر إلى نيو إنجلند ليُستخرَج منه الروم لبيعه في أفريقيا. ومن أهم التجار في أمريكا الشمالية: ديفيد فرانكس وآرون لوبيز وجيكوب رودريجيز. وفي جامايكا، ترد أسماء ديفيد هنريك وهيمان ليفي وألكسندر ليندو الذين كانوا من كبار تجار العبيد هناك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء أسرة جراديس اليهودية المقيمة في بوردو نشطاء في تجارة العبيد بالمستعمرات الفرنسية في العالم الجديد مثل سانتو دومينجو. وكان هناك بعض اليهود من أصحاب المزراع الكبيرة في جزر الهند، وبالتالي فقد كانوا يمتلكون العبيد الذين تعتمد الزراعة عليهم هناك. ومن أهم التجارب الاستيطانية اليهودية تجربة سورينام حيث أسس أعضاء الجماعة اليهودية في بريزدنتس أيلاند ما يشبه الدويلة المستقلة التي كانت تعتمد على العبيد المستَجْلَبين من أفريقيا في الزراعة. ولم يكن موقف أعضاء الجماعة اليهودية في الجنوب الأمريكي (في الولايات المتحدة) يختلف عن موقف بقية الأمريكيين من مؤسسة الرقيق، فقد امتلك اليهود فيها العبيد. وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يمتلكون العبيد 25%، وهي نسبة لا تختلف عن نسبة البيض حسب إحصاء 1860. وكان هناك بين مُلاَّك المزارع القليل من أعضاء الجماعة اليهودية. أما معاملة يهود الجنوب الأمريكي للعبيد، فلم تختلف عن معاملة المسيحيين لهم. كما أن نسبة عدد العبيد، الذين كان يعتقهم أعضاء الجماعة اليهودية، لم تكن تختلف عن النسبة بين المسيحيين، غير أن أعضاء الجماعة اليهودية اشتغلوا بسائر الأعمال التنفيذية الخاصة بتيسير النظام العبودي. ويُلاحَظ أن العبيد والمُحرَّرين من العبيد السود كانوا يتعاملون بنسبة أعلى مع التجار اليهود، نظراً لأن هؤلاء كانوا يفتحون محالهم يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يتسوقوا فيه. وفيما يتعلق بمؤسسات تجارة الرقيق، فقد اشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية، شأنهم شأن كل سكان الجنوب، فعملوا بالمزايدات وتقديم الائتمانات وإنجاز الأعمال التجارية في سوق الرقيق. ويبدو أن نسبة المشتغلين بتسيير تجارة الرقيق منهم كانت أعلى من نسبة المشتغلين بها بين المسيحيين، نظراً لتَركُّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. ولم يقتصر اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية على المؤسسات الخاصة بإدارة تجارة الرقيق، بل تعاملوا في سلعته البشرية الأساسية، أي الرقيق. فكان لابد لمن يمتلك رقيقاً أن يتاجر فيه بيعاً وشراءً، لأن الرقيق كان سلعة ثمينة. ومع هذا، لم يكن يوجد يهودي واحد بين كبار التجار. والواقع أن رأس المال المُركَّز في أيدي ممولين يهود كان ضئيلاً بالنسبة إلى رأس مال العمالقة من المسيحيين البيض. ففي ريتشموند، كان هناك ثلاثة تجار يهود من بين سبعين تاجراً، وفي تشارلستون كان يوجد أربعة تجار يهود بين أربعة وأربعين، وفي ممفيس تاجر واحد بين اثنى عشر تاجراً. وبرغم الانخفاض المطلق في عددهم، فإن نسبة وجودهم في تجارة الرقيق كانت عالية للغاية، إذ كانوا يشكلون نحو 8% من التجار في المتوسط. وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان، في الجنوب وفي الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية لأن عصر الهجرة اليهودية من شرق أوربا، الذي أتى بالكثافة السكانية، لم يكن قد بدأ بعد. وعلى أية حال، لم تتجاوز نسبة اليهود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت نصفاً في المائة. ولعل عدم وجود اليهود في هذا القطاع بنسبة كثيفة كان انعكاساً لوضعهم داخل الاقتصاد الأمريكي، فهم دائماً على مقربة من المستهلك، بعيدون عن الصناعة الثقيلة وعن المراحل الأولى من الإنتاج، وقد كان الرقيق جزءاً من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي في الجنوب. ولم يكن هناك رفض يهودي لتجارة الرقيق، إذ كان جيكوب لفين رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا وإسرائيل جونز رئيس الجماعة في موبيل (ألاباما) من تجار العبيد في عام 1850. وقد استمر التجار اليهود مشاركين في تجارة الرقيق حتى نهاية الحرب الأهلية الأمريكية. وقد أبقى بعض اليهود البيض محظيات سوداوات وعاشروهن جنسياً، وهذا يعني وجود يهود سود. ولكن من الصعب تحديد عددهم، خصوصاً أن المؤسسات الدينية اليهودية كانت ترفض السماح للسود بالانتماء إليها. كما أن الأسياد اليهود لم يلقنوا عبيدهم الديانة اليهودية. ومع هذا، يدَّعي العبرانيون السود أنهم من نسل هؤلاء. وأثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية موقف مستقل عن المناطق الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها، فتَبنَّى يهود الشمال موقفاً رافضاً لتجارة الرقيق، وتَبنَّى يهود الجنوب موقفاً مؤيداً لها، بينما تَبنَّى كثير من يهود الولايات الوسط المجاورة للولايات الجنوبية موقفاً محايداً. ومع هذا، لم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية بشكلٍّ عام دوراً ملحوظاً في حركة تحرير العبيد أو التحريض ضدها، أو في حركة تهريب العبيد من الجنوب إلى الشمال. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الرأسمالية والجماعات اليهودية: مقدمة
Capitalism and the Jewish Communities: Introduction يمكن القول، بشكل عام، بأن يهود العالمين العربي والإسلامي لم يلعبوا دوراً اقتصادياً متميِّزاً، ولم يضطلعوا بوظائف اقتصادية خاصة مقصورة عليهم دون بقية أعضاء المجتمع، ومن ثم فإنهم لم يلعبوا دوراً خاصاً أو متميِّزاً في نشأة الرأسمالية أو في المشروعات الرأسمالية الحرة في العالم العربي أو الإسلامي، وخصوصاً أن الرأسمالية لم تنبع من داخل البلاد العربية والإسلامية وإنما وفدت من أوربا، وبخاصة مع الجيوش الاستعمارية. كما يُلاحَظ أن البلاد العربية والإسلامية التي أسست نظاماً اقتصادياً يتبع نموذج الاقتصاد الحر، مثل تركيا ودول الخليج ولبنان، لم يكن فيها جماعات يهودية كبيرة. وحتى حين وُجدت جماعات يهودية كبيرة نسبياً في بعض البلاد، كما هو الحال في المغرب، فإنها لم تساهم بشكل خاص في التاريخ الاقتصادي لهذه البلاد. لكن هذا التعميم لا ينفي، بطبيعة الحال، وجود أي شكل من أشكال التمايز بين الجماعة اليهودية والأغلبية، فهذا ضد طبيعة الأشياء. فالأقليات الدينية والإثنية والعرْقية لعبت دائماً وأبداً دوراً متميِّزاً في المجتمعات التقليدية؛ إذ كانت قطاعات منها تتحول إلى جماعات وظيفية، وجماعات وظيفية وسيطة على وجه التحديد. وكان تقسيم العمل يتم أحياناً في هذه المجتمعات التقليدية حسب الأوضاع الإثنية والدينية. ولا يشكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي استثناءً من القاعدة، لكن درجة تميُّزهم الاقتصادي لم تكن حادة، كما أنهم لم يكونوا قط الأقلية الوحيدة التي تلعب دوراً اقتصادياً متميِّزاً. ومن ناحية أخرى، كان كثير من الحرف والوظائف التي كان يشتغل بها أعضاء الجماعة اليهودية غير مقصورة عليهم بل كان يشتغل بها المسلمون والمسيحيون. أما في العالم الغربي، فقد كان الأمر جد مختلف، إذ لعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دوراً محدَّداً بارزاً الأمر الذي حدا بكثير من المفكرين الغربيين، مثل كارل ماركس وماكس فيبر ووارنر سومبارت، إلى دراسة قضية العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعات اليهودية وظهور الرأسمالية في العالم الغربي وتطوُّرها ومدى مساهمتهم فيها. وأصبحت القضية نفسها إشكالية أساسية في الفكر الاشتراكي وأدبيات معاداة اليهود والفكر الصهيوني ذاته. وتُركِّز الأدبيات الخاصة بهذه الإشكالية على عنصرين أساسيين يربطان بين أعضاء الجماعات اليهودية والعقيدة اليهودية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى: 1 ـ تجربة الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية داخل التشكيل الحضاري الغربي (دون تسمية المصطلح بطبيعة الحال (. 2 ـ النسق الديني اليهودي ذاته. ولا يميِّز ماركس وفيبر وسومبارت بين اليهودية واليهود (خصوصاً ماركس الذي يكاد يفترض ترادفهما (. ويؤكد فيبر أهمية العنصر الديني (الفكر الديني اليهودي) على حساب العناصر التاريخية. أما سومبارت، فإنه يؤكد أهمية العنصرين معاً، ولكنه يعطي لأطروحته الخاصة بمسئولية اليهود (خصوصاً المارانو) عن ظهور الرأسمالية صفة الحتمية بل والعرْقية إذ يرى وجود علاقة سببية بسيطة بين اليهود والرأسمالية. ويميِّز المفكرون الثلاثة بين شكلين من أشكال الرأسمالية: 1 ـ رأسمالية المجتمعات التقليدية أو الإقطاعية والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الشكلية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية المنبوذة» ، ويسميها سومبارت «الرأسمالية التجارية» . ويستخدم ماركس وإنجلز المصطلح الأخير أيضاً (ونسميها نحن في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» ) . 2 ـ رأسمالية المجتمعات الحديثة والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الصناعية أو الحقيقية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية الرشيدة» ، ويُطلق عليها سومبارت مصطلح «رأسمالية الاستثمارات» . ويتسم الشكل الأول بأنه رأسمالية تعمل بنَقْل البضائع من مجتمع إلى آخر، أما نشاطها فيتركز على عمليات التبادل دون أن تقوم بإنتاج أية سلع جديدة ولا تُضيف أي فائض قيمة. أما الشكل الثاني، فإنه يقوم بالاستثمار والمخاطرة وإنتاج السلع الجديدة. ولذا، نجد أن مركز الرأسمالية الأولى هو سوق الأوراق المالية، أما الثانية فمركزها المصنع. ومن ثم، نجد أن الرأسمالية الأولى هي مجرد جيب رأسمالي (تجاري مالي) في المجتمع الإقطاعي يعيش فيه وبه، على نقيض الرأسمالية الحقيقية التي تُولَد في المدينة خارج المجتمع الإقطاعي وتقف على الطرف النقيض منه وتقضي عليه في نهاية الأمر. وقد ربط هؤلاء المفكرون بين أعضاء الجماعة اليهودية من جهة والرأسمالية التجارية من جهة أخرى. ولعل هذا من أهم أسباب عدم تحدُّد وضع اليهود داخل الحضارة الغربية من وجهة نظرهم، فهم ممثلون لقوى رأسمالية ولكنها رأسمالية المجتمع الإقطاعي. ولذا ارتبط وجودهم في الأذهان بعدة قوى متناقضة: الطبقات الحاكمة التقليدية، والقوى الرأسمالية المعادية لها، ثم القوى الثورية التي وقفت ضد الفريقين. ويمكننا أن نحيل القارئ إلى المداخل الثلاثة (في هذا القسم) عن ماركس وإنجلز ثم فيبر وسومبارت، ونؤكد على أهمية ما قاله فيبر بشأن محاولة تفسير ظاهرة عدم إسهام اليهود في نشأة الرأسمالية الرشيدة رغم أن اليهودية لعبت دوراً أساسياً في ترشيد الحضارة الغربية. وفي محاولتنا رصد دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية سنفرِّق بين العقيدة اليهودية من جهة والجماعات اليهودية من جهة أخرى. كما سنحاول الابتعاد عن طرح أي تصور خاص بوجود علاقة سببية واضحة بين اليهود وظهور الرأسمالية في الغرب. وسيكون نموذجنا التفسيري لهذه العلاقة هو مفهوم الجماعة الوظيفية الوسيطة. العقيدة اليهودية والرأسمالية Judaism and Capitalism ليس بإمكان الدارس المدقق إنكار أن النسق الديني اليهودي، في صياغته الأولى التوراتية، ثم في صياغاته التلمودية ثم القبَّالية، يحوي داخله استعداداً كامناً أو قابلية لظهور الرأسمالية، وهذا جانب وفَّاه فيبر حقه من الدراسة. ولكن من الواضح أن فيبر لم يكن ملماً بالتحولات العميقة التي دخلت اليهودية بعد هيمنة الفكر القبَّالي عليها وانتشار التصوف بين أعضاء الجماعات أو لعله لم يدرك أهميتها. والقبَّالاه اللوريانية فكر حلولي (روحي) متطرف يضع اليهودي في مركز الكون باعتباره امتداداً للخالق ويعمق من إحساس اليهودي بأنه من الشعب المختار، كما يُصعِّد حدة التوقعات المشيحانية. فالحلولية تعني حلول الإله في الأشياء حتى يتوحَّد بها ولا يُوجَد مستقلاً عنها فتصبح المخلوقات في قداسة الخالق مساوية له فتُرَدُّ كل الأشياء إلى مبدأ واحد، كامن في المادة ولا يعلو عليها، وكل هذا يساعد على تزايُد معدلات العلمنة. أما النزعة المشيحانية والإحساس بالاختيار فهي عناصر تعزل اليهودي عن واقعه المباشر وعن الجماعات الإنسانية المحيطة به فيصبح عنصراً موضوعياً وشخصاً غريباً، وهذه صفات أساسية تخلق استعداداً كامناً لدى صاحبها لتبنِّي أخلاقيات الرأسمالية المجردة والسوق الحر الذي يرى كل الظواهر باعتبارها خاضعة تماماً لآليات العرض والطلب. وتَجدُر الإشارة إلى أن العلاقة بين التصوف (الحلولي) والتجارة أمر مثير للغاية ويحتاج إلى مزيد من الدراسة، وبخاصة في ضوء علاقة الجماعة الوظيفية بالرؤية الحلولية للكون (المكان والزمان والإنسان) ومركب الشعب المختار (انظر: «الجماعات الوظيفية والحلولية الكمونية الواحدية» ) . دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية The Role of the Jewish Communities in the Emergence of Capitalism إذا كانت ثمة عناصر داخل النسق الديني تخلق عند أعضاء الجماعات اليهودية استعداداً كامناً لتقبُّل أخلاق الرأسمالية، ومن ثم المساهمة في تطويرها، فإن تجربتهم التاريخية داخل التشكيل الحضاري الغربي هي التي بلورت وضعهم وحوَّلت الاستعداد الكامن والقابلية إلى حقيقة تاريخية واقعة. وأهم سمات هذه التجربة أن أعضاء الجماعات اليهودية قد نُظر إليهم، منذ البداية (داخل التشكيل الحضاري الغربي) ، باعتبارهم الشعب الشاهد، أي أنهم ليسوا جزءاً من جماعة الأغلبية المسيحية، كما أصبحوا أقناناً للبلاط ومن بعد ذلك يهود أرندا ثم يهود بلاط، أي أن اليهود ظلوا خارج نطاق العلاقات الاقتصادية والدينية والأخلاقية للمجتمع الإقطاعي. فاليهودي كان غريباً بمعنى الكلمة، ونحن نرى أن انتشار القبَّالاه ساهم ولا شك في تعميق هذه العزلة والغربة إذ أضفت على دور اليهود، كوسطاء وغرباء، قدراً عالياً من القداسة، بحيث أصبح اليهودي هو الوسيط الكوني بين الإله والعالم، مجرد أداة لتوصيل الإرادة الإلهية لبقية البشر. وترتبط رؤية الخلاص بمدى قيامه بتنفيذ الأوامر والنواهي، أي أن القداسة حوسلت اليهودي تماماً. ولكن هذه الوساطة الكونية كانت صدى (وربما تبريراً وتسويغاً أيضاً) لعملية وساطة أخرى؛ إذ اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، منذ بدايات العصور الوسطى حتى بدايات الثورة التجارية، بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، فكانوا يقومون بنقل الفائض الزراعي والسلع الترفية، ويؤدون وظائف مالية وتجارية مختلفة في غاية الحيوية للمجتمع الإقطاعي، مع أنها لم تكن من صميم العلاقات الإنتاجية لهذا المجتمع، كما لم يكن بوسع بقية أعضاء المجتمع القيام بها. وكان المجتمع يُظهر التسامح تجاه اليهود مادام في حاجة إليهم، ولكنهم لم يُعطوا قط حقوقاً قانونية محدَّدة (مثل حقوق وواجبات أهل الذمة في الإسلام) . وكانت تَصدُر مواثيق خاصة تؤمِّن حقوقهم وتحدِّد واجباتهم ومقدار الضرائب المفروضة عليهم وأماكن إقامتهم وتُزوِّدهم بالحماية وتمنحهم المزايا. وكانت هذه المواثيق تُلغَى في أي وقت تنتفي فيه الحاجة إلى اليهود وإلى دورهم الاقتصادي، وبالتالي كان يتم طردهم، أي أن حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية تمت تماماً. وكان يُشار إلىهم باعتبارهم أقنان بلاط، أي أنهم كانوا خاضعين للملك أو الإمبراطور مباشرة بل يُعَدُّون ملكية خاصة له وأداة من أدواته، يدينون له وحده بالولاء، الأمر الذي حقق لهم قسطاً كبيراً من حرية الحركة، لكن ذلك زاد في الوقت نفسه من عزلتهم عن بقية قطاعات المجتمع. ونتج عن ذلك أن وجود أعضاء الجماعات اليهودية في إطارالحضارة الغربية كان يتسم بعدم التجذر أو الانتماء الكامل لأي تشكيل ثقافي أو طبقي محدَّد، فتحولوا إلى عنصر بشري حركي يحتفظ برأسماله على هيئة نقود سائلة يمكن نقلها بسهولة من مكان إلى آخر. ودعم هذا الاتجاه عدم السماح لليهود، في معظم الأحوال، بشراء العقارات الثابتة. لقد تحوَّل اليهود، نظراً لغربتهم وعدم تَجذُّرهم وبسبب الطبيعة السائلة لثروتهم، إلى عنصر بشري متحرك وموضوعي ومجرد: موضوعي لأنه يُنظَر إليه دائماً من الخارج، ومجرد لأنه لا يوجد داخل سياق مُحدَّد. وأصبح أعضاء الجماعة يجسدون ضرباً من الاقتصاد الحركي المجرد داخل الاقتصاد الزراعي الثابت الطبيعي. ووصل هذا التجريد إلى قمته في التنظيم الكامل لعلاقة اليهود بالمجتمع، وفي إحلال العلاقات القانونية التعاقدية محل العلاقات التقليدية الشخصية المبنية على كلمة الشرف والثقة التي كانت سائدة في المجتمع الإقطاعي. فكانت المواثيق التي تُمنَح لليهود تحاول أن تنظم كل جوانب العلاقات الممكنة بين المجتمع المسيحي وأعضاء الجماعة اليهودية، وهي علاقات كان الهدف منها، بالنسبة إلى الطرفين، الربح الاقتصادي المحض. وفكرة القانون اللاشخصي والعلاقات البشرية (علاقات إنسانية بين أشياء وعلاقات إنتاج بين بشر) هما الجوهر النفعي للاقتصاد والمجتمع الرأسماليين. ويمكننا القول بأن اليهود أصبحوا نواة الجيسيلشافت Gesellschaft (المجتمع التعاقدي الذري المفتت) في داخل الجماينشافت Gemeinschaft (الجماعة العضوية التراحمية المترابطة التقليدية) . وأدَّى عدم انتماء اليهود وتجريدهم - إلى جانب وجود التبادل الاختياري بين اليهودية والرأسمالية - إلى تحوُّل أعضاء الجماعة إلى الخميرة التي ساعدت على نشوء الرأسمالية، دون أن يكونوا بالضرورة السبب الوحيد أو حتى الأساسي في العملية التاريخية المركَّبة التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية. ويظهر دور أعضاء الجماعات اليهودية، كخميرة للنظام الرأسمالي في الغرب، في كثير من النشاطات التي لعبوها وفي إبداعاتهم. فهم من أوائل منْ طوَّروا فكرة الأسهم والسندات التي تحقق تراكماً رأسمالياً يمكن توجيهه إلى أي مجال استثماري قد يظهر، أي أنهم أسرعوا بعملية تجريد النقود بفصلها عن الأفراد وعن الرغبات البشرية والعواطف والأخلاق، وزادوا كفاءتها كرأسمال، وجعلوا مقياس الكفاءة الذي يُطبَّق عليها هو معدل الربحية وحسب. وبالطبع، كان اليهودي الذي تم استبعاده من النظام الإقطاعي يقع خارج نطاق القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع (وهو في هذا لا يختلف عن عضو الجماعة الوظيفية الذي ينظر له المجتمع المضيف باعتباره شيئاً لا قداسة له، ومجرد آلة يستفاد منها ثم تُنبَذ) . كما أن قيمه التجارية الموضوعية المجردة كانت مختلفة عن القيم المسيحية التي كانت تنظر بعين الشك إلى النشاط التجاري ككل، وإلى الربا على وجه الخصوص، وتهدف إلى أن تجعل من السوق مكاناً يلتزم بالحد الأدنى من الأخلاق وبأفكار مثل فكرة الثمن العادل والأجر الكافي، مع ضرورة إتاحة الفرصة لكل التجار لتحقيق ربح معقول مع وضع حدٍّ أقصى للأرباح. وأدَّت هذه الأخلاقيات، المتخلفة من منظور رأسمالي دنيوي، والتي تخلط بين الاقتصاد والأخلاق، إلى الحد من حركية التجارة. أما العنصر اليهودي، فلم يكن يدين بالولاء لمثل هذه الأخلاقيات. بل ظهر بين أعضاء الجماعات اليهودية مقياسان أخلاقيان: أحدهما يُطبَّق على الجماعة اليهودية (باعتبارها جماعة مقدَّسة لها حرمتها) والآخر يُطبَّق على المجتمع ككل (باعتباره لا حُرمة له ولا قداسة) . ولذا، لعب العنصر اليهودي دوراً أساسياً في تحطيم الأخلاقيات المسيحية الاقتصادية الإقطاعية وفي تقويض هذا الضرب من الاقتصاد المحافظ الذي تتداخل فيه العناصر الاقتصادية مع العناصر الأخلاقية والدينية. فساهم أعضاء الجماعة في عملية العلمنة والترشيد، أي فصل العنصر الاقتصادي عن العناصر الأخرى، بحيث يصبح النشاط الاقتصادي مرجعية ذاته ولا يتم ضبطه من خلال مرجعيات (أخلاقية أو دينية أو إنسانية) متجاوزة له. وأدَّى هذا إلى ظهور اقتصاد تجاري مبني على التنافس وعلى محاولة تعظيم الربح (اقتصاد يطرح فكرة الإنتاج بلا حدود وإشباع حاجات المستهلك التي لا تنتهي) . كما أن أعضاء الجماعة، بسبب عدم انتمائهم، كانوا من أكثر العناصر حركية والتزاماً بالقوانين الاقتصادية للسوق كقيمة مطلقة. فنجد أنهم حاولوا دائماً أن يوسِّعوا نطاق السوق وانتشاره، وهي العملية التي انتهت إلى تحويل المجتمع بأسره إلى النمط الرأسمالي والتي أطلق عليها ماركس تعبير «تهويد المجتمع» . وكانوا يبحثون عن أسواق جديدة وعن زبائن جدد وعن سلع جديدة. كما أنهم كانوا على استعداد لأن ينتجوا سلعاً أقل جودة وأقل تكلفة عما كان ينتجه (في العصر الوسيط) الحرفي أو التاجر الذي يعتز بحرفته وتجارته، والذي تعوَّد على إنتاج سلعة بعينها يرقى بها إلى مستوى معيَّن من الجودة ولا يمكنه أن يتنازل عنه أو يتهاون فيه، فالواقع أن حرفته كانت جزءاً من ميراثه الشخصي. وكان اليهودي، في محاولة توسيع نطاق السوق، من أوائل العناصر التي شجعت على استخدام الإعلانات على حين كان كثير من المفكرين الغربيين، حتى منتصف القرن الثامن عشر، يهاجمون الإعلانات باعتبارها عملاً غير أخلاقي، بل صدر في باريس عام 1761 قانون يمنع الإعلانات أو الجري وراء الزبائن لحثهم على الشراء. ويمكننا أن نرى هنا، مرة أخرى، أن الأخلاق المسيحية والتقليدية تحد من حركية السوق، على عكس الأخلاقيات الحركية (العلمانية) للجماعة الوظيفية التي لا تأبه بالحرمات ولا تعبأ بالمطلقات ولا تهتم بأية قيم، سوى قيم الربح والخسارة والبقاء. وربما كان من العناصر الأساسية التي جعلت من أعضاء الجماعة اليهودية خميرة للنظام الرأسمالي أنهم، نظراً لانتشارهم (شتاتهم) على هيئة جماعات منفصلة مترابطة، كانوا عنصراً بشرياً متعدد الجنسيات، عابراً للقارات، إن صح التعبير. فقد كان ليهود بولندا علاقات تجارية ومالية وثيقة مع يهود ألمانيا ومع يهود العالم الإسلامي، وهلم جراً. وساهم هذا في تسهيل عملية التجارة الدولية وتوسيع نطاق السوق، كما سهل عملية جمع المعلومات التجارية، الأمر الذي جعلهم قادرين على المنافسة. وقد لعب يهود شرق أوربا دوراً خاصاً، فالباعة اليهود، وكذلك اليهود الذين كانوا يقومون بأعمال الفنادق الصغيرة وتقطير الخمور وبيعها وإنتاج الماشية في المناطق الريفية وجمع الضرائب لحساب كبار الملاك، ساعدوا على إدخال عناصر التبادل واقتصاد المال. وكان نشاط صغار التجار اليهود في المناطق الريفية يشجع إنتاج فائض زراعي لزيادة استهلاك البضائع غير الزراعية، كما كان يساهم في إبعاد جزء من قوة العمل الزراعي عن الأراضي، وتوجيهها إلى صناعة الأكواخ المنزلية وخدمات النقل. وهذا النشاط هو الذي ساعد على خلق قوة عمل غير زراعي في المناطق الريفية تعتمد على الأجور أكثر من اعتمادها على العائد من الأرض. وبظهور النظرية المركنتالية، زاد الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية داخل النظام الرأسمالي. فهذه النظرية تجعل مصلحة الدولة المبدأ الأعلى المقبول لدى الجميع، والإطار المرجعي بحيث يتم الحكم على الإنسان لا بحسب انتمائه الديني وإنما بمدى نفعه للدولة. وقد ظهرت في هذه الفترة فكرة مدى نفع اليهود وفُتح المجال أمامهم للإسهام في جميع النشاطات الاقتصادية. وابتداءً من منتصف القرن السابع عشر، استعان الملوك والأمراء في وسط أوربا (في ألمانيا وغيرها من الدول) باليهود في كثير من النشاطات الاقتصادية، مثل: التجارة الدولية، وتمويل الجيوش، وعقد القروض والصفقات. وهؤلاء هم الذين يُطلَق عليهم مصطلح «يهود البلاط» . لكل ما تقدَّم، نجد أن تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب مرتبط بتاريخ الرأسمالية في كثير من الوجوه. ومن الملاحظ أن كثيراً من الدول التي كانت لها مشاريع تجارية أو استعمارية، كانت ترى أن العنصر اليهودي عنصر أساسي في هذه العملية ويمكن الاستفادة من خبراته ورأسماله كما يمكن توظيفه في أماكن نائية وجديدة، فهو عنصر حركي وحسب. وقد تم توطين اليهود في بولندا في القرن الثالث عشر مع التجار الألمان، لتشجيع الاقتصاد التجاري. ثم تم توطينهم في أوكرانيا بعد ضمها إلى بولندا للسبب نفسه. كما تم توطين اليهود في كثير من المستعمرات الاستيطانية والمراكز التجارية التابعة لإنجلترا وهولندا في العالم الجديد. وقد رحب كرومويل بتوطين اليهود في إنجلترا لكي ينعشوا الاقتصاد الإنجليزي ولكي يكونوا جواسيس يأتون له بالمعلومات التجارية. وسمحت فرنسا ليهود المارانو المطرودين من إسبانيا بالاستيطان في بعض المراكز التجارية المهمة فيها، مثل بايون وبوردو. وكان توطين أعضاء الجماعات اليهودية يأخذ، في العادة، النمط التالي: يبدأ توطين اليهود السفارد، بمالهم من خبرات تجارية مالية ورؤوس أموال واتصالات دولية، في الدول الغربية والدولة العثمانية ثم يتبعهم في معظم الأحوال جماعات من اليهود الإشكناز الذين بدأوا في الهجرة بعد ثورة شميلنكي. ولكن، ورغم أهمية الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية كخميرة ساعدت في نشوء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فإنهم كجماعة وظيفية وسيطة ظلوا مرتبطين بالطبقة الحاكمة في المجتمعات الإقطاعية تابعين لها يخدمونها ويخدمون مصالحها. فالتجارة والربا اليهوديان، أي ما يسميه فيبر «رأسمالية المنبوذين» ، لم يشكلا نقيضاً للمجتمع الإقطاعي وإنما خلية داخله. ولذا، كانت هذه التجارة اليهودية تقع ضحية عملية ظهور الرأسمالية الرشيدة المحلية رغم أنها ساهمت هي نفسها في الإعداد لها وتخميرها وإن كانت ساهمت أيضاً في قمعها وتأخير ولادتها كما حدث في بولندا. وربما يكون من المفيد في هذا المضمار أن نفرق بين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في قمع الرأسمالية المحلية وبين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في هولندا وإنجلترا وفرنسا في تطويرها. ولكن أعضاء الجماعات اليهودية، سواء أكانوا أداة قمع في بولندا أم كانوا أداة للتطوير في هولندا، ظلوا دائماً أداةً وحسب لخدمة هدف ما. وهم، في هذا، يشبهون الجماعات الوظيفية الوسيطة في كل مكان. ولقد كانت جيوب اليونانيين والإيطاليين في مصر تمثل عنصراً تجارياً نشيطاً حيث بنوا المصانع، مثل مضارب الأرز ومطاحن الدقيق، ولكنهم لم يغامروا قط في الصناعة الثقيلة أو تلك التي تتطلب استثمارات ضخمة بعيدة المدى. فقد ساهموا في حركة التصنيع التي ساعدت على نشوء طبقة رأسمالية محلية، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يحاولون وقف نموها من خلال الهيمنة الاستعمارية. ثم تزايدت قوة الطبقة الجديدة بالتدريج، فطردت الجماعات الوظيفية الوسيطة الغربية لتتولى هي كل النشاطات التجارية والاستثمارية ثم الصناعية. أثر الرأسمالية الرشيدة فى الجماعات اليهودية The Impact of Rational Capitalism on the Jewish Communities بعد تناول الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تكوين الرأسمالية والاقتصاد التجاري، يمكننا الآن أن نترك المرحلة التكوينية لنرى أثر ظهور الرأسمالية (الرشيدة) عليهم ومقدار إسهامهم في الاقتصاد الرأسمالي ذاته. وسنلاحظ أن دور يهود غرب أوربا يختلف عن الدور الذي لعبه يهود وسط أوربا وشرقها. ويعود هذا إلى معدلات النمو الرأسمالي في هذه البلاد وإلى علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمع ككل ووضعهم فيه. ففي فرنسا وإنجلترا وهولندا لعب اليهود دوراً ثانوياً، أو لنقل دور الجزء في الكل الاقتصادي الأكبر الذي كان قد اكتسب كثيراً من ملامحه الرأسمالية الحديثة في غيبة أعضاء الجماعات اليهودية، وكان لهذه الدول مشاريعها الاستعمارية الضخمة، ولذا لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد سوى دور جزئي منشط. أما في شرق أوربا، فلم تكن المجتمعات الأوربية هناك متطورة بما فيه الكفاية ولم يُقدَّر للرأسمالية الرشيدة التي نشأت في مرحلة متأخرة أن تتطور، كما لم يكن لديها مشروع استعماري مهم. وانتهى الأمر بأن حل النمط الاشتراكي في الإنتاج محل النمط الرأسمالي. ولهذا، انخرط أعضاء الجماعات اليهودية هناك إما في الطبقة العاملة وإما في الطبقة البورجوازية الصغيرة. وكان من بينهم كذلك رأسماليون ولكنهم كانوا نسبة صغيرة. وفي وسط أوربا، وبخاصة في ألمانيا، ظهر النظام الرأسمالي الذي أخذ يتطور بسرعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتبلور لألمانيا مشروعها الاستعماري الخاص، وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون عنصراً مهماً في عملية التطور الرأسمالي هذه. ولكن الرأسمالية الألمانية تم ضربها وتم كذلك ضرب مشروعها الاستعماري ثم تحوَّلت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة بعد اتفاقية فرساي (1919) . وحينما عاودت ألمانيا محاولة التصنيع مرة أخرى، لم يتم ذلك حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما تم بتدخل الدولة، وقد راح رأس المال الذي يملكه بعض أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية. ويتضح تباين معدلات إسهام أعضاء الجماعة في نمو الرأسمالية من بلد إلى آخر من خلال علاقتهم بالمدن ومدى تركُّزهم فيها. فظهور المدن وازدياد أهميتها كان يعني أن الوظائف المالية والتجارية الهامشية القديمة أصبحت تحتل المركز. وقد صاحب ذلك تحوُّل في وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية، فبدلاً من كونهم عنصراً بشرياً متحركاً يحمل رأس مال متحركاً ويتحرك على أطراف المجتمع، تحوَّلوا إلى عنصر بشري يقطن المدينة في داخل المجتمع وليس على هامشه، أي أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني. وأتاح ظهور الرأسمالية فرصة أمام رأس المال الذي يمتلكه يهود (ومن ثم فإنه قد اتسم بدرجة عالية من الحركية) لدخول الاقتصاد الجديد بنسبة أعلى من رأس المال المحلي (غير اليهودي) الثابت المُستثمَر في العقارات والمزارع، وهو الأمر الذي تم إنجازه في إنجلترا وفرنسا ثم ألمانيا. أما في شرق أوربا، فرغم أن تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في المدن قد ازداد، فإن السياق الطبقي لهذه العملية كان مختلفاً، فقد ساهم وجودهم في المدن في تحويل أعداد منهم إلى طبقة عاملة. أما فيما يتصل بعلاقة الصهيونية بالرأسمالية، فيمكن القول بأنها ليست مباشرة. فالصهيونية ليست جزءاً من التشكيل القومي الغربي، وإنما هي جزء من التشكيل الإمبريالي الغربي يخدم مصالحه الإستراتيجية تحت ظروف خاصة هي ظروف الاستيطان في فلسطين. ولذا، لم تصر الإمبريالية الغربية، أو البورجوازيون من أعضاء الجماعة اليهودية في الغرب، على أن يأخذ المشروع الصهيوني شكلاً رأسمالياً محدَّداً، بل سمحت له وللدولة الصهيونية الوظيفية من بعده باتخاذ الشكل الاقتصادي المناسب الذي يضمن بقاءه حتى يستمر في خدمتها. وقد توصَّل الصهاينة إلى أن الأشكال الجماعية في الإنتاج التي تستخدم ديباجات اشتراكية هي أنسب الطرق لتنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. ولذا، فعلى حين كانت الولايات المتحدة (المكارثية) تحارب الشيوعية في الولايات المتحدة، كان الصهاينة في الخمسينيات يرفعون لواء الاشتراكية، ويحتفلون بعيد العمال في مايو، وينتسبون إلى الدولية الاشتراكية ويتلقون المعونات بسخاء من الحكومات ومن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الرأسمالي، ويقومون على خدمة الإمبريالية. ديفيد ريكاردو (1772-1823) David Ricardo اقتصادي بريطاني، وُلد في لندن لعائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي كانت قد استقرت في هولندا (مسقط رأس إسبينوزا) ثم هاجرت إلى إنجلترا عام 1760 قادمة من أمستردام. أرسلته أسرته إلى هولندا للدراسة، فعاد إلى لندن عام 1786 حيث اشتغل مع والده الذي كان سمساراً ناجحاً في البورصة. ولكنه، في عام 1793، انفصل عن عائلته حيث تزوج من سيدة من طائفة الكويكرز، كما ترك العقيدة اليهودية وانضم إلى الكنيسة. ثم عمل ريكاردو في البورصة بمفرده وحقق ثروة فاقت ثروة أبيه. وفي عام 1814، اعتزل البورصة وعالم المال واتجه إلى دراسة الاقتصاد ليصبح أحد أهم مؤسسي علم الاقتصاد السياسي الحديث. ويعود اهتمامه بهذا المجال إلى عام 1799 حينما قرأ ثروة الأمم لآدم سميث، حيث بدأ بعد هذا التاريخ في الكتابة حول بعض القضايا المالية والاقتصادية المهمة في إنجلترا آنذاك. كما نشأت علاقة فكرية بينه وبين الاقتصاديين جيمس ميل وتوماس مالثوس، الأمر الذي زاد من اهتمامه بدراسة الاقتصاد. وتوثقت علاقته بفيلسوف النفعية (المادية) جيريمي بنتام (أي أنه كان على علاقة وطيدة بأهم المفكرين العلمانيين في إنجلترا آنذاك) . وأهم أعمال ريكاردو على الإطلاق هو مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (1817) ويضم أهم تحليلاته ونظرياته الخاصة بالسياسات المالية والضريبية والتجارة الدولية والتي أصبحت أساساً لكثير من المفاهيم الاقتصادية الحديثة. تناول في تحليلاته: قيمة العمل، وعلاقة الأرباح بالأجور، وعلاقة مستوى الأجور بالنمو السكاني، وندرة الموارد الطبيعية، والقوانين التي تحكم عملية توزيع الثروة. وقدم ريكاردو تحليلاً للآثار الاقتصادية للسياسات الضريبية على التراكم الرأسمالي ولتوزيع الدخل القومي ومستوى الأسعار، كما اكتملت نظريته في التجارة الدولية. ومن أهم إسهاماته، استنتاجه أن ما يحدد قيمة السلعة هو قيمة الجهد المبذول فيها، ومن ثم فقد استبعد الريع وإيجار الأرض كمصدر للقيمة، أي أن ساعة قيمتها 100 جنيه تتطلب عشرة أضعاف العمل المطلوب لإنتاج حذاء قيمته 10 جنيهات. كما طوَّر ريكاردو مفهوم الأجور وحد الكفاف، وهو يرى أن الأجور خاضعة لما سماه «القانون الصارم للأجور» والذي يؤدي إلى استقرار الأجور عند حد الكفاف. فإن زادت الأجور على حد الكفاف، فإن الطبقة العاملة ستتزايد عدداً وسيزداد التنافس بين أعضائها فتزداد أثمان السلع وتقل الأجور ويستقر كل شيء عند حد الكفاف مرة أخرى. أما فيما يتصل بالتجارة الدولية، فكان يطالب بحرية التجارة وحرية انتقال السلع، وكان يرى أن آليات السوق في حد ذاتها كفيلة بتحقيق التوازن. وظلت نظريات ريكاردو تسيطر على السياسات الاقتصادية البريطانية مدة خمسين عاماً. وقد دخل ريكاردو البرلمان عام 1819 ليس عن طريق الانتخاب ولكن عن طريق شراء مقعد له (كما جرت العادة آنذاك) . ورغم انفصاله عن اليهودية، دافع ريكاردو داخل البرلمان عن إسقاط الأهلية القانونية عن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا. وكان موقفه هذا نابعاً من رؤيته الليبرالية، فهو لم يكن يرى أن ثمة دوراً خاصاً لليهود أو للرأسمالية اليهودية، كما أن كتاباته عن النظرية الاقتصادية لا تتعرض لوضع اليهود أو دورهم داخل التشكيل الرأسمالي الغربي (وهو الأمر الذي ناقشه ماركس وفيبر وسومبارت والفكر الاشتراكي الغربي ككل) . ويُعتبَر ريكاردو من أهم الفلاسفة الاقتصاديين الكلاسيكيين الذين قدَّموا رؤية اقتصادية (مادية) محضة، فهو لم يشغل باله بالاعتبارات الأخلاقية أو النفسية فقدَّم رؤية أحادية علمية (بالمعنى الضيق) من خلال أسلوب مجرد شبه رياضي لا يستخدم أية استشهادات تاريخية بقدر ما يلجأ لاستشهادات مجردة افتراضية. وجعل ريكاردو العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي أو المبدأ الواحد الذي يُرَدُّ إليه سلوك الإنسان (القوة الدافعة له التي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده) . كما أنه، شأنه شأن الفلاسفة النفعيين، جعل حب الذات الدافع الأساسي في سلوك الإنسان، ومن ثم فإن المنافسة هي الآلية الكبرى. وعلى هذا، ساهم ريكاردو مساهمة فعالة في وضع أسس علم الاقتصاد الحديث وفي فصله عن المنظومات الدينية والأخلاقية وعن العلوم الأخرى، وجعله مجموعة من المبادئ تتعامل مع المصادر المادية. كما طوَّر النماذج الرياضية المجردة، وهو ما يعني استبعاد العناصر الإنسانية والأخلاقية. ويظهر في كتاباته الإنسان الاقتصادي الذي لا يبحث إلا عن مصلحته، واليد الخفية التي طرحها سميث تفقد أي مضمون ديني أو إنساني لتصبح جزءاً من الآلية الاجتماعية الصماء (قوة لا متعينة لا تعرف التمايز الفردي) . ويمكن أن نضع ريكاردو في إطار أولئك المفكرين اليهود السفارديين (الممتدين من إسبينوزا إلى دريدا) الذين قاموا بتفكيك ظاهرة الإنسان تماماً ورأوه في ضوء مجموعة من الحتميات المادية الصارمة وردوه إلى بعض الأصول المادية دون أية مثاليات أو غيبيات. وعالم ريكاردو المادي الآلي لا يختلف كثيراً عن عالم إسبينوزا في ماديته وآليته الصارمة، فهو عالم تسوده المادية الصلبة التي لا تحتمل أية فراغات أو ثغرات أو مسافات، ومن هنا جاءت سيادة النماذج الرياضية والهندسية في كتابات كل منهما. ويثير ريكاردو قضية أساسية فيما يتعلق بالمعادين لليهودية، فالكثيرون منهم يفسرون سلوك ماركس وفكره على أساس يهوديته. وحينما يُشار إلى حقيقة أن أباه قد تنصَّر وأنه عمَّد الطفل ماركس في طفولته، فإنه عادةً ما يُقال: ولكنه مع هذا ظل يهودياً. وهم يفعلون ذلك ليبينوا أن اليهود مسئولون عن الشيوعية وأن الشيوعية ثورة يهودية. والمشكلة التي تظهر هنا هو أن ريكاردو فيلسوف الرأسمالية الحرة في أقصى أشكالها تجريداً وتطرفاً هو الآخر يهودي متنصِّر. ولعل الفارق الوحيد هو أن أصول ماركس إشكنازية بينما أصول ريكاردو سفاردية! وإذا قبلنا منطق تصنيف الشيوعية كحركة ذات أصول يهودية لأن مؤسسها من أصول يهودية، فلابد أن نقبل أيضاً مقولة أن الرأسمالية هي الأخرى حركة ذات أصول يهودية، ذلك أن واحداً من أهم فلاسفتها ذوو أصول يهودية. وغني عن القول أن هذا منطق متهافت يشبه منطق الصهاينة الذين ينسبون لليهود صفات عجائبية! رؤية كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Karl Marx and Friedrich Engels on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities تظهر موضوعات الفكر الاشتراكي بشأن اليهود في كتابات كارل ماركس (1818 - 1883) وفريدريك إنجلز (1820 - 1895) بدرجات متفاوتة من الحدة وبأشكال مختلفة. فالأطروحات الغربية العرْقية، على سبيل المثال، لها أصداؤها في كتابات هذين المفكرين، ولكنها مجرد أصداء. وهذا على عكس الأطروحة الاجتماعية التي تربط بين اليهود والتجارة أو الرأسمالية البدائية التجارية، فهي أكثر عمقاً وتَجذُّراً ومركزية. ويُلاحَظ أن أياً منهما لا يطرح حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية. كما يجب أن نذكر أيضاً أن أياً منهما لم يُعر المسألة اليهودية أو أعضاء الجماعات اليهودية اهتماماً خاصاً. فرغم الخلفية اليهودية لماركس، فإن الموضوع اليهودي لم يشغل باله كثيراً. وقد أشار المؤرخ الألماني اليهودي هاينريش جرايتز في خطاب منه إلى ماركس إلى أن كتابه تاريخ اليهود يقع خارج نطاق اهتماماته. ولم يكن جرايتز نفسه ـ على ما يبدو ـ يعرف شيئاً عن كتاب ماركس المسألة اليهودية، رغم أنه تعرَّف إلى المؤلف عام 1877. لكن عدم اهتمام ماركس وإنجلز بالمسألة اليهودية أمر مفهوم في إطار اهتماماتهما التي انصبت بالدرجة الأولى على الظاهرة الرأسمالية بقطبيها الأساسيين: أصحاب العمل والعمال. ومما زاد من عدم اهتمامهما أنهما - على ما يبدو - كانا لا يعرفان الكثير عن يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين كانوا يشكلون آنذاك أكبر جماعة يهودية في العالم كانت تضم نحو 80% من يهود العالم. ومن ثم، فإنهما لم يكونا يعرفان الكثير عن اليهود من أعضاء الطبقة العاملة. ومع هذا، لابد أن نشير هنا إلى أن عملية تحوُّل كثير من اليهود في شرق أوربا إلى عمال لم تتضح معالمها إلا مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. كما أن ماركس وإنجلز قضيا معظم حياتهما في إنجلترا بعيداً عن يهود شرق أوربا. وقد مات ماركس قبل أن تبدأ روسيا وبولندا في تصدير الفائض البشري اليهودي إلى إنجلترا وإلى غيرها من الدول. أما إنجلز الذي عاش حتى نهاية القرن التاسع عشر، فشاهد وصول المهاجرين اليهود إلى إنجلترا وتحوُّلهم إلى طبقة عاملة. وكان لهذا أعمق الأثر فيه وفي إليانور ابنة كارل ماركس التي اكتشفت ما زعمت أنه هويتها اليهودية مرة أخرى من خلالهم، وإن كان الاكتشاف تم لأسباب اجتماعية ثورية لاعلاقة لها بأي انتماء يهودي ديني أو حتى إثني. لكل ما تقدَّم، لا يتناول المفكران الاشتراكيان المسألة اليهودية إلا بشكل عرضي وغير منهجي. كما ظهرت بعض كتاباتهما في الموضوع إبَّان المرحلة الأولى من حياتهما قبل أن يتبلور فكرهما، وقبل أن تتضح كثير من معالمه. والعمل الأساسي الذي خطه ماركس في هذا الموضوع هو المسألة اليهودية (1844) ، الذي كتبه وهو بعد في مقتبل حياته، حينما كان فكره لا يزال هيجلياً بشكل فاقع، كما كان أسلوبه يتسم بالتناقضات والتقابلات اللفظية الطريفة والسحرية والسطحية، مثل: «المسيحية هي الفكر السامي لليهودية» ، و «اليهودية هي التطبيق العادي للمسيحية» ، و «التحرر الاجتماعي لليهودي إنما هو تحرير المجتمع من اليهودية» ، و «لم يجر تحرير الإنسان من الملكية بل نال الإنسان حرية الملكية» . ومن الصعب الوصول إلى وضوح في الأفكار من خلال هذا الأسلوب إذ أن حركيته ومنطقه يفرضان على كاتبه مواقف متطرفة يتطلبها التقابل الهندسي اللفظي. وإلى جانب كل هذا، فمن المعروف أن ماركس كانت له تحيزاته الشخصية الحادة والواضحة مثل أية شخصية عظيمة أو أي مفكر ضخم، فكان لا يتورع عن الإفصاح عنها بأسلوب قاطع له أنياب وأظفار الأمر الذي يؤدي إلى التضحية بكلٍّ من الإبهام والتركيب. وسنحاول أن نعرض في هذا المدخل أفكار ماركس وإنجلز في المسألة اليهودية بادئين بماركس. وبطبيعة الحال، يشكل كتيب المسألة اليهودية النص الماركسي الأساسي، ولكننا لن نهمل الإشارات المتفرقة في الكتابات الأخرى لماركس مثل الخطابات والمقالات. ولا يوجد في العمل الكلاسيكي الأساسي لماركس رأس المال (الجزء الأول، عام 1867) سوى إشارات نادرة متفرقة هنا وهناك تلقي مزيداً من الضوء على موقفه ولكنها لا تعِّدله بشكل جوهري. ولفهم موقف ماركس من اليهود واليهودية، يجب أن نضعه أولاً في سياقه الشخصي والحضاري. جاء ماركس من أسرة يهودية متدينة، فعمه من حاخامات مدينة تريير التي وُلد هو فيها. وجاءت أمه من هولندا، من أسرة تشتهر بوجود عدد كبير من الحاخامات فيها. ولكن اليهودية كانت قد دخلت في ذلك الوقت مرحلة أزمتها الحادة نتيجةً لمواجهتها مع الحضارة العلمانية، وتَصاعُد الهجوم عليها من داخلها. فهناك اليهودية الإصلاحية، وعلم اليهودية، وهناك حركات التنوير المختلفة التي كانت تبيِّن أن الموروث الديني اليهودي يشكل عبئاً ثقيلاً لا طائل من ورائه. لكن الهجمات من الخارج كانت أكثر حدة، فقد شهدت الفترة نفسها الهجوم العقلاني والعلماني الشرس على ظاهرة الدين ككل باعتبارها تعبيراً عن حرمان الإنسان. وشهدت هذه الفترة حركة نقد قوية للعهد القديم، كما شهدت نشر كتاب لودفيج فيورباخ جوهر المسيحية (1841) الذي حاول فيه تبيان أن الإنسان هو الذي خلق الإله وليس العكس، أي أن الإله إن هو إلا إسقاط للطموحات السامية عند الإنسان، وهي فكرة استفاد بها ماركس. وقد أخذ الهجوم على الدين ككل شكل الهجوم على العنصر السامي (الأخلاقي) وتمجيد العنصر الهيليني (الجمالي) . لكل هذا، ليس من الصعب فهم سبب تنصُّر والد ماركس، خصوصاً أن التنصُّر كان يعني دخول الحضارة الغربية، كما كان يعني أن بوسعه ممارسة مهنة المحاماة في المحاكم البروسية التي لم يكن مسموحاً لغير المسيحيين بالعمل فيها. وقد عُمِّد كل أولاده ومن بينهم كارل الذي عُمِّد وهو في سن السادسة. ولكن يبدو أن ماركس كان مثل كثير من اليهود المتنصرين في عصره، ممن تركوا اليهودية فعلاً وتبنوا المسيحية اسماً وحسب، أو لم يتبنوا أي دين على الإطلاق على طريقة إسبينوزا، وأصبحوا علمانيين بمعنى الكلمة غير مكترثين بالدين. وربما كان هذا العنصر في خلفية ماركس مسئولاً عن فشله الكامل في إدراك أهمية العنصر الديني في تشكيل القوى السياسية والتاريخية. وعلى كلٍّ، فهذه نقطة قصور في عصر الاستنارة ككل حيث جرى تجاهُل أهمية الدين بسبب الالتزام بفكرة الإنسان الطبيعي أو الإنسان العقلاني المادي. ومن هنا نجد بعض العبارات السطحية، مثل «في كلمة واحدة، أكره كل الآلهة» ، وهي عبارة من مسرحية بروميثيوس للكاتب الإغريقي أيسخيلوس جعلها ماركس شعاراً لرسالته في الدكتوراه. ومن هنا نجد بعض الشعارات السطحية التي أطلقها ماركس مثل: «الدين أفيون الشعب» والتي لا تعبِّر بالضرورة عن كلية وتركيبية موقفه من الدين. ومن هنا نجد رؤيته السطحية للدين باعتباره جزءاً من بناء فوقي غير حقيقي خاضع بشكل مطلق للظروف الاجتماعية والاقتصادية يعبِّر في نهاية الأمر عن بناء تحتي حقيقي (اقتصادي مادي) . أما الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية التي ترى أن الدين مقولة تحليلية وعنصر مهم في الحضارة الإنسانية، فلم تظهر إلا في مرحلة لاحقة، واتضح أثرها في تفكير ورنر سومبارت وماكس فيبر اللذين طرحا إشكالية أصول الرأسمالية وعلاقتها بالدين اليهودي أو بالبروتستانتية (على عكس الكاثوليكية) بشكل أكثر تركيباً وعمقاً وأصالة، وبشكل يحاول تحاشي السببية البسيطة الصلبة. وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن ماركس شارك في العنصرية العامة التي كانت تسم الحضارة الغربية في ذلك الوقت، وإلى أن الصورة الإدراكية لليهود في ذهنه لم تكن تختلف كثيراً عن الصورة الإدراكية التي صاغتها العنصرية الغربية، واستمر إدراكه لليهود من خلال هذه الصورة طوال حياته. وقد وردت هذه العبارات في كتابات ماركس (الرسائل والكتب) : ـ «اليهودي ذو الابتسامة الباهتة» . ـ «يهودي فيينا الملعون» . ـ «المؤلف.. هذا الخنزير.. يهودي اسمه ماير» . وتصبح الأمور أكثر سوءاً إذا كان اليهودي من العاملين بالشئون المالية: ـ «اليهودي بامبرجر جزء من معبد/ بورصة باريس» . ـ «يهودي البورصة» . وأحياناً تتسع العنصرية لتصبح عنصرية ضد كل الأجناس الأخرى: ـ «يدل شكل رأس لاسال وشعره على أنه سليل الزنوج الذين انضموا لقطيع موسى إبَّان الخروج من مصر» . ـ «هو أيضاً الييد» (و «الييد» لفظة تحقير ليهود بولندا) . ـ «وهو لاعازا الأبرص ـ النموذج البدائي لليهودي» . وقد استمرت عنصرية ماركس حتى آخر أيام حياته، إذ نجده يستخدم العبارات التالية: ـ «الممارسة البورجوازية لليهودي القذر» . ـ «هذه المدينة مليئة بالذباب واليهود» . ووردت هذه العبارة في رأس المال: ـ «يعرف الرأسمالي أن كل السلع هي مجرد نقود تشبه اليهود المختنين من الداخل» . ولكن يُلاحَظ أن الإشارات تناقصت على مر الأيام حتى أصبحت نادرة، كما أن مثل هذه الأقوال لا يمكن أن يُحاسَب ماركس عليها، رغم عنصريتها الكريهة، لأننا نتعامل في نهاية الأمر معه باعتباره مفكراً يقدم نسقاً فكرياً، وهذه العبارات لا تشكل عنصراً أساسياً في هذا النسق. وثمة جانب آخر لموقف ماركس، ورثه من عصر الاستنارة، وهو أن الهجوم على المسيحية كان أمراً لا يزال محفوفاً بالمخاطر بعض الشيء في الحضارة الغربية. ولذا، كان الهجوم على المسيحية وعلى الكنيسة يأخذ شكل هجوم على ما يمكن تسميته «المسيحية البدائية» ، أي اليهودية. فالهجوم على اليهودية هو، في واقع الأمر، هجوم على المسيحية. وقد كان هذا هو أحد أشكال الخطاب العلماني في ذلك العصر وإحدى شفراته المفهومة لدى الجميع. ولا شك في أن ماركس قد تأثر بهذا الجانب من الخطاب الفلسفي، كما أنه كان يتسم بالجراءة غير العادية، بل والوقاحة أحياناً، في التعبير. ولذا، فإن هجومه على اليهودية لم يكن ينبع من مثل هذه الذرائع وحسب وإنما من رؤية متكاملة لليهودية، في علاقتها بالمسيحية، ولعلاقة الدين ككل بالمجتمع المدني البورجوازي، مجتمع العلاقات البرانية والتعاقدية التي يغترب فيها الإنسان عن نفسه. ولكن ماركس هو، في نهاية الأمر، إحدى الثمرات المتألقة للفكر الألماني في القرن التاسع عشر. وقد تواترت فكرة أساسية في كتابات المفكرين الألمان وهي التمييز بين الجماينشافت، أي الجماعة العضوية المترابطة التقليدية، مقابل الجيسيلشافت، أي المجتمع التعاقدي الذري المفتت. وهو تمييز له جانبان: أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن الفكرة الواحدة نفسها في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءاً من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة ويحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ويصبح لا وجود له خارجها. ونظراً للارتباط العضوي للإنسان بجماعته وتطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تُعبِّر عن جوهر الإنسان بدلاً من أن تشكل اغتراباً عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة قيداً على الإنسان أو حدوداً له، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة. ومن هنا، فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا يتناقض فيها الذات والموضوع. كل هذا يقف ضد الجماعات التعاقدية (المجتمع التعاقدي الحديث) التي تتألف من أشخاص أنانيين فرديين، لكل مصلحته الشخصية المحددة التي قد تتفق مع مصلحة المجتمع أو تختلف عنها. وكل فرد يحاول أن يحقق مصلحته ومنفعته هو دون الالتفات إلى الآخرين أو إلى الكل الاجتماعي، ومن ثم فإن المجتمع مبني على التنافس بوصفه قيمة مطلقة. والمجتمع هنا لا يُعبِّر عن جوهر الإنسان وإنما يجابهه باعتباره شيئاً غريباً عنه. ويصبح القانون للسبب نفسه قيداً على الإنسان لا وسيلة لتحقيق جوهره. والرابطة بين البشر رابطة تعاقدية خارجية برانية موضوعية. ولذا، فإن انتماء الإنسان إلى مثل هذا المجتمع هو انتماء ذرة منغلقة على نفسها؛ تجاور الذرات الأخرى ولا تلتحم بها، ومن ثم ينشأ تناقض حاد بين الذات والموضوع. وهذا التمييز بين شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي ورؤية الكون هو تمييز بين فكرين، فكر عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) وفكر معاداة الاستنارة (القرن التاسع عشر) . وكلاهما يُعَدُّ أساساً للفكر الغربي الحديث برغم تناقضهما. وما يهمنا هنا أن هذا التمييز الذي تغلغل في الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصاً الألماني، يكمن وراء الهجوم على اليهود واليهودية باعتبار أن اليهودي جزء من الاقتصاد التجاري (الموضوعي التعاقدي) مقابل الاقتصاد الزراعي (العضوي المبني على الارتباط الداخلي) ولا يمكن أن نفهم تحليل ماركس للمسألة اليهودية دون أن نأخذ هذا البعد في الاعتبار. وقد كتب ماركس كتيبه رداً على برونو باور الذي أصدر كتيباً بعنوان المسألة اليهودية عام 1843 أنكر فيه على اليهود حقهم في الانعتاق باعتبارهم أعداء للتقدم ولأنهم يتمسكون بخصوصيتهم وعزلتهم. بل إن باور يقول إن ما يسميه «الانعزالية المسيحية» إن هي إلا وريثة الانعزالية اليهودية. واليهود، بحسب رأيه، لم يتخلوا عن دينهم وقوميتهم (الوهمية) ، بل يذهب إلى أنهم يتسمون بالدهاء بسبب جذورهم الشرقية (السامية) ، مقابل الحضارة الغربية الهيلينية الآرية. ولكنهم، لهذا السبب ذاته، بليدو الإحساس ولا يتسمون بأي إبداع. وقد أشار باور إلى أن اليهود يسيطرون على البورصة وعلى البلاط. ولذا، حتى إذا تغيَّر وضعهم السياسي، فإن طبيعتهم الحضارية والاقتصادية قد لا تتغيَّر. ثم هاجم باور اليهودية الإصلاحية التي دعت إلى العودة إلى ما تصورته الموسوية الحقة الصافية، فمثل هذه الموسوية في نظره غير ممكنة إلا في أرض كنعان وداخل دولة يهودية مستقلة، وهذا هو الحل الصهيوني. ولكن الأطروحة الصهيونية خافتة للغاية في فكر باور، فالفكر العرْقي لم يكن قد اكتسح أوربا بعد، كما حدث لاحقاً، حيث تركت هذه العرْقية أثرها في تيار مهم في الفكر الاشتراكي الغربي. ومن ثم، فإننا نجد أن باور لا يزال يتحرك في الإطار العقلاني الليبرالي الآلي، إطار فكر الاستنارة الذي ساد أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي أنه كان يرى إمكانية إصلاح اليهود وضرورة إعطائهم حقوقهم السياسية بل ودمجهم، شريطة أن يتخلوا تماماً عن أية خصوصية. وبالفعل، يقول باور إنه يمكن إعتاق اليهود إذا ما أعدوا أنفسهم لذلك عن طريق الاختلاط بحرية وعلى قدم المساواة بالمسيحيين. فيجب أن ينسلخوا من عقيدتهم الشرقية، وعلى المجتمع ككل أن يلغي الدين حتى يتم الانعتاق السياسي الكامل. قَبلَ ماركس كل مقدمات باور بشأن اليهود واليهودية، بل إن نبرته كانت أكثر حدة وأكثر عداء لليهود. ولكنه رفض نتائجه بشأن رؤيته للدولة وطريقة الانعتاق وحدود هذا الانعتاق السياسي أو المدني، فباور بحسب تصور ماركس لم يدرك أهمية البُعد الاجتماعي في عملية الإعتاق باعتباره بُعداً لصيقاً ومستوى كامناً تحتياً للبعد السياسي والديني، وهو ما حاول تغطيته في دراسته. وبهذه الطريقة، تمكَّن ماركس من تحويل المسألة اليهودية من قضية أقلية دينية أو إثنية إلى قضية عامة تخص الحضارة الغربية والنظام السياسي والاجتماعي الغربي ككل. وكما أسلفنا، يميِّز الفكر الألماني الرومانسي، ثم من بعده الاشتراكي، بين الجماعة العضوية المتكاملة التي تُعبِّر عن الجوهر الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى المجتمع التعاقدي الذي يخفي هذا الجوهر ويطمسه ويجعل الإنسان يغترب عن ذاته. وتظهر الفكرة نفسها على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تمييز ماركس بين المواطن وعضو المجتمع المدني. أما المواطن (ممثل النوع البشري) فهو عضو الجماعة السياسية المتكاملة (متمثلة في الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) وهذه الدولة هي مجال الحرية الكامل الذي يتحقق من خلاله الإنسان ولا يغترب عن جوهره. وليس بإمكان هذه الدولة أن تقوم بدورها هذا إلا بعد أن تصبح عقلانية تماماً، بأن تفصل نفسها تماماً عن كل المؤسسات غير العقلانية غير الإنسانية، مثل الكنيسة والملكية والأرستقراطية، بحيث تصبح أداة الجماعة السياسية التي يعيش داخلها المواطن ممثلاً للنوع. ويُلاحَظ أن الافتراض أو الأمل هنا هو ألا يكون القانون الخارجي للدولة إلا تعبيراً عن القانون الداخلي للإنسان ورغباته الذاتية. ولكن كيف يمكن للذات أن تلتقي بالموضوع ويلتقي الخاص بالعام والمحلي بالعالمي؟ يتجاوز ماركس هذه الثنائية بتبنِّي الفكرة المحورية في فلسفة الاستنارة، وهي تصوُّر وجود عقل (وجوهر) إنساني عالمي عام ثابت لا تتغيَّر قوانينه أو سماته، ويحاول الإفصاح عن نفسه في كل مكان وزمان، ويمكن أن تتحقق عملية الإفصاح بشكل كامل إذا أزيلت العوائق من طريقها. والمشروع الثوري يصبح، إذن، عملية إزالة للعوائق وتأسيس للدولة التي تجسد هذا العقل وهذا الجوهر حتى يمكنها أن تُعبِّر عن الإنسان العقلاني وجوهره. وغني عن الذكر أن مثل هذه الدولة ومثل هذا الموقف يرفضان تماماً أية خصوصية باعتبارها قيوداً على هذه العقلانية العامة. ويقف عضو المجتمع المدني (أي «المجتمع البورجوازي» ) على الطرف النقيض من المواطن. ففي المجتمع المدني، يتحول الأفراد إلى وحدات ذرية أو ينظر الإنسان إلى الآخرين باعتبارهم أدوات، وينحط هو نفسه إلى مجرد وسيلة ويصبح لعبة في يد القوى الغريبة عنه. وتشكل الليبرالية السياسية، والإعتاق السياسي لأعضاء المجتمع، تقدماً هائلاً. لكن الإعتاق السياسي ليس آخر أشكال الإعتاق الإنساني، بل إن الليبرالية لم تستكمل عملية إعتاق الدولة تماماً. فقد أصبحت الدولة أداة للأثرياء، كما أنها لم تتحرر من الدين تماماً، بل احتفظت بموقف يستند إلى التفاوت الطبقي ولا يرفض الدين كليةً. وما حدث في المجتمع المدني أن الإنسان لم يتحرر من الدين بل تلقَّى الحرية الدينية. ولم يجر تحريره من الملكية، بل نال حرية الملكية. ولم يتحرر من أنانية الصناعة، بل نال حرية الصناعة. والحرية هنا هي حرية الإنسان بوصفه ذرة منعزلة، حرية تُعبِّر عن نفسها لا في شيء داخلي عضوي إنساني جواني وإنما في حق الملكية الذي هو حق الإنسان في التمتع بثروته، والتصرف فيها وفق مشيئته، دون الاهتمام بسائر الناس وبصورة مستقلة عن المجتمع. إنه الحق في الأنانية. وهذه الحرية الفردية، مع تطبيقها، هي التي تؤلف أساس المجتمع البورجوازي. ويصبح الأمن هو أسمى مبادئ المجتمع البورجوازي (المدني) . ولكن هذا الأمن ليس إلا تعبيراً عن التفتت والذرية. فالأمن هو قانون الشرطة لا قانون الإنسان المتكامل ولا قانون الدولة الحقيقية العقلانية. وهو ليس وسيلة يترفَّع بها المجتمع البورجوازي عن أنانيته (ذَريته وتعاقديته) وإنما هو ضمان الأنانية. وهكذا، بدلاً من أن يكون الإنسان كائناً بشرياً اجتماعياً يعيش في مجتمع متكامل ويُعبِّر عن جوهره الإنساني، فإن الحياة البشرية نفسها (أي المجتمع) تظهر في شكل إطار خارجي عن الفرد، أي تحديد لحريته الأولية. والرابطة الوحيدة التي توحِّد بينهما ليست الرابطة العضوية الداخلية وإنما رابطة الضرورة الطبيعية والحاجة والمصلحة الخاصة، ورابطة الحفاظ على الملكية وعلى الذات الأنانية المنغلقة على نفسها، أي أنها رابطة خارجية آلية واغتراب عن الجوهر. ويستخدم ماركس أيضاً فكرة الجماعة العضوية التراحمية المترابطة (جماينشافت) والمجتمع التعاقدي الذري المفتَّت (جيسيلشافت) في وصفه للدين، إذ يذهب إلى أن الدين، أي دين، يلعب دوراً حاسماً في عملية اغتراب الإنسان عن جوهره وتخليه عنه. فالإنسان ما دام سجين الدين وتحت سيطرته، لا يمكنه إلا أن يُموضع جوهره، أي يحوِّله إلى موضوع بأن يجعله كائناً غريباً عنه خرافياً متعالياً عليه. ويضرب ماركس مثلاً بالمسيح الذي يصبح الوسيط الذي يُحمِّله الإنسان كل ألوهيته، فالإنسان يُسقط إلوهيته (جوهره) على المسيح بدلاً من أن ينظر إلى نفسه باعتباره هو نفسه الإله أو الجوهر الأسمى أو المطلق (وهي نفسها فكرة فيورباخ) . ومن ثم يغترب الإنسان عن نفسه، تماماً كما يحدث حينما يكون الإنسان تحت سيطرة الحاجة الأنانية، فإنه حينئذ لا يمكن إلا أن يصبح عملياً (برانياً خارجياً وفي علاقة آلية مع كل ما حوله) ، ولا يمكنه إلا أن يخلق أشياء عملية ويضع منتوجاته ونشاطاته تحت سيطرة جوهر غريب عنه وينسب إليها مدلول جوهر غريب هو المال. فالمال هو جوهر الإنسان المنفصل عن الإنسان والذي تَموضع خارجه وهو جوهر يسيطر عليه ويستعبده، تماماً مثل الرب الذي هو أيضاً جوهر الإنسان المنفصل عنه. ويمكننا أن نكتشف بنية أساسية هنا وهي جوهر إنساني أو عقل إنساني عام يمكنه أن يتحقق أو يغترب عن نفسه. ويأخذ الاغتراب شكل إسقاط الجوهر الإنساني الداخلي على شيء غير إنساني خارجي (الإله أو المال) . ولذا، فإن كلاًّ من الدين والمجتمع البورجوازي يؤديان إلى النتيجة نفسها، أي اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني، وبالتالي إلى تفتُّت المجتمع وتحوُّل الجماعة العضوية إلى مجتمع تعاقدي والإنسان العضوي الجواني إلى إنسان آلي براني. وهذا يعني أن الجانب المعرفي يلتقي تماماً مع الجانب الاقتصادي الاجتماعي. ولكن علاقة البورجوازية بالدين لا تقتصر على التقابل البنيوي وإنما ثمة علاقة سببية تاريخية. فالمجتمع البورجوازي لم يكن بوسعه التوصل إلى الانفصال التام عن مجرى الدولة (الواقعية الحقيقية، أي العقلانية، التي يُعبِّر الإنسان من خلالها عن جوهره) ، وإلى تمزيق جميع الروابط الاجتماعية للإنسان، وإلى إحلال النزعة الأنانية والحاجة الأنانية محلها، وإلى تفكيك عالم الناس إلى عالم أفراد ذريين بعضهم أعداء لبعض، لم يكن بوسع المجتمع البورجوازي التوصل إلى ذلك كله إلا في ظل المسيحية التي حولت جميع علاقات الإنسان (القومية والطبيعية والأخلاقية) من أشياء داخلية جوانية إلى علاقات خارجة عن الإنسان. وبهذه الطريقة، أي من خلال انتشار المثُل المسيحية، تمكَّن المجتمع المدني (البورجوازي) من أن يُمزِّق كل أواصر النوع الإنساني وأن يُحل الأنانية محل هذه الأواصر. ومن هنا يقول ماركس إن المجتمع المدني البورجوازي يبلغ اكتماله وذروته في العالم المسيحي. والآن، ما علاقة كل هذا باليهود واليهودية؟ لابد أن نشير إلى الاعتقاد السائد في الفكر الاشتراكي والاجتماعي الغربي بأن اليهود يُكوِّنون حلقة مغلقة من المموِّلين الدوليين المتحالفين مع النخب الحاكمة. وهو تصوُّر، برغم جزئيته، لم يكن منافياً تماماً للحقيقة التاريخية. فيهود البلاط كانوا ظاهرة أوربية بمعنى الكلمة. كانوا يتركزون في وسط أوربا وألمانيا، فلم تمتد دائرة وجودهم لتشمل فرنسا أو إنجلترا. وكان هناك روتشيلد (آخر يهودي بلاط) وصديق مترنيخ والذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع أسرة الهابسبورج وبعض الأسر الملكية الحاكمة الأخرى. ولم يكن دور يهود الأرندا في بولندا بعيداً عن الأذهان. كما أن المرابين اليهود في الألزاس ووادي الراين كانوا يستولون على الأراضي المرهونة بعد فَشَل ملاكها في تسديد ديونهم بدرجات متزايدة في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، ومعنى ذلك أن اليهود أو قطاعاً منهم كانوا مرتبطين تماماً بالقوى الرجعية وقوى الاستغلال. وقد تغيَّر الوضع كما أسلفنا، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فانخرطت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعات اليهودية في صفوف الطبقة العاملة في شرق أوربا. ونضيف، إلى كل هذا، أن الهجوم على النخبة الحاكمة الرجعية كان يأخذ أحياناً طابع الهجوم على اليهود بشكل عام، لا على المموِّلين اليهود وحسب. ونضيف إلى هذا عنصراً آخر وهو الكره العميق الذي يكنه ماركس للرأسمالية التجارية والتي نسميها في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» . وبحسب وجهة نظره، تعيش المشاريع التجارية، على عكس المشاريع الصناعية، في الشقوق بين المجتمعات وداخلها. فالاتجار والتبادل لم ينشأ داخل الجماعات الإنسانية وإنما فيما بينها، ومن هنا كان بوسع نمطين اقتصاديين متناقضين (الزراعي والتجاري) أن يتعايشا معاً في المجتمع الإقطاعي. وميَّز ماركس بين هذه الرأسمالية التجارية من جهة والرأسمالية الصناعية «الحقة» (أو «الرشيدة» في مصطلح فيبر فيما بعد) من جهة أخرى؛ والأولى تشجع حركة التبادل، وعملية التبادل عملية أساسية، ولكنها في الواقع لا تضيف أية قيمة حقيقية للمُنتَج، فالرأسمالي التجاري كان يتاجر في سلع تقع خارج النشاط الإنتاجي، وقد سماها ماركس «رأسمالية شكلية» حتى يبرهن على انفصالها عن الإنتاج، فهي رأسمالية تعيش بطريقة طفيلية على المجتمعات المتخلفة، وهي جزء من هذا التخلف رغم استفادتها منه. ومع هذا، تلعب هذه الرأسمالية الطفيلية دوراً ثورياً إذ تصيب المجتمعات التقليدية بالتفكك وتُقلِّل تماسكها، ولكنها مع هذا غير قادرة على بناء مجتمعات جديدة. ومن هنا جاء كُره ماركس للمشروعات التجارية والمالية الخالصة وإسقاط هذا الكره على رؤيته للتاريخ، فهاجم سياسات وطرق تلك الأمم التي ارتبطت بهذه المشاريع ارتباطاً قوياً في العصور القديمة والوسيطة والحديثة، اليونانيين والفينيقيين واللومبارد، واليهود بطبيعة الحال. وكما يقول ماركس في رأس المال كانت الأمم التجارية تعيش كآلهة أبيقور في العوالم الوسيطة للكون، أو كما كان يعيش اليهود في مسام المجتمع البولندي. كما كانت تجارة المدن التجارية المستقلة الأولى والأمم التجارية تعتمد على بربرية أو تَخلُّف الأمم المنتجة التي قاموا فيما بينها بدور الوساطة. ويُلاحَظ أن ماركس يجعل من كلمات «يهودي» و «تاجر» و «لومبارد» و «مرابي» مترادفات، ويتجلى هذا الترادف أيضاً في كتابه الصراع الطبقي في فرنسا حيث يتحدث عن «يهود البورصة» و «يهود الأعمال المالية» بل ويَسقُط أحياناً في العنصرية حين يتحدث عن "لاسال الزنجي اليهودي" وهي عرْقية ضد كلٍّ من السود واليهود. ولكن مثل هذه العبارات القبيحة وغير الأخلاقية نادرة في كتابات ماركس كما أسلفنا، ولعلها تسربت إلى مصطلحه من الخطاب السياسي الغربي الشائع. والتطور التاريخي الصحيح من وجهة نظر ماركس وإنجلز هو اختفاء الرأسمالية التجارية وكل المؤسسات التي تعيش في الشقوق، ليتبلور المجتمع في عمال ورأسماليين، أي إلى أشخاص مرتبطين بالعملية الإنتاجية ولا يخشون المخاطرة بالاستثمار فيها. وقد استمر كُره ماركس للتجارة حتى النهاية. ولهذا، فإن رؤيته للمجتمع المثالي (الشيوعي) تخلو من أية شبكة للتوزيع، فمن كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، أي أن هناك وجوداً عضوياً كاملاً يلتحم فيه الجزء بالكل والذات بالموضوع، وبالتالي يختفي الوسيط التاجر والمموِّل تماماً. ويُقال إن هذا الموقف يضرب بجذوره في العصور الوسطى المسيحية وهو موقف الرفض العميق للأعمال المالية والتجارية بوصفها أعمالاً حقيرة. وعلى كلٍّ، فإن الجماعة العضوية المترابطة التقليدية هي في جوهرها المجتمع الزراعي - في العصور الوسطى ـ الخالي من التنافس والوسطاء. ولكن، إذا كانت هناك علاقة بنيوية وسببية قوية بين الدين واغتراب الإنسان عن جوهره وبين الدين المسيحي والبورجوازية، أي تنظيم المجتمع على أسس بورجوازية (وهي علاقة تؤدي إلى التفتت والذرية) ، فإن ثمة ما يشبه الترادف بين اليهودية والبورجوازية بل التوحد الكامل بينهما. فجوهر اليهودية الحقيقي تحقَّق في المجتمع البورجوازي الذي هو في واقع الأمر علمنة لليهودية. بل يمكن القول بأن اليهودية هي البورجوازية، فكما أن المجتمع البورجوازي لا يبلغ اكتماله إلا في العالم المسيحي، فإن اليهودية لا تبلغ ذروتها إلا مع اكتمال المجتمع البورجوازي. فالبورجوازية هي أعلى مراحل المسيحية، واليهودية هي أعلى مراحل البورجوازية (هذا إن أردنا استخدام الخطاب اللينيني في توصيف الأمور) . ويتناول ماركس النسق الديني اليهودي من خلال بعض الأفكار الخاطئة، في تصوُّرنا، والتي شاعت في الفكر الألماني عن اليهودية، وهي تعود إلى فكر موسى مندلسون ومنه انتقلت إلى كانط فهيجل. يقول ماركس: شريعة اليهود غير العقلانية إن هي إلا صورة دينية ممسوخة للأخلاق والقانون بشكل عام. إن هذه الشريعة هي فكرة الحقوق الشكلية الخالصة التي يحيط بها عالم الأنانية نفسه (أي أن المجتمع الذري يحل محل الجماعة العضوية المتماسكة) . إن أسمى أنواع العلاقات الإنسانية داخل اليهودية هو العلاقة القانونية، علاقة الإنسان بقوانين لا تستمد فعاليتها من كونها قوانين نابعة من إرادته هو نفسه وجوهره وإنما تستمد هذه الفعالية من أن هذه القوانين هي سيده وأن أي انحراف عنها يقابله العقاب. ففكرة الشريعة اليهودية، بشعائرها الكثيرة، تقف (في تصوُّر ماركس) على الطرف النقيض من فكرة الدولة الحقة التي يحقق الإنسان جوهره من خلالها. لكل هذا، نجد أن نزعات التفتت الذري الناجمة عن الأنانية والتي تؤدي إلى اغتراب الإنسان عن جوهره، والتي بدأتها المسيحية، تصل إلى درجة عالية من التبلور في المجتمع البورجوازي، ثم إلى ذروتها في اليهودية. ورغم أن المسيحية هي التي بدأت هذا الاتجاه إلا أنها ظلت أكثر سمواً وأكثر روحانية من اليهودية. فالأنانية الروحانية عند المسيحي (البحث عن الخلاص الفردي) تصبح في الحياة العملية الكاملة، وبشكل حتمي، الأنانية المادية عند اليهودي (البحث عن الربح) ، وتتحوَّل الحاجة السماوية إلى حاجة دنيوية، وتتحول الذاتية المسيحية إلى أنانية يهودية. ومن ثم، فإن المسيحية هي الفكر السامي واليهودية هي التطبيق السوقي والعملي لها. ولكن هذا التطبيق لم يصبح عاماً وشاملاً في المجتمع إلا بعد أن توصلت المسيحية نظرياً، باعتبارها ديناً متكاملاً، إلى جَعْل الإنسان غريباً عن نفسه وعن الطبيعة. وعندئذ فقط استطاعت اليهودية التوصل إلى السيطرة العامة، وإلى إبعاد الإنسان والطبيعة إلى خارج ذاتيهما، وجعلت منهما شيئاً تجارياً خاضعاً للحاجة والأنانية وللمتاجرة. وحتى العلاقات بين الرجل والمرأة تصبح موضوعاً للتجارة، فالمرأة تصبح سلعة يُتاجَر بها. وقد ساهمت المسيحية في نشوء المجتمع البورجوازي. ومن أحشاء هذا المجتمع يتولَّد البورجوازي اليهودي دون انقطاع. ونحن لا نجد اليهودي المعاصر في التوراة أو التلمود وحسب، بل نجده في المجتمع البورجوازي الحالي، وهو ليس جوهراً مجرداً منعزلاً عن حركيات المجتمع وإنما هو جوهر عملي مطلق (وكذلك جوهر البورجوازية أيضاً) . ومن ثم، فلا يمكن الحديث عن حدود اجتماعية لليهودي، وإنما يمكن أن نتحدث عن حدود يهودية للمجتمع، أي عن حدود يهودية بورجوازية للمجتمع الإنساني. في إطار هذا، يمكننا أن نفهم عبارات ماركس عن أن جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية، وأن المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه، وأن «التبادل التجاري هو إله اليهود الحقيقي، وأمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش» . ويتضمن الدين اليهودي «ازدراءً للفن والتاريخ والإنسان كغاية في ذاتها» . و «تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع» . فاليهودية هنا ليست مجرد نسق ديني وإنما هي البورجوازية المتبلورة، وقد وصلت اليهودية إلى ذروة تحقُّقها في المجتمع المدني البورجوازي من خلال التطور التاريخي. فاليهودية، إذن، استمرت بسبب التاريخ لا بالرغم منه. وعناد اليهود وبقاؤهم لا يمكن تفسيرهما عن طريق دينهم وإنما يمكن تفسيرهما بالأساس الإنساني (أي التاريخي) لدينهم، وهو الحاجة العملية والأنانية. اليهودية، إذن، ليست مجرد بناء فوقي ونظام معرفي وإنما هي أيضاً جزء من نظام اقتصادي تحتي هو البورجوازية، ترتبط به ارتباطاً عضوياً يَصعُب معه فَصْل الواحد عن الآخر، فالبورجوازية تلد اليهودي دائماً من أحشائها بشكل حتمي عضوي. ويمكننا الآن أن نتحدث عن عملية تهويد المجتمع، أي سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية والتي يلعب اليهود دوراً أساسياً فيها رغم أنهم ليسوا وحدهم المضطلعين بها. ويتناول ماركس إشكالية أصول الرأسمالية ويرى، مثل سومبارت، أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً في تغيير النظام الاجتماعي الزراعي عن طريق تفتيته، ولكنه لا يوافقه على أنهم مسئولون عن ظهور الرأسمالية الحقة أو الرشيدة. فهو يتفق مع فيبر في أن هذه عملية ضخمة لم يلعب فيها اليهود غير دور ثانوي سلبي. ومع هذا، يختلف ماركس مع فيبر ويتفق مع سومبارت في أن روح الرأسمالية مُستمدَّة من اليهودية لا البروتستانتية. وربما كان ما يريد ماركس قوله هو أن النموذج المعرفي الذري المُتفتَّت الأناني يُوجَد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية. وهكذا، ورغم أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في بناء الرأسمالية الرشيدة كجماعة بشرية إثنية، فإن اليهودية (كنسق ديني) لعبت دوراً فعالاً فيها. كما أن سيادة النمط المعرفي المتمثل في اليهودية يعني في واقع الأمر انتصار الرأسمالية الكامل. واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية. وتاريخ المجتمع البورجوازي هو تاريخ تهويد أوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي (انظر: «تهويد المجتمع» ) . ولذا، فإن ماركس يرى أن الحديث عن الإعتاق السياسي لليهود أمر غير ذي موضوع في الواقع إذ أن اليهود تحرَّروا بالفعل ولكن على الطريقة اليهودية. «فاليهودي الذي لا يُحسَب له حساب في فيينا (مثلاً) هو الذي يقرِّر بقوته المالية مصير المملكة كلها. واليهودي الذي قد يكون في أصغر الدول الألمانية محروماً من الحقوق، هو الذي يقرر مصير أوربا» . لقد تحرَّر اليهود بالنسبة نفسها التي بها تحوَّل المسيحيون إلى يهود، أي أن إعتاق اليهود تم على الطريقة البورجوازية ومن داخل المجتمع البورجوازي حينما تم تفتيت المجتمع تماماً وهيمنت قيم المنفعة والأنانية عليه. والحديث عن الإعتاق السياسي لليهود هو تعبير عن تناقض أساسي في المجتمع البورجوازي، وهو التناقض القائم بين السياسة وقوة المال «فالسياسة نظرياً، فوق قوة المال. ولكنها، عملياً، أصبحت مجرد سجينة له» . ثم نصل إلى الحلول التي يطرحها ماركس. ولقد سبق أن بيَّنا أن اغتراب الإنسان عن جوهره يعود أساساً - في تصوُّر ماركس - إلى ظاهرة الدين الذي يجعل الإله موضوعاً يواجه الذات الإنسانية كشيء غريب عنها. ومن ثم، فإن إلغاء الدين شرط ضروري للتحرر. فالدولة التي تفترض الدين مسبقاً ليست بعد دولة حقيقية، أي أنها لا تُعبِّر عن جوهر الإنسان. وأي دولة تفترض الدين مقولة أو إطاراً، لابد أن تُولِّد استلاباً للإنسان. ويقتبس ماركس، باستحسان، رأي باور في استحالة إعتاق اليهود داخل إطار الدولة (الدينية المسيحية) ، إذ يُولِّد ذلك تعارضاً لا تنفصم عراه بين اليهودي والمسيحي. ولكن كيف يمكن حل مثل هذا التعارض؟ يرى ماركس أن حل أية مشكلة إنما يكون بنفيها وإلغائها، ومن هنا كان ترحيبه بحل باور، أي حل المشكلة بجعل التعارض الديني مستحيلاً بإلغاء الدين ذاته بحيث لا يرى اليهودي أو المسيحي، أيٌّ منهما، في دين الآخر، إلا درجات مختلفة من الروح الإنسانية. وفي مقاله «حول نقد فلسفة الحق عند هيجل» يقول ماركس: «إن إلغاء الدين، باعتباره السعادة البشرية الوهمية، دعوة إلى السعادة الحقيقية. فدعوة البشر إلى التخلي عن أوهامهم بشأن أحوالهم هي دعوة إلى التخلي عن الحالة التي تتطلب الأوهام» (ويبدو أن الموازنات اللفظية داء مزمن في كتابات ماركس الأولى) . وعندئذ سيكتشف الإنسان «أن الدين ليس إلا مجرد جلود أفاع مختلفة نَزعَها التاريخ عنه وألقى بها، وأنه هو الأفعى التي استخدمت الجلد كمجرد غطاء» . وحينذاك «لن يجد، المسيحي واليهودي، نفسيهما في حالة تعارض ديني وإنما في علاقة نقدية بحتة، علاقة تَعارُض علمية بشرية. وعندئذ يؤلف العلم وحدتهما ولا تُحَل التناقضات في العالم إلا عن طريق العلم» . وهكذا يصبح العلم، أو العقل العام أو العقل المادي، هو المطلق الوحيد بدلاً من الإله، وهذا هو جوهر الفكر الإنساني العلماني الغربي. وهو حل باور، وهو حل قد يؤدي بالفعل إلى تحرُّر سياسي ولكن غير كاف برغم أهميته. فهو تحرُّر على المستوى السياسي وعلى مستوى الأفكار فقط. ولكن، كما بيَّن ماركس، يوجد جانب اقتصادي مادي صلب يَجُبُّ الجانب السياسي ويجعل المساواة في الحقوق السياسية أمراً مزعوماً. وهذا الجانب، يجسِّد الأنانية الكامنة في الإنسان وكل نزعات التفتت. والدولة، مجال حرية الإنسان ووسيلة تحقيق تكامله، تخضع هي نفسها لسطوة المموِّلين. ولأن حل أية قضية، بالنسبة إلى ماركس، لا يمكن أن يتم إلا بنفيها وإلغائها، فإننا نجده يرى أن المجتمع «لن يحرِّر نفسه إلا بتحرره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية» . و «حين ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً» ، وذلك لأن رؤية اليهودي للعالم، أي النموذج المعرفي الذي يحمله، لم يَعُد لها ما يجسِّدها، ولأن أساس اليهودية نفسها، أي الحاجة العملية، قد اختفت (تمت أنسنتها) وتم تجاوُز الصراع بين وجود الإنسان الفردي ووجوده المادي بوجوده كعضو في النوع البشري. وهكذا، فإن «إعتاق اليهود في معناه الأخير يعني إعتاق الإنسانية من اليهودية» . ولتلخيص الأمور، يمكن القول بأن التحرر الإنساني من منظور ماركس لا يتم في المحيط السياسي، أي داخل الدولة البورجوازية القائمة، وإنما يتم خارجها (الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) . فالتحرُّر سيكون تحرُّراً من الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى الأنانية أي المتاجرة والمبادلة، ومن الأفكار التي تُنمي الأنانية مثل التراث اليهودي المسيحي ومن الدين بشكل عام. ولا يمكن إنجاز مثل هذا التحرر الكامل إلا من خلال تحرير الدولة ذاتها من تلك الظروف ومن هذه الأفكار بحيث تصبح مجالاً لحرية الإنسان. وإذا كان ماركس قد كتب كتيباً، فإن إنجلز لم يكتب سوى ملاحظات عابرة، ويُقال إنه تُوجَد مخطوطة ضمن أوراقه الموجودة في موسكو بعنوان «يهود ألمانيا» ولكنها لم تُنشَر لسبب غير معروف. ويمكن تقسيم ملاحظات إنجلز بشأن المسألة اليهودية إلى قسمين: ما قبل عام 1878، وما بعده. وهذا التاريخ هو تاريخ نشر كتابه ضد دوهرنج. ويُلاحَظ أن فكر إنجلز بشأن اليهود واليهودية في فترة ما قبل عام 1878 لا يختلف كثيراً عن الخطاب الاشتراكي السائد الذي يرى اليهود كجزء عضوي من الرأسمالية التجارية والتي سميناها «جماعة وظيفية وسيطة» . وقد لاحظ إنجلز أن اليهودي إما تاجر وإما مراب، وأن التجار اليهود احتكروا تَبادُل السلع المصنوعة في أوربا بالمحاصيل الزراعية في بولندا، وربما تكون هذه إشارة إلى يهود البلاط في علاقتهم بيهود الأرندا. ويرى إنجلز (في مقال له في نيويورك تربيون 5 مارس 1852) أن هذا هو الوضع السائد في كل شرق أوربا بل وفي الدولة العثمانية. فالحرفي والتاجر الصغير والصانع الصغير، في روسيا وألمانيا والقسطنطينية، ألماني، في حين نجد أن المرابي وصاحب الحانة وجابي الضرائب والبائع الجوال هو عادةً يهودي يتحدث الألمانية الفاسدة (هذه هي طريقة إنجلز في الإشارة إلى اليديشية) ! والواقع أن الصورة كانت أكثر تركيباً مما تصوره إنجلز عن الدولة العثمانية. اليهود، إذن، جماعة وظيفية وسيطة (الرأسمالية الشكلية) . ومع أن إنجلز يُلاحظ وجود أثرياء اليهود في الغرب، فإنه لا يربط بين ذلك وبين الرأسمالية الصناعية «الرشيدة» بحسب مصطلح فيبر، أو «الحقيقية» بحسب مصطلح ماركس، وإنما يربط بينهم وبين البورصة وحسب. ويرى أن ثمة علاقة قوية تربط أعضاء الجماعات اليهودية بعضهم بالبعض ولكنها علاقة وظيفية وليست قومية (وفق مفهوم قومية اليهود الوهمية عند ماركس ومفهوم الطبقة/الأمة عند ليون) . فالمموِّل الألماني اليهودي يرفع قبعته بالتحية للمصرفي اليهودي الفرنسي، وسوق الأوراق المالية مؤسسة طفيلية لا علاقة لها بالإنتاج، فما هي إلا مؤسسة يقوم فيها المموِّلون اليهود بتوزيع فائض القيمة الذي سرقوه من العمال. وبرغم طفيلية هذا الدور الذي يلعبه المموِّلون اليهود، فإن له أبعاده الثورية إذ ساعد على سرعة تركيز رأس المال وبالتالي ساعد على بلورة المجتمع واستقطابه. وانطلاقاً من مثل هذه الأطروحات، كتب إنجلز مقالاً في مجلة النجم الشمالي (إنجليزية) يدافع فيه عن كتيِّب معاد لليهود صدر في باريس عام 1846. فذهب إلى أن الكتيب لا يهاجم لويس فيليب وإنما يهاجم في واقع الأمر روتشيلد الأول، ملك اليهود، وأنه بذلك أخذ الاتجاه الصحيح. ومما عمق من هجوم إنجلز على اليهود أنه كان يؤيد نضال بولندا من أجل الاستقلال والحفاظ على هويتها القومية، وبالتالي كان معارضاً لليهود والألمان (في بوزنان) الذين كانوا يؤيدون ضمها إلى ألمانيا وصبغها بالصبغة الألمانية. وكان اليهود، بوصفهم عنصراً ألمانياً، يقفون إلى جانب الألمان في هذه المعركة. وقد هاجم إنجلز يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أغلبية يهود العالم، بطريقة تنم عن كراهيته لهم، فنعتهم بأنهم صورة مضحكة لكل اليهود، ووصف اليديشية مرة أخرى بأنها ألمانية فاسدة. بل إنه كان يرى أن اضطهاد الروس لليهود في عام 1848 إن هو إلا جزء من عملية تحوُّل اجتماعي تحاول البورجوازية (الطبقة المحلية الصاعدة) من خلالها أن تحمي نفسها من الباعة الجائلين (اليهود) الذين يفسدون كل الأمور، ويمنعون عملية التبلور الثورية. ويُلاحَظ في كتابات إنجلز في هذه المرحلة أن ثمة ترادفاً بين كلمات «يهودي» و «مُضارب» و «مالي» . وقد ترجم إنجلز بعض أعمال فورييه، دون أن يستبعد هجومه الشرس على اليهود. بل إنه هاجم هس ولاسال بهذه الطريقة العنصرية الشرسة، فأطلق على لاسال صفة «اليهودي السخيف» و «إفراييم النبيه» وأشار إليه باعتباره نموذجاً ليهود شرق أوربا الذين هم على أتم استعداد لاستغلال أي شخص لأهدافهم. وتحدَّث باشمئزاز شديد عن هذا اليهودي «المدهنن» (من الدهن) الذي يرغب في زخرفة نفسه ويرغب في الانتماء إلى الطبقات الأرستقراطية. وظلت هذه هي الملامح الأساسية لفكر إنجلز حتى عام 1878 حين نُشر كتاب ضد دوهرنج الذي نلاحظ فيه نغمة مختلفة تماماً. فهو يشن هجوماً على معاداة اليهود، ويحاول أن يفسر الظاهرة بغضب بعض الطبقات الهابطة على ما يحدث لها نتيجة تغيرات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود. وهو يرى أن هذه الظاهرة تتحقق في بلاد متخلفة مثل روسيا والنمسا وبروسيا وليس في إنجلترا أو الولايات المتحدة. وهنا يظهر تحيُّز إنجلز للعملية التاريخية الكبرى التي كان يرى أنها الاتجاه الحتمي للتاريخ الذي سيحسم كل الخلافات والتناقضات الاجتماعية بحيث تصبح تناقضاً واحداً بسيطاً: التناقض بين الرأسماليين والعمال. فالطبقات، مثل: اليونكرز (صغار الملاك الزراعيين الألمان) والبورجوازية الصغيرة والحرفيين وصغار التجار، كلها طبقات رجعية تَسقُط بسبب منافسة الرأسمالية الجديدة الصاعدة. ويلعب المموِّلون والتجار اليهود دوراً أساسياً في هذه العملية، فلا يهم إن كانت هذه الرأسمالية الجديدة وهذه القوى الصاعدة سامية أو آرية، مُعمَّدة أو مُختَّنة، فهي تنجز وظيفتها التاريخية وتساعد الأمم المتخلفة مثل البروسيين والنمساويين على أن يصلوا إلى مرحلة أعلى من التقدم وتبسيط التناقضات. ولكن، في غياب رأسمالية قوية صاعدة لا تستأثر بالناتج القومي، فإن مسرح النشاط المالي الأساسي يصبح هو البورصة التي يتركز فيها اليهود، ويظل الإنتاج في أيدي بعض الفلاحين وملاك الأراضي والحرفيين. لكن أعضاء هذه الطبقات هم من بقايا العصور الوسطى الذين يهاجمون اليهود بعنف ويعتقدون أنهم هم الرأسمالية الصاعدة. وتشن هذه الطبقات الهجوم تحت عباءة الاشتراكية (ومن ثم سماها إنجلز «الاشتراكية الإقطاعية» ) . وأشار إنجلز إلى أن اليهود ليسوا حقاً من كبار المموِّلين، وبيَّن أنه لا يوجد يهودي واحد بين مليونيرات أمريكا الشمالية الذين يملكون من الثروات ما يجعل روتشيلد يبدو كما لو كان شحاذاً. وفي إطار هذا التحليل، يتخلى إنجلز عن كثير من مقولاته العنصرية، فهو يتحدث عن روتشيلد باعتباره رأسمالياً وحسب ويقرن بينه وبين رأسمالي مسيحي آخر. فالإطار المرجعي هنا هو الوظيفة التي يضطلع بها كل منهما وليس انتماؤهما الديني أو الإثني. وهو يشير إلى يهود شرق أوربا باعتبارهم ممثلي أدنى مراحل التجارة في أوربا، ولكنه يتحدث عن حيلهم التجارية الوضيعة لا باعتبارها خاصية يهودية وإنما باعتبارها سمة من سمات الإنتاج الرأسمالي في مراحله المتدنية. وقد أشار إنجلز إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود في إنجلترا بل وفي شرق أوربا (وهم من يهود اليديشية) ، وهذا يعني أن يهود أوربا ما عادوا يوجدون في شقوق المجتمع ومسامه وإنما أصبحوا جزءاً منه، أي جزءاً من العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب المجتمع إلى عمال ورأسماليين. وربما يُفسِّر هذا تصريحه الإيجابي عام 1890 عن اليهود: "إننا مدينون لهم، فمنهم هايني وماركس وغيرهما". ومع هذا، لم يعلق إنجلز بتاتاً على المشروع الصهيوني، ولا على كتاب هس روما والقدس. ومن المعروف أن إنجلز لم يكن يُبدي اهتماماً كبيراً بالأمم الصغيرة. ولذا، فمن الممكن تصوُّر أنه لم يكن لديه أيُّ تعاطف مع هذا المشروع. كما أن الصهيونية لا تنتمي إلى العملية التاريخية الكبرى وإنما هي محاولة لتحاشيها وتعطيلها. ولكن بالإمكان النظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره أداة لخلق حالة من عدم الاتزان في المنطقة العربية وتفتيت المجتمعات الرجعية القائمة فيها، أي أن الدولة الصهيونية يمكن أن تلعب في المنطقة العربية الدور نفسه الذي لعبه المموِّلون اليهود مقابل اليونكرز والبورجوازيات الصغيرة، وبالتالي فإن دورها سيكون تقدمياً. وقد أيَّد إنجلز الاستعمار الفرنسي للجزائر من هذا المنظور. ويمكننا الآن أن نحاول إصدار بعض التعميمات على تناول ماركس وإنجلز للمسألة اليهودية. ويمكننا أن نقول إنهما نتاج (أو سجينا) تجربتهما الغربية على وجه العموم والألمانية على وجه الخصوص، وهذا أمر طبيعي ومُتوقَّع. ويظهر هذا الجانب من فكرهما، أكثر ما يظهر، في فشلهما الكامل في التمييز بين اليهودية واليهود وفي تصوُّرهما أن النسق الديني اليهودي المتنوع هو نسق واحد له جوهر واحد، يُعبِّر عن نفسه من خلال اليهود، يظهر في عبارات مثل: «إله إسرائيل الطماع» ، و «جوهر اليهود هو كذا» ... إلخ. ولكن التناول العلمي لهذه القضية لابد أن يؤكد تنوُّع اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً ويؤكد في الوقت نفسه عدم تجانُس الجماعات اليهودية المختلفة. ولابد أن هناك علاقة ما بين الأنساق العقائدية اليهودية المختلفة والجماعات اليهودية المختلفة، ولكنها على أية حال ليست علاقة عضوية سببية كاملة صلبة كما يتخيل ماركس وإنما علاقة تتسم بالسببية الفضفاضة وتختلف من بلد إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى. ومن الواضح أن ماركس وإنجلز لم تكن لديهما أدنى معرفة بيهود العالم الشرقي والإسلامي. كما أن معرفتهم بالجماعات اليهودية في أوربا ذاتها لم تكن قوية بما فيه الكفاية. ولذا، لا تُوجَد عندهما إشارات إلى الفروق الحضارية والطبقية بين السفارد والإشكناز داخل أوربا. كما لا يوجد لديهما إدراك للفروق الحضارية بين مختلف الجماعات اليهودية إذ يبدو أن تجربتهم كانت مركَّزة أساساً على يهود ألمانيا مع معرفة سطحية بيهود شرق أوربا. كما أنهما لم يتعرضا للدور الخاص الذي لعبه يهود المارانو في نشأة الرأسمالية الغربية. وبسبب قصور معرفتهما، فإنهما يشيران إلى اليهود بشكل عام وإلى المسألة اليهودية بشكل مجرد بدلاً من الحديث عن مسائل يهودية مختلفة. وقد تمادى الماركسيون بعد ذلك وزادوا درجة التعميم والتجريد وأصبحت كتابات ماركس وإنجلز العابرة مصدراً للتعميم العالمي والشامل (والذي يُقال له علمي!) على اليهود. ولعل جَهْل ماركس وإنجلز بما كان يدور في شرق أوربا الذي كان يضم أغلبية يهود العالم، وبثقافة الجماعة اليهودية فيها (فاليديشية بالنسبة إلى إنجلز هي مجرد ألمانية فاسدة) ، مع الرغبة في الوصول إلى مستوى تعميمي مرتفع لا يستند إلى معطيات مادية وحضارية كافية، هو الذي جعلهما يتبنىان رؤية استقطابية للموضوع. فاليهود إما أنهم قومية عالمية وإما أنهم ليسوا بقومية على الإطلاق، ولم يطرأ لهما على بال وجود قومية شرق أوربية (نسميها «القومية اليديشية» ) مثل العديد من القوميات الأخرى هناك. وتصوَّر ماركس وإنجلز أن هناك حلين لا ثالث لهما: إما الصهيونية أو الاندماج الكامل. وهذا الموقف الاستقطابي هو الذي سقط فيه البلاشفة بعد ذلك فلم يتمكنوا من فهم طرح البوند للقضية وظلوا يتخبطون إلى أن تبنُّوا حل بيروبيجان وهو حل يَصدُر عن قَدْر من التقبل لفكرة القومية اليديشية. أما النقطة الأخيرة، فهي الخاصة بتناول ماركس وإنجلز لأصول الرأسمالية. فبرغم الإسهام التاريخي لكل من ماركس وإنجلز في عملية دراسة أصول وتطوُّر ومصير الرأسمالية، فإنهما لم يدركا دور الدين في هذه العملية إلا بشكل بدائي وبسيط للغاية. وهذا ميراث فكر عصر الاستنارة وثمرة النموذج الفلسفي المادي الذي تبنياه والذي يحوِّل كل الأفكار، وضمنها العقائد الدينية، إلى مادة اقتصادية في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير! كما أنهما لم يستفيدا بالدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية العامة، التي لم تظهر بشكل مكثف إلا في نهاية القرن التاسع عشر، عن الأديان المختلفة ودورها في النظم الحضارية الاجتماعية. ولذا، وبرغم الإشارات المهمة في كتاباتهما عن المسيحية واليهودية فإن هذه الإشارات لا تصل بأية حال لعُمْق كتابات فيبر أو سومبارت. وقد ورث البلاشفة كل نقاط القصور لدى ماركس وإنجلز. ورغم توافر المعطيات المادية والمعلومات اللازمة بشأن الجماعة اليهودية في منطقة الاستيطان، فإن الرؤية الماركسية شكلت الإطار المعرفي للبلاشفة، فتحركوا من خلالها ومن خلالها وحدها. رؤية ماكس فيبر (1864-1920) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Max Weber on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities ساهم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920) في دراسة اليهود واليهودية من عدة جوانب. وأهم مفهوم في كتاباته هو مفهوم «الترشيد» ، أي توظيف الوسائل بأعلى درجة من الكفاءة في خدمة الأهداف، وذلك عن طريق إخضاع الظواهر بشكل متزايد للمنطق الرياضي والهيمنة المنهجية المنظمة على كل جوانب الحياة على أساس قوانين عامة ومبادئ تستبعد الالتفات إلى المعايير التقليدية أو الحماسة الكاريزمية، أو الالتفات إلى أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو إنسانية. وهو يرى أن الترشيد هو السمة الأساسية لتاريخ البشرية المعاصرة، بل وتاريخ البشرية العام، فتاريخ الحضارة هو التقدم المستمر نحو مزيد من الترشيد. والترشيد ـ حسب رأيه ـ ليس سمة معزولة من سمات الحضارة الغربية، بل هو السمة الأساسية، وهو مصدر خصوصيتها. ويربط فيبر هذه السمة بظواهر أخرى، مثل معمار الكاتدرائيات القوطية وظهور العلم الطبيعي المبني على التحليل الرياضي، ويرى أنها عملية كامنة في الحضارة الغربية، فهي كامنة في القانون الروماني، وفي مفهوم الملكية باعتباره حقاً مطلقاً، وفي انفصال الكنيسة في الغرب عن العالم الدنيوي بحيث تركت ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ثم في بنية المدينة الغربية واستقلالها عن التشكيل الإقطاعي. ولعبت اليهودية بوصفها ديانة توحيدية دوراً أساسياً في عملية الترشيد هذه. إذ تضع الديانات التوحيدية مسافة بين الخالق والمخلوق. ولذا، لم يَعُد هدف المؤمن هو الاتزان مع الدنيا (عالم الطبيعة) كما هو الحال في الديانات الحلولية وإنما التحكم فيها. هذه المحاولة للتحكم في كل العالم بكل تفاصيله، باسم مثل أعلى مُوحَّد، هي خطوة أولى نحو الترشيد، إذ لا يتعامل المرء مع الواقع على أساس ارتجالي وإنما يتعامل معه بشكل متكامل. وهذا ترشيد تقليدي مُتوجِّه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، ولكن هذا النوع من الترشيد حل محله الترشيد الحديث، وهو الترشيد المتحرِّر من القيم، والمتوجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروقه أو حسبما تمليه عليه رغباته أو مصلحته. فالترشيد التقليدي كان يتم في إطار المطلق الديني، أما الترشيد الحديث فلا علاقة له بأيِّ مطلق ويتم في إطار نسبي كامل، ولذا نسميه «الترشيد الإجرائي» (ويُسمَّى أيضاً «الترشيد الأداتي» ) . ولكن فيبر يرى أن اليهودية لم تصل بعملية الترشيد إلى نهايتها المنطقية، ومن ثم لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً ومركزياً في تطوُّر الرأسمالية. أي أن فيبر ـ على عكس سومبارت ـ يقول إن الجماعات اليهودية لم تساهم بشكل مباشر وأساسي في نشوء الرأسمالية الرشيدة حتى وإن كان لها إسهامها غير المباشر من خلال عناصر الترشيد الموجودة في النسق الديني (وبخاصة كتب الأنبياء) ومن خلال تقويضها دعائم المجتمع التقليدي بإدخال عناصر اقتصاد التبادل. ويعود ذلك إلى الأسباب التالية: 1 ـ لم يكن تَوجُّه اليهود إلى هذه الحياة الدنيا بحدة تَوجُّه الجماعات البيوريتانية البروتستانتية التي جعلت هزيمة العالم وتَراكُم الثروة شاهداً على الرضا الإلهي، وهو تَوجُّه أدَّى في نهاية الأمر إلى ظهور المجتمع العلماني الرأسمالي. 2 ـ يرى فيبر أن المثل الأعلى اليهودي هو العالم التلمودي الذي يدرس النصوص المقدَّسة وليس التاجر الذي يراكم الثروات. والعالم التلمودي كان في معظم الأحيان تاجراً أو مرابياً، ولكنه كان يعمل بالتجارة والربا بعض الوقت وحسب، ولذا لم يكن بوسعه الوصول بعملية الترشيد إلى منتهاها. 3 ـ ولكن أهم الأسباب هو وجود عناصر غير رشيدة في الرؤية اليهودية للخلاص (مثل خصوصية يهوه وفكرة الشعب المختار والأخلاقيات المزدوجة) أدَّت إلى عزلة اليهود النفسية، التي عمقتها العزلة الشعائرية. وحينما حضر اليهود إلى أوربا احتفظوا بالوضع نفسه. وقد حلَّ اليهود غرباءً أو ضيوفاً على المجتمع المضيف لا حقوق لهم بل يتحدَّد وضعهم من خلال المواثيق المحددة بزمن، والتي تمنحهم المزايا وتزوِّدهم بالحماية. ولم يتمكَّن اليهود من الانضمام إلى نقابات الحرفيين ولم يعملوا في عدد كبير من المهن، ولذا أصبحوا شعباً منبوذاً. ولأنهم شعب منبوذ، كانت الأشكال الرأسمالية التي ظهرت بينهم هي رأسمالية المنبوذين؛ رأسمالية تستند إلى المعايير المزدوجة ومرتبطة بالجماعة اليهودية وشعائرها الدينية وتستفيد من أواصر القرابة وتنمو في أحضان الحاكم والنظام الإقطاعي وتتركز في المضاربات والمشاريع الرأسمالية المضمونة التي تضمنها الحكومة، وهي كلها عمليات غير رشيدة ولا تؤثر في كل مجالات الحياة (كما هو الحال مع الرأسمالية الرشيدة) . ووصف فيبر لرأسمالية المنبوذين والرأسمالية التقليدية هو وصف دقيق لنشاط أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة. ولم يظهر بين اليهود حب للعمل في ذاته أو حب للثروة كهدف في ذاته، وإنما كان الهدف من العمل ومراكمة الثروة هو تحقيق الراحة لليهود حتى يمكنهم دراسة التوراة. وهم لم يقيموا استثمارات بعيدة الأمد، بل ظلت استثماراتهم تهدف لتحقيق الربح السريع. ولذا، فإنهم لم يساهموا في إنشاء الصناعة الغربية الحديثة. كما لم يكن أمامهم مجال للتجريب، فالمؤسسات القائمة كانت تحقِّق لهم ما يريدون من ثروة. ولم يكن بوسعهم، كغرباء، أن يجربوا إلا بإذن السلطة الحاكمة أو القوي التي يتبعونها (وقد كان البيوريتان يحتقرون هذا النوع من الرأسمالية الذي يركز على العقود الحكومية واحتكارات الدولة ومشاريع الأمراء والمضاربات) . ويُبيِّن فيبر كذلك أن اليهودي لا يشعر بانعدام الأمن الداخلي الذي يشعر به المؤمن بتعاليم كالفن. فانعدام الأمن الذي يشعر به اليهودي كان خارجياً، أي الخوف من عالم الأغيار. أما في داخل الجيتو، بين جماعته الوظيفية الوسيطة، فقد كان اليهودي يشعر بالأمن تماماً لأنه داخل الجيتو يعرف أنه فرد من الشعب المختار ولا يخطر بباله أنه قد لا يُكتَب له الخلاص حتى بعد تنفيذ الوصايا التي وردت في التوراة. فالعلاقة التعاقدية تؤكد له إمكانية الخلاص. وهو لم يكن في حاجة لعلامة من الخالق ليفهم الإرادة الربانية الغامضة، فقد كانت لديه الشريعة التي يمكنه أن يدرسها ويعرف كل شيء فيها. ورغم أن النشاط الاقتصادي لليهودي كان يتم في عالم الأغيار، فقد كان هناك عالمه المقدَّس الذي يعود إليه. ومن هنا ظهرت هوة بين النشاط التجاري والقيم الدينية، فالعمل التجاري لا يصب في الموقف الديني، والعمل لكسب الرزق لا يُعَدُّ في اليهودية نهاية في ذاته ولا هو وسيلة لتمجيد الخالق. ويمكن القول بأن تراكم الثروة هو دليل على عدالة الخالق، ولكن الهدف الأساسي والنقطة المرجعية يظلان بالنسبة إلى اليهودي الحياة التقية بحسب الوصايا والأوامر والنواهي، بل إن فكرة غزو العالم ذاتها تم الاستغناء عنها عن طريق فكرة انتظار الماشيَّح، وعدم الانغماس في التعجيل بالنهاية. وكان ضرورياً لليهودي أن ينتظر في صبر وأناة حتى يعود الماشيَّح، وهو ما يعني موقفاً انسحابياً من الدنيا. ويضيف فيبر عنصراً آخر في دراساته عن المدينة، فهو يفسر عدم نشوء الرأسمالية الرشيدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بأنها نشأت في المدينة المسيحية، حيث كانت هذه المدينة في العصر الوسيط مؤسسة دنيوية مستقلة عن الكنيسة وعن الدولة، وكانت تضم أفراداً يقسمون يمين الولاء كأفراد لا كأعضاء في قبيلة أو عائلة، وهذا يعني ضمور وتهميش علاقات القرابة التي ترتبط بشعائر محددة (مثل عبادة الأسلاف) . ورغم أن نقابات الحرفيين والتجار كانت أساساً مسيحية ورموزها مسيحية، فإنها ظلت مؤسسات دنيوية يمكن لأي غريب أن ينتمي إليها بعد أن يقسم يمين الولاء لها. وقد ساهمت المدينة بهذه الطريقة في فصل شئون العمل والتجارة عن شئون الأسرة والعشيرة. وكان من شأن هذا كله أن يساهم في عملية الترشيد الآنفة الذكر. ومن المعروف أن اليهود لم يصبحوا قط جزءاً من المدينة. ورغم أنهم كانوا يحصلون على حق الإقامة فيها، فإنهم ظلوا غرباء عنها لا ينتمون إليها، بل كانوا أعدى أعدائها في بعض المناطق نظراً لتبعيتهم للنخب الإقطاعية الحاكمة. وانطلاقاً من هذا، يرى فيبر أن الرأسمالية الرشيدة (أي التي تستند إلى أسس عامة موضوعية رشيدة بالمعنى الإجرائي والتي يهدف الإنتاج فيها إلى تعظيم الأرباح وليس إشباع الرغبات) لم تُولَد بين اليهود وإنما وُلدت في صفوف البروتستانت، خصوصاً البيوريتان (المستوطنين البروتستانت في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة) وغيرهم من أتباع المفكر الديني البروتستانتي كالفن، فهم الذين لعبوا الدور الأساسي في ظهور الرأسمالية الرشيدة. فالأخلاقيات البروتستانتية التي هيمنت عليهم جعلتهم يؤمنون بالعمل كغاية في ذاته وخلقت فيهم إحساساً عميقاً بعدم الطمأنينة (لأن الإله بعيد تماماً لا يمكن فهمه أو الوصول إليه أو التواصل معه) . وبسبب هذا الإحساس بالبُعد والعزلة، يجعل المؤمن الهدف من حياته هو غزو العالم وغزو ذاته وتوظيفهما لخدمة الإله (بما ينتج عن ذلك من عملية ترشيد كاملة) والهيمنة على العالم لإدخال الإحساس بالطمأنينة على ذاته. ومراكمة الثروة في هذه الدنيا هي أهم النشاطات باعتبارها علامة على الاختيار والنجاح الذي سيؤدي إلى النعيم في الآخرة. ولأن الثروة علامة من الإله، فإن على المؤمن ألا يبددها بل عليه أن يراكمها، أي أن الإنسان البروتستانتي ينكر على نفسه المتعة ويقوم بمراكمة الثروة كغاية في ذاتها. وأطروحة فيبر بشأن علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بعملية الترشيد أو بنشأة الرأسمالية خصبة للغاية ولها مقدرة تفسيرية عالية، فهي لا تحاول فقط تفسير جانب مهم في التاريخ الاقتصادي لأوربا، بل تحاول أيضاً تفسير تطوُّر اليهودية كنسق ديني وتطوُّر وضع اليهود داخل الحضارة الغربية، وهي بذلك أكثر تركيبية من كتيب ماركس المسألة اليهودية الذي كتبه في شبابه قبل نضوجه. ونشير هنا إلى كثير من نقط النقص في تناول فيبر للموضوع، وهو أمر متوقع نظراً لاتساع حدود الموضوع: 1 ـ ربما كان أهم نقط النقص في تصوُّرنا هو إغفال فيبر أهمية فكرة التوحيد باعتبارها فكرة تشكل قفزة نوعية للفكر الديني، وبدلاً من ذلك كان تركيزه على عناصر ثانوية (مثل العهد بين يهوه واليهود) ، وهي عناصر مهمة ولكنها لا ترقى في أهميتها إلى فكرة التوحيد. كما لم يدرك فيبر أن التوحيد في العقيدة اليهودية ظل مشوباً بعناصر حلولية وثنية، وأن اليهودية سقطت في الواحدية الكونية التي تنبذها العقائد التوحيدية الحقة. 2 ـ يُفرِّق فيبر بين عبادة يهوه وعبادة بعل مع أن من المعروف أن اليهودية دخلها كثير من العناصر من عبادة بعل حتى أصبحت عبادة يسرائيل خليطاً غير متجانس من العبادتين. 3 ـ يفترض فيبر وجود قدر كبير من الوحدة في أسفار الأنبياء، وهو الأمر الذي لا تسانده قراءة متعمقة لهذه الأسفار. 4 ـ يتسم تحليل فيبر للفريسيين بالابتسار الشديد كما أنه لم يشر إلى الاتجاهات الأخرى، خصوصاً الأسينيين والغيورين الذين عبَّروا عن مصالح ومطامح الجماهير الشعبية. 5 ـ معرفة فيبر بالتلمود سطحية للغاية، ولذا فهو لم يدرك أنه كتاب متناقض وأن كثيراً من أفكار الأنبياء اختفت وحلت محلها صيغ سحرية أبعد ما تكون عن الترشيد. ويبدو أن معرفة فيبر بالتيارات الفلسفية المختلفة التي ظهرت بين الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً، كانت ضعيفة. 6 ـ لم يذكر فيبر القبَّالاه من قريب أو بعيد رغم أنها سيطرت على التفكير الديني اليهودي منذ القرن السابع عشر. 7 ـ يفصل فيبر، وبحدة، بين الأشكال الرأسمالية في المجتمع التقليدي والرأسمالية الرشيدة. ومع الإقرار بالأهمية المنهجية والتفسيرية لهذا الفصل، يظل من الضروري أن ندرك أن الظاهرتين تتداخلان على مستوى التاريخ المتعين وأن اليهود لعبوا بالفعل دوراً في تحطيم المجتمع التقليدي القديم كما بيَّن ماركس. 8 ـ ينظر فيبر إلى تواريخ الجماعات اليهودية من الداخل كما لو كان هناك تاريخ يهودي مستقل عما حولهم من تشكيلات حضارية، ومن هنا محاولته تفسير فكرة «الشعب المنبوذ» بأنها نتاج الجيتو الداخلي الذي فرضه اليهود على أنفسهم. 9 ـ لم يتعرض فيبر لقضية يهود المارانو وإسهامهم في نشأة الرأسمالية. وحاول سومبارت أن يطرح وجهة نظر مختلفة، حيث بيَّن أن اليهود هم أهم القطاعات البشرية التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية الرشيدة في الغرب. وغنيٌّ عن القول أن فيبر وماركس وسومبارت، وغيرهم من المفكرين الغربيين، يتناولون وضع الجماعات اليهودية في الغرب وكأنه وضع عالمي. وربما يعود هذا إلى جهلهم بأحوال يهود الدولة العثمانية ويهود الهند والفلاشاه والصين بل ويهود جورجيا في روسيا. ومن هنا كان جنوحهم نحو التعميم المخل وحديثهم عن اليهود بشكل عام ومجرَّد. رؤية فرنر سومبارت (1863-1941) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Werner Sombart on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities يرى العالم الألماني فرنر سومبارت (1863 ـ 1941) أن ثمة علاقة قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (وبخاصة يهود المارانو) من جهة وظهور الرأسمالية وتطوُّرها من جهة أخرى. ويبدو أن هذا السؤال مطروح على سومبارت منذ بداية رحلته الفكرية، وأنه حاول أن يعثر على إجابة إلى أن وجد ضالته. ويميِّز سومبارت بين نشاطين رأسماليين أحدهما «النشاط التجاري» (بالإنجليزية: كوميرشيال commercial) والآخر هو «النشاط الاستثماري» (بالإنجليزية: أنتربرينريال entrepreneurial) . والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي «رأسمالية المقاولات أو الوسطاء» ولكنها لا تؤدي المعنى المطلوب تماماً، على عكس الترجمة التي نقترحها. وهكذا، فإن النشاط الرأسمالي الاستثماري حسب تصوُّر سومبارت نشاط نيتشوي يتسم بالحيوية والتوقد الذهني والإدراك السريع وروح المغامرة والتجديد والإحساس بالقوة والرغبة في تجاوز الأخلاق والحسابات العادية (أو أخلاق العبيد في فلسفة نيتشه) . ويرى سومبارت أن المستثمر الرأسمالي يشبه أبطال ملحمة بيولف الأنجلو ساكسوني، فيما يُسمَّى «العصر البطولي» ، وهي فترة قبل العصور الوسطى في الغرب وقبل دخول المسيحية. فهؤلاء الأبطال يجدون لذة غير عادية في الكفاح والصراع باعتبارهما هدفين في ذاتيهما، ويدخلون الحروب التي ليس وراءها عائد مادي، وهم يدخلون في علاقة مباشرة متعينة مع الأشياء، وهي هنا العملية الإنتاجية. كل هذا يقف على الطرف النقيض من الرأسمالية التجارية التي تنظر إلى العالم بمنظار موضوعي. وهذا التقسيم هو، في واقع الأمر، تعبير عن التقسيم الثنائي الأساسي في علم الاجتماع الألماني بين المجتمع التقليدي العضوي المترابط (الجماينشافت) ، والجماعة التعاقدية الذرية المفتتة (الجيسيلشافت) . والرأسمالية الاستثمارية تعبير عن الجماعة الأولى، والرأسمالية التجارية تعبير عن الثانية. ومن الواضح أن التمييز بين هذين النوعين من الرأسمالية هو تعبير عن الصراع بين رؤية الاستنارة الآلية والرؤية العضوية المعادية للاستنارة. وتبنِّي سومبارت للفكر العضوي هو في جوهره احتجاج على تزايد معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع الغربي. كما أننا سنلاحظ أن الرأسمالية التجارية هي رأسمالية المجتمعات الإقطاعية التي تضطلع بها الجماعات الوظيفية الوسيطة على عكس النشاط الرأسمالي الاستثماري، وهو ما يعادل الرأسمالية الرشيدة عند فيبر. ويرى سومبارت أن أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في تطوُّر الرأسمالية بشكل عام، وإن كانت هناك عدة عناصر جعلت ارتباطهم بالرأسمالية التجارية أكثر قوة من ارتباطهم بالرأسمالية الاستثمارية. ويورد سومبارت عدة أسباب لهذه الظاهرة بعضها يعود إلى النسق الديني اليهودي والبعض الآخر يعود إلى وضعهم في المجتمعات الغربية: 1 ـ لم تُحرِّم اليهودية التجارة، ولم تنظر إليها نظرة سلبية، وإنما قامت بتنظيمها بل تشجيعها. وأبدت اهتماماً خاصاً بالأعمال المالية من أجل تحقيق الربح. 2 ـ حرَّمت اليهودية الإقراض بالربا بين اليهود ولكنها أحلته بين اليهودي وغير اليهودي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام اليهودي للاشتغال بالأعمال المالية ومراكمة رأس المال. 3 ـ تشجِّع اليهودية الاعتدال والتحكم في الذات وعدم التعبير عن العواطف والدوافع بشكل تلقائي إلا من خلال قنوات شرعية مُعتَرف بها دينياً. ويعني هذا، في واقع الأمر، تحويل طاقات حيوية هائلة للنشاطات الاقتصادية. ويرى سومبارت أن هذا هو الترشيد الاقتصادي بعينه. 4 ـ يشير سومبارت إلى النسق الديني اليهودي، فيُلاحظ أن اليهودية مجردة من الأسرار والطقوس ذات الطابع الرمزي، وهو ما يعني أنها تنمي عقلية رشيدة عقلانية تميل نحو الحساب وتبتعد عن المغامرة. 5 ـ العلاقة بين اليهودي والخالق علاقة تعاقدية، فالخالق ليس عنصراً محاطاً بالأسرار وإنما عنصر مجرد غير شخصي لا يمكن للمؤمن الدخول معه في علاقة شخصية، وبالتالي تظل العلاقة معه مجردة غير شخصية. 6 ـ ربطت اليهودية بين القداسة والثواب والعقاب في العالم الآخر من جهة وفكرة التعاقد من جهة أخرى. فمن يؤدي وصايا الخالق لابد أن يُكافأ على أفعاله بحسب العلاقة التعاقدية. وشجع هذا ظهور اتجاه إنمائي بحيث يمكن للمؤمن أن يرجئ تحقيق رغباته في سبيل المكافأة النهائية، وهذا ضرب من التقشف ذي التوجه الدنيوي على نقيض التقشف الديني ذي التوجه الأخروي. 7 ـ يُلاحظ سومبارت أن اليهودية ديانة معادية للطبيعة تهدف إلى غزوها والهيمنة عليها، وهذا هو أحد أهداف الرأسمالية. كل هذه العناصر في النسق الديني اليهودي تتفق تماماً مع روح الرأسمالية، الأمر الذي جعل اليهود مرشحين لأن يضطلعوا بالوظائف التجارية أكثر من أي قطاع بشري آخر. ومما ساعد على تحقيق هذا الاتجاه عناصر خاصة بالتجربة التاريخية لليهود قوَّت هذا الاتجاه وساعدته على التحقق، منها: 1 ـ تشتُّت اليهود، أي انتشارهم خارج فلسطين في ربوع الأرض، وهذا ما جعلهم يكوِّنون شبكة مالية تجارية ضخمة ويعطون العلاقات التجارية طابعها الدولي اللازم لنشوء الرأسمالية. 2 ـ وحين تشتَّت اليهود، خرجوا من بيئة صحراوية يحملون معهم الروح السامية التجارية إلى الشمال الذي تسود فيه الروح الآرية وروح المغامرة. ويبدو أن الصحراء في ذهن سومبارت هي رمز الحسابات الرشيدة الباردة وهي البيئة التي يتحول فيها الإنسان إلى مخلوق أناني ذري يرغب في البقاء، ونقيضها الطبيعة الثرية في الشمال التي تشجع على اتساع الأفق وارتياد المجهول. وهنا نرى صورة أخرى من الجماينشافت (الجماعة المترابطة) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) . ويرى سومبارت أن المدينة الحديثة ليست إلا صحراء كبيرة تضم أشخاصاً أنانيين لا يكترثون إلا بمصالحهم. 3 ـ يبدو أن الحياة في الصحراء أو العقلية الصحراوية التي تشجع على الحساب تجعل الإنسان شخصية مرتبة ترفض التلقائية، على عكس حياة الريف في أحضان الطبيعة، أي أن الحياة في الصحراء تشجع على ما يمكن أن نسميه «الشخصية التعاقدية» . 4 ـ ظل اليهود، بعد انتشارهم خارج فلسطين، غرباء عن المجتمعات التي حلوا بها، ومن المعروف أن الغريب يقوم بتثوير المجتمعات التي يحل بها، كما أنه يضطلع بوظائف يأنف أعضاء المجتمع من ممارستها. 5 ـ يرى سومبارت أن أعضاء الجماعة اليهودية ساعدوا الدولة الحديثة على أن تصبح ما هي عليه ربما لكونهم يهود بلاط. وهذه الدولة هي الإطار الذي تطوَّرت من خلاله الرأسمالية الحديثة. 6 ـ طوَّر اليهود أيضاً كثيراً من الآليات اللازمة لظهور النظام التجاري والحسابات المعقدة. 7 ـ كان لدى اليهود رؤوس الأموال الكافية للاستثمار، ولتمويل المشاريع المختلفة، ومن الواضح أن سومبارت يفكر هنا في يهود المارانو الذين لم يُشر إليهم أيٌّ من فيبر وماركس. ولعل المشكلة الأساسية في أطروحة سومبارت هي أنه يجعل من اليهود سبباً في نشوء الرأسمالية ويستبعد العناصر الأخرى مثل حركة الإصلاح الديني. ولو أن اليهود هم السبب الأساسي لكانت الرأسمالية قد ظهرت في شرق أوربا حيث كانوا مُركَّزين (أو حتى في وسطها) ، ولكنها ظهرت أساساً في غرب أوربا، في إنجلترا التي لم يكن يوجد فيها يهود على الإطلاق، وفي فرنسا وهولندا اللتين ضمتا أقليات يهودية صغيرة. ويبدو أن سومبارت لم يكن ملماً بقدر كاف بعدم تجانس التراث الديني اليهودي وبخاصيته الجيولوجية، فبينما كان يتحدث عن اليهودية كديانة تعاقدية، كانت الحسيدية (الصوفية) قد اكتسحت معظم يهود العالم منذ قرنين أو ثلاثة قرون. ومع هذا، تَجدُر الإشارة إلى عدم وجود تَعارُض بين الحلولية والتجارة، بل إن الفكر الحلولي يشجع على الاهتمام بالعالم المادي ويخلع عليه القداسة. ولكن هذا يختلف عن طرح سومبارت للقضية، فهو يتحرك في إطار التلمود واليهودية الحاخامية أو ربما العهد القديم وحسب. ولم يأخذ سومبارت في الاعتبار أن خصوصية وضع اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، كجماعة وظيفية وسيطة، والتي جعلتهم يساهمون بشكل واضح في نشوء الرأسمالية، هي ذاتها التي وضعت حدوداً على حركتهم بحيث ظل إسهامهم هو إسهام الجزء في حركة الكل. ولتوثيق هذا التعميم قد يكون من المفيد دراسة مدى إسهام يهود أمستردام (وكان معظم أثريائهم من المارانو) في نمو الرأسمالية الهولندية بشيء من التفصيل. بلغ دخل عضو الجماعة اليهودية في القرن السابع عشر 1448 جلدراً مقابل 828 لغير اليهودي، وكان اليهود السفارد من أكبر مالكي الأسهم، فكانوا من كبار المساهمين في شركتي الهند الشرقية والهند الغربية الهولنديتين، وشاركوا في مختلف نشاطاتها الاقتصادية الاستيطانية، وكان 25% من أسهم شركة الهند الشرقية في أيد يهودية. ولكن الوضع كان مختلفاً في شركة الهند الغربية إذ كانت نسبة المساهمين اليهود ضئيلة للغاية (دفع 18 يهودياً نحو 36 ألف جلدر من رأسمال يبلغ ثلاثة ملايين) . ولعب اليهود السفارد دوراً في تأسيس الجماعات اليهودية في نيويورك ولندن وفي أنحاء العالم الجديد، كما استوطنوا في البرازيل وكوراساو وكايان وسورينام التي كان يُوجَد فيها أربعمائة مزرعة عام 1733 منها 115 في يد اليهود. وحسب سجلات أمستردام لعام 1609، وهي أقدم السجلات، لم يكن يوجد سوى 24 يهودياً سفاردياً برتغالياً بين 731 مودعاً، ومن 708 مودعين عام 1611 لم يكن يوجد سوى 28 يهودياً. وبين أكبر 320 مودعاً، لم يكن يوجد سوى عشرة يهود. وفي عام 1620، كان عدد المودعين 1202، بينهم 106 فقط من اليهود. وظلت النسبة ثابتة، ففي عام 1674 بلغ عدد المودعين 1302 من بينهم 265 يهودياً، ومن بين 685 يدفعون أعلى ضرائب كان يوجد يهودي واحد فقط. وفي عام 1631، لم يكن يوجد سوى ستة يهود. ومن المجموعة الثانية من دافعي الضرائب لم يكن يوجد سوى 15 يهودياً، أي أنه لم يكن يوجد سوى 21 يهودياً ثرياً في أمستردام عام 1631. وتغيَّرت الصورة قليلاً في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، فكان يوجد 13 يهودياً يحتفظون بحسابات ضخمة في بنك أمستردام (عام 1646) . وكان هناك 245 يهودياً ثرياً، من بينهم ستة كان كل منهم يمتلك 100,000 جلدر. ومع هذا، كانت ثروة اليهود صغيرة بالنسبة إلى الثروة الكلية، فكان أثرياء اليهود هؤلاء (245) يمتلكون 3,621,800 جلدر من مجموع 185,582,000 جلدر يملكها الأثرياء في أمستردام، أي أن اليهود كانوا يمتلكون نحو 2% من الثروة. وهذا هو النمط العام الذي ساد غرب أوربا والبلاد التي ظهرت فيها رأسماليات قوية في مرحلة مبكرة، وبالتالي كانت لها تجارب استعمارية. وهو نمط وجود ثروة في يد بعض المموِّلين اليهود بنسبة تفوق كثيراً نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن تظل هذه الثروة جزءاً من كل، ولا يمكن أن يُطلَق عليها «رأسمال يهودي» حيث إن ما يُحدِّد حركة رأس المال هو الحركة الاقتصادية للمجتمع ككل، وليس كون رأس المال مملوكاً من قبَل بعض الممولين من أعضاء الجماعات اليهودية. يهود المارانو كعنصر تحديث وعلمنة في المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية The Marranos as Agents of Modernization and Secularization in Europe and among Jewish Communities كانت بعض الدول الغربية تشجع يهود المارانو على الاستيطان فيها، إذ كان كثير من الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، ترى أن اليهود بوسعهم أن يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية التجارية النافعة. وكانت هذه الرؤية تطابق، إلى حدٍّ ما، رؤية المارانو لأنفسهم. فكثير منهم، ممن كانوا يبطنون اليهودية، كان يستمر في التخفي حتى يستفيد من الفرص الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ كان تهوُّده يعني فقدانه إياها. ولذا، نجد أن كثيراً من المارانو بقوا في شبه جزيرة أيبريا بحثاً عن الفرصة الاقتصادية وحفاظاً على أملاكهم من المصادرة، مؤثرين ذلك على الهجرة إلى بلد بروتستانتي أو إسلامي يمنحهم حرية العبادة ولا يمنحهم الفرصة الاقتصادية نفسها. كما أن كثيراً من يهود المارانو الذين هاجروا إلى دول جديدة، بقوا على علاقاتهم مع المؤسسات التجارية في إسبانيا والبرتغال ومع أعضاء أسرهم الذين تنصَّروا بالفعل. وكان الحكم الإسباني أو البرتغالي يستفيد من خبراتهم واتصالاتهم الدولية، وبنفوذهم ورأسمالهم، برغم اضطهاد محاكم التفتيش. وثمة حالات عديدة قام فيها يهود المارانو بالتجسس لصالح الدولتين الإسبانية والبرتغالية. وثمة حالات كان يهود المارانو يهاجرون فيها من إسبانيا أو البرتغال ثم يعودون إليها للقيام بالأعمال التجارية، وهو ما يعني أنهم كانوا يضطرون إلى اعتناق المسيحية مرة أخرى، لفترة وجيزة، أو على الأقل التظاهر بذلك. ولعب المارانو دوراً مهماً وفعالاً في تأسيس الشركات التجارية والاستيطانية الكبرى، مثل شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية (الهولنديتين) ، وساهموا أيضاً في شركات منافسة أسسها البرتغاليون ليخرجوا الهولنديين من البرازيل. كما أسس المارانو، بما كان لهم من خبرة مالية، شركات تأمين وعديداً من المصارف، حيث كانوا ذوي شهرة في التعامل في بورصات الأوراق المالية. وأسسوا مصانع للصابون والأدوية، وساهموا في سك المعادن وصناعة السلاح وبناء السفن. واحتكر المارانو تقريباً التجارة الدولية في سلع مثل: المرجان والسكر والطباق والأحجار النفيسة، كما اشتغلوا بتجارة الرقيق بسبب وجود أعداد منهم في أوربا، وفي العالم الجديد، وفي مستعمرات البرتغال في أفريقيا، التي كانت تُعَدُّ مصدراً أساسياً للعبيد. وكان عدد من يهود البلاط من أصل ماراني. وساعدهم على تبوُّء مكانتهم المالية واضطلاعهم بهذه الوظيفة عاملان أساسيان: أولهما أن المارانو، بانتشارهم وهامشيتهم واحتفاظهم بالروابط بينهم وباللادينو كلغة مشتركة للتجارة الدولية، كوَّنوا أول شبكة تجارية عالمية وأول نظام ائتماني في العصر الحديث كان يربط بين معظم أطراف العالمين الإسلامي والمسيحي بشقيه الكاثوليكي والبروتستانتي. وامتد نشاطهم إلى العالم الجديد، حيث ارتبطوا بكثير من المشروعات التجارية للاستعمار الغربي. وتم كل ذلك في غيبة نظام ائتماني عالمي، أو نظام ثابت لعلاقات دولية. كما تزامن انتشارهم في العالم مع بداية علمنة المجتمع الغربي وظهور الحكومات المطلقة التي كانت تأخذ بالمنفعة والولاء لها (وليس الانتماء الديني أوغيره من الانتماءات) معياراً للحكم على الأفراد. وتجب ملاحظة أن التجارة التي اشتغل بها المارانو كانت التجارة الدولية، وأن الأعمال المصرفية التي اضطلعوا بها كانت أعمالاً مصرفية متقدمة فكانت كلتاهما (التجارة والأعمال المصرفية) لا تشبه من قريب أو بعيد التجارة البدائية التي كان يعمل بها يهود الإشكناز أو الربا الذي كانوا يشتغلون به. وكانت الصناعات التي طوروها واستثمروا فيها أموالهم ـ إلى حدٍّ كبير ـ صناعات رأسمالية بالمعنى الحديث للكلمة. كما أن ثقافتهم العالية، وأعدادهم الصغيرة، وعدم انغلاقهم، سهَّلت عملية اندماجهم في المجتمعات الغربية. ومن هنا، فإن المارانو كانوا يعيشون في صلب المجتمع الغربي، أوفي جسده، وليس في مسامه على طريقة الإشكناز. ولذا أيضاً، لم تظهر بينهم مسألة يهودية، إذ كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية أساساً. ويتجلى هذا في فرنسا حيث طبَّق نابليون قوانينه بشأن إصلاح اليهود، على الأشكناز وحدهم دون السفارد. وينطبق الشيء نفسه على إنجلترا إذ أن يهود إنجلترا السفارد من عائلات مونتيفيوري ومونتاجو ودزرائيلي، وغيرها، اندمجوا تماماً في المجتمع وأُعطوا حقوقهم كافة. وبدأت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا، فظهرت مسألة يهودية أدَّت إلى صدور قانون الغرباء، ثم مشروع شرق أفريقيا، ثم وعد بلفور، وذلك لإبعاد الهجرة الإشكنازية عن إنجلترا. لكل هذا، قال عالم الاجتماع الألماني سومبارت «إن يهود المارانو كانوا عنصراً أساسياً في تشكيل الاقتصاد التجاري الصناعي الجديد في أوربا» . ورفض سومبارت أطروحة فيبر الخاصة بعلاقة الرأسمالية والبروتستانتية، والتي ترى أن دور اليهود فيها كان ثانوياً بسبب ارتباطهم بالحكومات والنخبة الحاكمة. ويطرح سومبارت بدلاً من ذلك نظريته الخاصة بعلاقة اليهود، خصوصاً المارانو، بقيام النظام الرأسمالي الحديث، فيرى أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً وحاسماً في تحديث وعلمنة أوربا بإدخالهم أشكالاً جديدة من الاقتصاد المجرد الذي هدم العلاقات الإقطاعية المتعينة. هذا هو دور المارانو التحديثي في العالم الغربي ككل، وهو أمر معروف وربما مُتَّفق عليه. أما دورهم في تحديث الجماعات اليهودية فهو أكثر غموضاً ويحتاج إلى إيضاح وتفسير. وقد أشرنا من قبل إلى أن هوية يهود المارانو كانت هامشية، حيث كانوا يقفون بين المجتمع المسيحي والجماعات اليهودية ولا ينتمون إلى أيٍّ منهما. وكانوا يعرفون التقاليد الحضارية لكلا المجتمعين، كما كانوا على مستوى ثقافي رفيع على عكس يهود اليديشية. ولذا، أمكنهم أن يكونوا قناة توصيل بين المجتمعين. لكن أكبر إسهام ليهود المارانو في عملية تحديث اليهود واليهودية هو هجومهم على اليهودية الحاخامية وعلى مؤسساتها كافة. وقد كان كثير من يهود المارانو يُضفون غلالة من المثالية على اليهودية أثناء تخفيهم لأنهم كانوا يرفضون السلطة الكنسية والكهنوتية، كما كانوا يتصورون أن اليهودية دين تَسامُح وحرية وعقلانية تتقبَّل النقد بسماحة. وقد اعتادوا، أثناء فترة تخفيهم، انتقاد الكنيسة وممارساتها بينهم، الأمر الذي طوَّر عقليتهم النقدية بعيداً عن أي شكل من أشكال الحوار. ولكنهم حينما ذهبوا إلى أمستردام، وجدوا صورة مغايرة تماماً لأحلامهم. فالجماعة اليهودية في الوسط البروتستانتي كانت تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن عالم الأغيار الذي كان يتهددها بالاندماج، ولذا كانت تبذل قصارى جهدها في السيطرة على كل أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المحافظة على التفرقة بين السفارد والإشكناز. ويرى بعض المؤرخين أن قيادات المارانو (السفارد) ومؤسساتهم (الماهاماد) كانت متأثرة وبعمق بأساليب محاكم التفتيش والدولة الإسبانية، وطبقتها على أعضاء الجماعة. لكل هذا، كان من العسير على المارانو، برؤيتهم النقدية، تقبُّل المؤسسة الحاخامية بكل انعزاليتها وتعصُّبها، فهي من وجهة نظرهم لا تختلف كثيراً عن محاكم التفتيش. ولذا، فقد استمروا في توجيه سهام نقدهم نحو المؤسسة الحاخامية وضد كثير من جوانب التراث اليهودي، الأمر الذي أضعف سيطرة القيادة الدينية وهزَّ شرعيتها. ولكن ثمة جانباً آخر في تجربة المارانو هو الذي أدَّى إلى هز اليهودية الحاخامية من جذورها، وقسَّم يهود أوربا إلى طوائف وفرق. ذلك هو الدور الذي لعبوه في الحركات المشيحانية. وكما بيَّنا، كان المارانو ينكرون أن المسيح هو الماشيَّح ولكن وجودهم في كنف حضارة مسيحية، عمَّق إحساسهم بأهمية شخصية المسيح ومركزيتها. ولذا، ظلت العقيدة المشيحانية حية قوية بينهم، وأدَّى وضعهم وخوفهم الشديد من محاكم التفتيش إلى تعميق النزعة المشيحانية بينهم وزاد من حرارتها. كما ظل المارانو، بسبب كونهم يهوداً متخفين، غير قادرين على تنفيذ الأوامر والنواهي كافة، ولذا أخذوا في تأكيد أهمية الإيمان المجرد وعدم أهمية الالتزام بالعبادات والشعائر. بل إن بعضهم جعل من خرق الشريعة فضيلة. وثمة بُعد اجتماعي سياسي لتعاظم النزعة المشيحانية بينهم، فقد كان للمارانو وضع متميز في شبه جزيرة أيبريا قبل طردهم حيث كان منهم الوزراء والملتزمون وكبار التجار. وقد تدنَّى وضعهم في البلدان الأوربية الجديدة التي استوطنوا فيها. كما أنهم، حتى بعد أن أحرزوا مكانة عالية، ظلوا بعيدين عن المشاركة في السلطة السياسية. وساهم المارانو في نشر القبَّالاه اللوريانية التي تجعل اليهود عماد الخلاص في العالم، والتي ربطت بين التصوف والنزعة المشيحانية، والتي تعوِّض اليهودي عن عدم مشاركته في السلطة السياسية بجعله شريكاً مع الخالق في خَلْق العالم، بل وفي تحقيق الرب لذاته ولوجوده. ولذا يمكن القول بأن المارانية شكل من أشكال العلمنة لا يختلف كثيراً عن الربوبية التي تؤمن بالإله الخالق وترى أنه يمكن التوصل إليه بالعقل دون حاجة إلى وحي أو رسل (وهذا هو أيضاً جوهر الماسونية الربوبية) . وإذا أضفنا إلى كل هذا ما ذكرناه من قبل عن ضعف الهوية، فيمكننا أن نرى لماذا أصبحوا تربة خصبة للنزعة المشيحانية. وقد كان شبتاي تسفي، الذي أظهر غير ما أبطن، يتبع نمط المارانو في هذا. وكان تسفي من أصل سفاردي، وانتشرت دعوته بين المارانو، بخاصة في مدينة سالونيكا التي أصبحت فيما بعد مركزاً للدونمه. وحينما ظهر تسفي، خرق الشريعة على طريقة يهود المارانو، وأبطل الأوامر والنواهي، ووعد أعضاء الجماعات اليهودية بأن يصبحوا سلطة سياسية مستقلة في فلسطين، بل ووزع كثيراً من الممالك على أتباعه على طريقة المشحاء المخلِّصين. وقد تأثر به يعقوب فرانك ( «فرانك» تعني «سفاردي» باليديشية) صاحب الحركة الفرانكية المشيحانية. ويرى البعض أن الصهيونية هي شكل من أشكال المارانية أيضاً، فهي عملية تحديث لليهودية تُسقط الشريعة وتحل إشكالية عدم المشاركة في السلطة. كما يرون أن حركة التنوير اليهودية، وفكر مندلسون، كلاهما فكر ماراني يحتفظ بالجوهر اليهودي الموسوي ويُسقط الشعائر كافة. ومن المعروف أن بعض قيادات يهود السفارد كانوا من أكثر المتحمسين لحركة الاستنارة، وأن إسبينوزا من أصل ماراني. بل يمكن أن نرى التراث الماراني مستمراً في شخصيات مثل دزرائيلي ودريدا (فيلسوف التفكيكية) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المملكة الجنوبية (يهودا)
Southern Kingdom Judah بعد موت سليمان عام 928 ق. م وانقسام اتحاد القبائل العبرانية (المملكة العبرانية المتحدة) إلى مملكتين، سُمِّيت المملكة الجنوبية «يهودا» لأنها ضمت قبيلتي يهودا (التي كانت دائماً في علاقة واهية مع بقية العبرانيين) وبنيامين، وهما القبيلتان اللتان بايعتا رُحبعام بن سليمان ملكاً، في حين بايعت القبائل العشر الباقية يُربْعام ملكاً على الجزء الشمالي الذي سُمِّي باسم «مملكة يسرائيل» أو «المملكة الشمالية» . كانت القدس عاصمة مملكة يهودا التي تقع على البحر الميت. ولم يكن لهذه المملكة ساحل على البحر الأبيض، إذ كان الفلستيون يشغلون الجزء الجنوبي من الشريط الساحلي (غزة وأشدود والمجدل ويافا والمنطقة التي تقع فيها الآن مدينة تل أبيب) . وقد كانت المملكة الجنوبية أكثر استقراراً من الشمالية، وذلك نظراً لصغر حجمها إذ بلغ ثُلث المملكة الشمالية، ولقلة أهميتها وبعدها عن طرق الجيوش الغازية، وفقرها وبدائية اقتصادها، وهذا ما جعلها بمنأى عن الاضطرابات الداخلية والغزوات الخارجية التي قضت على المملكة الشمالية. ولكل هذا أيضاً، قُدِّر لها البقاء مدة أطول. ومع هذا، فقد ظهر في المملكة الجنوبية مُعظم الأنبياء ودُوِّن فيها معظم العهد القديم، كما احتفظت فيها ديانة يهوه بدرجة أكبر من النقاء، وإن كانت قد دخلت عليها عناصر وثنية بدأت منذ عهد سليمان حين تزوج وثنيات (حسب الرواية التوراتية) . وكانت المملكة الجنوبية، مثل الشمالية، خاضعة إما للنفوذ المصري أو للنفوذ الآشوري، كما أنها لم تكن قط مملكة قوية بل قضت معظم تاريخها في الدفاع عن نفسها أو في التحالف مع إحدى القوى العظمى أو في الاستفادة من الصراعات الناشئة بين القوى العظمى في المنطقة أو من الضعف المؤقت الذي كان يصيب بعضها أحياناً. وقد شغل عرش يهودا تسعة عشر ملكاً (راجع الجداول التاريخية في المجلد الأول) . غير أن هذه المملكة الجنوبية دامت نحو قرن وثُلث بعد زوال المملكة الشمالية. وأول ملوكها رُحْبعام بن سليمان من زوجته العمونية الذي حكم من 928 إلى 911 ق. م. وقد غزا شيشنق فرعون مصر الليبي مملكته عام 918 ق. م (مثلما غزا مملكة الفلستيين وأدوم) وحمل معه كنوز الهيكل والقصر غنائم. ويذكر شيشنق في قائمة الكرنك مائة وخمسين مكاناً استولى عليها. ويبدو أن شيشنق قام أثناء حملة تأديب يهودا بغزو المملكة الشمالية كذلك. واعتلى الملك إبيام (911 ـ 908 ق. م) العرش ودخل في حرب طويلة مع يُربعام ملك المملكة الشمالية وهزمه. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أنه انتصر، فقد كان على اتصال بآرام دمشق التي زادت قوتها بعد أن استقلت عن سليمان وأبرمت معه معاهدة ضد يُربْعام. ومنذ هذه اللحظة، أصبحت آرام دمشق عنصراً أساسياً في العلاقة بين المملكتين والمستفيد الأكبر من الصراع بينهما. واستمر آسا (908 ـ 867 ق. م) في هذه الحرب من بعده، ولكنه اضطر هو أيضاً إلى طلب العون من آرام دمشق لكي يوقف الغزو الشمالي لمملكته، وقام بتحصين المدن على الحدود بين المملكتين، وهذا ينهض دليلاً على أن الأمل الذي راود حكام المملكة الجنوبية باستعادة المملكة الشمالية وإعادة المملكة المتحدة كان قد انتهى. وقد جدد آسا العلاقات التجارية مع صور والمدن الفلستية الأمر الذي أدَّى إلى دخول العبادات الوثنية، ولكن يبدو مع هذا أن آسا قد بذل قصارى جهده للحفاظ على استقلاله السياسي وعلى نقاء عبادة يهوه. ثم اعتلى يهوشافاط العرش عام 867 ق. م، واستمر حكمه حتى عام 846 ق. م. ووُقعت أول معاهدة سلام بين ملوك المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية في عهد أخاب. وعلى عادة الملوك في العصور القديمة، زوّج يهوشافاط ابنه يورام من عثليا ابنة أخاب ملك المملكة الشمالية، وكأنهما ملكان لأمتين مختلفتين تمام الاختلاف. وقد عقد يهوشافاط تحالفاً عسكرياً مع أخاب ضد مملكة آرام دمشق ولكنهما أخفقا في تحقيق الهدف من التحالف. وكان الإخفاق من نصيبه مرة أخرى حين عقد تحالفاً مع ابن أخاب ضد ميشع ملك مؤاب. ويُقال إن المملكة الجنوبية انضمت إلى جانب المملكة الشمالية في معركة قرقار. وقد حاول يهوشافاط أن يعيد تجارة يهودا البحرية فسانده الفينيقيون في بناء أسطول بحري غرق في عصيون جابر (إيلات) قبل أن يبحر. وحينما اعتلى يورام عرش المملكة الجنوبية من بعده (846 ـ 843 ق. م) ، بدأ حكمه بقتل جميع إخوته وعدد كبير من الأعيان حتى يأمن التآمر على عرشه. وقد أدخل عبادة بعل تحت تأثير زوجته عثليا ابنة أخاب التي حاولت أيضاً أن تُغيِّر أسلوب الحياة في البلاط. ويبدو أنها حاولت أن تزيد اعتماد المملكة الجنوبية على الشمالية، وفي عهده ثار الأدوميون واستقلوا، كما غزا الفلستيون والكوشيون مملكته وحملوا الكثير من الغنائم من القدس وأسروا أعضاء الأسرة المالكة ما عدا أحزيا (843 - 842 ق. م) حفيد أخاب الذي كان من عبدة بعل مثل أمه وانضم إلى عمه يورام، ملك المملكة الشمالية (851 ـ 842 ق. م) ، حيث خاضا معركة ضد ملك سوريا الآرامي. وعندما جرح يورام، قام أحازيا بزيارته فلقي كلاهما مصرعه على يد ياهو. وقد حكمت الملكة عثليا المملكة بعد مقتل ابنها (842 ـ 836 ق. م) ، فأبادت أعضاء الأسرة المالكة كلهم إلا حفيدها يوآش الذي أنقذته عمته زوجة الكاهن الأعظم وخبأته في المعبد. وحينما لقيت هي مصرعها في النهاية، بأمر من الكاهن الأعظم، اعتلى يوآش العرش (836 ـ 798 ق. م) وأعاد عبادة الهيكل لبعض الوقت، ولكن يبدو أنه لم يستمر في ذلك طويلاً. وقد غزا ملك آرام دمشق المملكة الجنوبية في عصره، فاضطر يوآش إلى دفع جزية كبيرة أُخذت من أموال الهيكل، وهو ما ولَّد توتراً بينه وبين الكهنة. وبعد اغتياله، اعتلى ابنه إمصيا (798 - 769 ق. م) العرش. وحاول إمصيا أن يُخضع أدوم عن طريق جيش من الجنود المرتزقة الذين أحضرهم من المملكة الشمالية، ولكنه اضطر إلى تسريحه، ثم حاول تجنيد جيش من مملكته ولكنه فشل في مسعاه. ثم نشبت الخلافات بينه وبين المملكة الشمالية، فهزمه يوآش ملكها ودخل القدس ونهب الهيكل وكنوز القصر ووقَّع عقوبات اقتصادية على أهلها وأخذ معه رهائن، وأصبح إمصيا تابعاً للمملكة الشمالية، وانتهى حكمه بثورة عليه انتهت بقتله. ومن أهم ملوك المملكة الجنوبية عُزّيا (769ـ 733 ق. م) الذي دام حكمه فترة طويلة إذ توقفت القوة الآشورية عن التدخل في المنطقة بعد أن ألحقت الهزيمة بآرام دمشق، وهو ما أفسح له المجال للحركة، وخصوصاً في غياب قوى عظمى أخرى. فأعاد تنظيم الجيش وزوَّده بأسلحة جديدة، وبنى الحصون لعمليات الاتصال والدفاع، وحصَّن القدس على وجه الخصوص تحسُّباً للهجوم الآشوري المتوقع، وشجع الزراعة وأعاد بناء ميناء إيلات على البحر الأحمر. وقد غزا عُزِّيا المدن الفلستية وترأَّس حلفاً من ملوك الدويلات التي كانت تعارض تيجلات بلاسر الآشوري، وهو ما يعني أن المملكة الجنوبية كانت قد أصبحت في ذلك الوقت أكثر أهمية من الشمالية، وذلك من ناحية سياستها الدولية في المنطقة. ووصلت المملكة الجنوبية إلى قمة ازدهارها في عهد عُزِّيا الذي ظهر فيه النبي أشعياء. وثمة إشارات إلى وجود توتر بين الملك والكهنة، ولعله استمرار للتوتر الذي بدأ في عهد أبيه. وقد أصبحت القوة الآشورية عنصراً أساسياً في السياسة الداخلية للمملكة الجنوبية. فبعد أن اعتلى يوثام العرش (758 ـ 743 ق. م) (ويبدو أنه اعتلى العرش وحكم بعض الوقت تحت رعاية أبيه) بدأت الضغوط على المملكة الجنوبية للانضمام إلى الحلف المعادي للآشوريين، ولكنه قاومها. وقد ظهر النبي ميخا في عهده. وقامت كلٌّ من المملكة الشمالية وآرام بمهاجمة المملكة الجنوبية في عهد الملك آحاز (733 ـ 727 ق. م) حينما رفض الأخير الانضمام إلى الحلف المعادي لآشور، فطلب الملك العون من تيجلات بلاسر الذي قام بغزو سوريا والمملكة الشمالية عام 733 ق. م فأخضعهما وقضى على حكم المملكة الشمالية. أما المملكة الجنوبية، فقد دفعت الجزية له، وهو ما ضمن لها الاستمرار. وقد نتج عن ذلك أيضاً تبعية دينية لآشور إذ شيد آحاز مراكز للعبادة الآشورية. وقد اقتحم الفلستيون مدن السواحل وجنوبي مملكته، كما هاجمه الأدوميون. واستمرت نبوة أشعيا وميخا في عصر آحاز، وكان أشعياء ضد التحالف مع آشور. ومع زوال المملكة الشمالية، أصبحت المملكة الجنوبية معرضة بشكل مباشر للنفوذ الآشوري، وتَنازَع سياستها الداخلية حزبان: أحدهما آشوري والآخر مصري. وقد بدأ حزقيا (727 ـ 698 ق. م) عهده بممالأة آشور والخضوع لها، الأمر الذي ضمن له فترة من الهدوء النسبي، ولكنه نحا بعد ذلك منحىً استقلالياً أو معادياً لآشور بتشجيع من مصر. وقد أخذ هذا الاتجاه شكل تطهير الدين من النفوذ الآشوري، ومن المعابد والمذابح والوثنيين. وقد أيَّد النبي أشعياء الذي كان له نفوذ كبير في المملكة هذه الإصلاحات. ثم تحالف حزقيا مع المدن الفلستية المجاورة وغير ذلك من الدويلات المدن وقام بتمرد ضد آشور عام 722 ق. م. ولذلك، قام سرجون الثاني بإرسال حملة تأديبية استولت على المدن الفلستية، ولكنها لم تدخل أدوم أو يهودا أو مؤاب. وبعد موته عام 705 ق. م، قاد حزقيا، بتشجيع من مصر وبابل، حلفاً يضم أدوم ومؤاب وصيدا والمدن الفلستية. فقام سناخريب (خلف سرجون) بغزو المملكة الجنوبية في عام 701 ق. م، واستولى على كثير من المدن، وهزم القوة المصرية التي أُرسلت لمساعدة المملكة الجنوبية، ولكن جيشه رفع الحصار (ربما بسبب حدوث خلافات داخلية في آشور) دون أن تسقط القدس. وقد سُمح لحزقيا بالاحتفاظ بعرشه على أن يدفع الجزية ويتنازل عن ثلاث وأربعين مدينة. وقد دفع ابنه منَسَّى (698 ـ 642 ق. م) الجزية أيضاً، فعاشت مملكته في سلام مدة نصف قرن تحت نفوذ آشور التي كانت تشهد آنذاك آخر أعوام حكامها العظام. ونجم عن ذلك أن جميع الآلهة الأجنبية (مثل بعل) كانت تُعبَد في الهيكل. ولذا، يُعَدُّ عهد منَسَّى من أسوأ العهود من وجهة النظر الدينية. وبعد أن قُتل ابنه آمون (641 ـ 640 ق. م) ، بسبب خضوعه الكامل للقوة وللعبادة الآشورية، اعتلى يوشيا العرش (639 ـ 609 ق. م) وهو بعد في الثامنة. وأخذت الدولة الآشورية في الضعف، الأمر الذي ساعد على ظهور حركة استقلالية جديدة أخذت شكل إصلاح ديني أيَّده الأنبياء المعاصرون مثل إرميا. وأثناء إصلاح الهيكل، عثر الكاهن الأعظم على كتاب الشريعة الذي يُقال إنه جزء من سفر التثنية، فدعا الملك الشعب إلى اجتماع وعقد ميثاقاً مع الرب. وأزال الملك الأماكن المرتفعة التي تُعبَد فيها الآلهة الأخرى (الإصلاح التثنوي) ، وركز العبادة في القدس. وقد حاول يوشيا، عام 608 ق. م، أن يُوقف مرور الجيش المصري بقيادة الفرعرن نخاو الذي كان يتحرك لمساعدة آشور ضد بابل ولكنه هُزم وقُتل في معركة مجدو. واعتلى يوآحاز العرش، ولكن نخاو خلعه بعد ثلاثة أشهر من الحكم وقبض عليه. أما خلفه يهوياقيم (609 ـ 598 ق. م) الذي عيَّنه المصريون على عرشه، فقد ظل تابعاً لهم مدة ثلاثة أعوام. ولكن، مع هزيمة المصريين على يد البابليين في معركة قرقميش (عام 605 ق. م) ، أصبح يهوياقيم تابعاً لبابل. ولكنه انضم عام 601 ق. م إلى الحزب الممالئ لمصر في المملكة الجنوبية ضد نصيحة إرميا، وتحدَّى نبوختنصر ملك الدولة البابلية الذي كانت جيوشه قد ألحقت الهزيمة بنخاو عام 605 ق. م ووصلت إلى فلستيا، وتم تهجير بعض سكان يهودا إلى بابل. بل يبدو أن الجيوش البابلية وصلت إلى القدس عام 603 ق. م. وكان يهوياقيم خاضعاً لبابل مع احتفاظه بالعلاقات مع مصر التي شجعته ووعدته بتقديم المساعدة. وحينما تمتعت مصر بازدهار مؤقت وهزمت نبوختنصر، تمرَّد يهوياقيم على بابل. وكان النبي إرميا ضد الحلف الجديد مع مصر، وبيَّن أن الخلاص الوحيد يكمن في الخضوع لبابل. وحينما قام نبوختنصر بفرض الحصار على القدس، لم تصل الإمدادات الموعودة من مصر، ومات يهوياقيم أثناء الحصار عام 598 ق. م، فاعتلى ابنه يهوياكين العرش مدة ثلاثة أشهر وعشرة أيام قبل أن يستسلم لنبوختنصر، وسقطت القدس ونُفيَ الملك إلى بابل. ولكن نبوختنصر عيَّن أحد أبناء يوشيا (صدقياهو) ملكاً على يهودا من عام 597 إلى عام 587 ق. م، فتظاهر بالولاء للقوة الجديدة. ولكنه في العام التاسع من حكمه، تحالف مع المصريين وحاول الاستقلال عن بابل وانضم إلى التمرد الذي ضم فينيقيا وشرق الأردن وكل فلسطين، وذلك بتشجيع من مصر التي أرسلت قوة لمساعدة يهودا. ولكن القوة المصرية هُزمت، وباءت محاولة الاستقلال بالفشل ودُمِّرت القدس ومدن المملكة الجنوبية كلها وهُجِّرت النخبة إلى بابل. ثم أصبحت سوريا كلها مستقرَّة في قبضة الإمبراطورية البابلية الجديدة (تحالف الكلدانيين والحوريين) . وقد عُيِّن جدَاليا حاكماً على ما تبقى من فقراء العبرانيين في الغرب، ولكنه اغتيل بعد عدة شهور. وقُتل بعض الجنود البابليين فخاف العبرانيون من انتقام البابليين، وهاجرت جماعات كبيرة منهم إلى مصر واستوطنتها. وتحوَّلت المملكة الجنوبية إلى وحدة إدارية تابعة لبابل. المملكة الشمالية (يسرائيل - إفرايم) (Northern Kingdom (Ysrael; Ephraim بعد موت سليمان عام 928 ق. م وانقسام اتحاد القبائل العبرانية (المملكة العبرانية المتحدة) ، أُطلق اسم «يسرائيل» أو «إفرايم» على المملكة الشمالية، كما كانت تُسمَّى أحياناً «السامرة» نسبة إلى عاصمتها. وكانت تقع حسب الرواية التوراتية والمدونات التاريخية على بحيرة طبرية، وتضم نهر الأردن والضفة الغربية ومنها نابلس وأجزاء من الضفة الشرقية والجليل. وكان لهذه الدولة على خلاف المملكة الجنوبية، شريط ساحلي. كما أن مساحتها كانت تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة المملكة الجنوبية. وكانت قبيلة إفرايم من أهم قبائل هذه المملكة وجاء منها معظم ملوك المملكة، ولهذا سُمِّي اتحاد هذه القبائل باسمها. وبدأ تاريخ المملكة الشمالية حينما بايعت القبائل العبرانية العشر يُربعام ملكاً، رافضةً إعطاء البيعة لرُحبعام بن سليمان الذي نُصِّب ملكاً على قبيلتي الجنوب في اتحادهما المسمَّى «المملكة الجنوبية» . كانت المملكة الشمالية أكثر أهمية من الناحية السياسية والاقتصادية. ومع هذا، كانت تتنازعها الخصومات إذ لم يكن لها مركز ديني قوي مثل القدس، ولم تكن عبادة يهوه القومية راسخة فيها. وقد كانت الأسرة الحاكمة فيها لا تتمتع بشرعية قومية دينية مثل أسرة داود. كما كانت أكثر تعرضاً للغزو الخارجي من المملكة الجنوبية، ولم يكن لملوكها سياسة خارجية واضحة. وكانت مكوَّنةً من عناصر قَبَلية كثيرة غير متجانسة إذ كانت تضم عشر قبائل في مقابل قبيلتين في المملكة الجنوبية. ولكل هذا، نجد أنها في فترة لا تزيد على ثلاثة قرون وعشر سنوات، حكمها تسعة عشر ملكاً ينتمون إلى تسع أسر، مات منهم عشرة عن طريق العنف وحكم سبعة فترة أقل من سنتين. ولم تتمتع المملكة بأي استقرار إلا لفترة وجيزة (887 ـ 743 ق. م) . وسعى رؤساء القبائل الشمالية إلى التهوين من شأن القدس وهيكلها حتى من الناحية الدينية، واستعاضوا عن ذلك بتأسيس معابد محلية لممارسة شعائر الدين متأثرين في ذلك بنظام العبادات الكنعانية الذي يتَّسم بعدم مركزية مقرّ الإله. كما أقيم في السامرة معبد لينافس الهيكل فيحج إليه الشماليون، وخصوصاً بعد أن منعهم الجنوبيون أنفسهم من الحج إلى القدس، كما أسسوا أماكن مقدَّسة محلية في دان وبيت إيل. وأول ملوك المملكة الشمالية يُربْعام الأول (928 - 907 ق. م) من قبيلة إفرايم القوية. وكان من المشرفين على أعمال السخرة في عهد سليمان، لكنه قاد الثورة ضده بسبب ضرائبه ومطالبه التي أثقلت كاهل الناس. وحينما فشل التمرد، فرَّ إلى مصر حيث لجأ إلى شيشنق فرعون مصر الليبي (الأسرة 22) . وبعد موت سليمان، ترأس الوفد الذي أرسلته قبائل الشمال ليقابل رُحبعام مطالباً بتعديل نظام الضرائب والسخرة. وعندما رُفض الطلب، أعلنت قبائل الشمال استقلالها وتوَّجت يُربْعام ملكاً. ويبدو أن رُحبعام لم يتمكن من ضرب المملكة الجديدة خوفاً من تهديد شيشنق الذي كان يهمه القضاء على مملكة سليمان. واتخذت المملكة من شكيم عاصمة لها، لكنها نقلت بعد ذلك إلى بنوئيل عبر الأردن، وأخيراً إلى ترصه. وقد أسس يُربعام معبداً في بيت إيل ودان، وجعل رمز الديانة العجول الذهبية. كما غيَّر يُربْعام موعد الأعياد حتى يحوِّل حجاج مملكته عن الذهاب إلى القدس، وطرد اللاويين الذين كانوا يشكلون جزءاً من المملكة العبرانية المتحدة ومن إدارتها. وخاض يُربعام حرباً دائمة مع المملكة الجنوبية التي رفضت الاعتراف بالتقسيم. ويبدو أن شيشنق قام بغزو المملكة الشمالية (ربما بعد موت يُربْعام) رغم أن عداءه كان موجهاً أساساً ضد المملكة الجنوبية. وتاريخ المملكة الشمالية بعد ذلك تاريخ اضطرابات وعنف وتحالفات مؤقتة. فبعد موت يُربْعام الأول الذي تميَّز حكمه بالاستقرار، اعتلى ابنه ناداب العرش (907 ـ 906 ق. م) ، ولكنه اغتيل هو وبقية أعضاء أسرته أثناء حربه ضد الفلستيين على يد منافسه بعشا (906 - 883 ق. م) من قبيلة يَسَّاكر الذي أنهى حكم قبيلة إفرايم وأبَّرم تحالفاً مع بن هدد الأول ملك آرام فحاربا معاً ضد المملكة الجنوبية. وحينما غيَّر بن هدد موقفه وتخلى عن تحالفه، هُزم بعشا وتنازل عن جزء من أراضيه. واعتلى ابنه إيلا العرش (883 ـ 882 ق. م) ، لكن زمري، قائد عرباته العسكرية، قتله وهو يحاصر إحدى المدن الفلستية وحلّ محله (882 ق. م) . ولم يدم حكم زمري طويلاً لأن الجيش انتخب عمري (882 ـ 871 ق. م) ملكاً وحاصر العاصمة، وهذا ما اضطر زمري إلى أن يضرم النار في نفسه وفي قصره بعد أن حكم لمدة عام واحد. ولكن عمري لم يُحكم قبضته على المملكة إلا بعد ست سنوات من الحرب الأهلية ضد تبني بن جينه الذي أعلن نفسه ملكاً. وقد جعل عمري من السامرة عاصمة لمملكته، وابتنى فيها لنفسه قصراً. وقد كان الخوف من القوة الآرامية وسطوتها العنصر الأساسي في السياسة الخارجية عند عمري في تلك الفترة. ويبدو أن الضغوط الآرامية كانت قوية إلى درجة أن المملكة اضطرت إلى منح الدول/المدن الآرامية الحق في فتح وكالات تجارية في السامرة وكذلك إعطائها امتيازات خاصة. ولمعادلة هذا الموقف، قام عمري بتقوية علاقاته مع الفينيقيين (صور وصيدا) ، فزوَّج ابنه من إيزابيل ابنة ملك صيدا، لتدعيم التحالف على عادة الملوك القدماء. وقد أتاح هذا التحالف الفرص التجارية أمام المملكة الشمالية حتى إنها نجحت في إقامة علاقات تجارية مع قبرص. وقد كان لهذا التحالف أعمق الأثر في الحياة الدينية في المملكة إذ أن العبادات الوثنية في صيدا كانت قد انتشرت بين الطبقات الثرية. وقد حاول عمري إقناع المملكة الجنوبية بالانضمام إلى محور صيدا ـ السامرة. ونظراً للسلام المؤقت الذي تمتعت به المملكة الشمالية، نجح عمري في استعادة الهيمنة على المؤابيين، وقام بحركة عمرانية قوية، وأحاط العاصمة بعدد كبير من التحصينات، وقد تمتعت المملكة بدرجة لا بأس بها من الازدهار حتى أن الآشوريين كانو يُعرِّفون المملكة الشمالية باسم «مملكة عمري» . واعتلى أخاب بن عمري العرش (871 - 852 ق. م) ، فأدخلت زوجته إيزابيل عبادة بعل في المملكة الشمالية، وهو ما أدَّى إلى قيام صراع شديد بين البيت الملكي والأنبياء بقيادة النبي إلياهو. وبعد أن قام أخاب بعدة معارك ضد آرام دمشق، تحالف مع ملكها بن هدد ضد الآشوريين الذين كانوا قد أصبحوا خطراً حقيقياً يتهدد الجميع بعد حملة آشور ناصر بال في عام 870 ق. م، ونجحوا في صدهم مؤقتاً في معركة قرقار، وإن كان يُقال إن نتيجة المعركة لم تكن حاسمة لأي من الطرفين. ثم تحالف أخاب، بعد ذلك، مع يهوشافاط ملك المملكة الجنوبية وحاربا ضد مملكة آرام دمشق، ولكنهما هُزما وقُتل أخاب في المعركة. وأخاب أول ملك عبراني يُذكَر اسمه في أحد الأنصاب الآشورية باعتباره أحد الملوك الذين هزمتهم آشور. وخلف أخاب ابنه آحازيا (852 ـ 851 ق. م) الذي هاجمه إلياهو باعتباره مشركاً وثنياً، وقد حاول آحازيا أن يكون جزءاً من المشاريع البحرية للمملكة الجنوبية ولكن طلبه رُفض، وهو ما أدَّى إلى توتر العلاقة بين المملكتين. ثم اعتلى يورام (851 ـ 842 ق. م) العرش من بعده، وألحق المؤابيون به الهزيمة وحصلوا على استقلالهم، كما هاجم الآراميون مملكته، وجُرح وهو أثناء معركة خاضها ضدهم لاسترداد إحدى المدن. وأدَّت هزائمه العسكرية المتكررة إلى ضعضعة سلطته، ثم اغتيل آحازيا على يد ياهو (842 ـ 814 ق. م) زعيم الانقلاب العسكري الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها كما قتل كهنة بعل. وقد قطع ياهو علاقات مملكته مع حلفائها السابقين (الدول/المدن الفينيقية والمملكة الجنوبية) وهو ما جعلها عرضة للغزو الأجنبي، فقامت قوات الآراميين بغزوها وألحقت الهزيمة به، فاضطر إلى دفع الجزية لشلمانصر الثالث لكي يحميه من الآراميين، وهذا ما خفف من الضغط الآرامي بعض الوقت. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض عند قدمي هذا الأخير ويُقدِّم الجزية. ولكن، بعد أن مني شلمانصر بالفشل في إخضاع عاصمة آرام، هاجمت الجيوش الآرامية المملكة الشمالية مرة أخرى وضمت الأراضي التابعة لها شرقي الأردن. وفي أواخر حكمه، اخترقت الجيوش الآرامية مملكته ووصلت إلى حدودها مع المملكة الجنوبية، ثم دخلت مملكته مرحلة التدهور. وخلال حكم يوآحاز (814 ـ 800 ق. م) ، كانت المملكة الشمالية مجرد مملكة تابعة لآرام التي تحكمت في أجزاء كبيرة من أراضيها وحدَّت من قوتها العسكرية، فانكمشت المملكة لتصبح دويلة. وقد انحسر المد الآرامي بعض الشيء بوصول حملة تأديبية آشورية بقيادة أدادنيراري الثالث الذي تشير إليه المصادر التوراتية باعتباره المخلِّص (ملوك ثاني13/5) . ويبدو أن يوآحاز دفع الجزية، مثل يهو، للملك الآشوري. وانتهز يوآش (800 ـ 784 ق. م) فرصة ضعف آرام بعد هزيمتها على يد الآشوريين، واستعاد بعض المدن التي كان قد فقدها. وحينما حاول ملك المملكة الجنوبية أن يتخلص من الهيمنة الشمالية، استولى يوآش على القدس، ونهب الهيكل والكنوز الملكية، وحوَّل المملكة الجنوبية مرة أخرى إلى مملكة تابعة. وقد أتى ذكر يوآش، في أحد النقوش الآشورية، باعتبار أنه كان يدفع الجزية لملك آشور. ووصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي أثناء حكم يُربْعام الثاني (784 - 748 ق. م) إذ تمتعت بشيء من الاستقلال نظراً لضعف الآشوريين النسبي. وانتهز يُربْعام الثاني فرصة هزيمة آرام على يد الآشوريين، فاستعاد كل الأراضي التي استولت عليها آرام من قبل بل ضم بعض المدن الآرامية، فاتسعت رقعة مملكته. كما أقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، وأقطع ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأرض، وقام بحركة بناء واسعة النطاق. وقد أدَّى كل ذلك إلى نشوء طبقة ذات نفوذ كبير من الملاك الأثرياء. وتميَّز حكمه بالفساد الداخلي والانحلال الخلقي، وهو ما دفع النبيين عاموس وهوشع إلى الهجوم عليه واستنكار أفعاله. وسادت فترة من الاضطرابات اتَّسمت بالصراع الطبقي ولعب فيها ملاك الأراضي في شرق الأردن دوراً كبيراً. وقد اُغتيل ابنه زكريا عام 748 ق. م بعد ستة أشهر من اعتلائه العرش، وانتهى بذلك حكم أسرة ياهو. وفي عام 748 ق. م، حكم شلوم رئيس الانقلاب (وكان من شرق الأردن) شهراً واحداً دون أن يعتلي العرش إذ قتله مناحم (747 - 737 ق. م) الذي كان هو الآخر من شرق الأردن. وقد حاول مناحم أن يوسِّع حدود مملكته ويؤسِّس حكماً ثابت الدعائم، ولكن يد آشور الحديدية منعته. وحينما هاجم تيجلات بلاسر سوريا ثم المملكة الشمالية، دفع له مناحم جزية كبيرة. وحكم فقحيا بن مناحم (737 ـ 735 ق. م) عاماً واحداً، ولكن قائد جيشه فاقح (أحد نبلاء جلعاد) قام بانقلاب ضده وقتله واستولى على العرش (735 ـ 733 ق. م) . ويبدو أن سبب المؤامرة هو عدم رضا أثرياء شرق الأردن عن الهيمنة الآشورية، إذ كانت لهم علاقات قوية بآرام. وكان فاقح زعيم الحزب المعادي للآشوريين، فتحالف مع رزين ملك آرام دمشق، حيث هاجما معاً المملكة الجنوبية ليرغما يوثام ثم ابنه آحاز على دخول الحلف. وقد لجآ إلى تشجيع الاضطرابات في أدوم وفلستيا وجردا حملة على القدس لإرغام المملكة الجنوبية على الانضمام إليهما. ولكن آحاز استغاث بالآشوريين، فقامت القوات الآشورية بالهجوم على أعضاء التحالف وقضت على آرام دمشق كدولة. واستولت القوات الآشورية كذلك على أراضي الجليل وجلعاد، وأخذت منها أسرى إلى آشور. وقد قُتل فاقح على يد هوشع (730 ـ 724 ق. م) آخر ملوك المملكة الشمالية. وتقول المصادر الآشورية إن هوشع اعتلى العرش بمساعدة آشور، وأن مملكته قامت حول جبل إفرايم. وبعد موت تيجلات بلاسر الثالث، نشبت الثورات في سوريا وانضمت المملكة الشمالية بتشجيع من مصر للثورة، فجرَّد شلمانصر الخامس حملة وحاصر السامرة ثلاث سنوات إلى أن سقطت في يد خلفه سرجون الثاني (721 ق. م) ، فهجَّر عدداً كبيراً من رجالها وأصبحت المملكة الشمالية مقاطعة آشورية. يُربْعام الأول (928-907 ق. م) Jeroboam I «يُربعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربعام الأول أول ملوك المملكة الشمالية بعد انقسام المملكة المتحدة. كان يُربْعام يعمل عند سليمان ناظراً للعمال من قبيلة إفرايم المسخَّرين للعمل. وبدأت العناصر الساخطة تتجه إليه ليكون زعيماً للتمرد على هيمنة سليمان والجنوب. ولما عرف سليمان بالمؤامرة طلب قتله، فهرب إلى مصر عند الفرعون شيشنق، وبقي هناك إلى ما بعد موت سليمان. وقاد يُربعام الوفد الذي طلب من رُحبعام الإصلاح. وحينما رفض الأخير، ثار الشماليون وأسسوا مملكتهم وخاضوا حرباً مع المملكة الجنوبية استمرت اثنين وعشرين عاماً. وقد اتخذ يُربعام من شكيم عاصمة لدولته. وخشية أن يذهب العبرانيون إلى القدس للأعياد ويجددوا ولاءهم القديم لبيت داود، نصب يُربْعام عجلين من ذهب ربما بتأثير العبادة المصرية التي عرفها أثناء فترة نفيه؛ أحدهما في بيت إيل والآخر في دان ـ أي في طرفي مملكته ـ ونادى بوجوب عبادتهما. وإلى جانب العجل، مجَّد يُربْعام آلهة أخرى منها عشتاروت الإلهة الفينيقية وكموش إله المؤابيين. وقد أيَّد جميع الملوك الذين تعاقبوا على المملكة الشمالية هذه العبادة (ما عدا يوشيا) . وغيَّر يُربعام تاريخ عيد الحصاد بحيث أصبح في الخامس عشر من الشهر الثامن في المملكة الشمالية، وقد كان يقع في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع. وقد طرد يُربعام اللاويين الذين كانوا يشكلون الجهاز الإداري للملكة العبرانية المتحدة، ونقل عاصمته من شكيم إلى بنوئيل لتَعذُّر تحصين الأولى. ثم انتقلت العاصمة إلى ترصه إلى أن استقرت في نهاية الأمر في السامرة. رُحْبعام (928-911 ق. م) Rehoboam «رُحبعام» اسم عبري معناه «اتسع الشعب» . ورُحبعام هو ابن سليمان من نعمة العمونية. طلب منه ممثلو القبائل العبرانية الشمالية، تحت قيادة يُربْعام، أن يخفِّف من النير الذي حمَّلهم إياه أبوه، فرفض طلبهم وهدَّدهم بمزيد من الضرائب، فانشقت القبائل الشمالية عن المملكة العبرانية المتحدة وأسست مملكة مستقلة هي المملكة الشمالية. وقامت الحرب بين رُحْبعام ويُربْعام واستمرت طيلة حكمه، كما انتشرت العبادة الوثنية في مملكته. وأثناء حكمه أيضاً، غزا شيشنق مملكته واستولى على بعض المدن لبعض الوقت، ومنها القدس نفسها، ونهب الهيكل والقصر الملكي. آسا (908-767ق. م) Asa «آسا» اسم عبري معناه «الآسي» أي «الطبيب» . ولعل الاسم اختصار لعبارة «يهوه آسا» أي «الرب داوى وشفى» . وقد تحالف آسا، وهو أحد ملوك المملكة الجنوبية، مع بن هدد ملك آرام دمشق، لكي يوقف الغزو الذي قامت به المملكة الشمالية، وقام بتحصين الحدود بين المملكتين، وهو ما يعني أن الأمل الذي كان يراود حكام المملكة الجنوبية باستعادة المملكة الشمالية قد انتهى. وقد عُرفت العبادات الوثنية في عهده. ولكنه، مع هذا، قام بإصلاح ديني يهدف إلى تحطيم التماثيل وهدم المذابح والمرتفعات، وهي أماكن مقدَّسة مرتبطة بالعبادة الوثنية. ومع هذا، لم يسايره الشعب في جميع إصلاحاته، فبقيت المرتفعات على حالها. عمري (882-871 ق. م) Omri «عمري» اسم عبري ربما كان معناه «مفلح» . وهو اسم أحد ملوك المملكة الشمالية. كان عمري قائداً للجيش. وأثناء محاصرته لإحدى المدن الفلستية وصله نبأ استيلاء زمري على العرش وأن الجيش بايعه ملكاً، فقاد عمري قواته إلى مدينة ترصه وفتحها فانتحر زمري. ثم قامت بينه وبين تبني بن جينه حرب أهلية استمرت خمسة أعوام انتصر في نهايتها عمري وأسس أسرة ملكية حاكمة تُعرَف باسمه، وجعل السامرة عاصمة مملكته. وقد سمَّى الآشوريون المملكة الشمالية «بيت خمري» أي «بيت عمري» . وقد ازدهرت التجارة في عصره نظراً لأنه خضع للضغوط الآرامية وسمح للمدن/الدول الآرامية بأن تفتح وكالات تجارية تابعة تتمتع بامتيازات خاصة. ولمعادلة هذا الموقف، قوى عمري علاقاته مع الفينيقيين، فزوَّج ابنه أخاب من إيزابيل ابنة ملك صيدا. وقد انعكست علاقاته السياسية والتجارية المتشابكة على الاتجاهات الدينية في عصره إذ دخلت عناصر من عبادات صيدا الوثنية على العبادات اليهودية في المملكة الشمالية. ولقد نجح عمري في فرض هيمنته على المؤابيين. أخاب (871-852 ق. م) Ahab «أخاب» اسم عبري معناه «أخو الأب» ، وهو ابن عمري أحد ملوك المملكة الشمالية. وقد بدأ حكمه نحو عام 871 ق. م. أثرت فيه زوجته إيزابيل ابنة ملك صيدا (وكانت امرأة وثنية) فانقاد لها وأدخل عبادة بعل، وهو ما أدَّى إلى احتدام الصراع بينه وبين الأنبياء. وتحالف أخاب مع الفينيقيين والمملكة الجنوبية ليقف ضد آشور، ونجح هذا التحالف في صد الآشوريين بشكل مؤقت (في معركة قرقار) وإن لم تكن نتيجة المعركة حاسمة. ثم تحالف مع يهوشافاط ملك المملكة الجنوبية، فحاربا معاً ضد آرام دمشق ولكنهما هُزما. وخر أخاب صريعاً في المعركة وسال دمه من مركبته فلحسته الكلاب، كما تنبأ النبي إلياهو. إيزابيل (؟ -843 ق. م) Jezebel «إيزابيل» اسم عبري يعني «غير مرتفع» . وإيزابيل زوجة أخاب أحد ملوك المملكة الشمالية (871 ـ 852 ق. م) ، وابنة إثبعل ملك صور وصيدا وكاهن عشتروت، وقد عقد عمري الزواج بين أخاب وإيزابيل لتقوية العلاقة بين المملكة الشمالية والمدن/الدول الفينيقية. ومن هنا قويت عبادة بعل، وقد تنبأ لها إلياهو بأن الكلاب ستأكلها. وقد قُتلت إيزابيل أثناء انقلاب ياهو (843 ق. م) والذي تم بتشجيع من إلياشع صديق إلياهو. يهوشافاط (867-846 ق. م) Jehoshaphat «يهوشافاط» اسم عبري معناه «يهوه قضى» . ويهوشافاط اسم رابع ملوك المملكة الجنوبية وابن الملك آسا. عقد تحالفاً مع أخاب ملك المملكة الشمالية وحارب معه ضد الآراميين، ولكنه هُزم في الحرب (كما قُتل حليفه أخاب) . وفيما بعد، تحالف مع يورام وقام بحملة ضد مؤاب وأحكم سيطرته على أدوم. وأسس يهوشافاط أسطولاً بحرياً تجارياً في البحر الأحمر في عصيون جابر (إيلات) ، ولكن عاصفة هبَّت عليه أغرقته قبل أن يبحر. أحزيا (852-851 ق. م) Ahaziah «أحزيا» اسم عبري معناه «الرب أمسك» . وقد سُمِّي بهذا الاسم كل من: 1 ـ ثامن ملوك المملكة الشمالية وهو ابن أخاب وإيزابيل. وقد تخلَّى هذا الملك عن عبادة يهوه واتبع العبادة الوثنية. 2 ـ سادس ملوك المملكة الجنوبية (843 - 842 ق. م) وأمه عثليا ابنة أخاب. خاض معركة ضد ملك سوريا الآرامي، وقتله ياهو أثناء زيارته ليورام ملك المملكة الشمالية. ياهو (842-814 ق. م) Jehu «ياهو» اسم عبري معناه «هو يهوه» . وقد كان ياهو زعيم الانقلاب العسكري في المملكة الشمالية الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها، كما قتل أحزيا ملك المملكة الجنوبية الذي كان في زيارة يورام وإيزابيل. حاول القضاء على عبادة بعل عن طريق اغتيال كهنتها ولكنه لم يُوفَّق. قام هو نفسه بعبادة العجول الذهبية فيما بعد، ودفع الجزية لشلمانصر الثالث. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض ويُقدِّم الجزية. يوآش (836-798 ق. م) Joash «يوآش» اسم عبري معناه «يهوه قوَّاه» أي منحه القوة، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم ثامن ملوك المملكة الجنوبية (836 ـ 798 ق. م) الذي أعاد عبادة الهيكل لبعض الوقت ولكنه عاد وارتد إلى العبادة الوثنية ودفع الجزية لملك آرام ثم اغتيل بعد حكم دام نحو أربعين عاماً. يوآش (800-784 ق. م) Joash «يوآش» اسم عبري معناه «يهوه منحه القوة» ، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم الملك الثاني عشر من ملوك المملكة الشمالية (800 ـ 784 ق. م) وهو الثالث في سلالة ياهو. عبد العجل الذهبي واسترجع المدن التي كان الآراميون قد أخذوها بعد هزيمتهم على يد الآشوريين، وهزم أيضاً ملك المملكة الجنوبية ونهب الهيكل والكنوز الملكية. يُربْعام الثاني (784-748 ق. م) Jeroboam II «يُربْعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربْعام الثاني هو الملك الثالث عشر بين ملوك المملكة الشمالية. اتَّسم حكمه بالازدهار واستتباب الأمن. وفي عهده، وصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي بسبب ضعف الآشوريين النسبي وانهزامهم. وأقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، ومنح ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأراضي، فنشأت طبقة من كبار الملاك الأثرياء. وقد انتشرت في عهده عبادة الأوثان، وفي عصره، حذَّر النبيان عاموس وهوشع من مغبَّة الانحلال. عُزيَّا (769-733 ق. م) Uzziah «عُزِّيا» اسم عبري معناه «مجد الرب» . وعُزِّيا أحد ملوك المملكة الجنوبية الذي يُسمَّى أيضاً «عزريا» ، وهو ابن إمصيا. وفي عهده تحرَّرت مملكته من هيمنة المملكة الشمالية، فنظَّم الجيش وحصَّن القدس وغزا المدن الفلستية. ترأس حلفاً من ملوك الدويلات التي كانت تعارض آشور حتى أصبحت مملكته الجنوبية أكثر أهمية من المملكة الشمالية. هوشع (750-722 ق. م) Hoshea «هوشع» اسم عبري معناه «الخلاص» . وهوشع آخر ملوك المملكة الشمالية. كان صنيع الآشوريين. ولكنه عاد وتحالف مع المصريين، فهاجمه الآشوريون وفرضوا عليه دفع الجزية، ولكنه امتنع عن دفعها بتشجيع من المصريين. وحين أتى شلمانصر واحتل السامرة، أخذ هوشع أسيراً، وأتم سرجون الفتح وأكمل تهجير (سبي) القبائل الشمالية. آحاز (743-727 ق. م) Ahaz «آحاز» اسم عبري معناه «هو أمسك» ، أي «الرب أمسك» . وآحاز هو الملك الحادي عشر من ملوك المملكة الجنوبية. وقد ورد اسمه بصيغة «أحاز» . هاجمت كلٌّ من آرام دمشق والمملكة الشمالية مملكته لترغماه على الانضمام للحلف المعادي لآشور، فطلب آحاز العون من آشور، فهبَّ تيجلات بلاسر الآشوري لنجدته وقضى على المملكة الشمالية. وقد نتج عن ذلك تبعية دينية للآشوريين إذ شيَّد آحاز مذبحاً في القدس لآلهة آشور كما أدخل كثيراً من العبادات الوثنية الأخرى. وقد اقتحم الفلستيون مدن السواحل وجنوبي مملكته، كما هاجمه الأدوميون. حزقيا (727-698 ق. م) Hezekiah «حزقيا» اسم عبري معناه «الرب قد قوى» أو «الرب قوة» . وحزقيا هو ابن آحاز ملك المملكة الجنوبية. كان تابعاً لآشور ولكنه حاول أن يستقل عنها، فقام بإصلاح ديني وتحالف مع مصر، ولكن إرميا حذره من مغبَّة ذلك. وقد حاصر سناخريب القدس في عهده وأخضعه واضطره إلى دفع الجزية. منَسَّى (698-642 ق. م) Manasseh «منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» ويُنطَق أيضاً «منشَّى» . ومنَسَّى أحد ملوك المملكة الجنوبية. تبوَّأ العرش بعد حزقيا وحكم يهودا مدة أطول من أي ملك آخر (698 ـ 642 ق. م) . ويعتبره كاتب سفر الملوك أسوأ الملوك طراً (ملوك ثاني 21/1 ـ 18) . ولكن سفر الأخبار الثاني يقدم صورة أكثر تعاطفاً معه (أخبار ثاني 33/1ـ 20) . وقد عاشت المملكة الجنوبية في عصره في سلام إذ أنه دفع الجزية لآشور، وهو ما كان يعني أن الآلهة الأجنبية مثل بعل وآشور كانت تُعبَد في الهيكل. يوشيا (639-609 ق. م) Josiah «يوشيا» اسم عبري معناه «يهوه يواسي» . وقد اعتلى يوشيا عرش المملكة الجنوبية وهو بعد في الثامنة. وكان يرشده في حداثته حلقيا (الكاهن الأعظم) الذي أدار شئون المملكة باسمه. وحين أخذت الدولة الآشورية في الضعف، وتحركت مصر لمساعدة آشور ضد بابل، ساعد هذا على توسيع رقعة استقلال المملكة الجنوبية، الأمر الذي انعكس على الدين والمؤسسة الدينية. وعندما بلغ يوشيا الثامنة عشرة من عمره، عثر شافان (الكاتب) على كتاب سفر الشريعة (نواة السفر المعروف بسفر التثنية) وعلى مجموعة من المواد التشريعية أثناء دفعه أجور العمال الذين كانوا يقومون بأعمال الترميم في الهيكل. وأَخبَر شافان بذلك الكاهن الأعظم حلقيا الذي قرأ السفر على يوشيا. ومن هنا بدأت الحركة الإصلاحية الدينية الجذرية الاستقلالية المعروفة باسم «الإصلاح التثنوي» . وقُرئ السفر على أفراد الشعب، فعاهدوا أنفسهم على عبادة يهوه دون سواه، وهدموا مذابح البعل وأزالوا المرتفعات وحطموا التماثيل. وقد قُتل يوشيا أثناء محاولته وقف الفرعون نخاو في مجدو عام 609 ق. م. يهوياقيم (608-598 ق. م) Jehoiakim «يهوياقيم» اسم عبري معناه «يهوه يقيم» . ويهوياقيم هو الثامن عشر بين ملوك المملكة الجنوبية. وضعه المصريون على العرش بعد أن هزموا أباه يوشيا وقتلوه عام 608 ق. م. وبعد أن هزم البابليون المصريين عام 605 ق. م، في معركة قرقميش، نقل يهوياقيم ولاءه إليهم، ولكنه عاد وانضم إلى الحزب الممالئ لمصر ضد نصيحة إرميا وتحدى نبوختنصر، فعادت الجيوش البابلية وحاصرت القدس. ومات يهوياقيم أثناء الحصار. يهوياكين (598-598 ق. م) Jehoiachin «يهوياكين» اسم عبري معناه «يهوه يُثبِّت» . ويهوياكين الملك التاسع عشر بين ملوك المملكة الجنوبية وابن يهوياقيم، حكم ثلاثة أشهر بعد موت أبيه. وقد سقطت القدس في عهده في يد البابليين، فنُفي هو وأسرته إلى بابل، وخلفه عمه صدقياهو. صدقياه (597-586 ق. م) Zedekiah «صدقياه» اسم عبري معناه «يهوه عدل» أو «عدل يهوه» . و «صدقياه» هو آخر ملوك المملكة الجنوبية، واسمه الأصلي متنيا بن يوشيا. أجلسه البابليون على العرش بدلاً من يهوياقيم، ولكن صدقياه تمرَّد بتشجيع من مصر على الرغم من نصيحة إرميا. فهاجم نبوختنصر القدس، ووقع صدقياه في الأسر وقُتل أولاده أمامه، وسُملت عيناه وسيق إلى بابل وسُجن حتى وافته المنية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الصهيونية الاشتراكية
Socialist Zionism «الصهيونية الاشتراكية» اصطلاح مرادف لاصطلاح «الصهيونية العمالية» . وقد أخذنا بالمصطلح الثاني لأنه أكثر حياداً. وقد أثبتت ممارسات الصهاينة العماليين أن انتماءهم الاشتراكي مجرد وهم، فقد قاموا باحتلال الأرض الفلسطينية وطردوا بعض أهلها بالتعاون مع قوى الاستعمار، ويُشكِّلون الآن الصفوة الحاكمة في إسرائيل، قاعدة الاستعمار الغربي في المنطقة العربية. أما اصطلاح «الصهيونية العمالية» فهو على الأقل يصف الانتماء الطبقي الفعلي لبعض قطاعات المستوطنين الصهاينة، كما أن كلمة «عمالي» لا تزال تُستخدَم للإشارة إلى مجموعة من الأحزاب الإسرائيلية. الصهيونية العمالية Labour Zionism «الصهيونية العمالية» تيار صهيوني يَقْبل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد تهويدها وإدخال ديباجات اشتراكية عليها، وهو تيار استيطاني بالدرجة الأولى. وقد نشأت الصهيونية العمالية في صفوف المثقفين اليهود في شرق أوربا ممن سقطوا ضحية تعثُّر التحديث في روسيا. ويتلخص إنجاز الصهيونية العمالية فيما يأتي: أولاً: نجاحها في التوصُّل إلى صيغة صهيونية مقبولة لدى الشباب اليهودي الثوري في أواخر القرن التاسع عشر. فقد شهد الشتتل ومنطقة الاستيطان اليهودي صراعاً طبقياً حاداً بين العمال والفقراء اليهود من جهة وأصحاب العمل (اليهود أساساً) من جهة أخرى. وكان 30% من جملة المقبوض عليهم لجرائم سياسية عام 1900 من اليهود. وكتب وايزمان في خطاب له يشكو من أن شباب اليهود ينخرطون في سلك الاشتراكية وكأن الحمى قد أصابتهم، ولعله كان يشير إلى أخيه الذي انخرط في صفوف الثوريين آنذاك. وقد نظمت اتحادات نقابات العمال اليهودية في الفترة 1895 ـ 1904 ما لا يقل عن 2276 إضراباً ضد أصحاب العمل، وانضم إليهم عمال غير يهود. ومن هنا كانت شعبية البوند وانتشاره. وقد تَأسَّس البوند في العام نفسه الذي أُسِّست فيه المنظمة الصهيونية (1897) . ومع هذا، نجحت الصهيونية العمالية في خداع بعض هؤلاء وأقنعتهم بإمكان تحسين مستواهم المعيشي في فلسطين. وساعد على ذلك وجود إحساس عام بين المستوطنين بأنهم سيصبحون ملاكاً للأرض لا مجرد أُجراء زراعيين أو عمال صناعيين، أي أن الاستيطان كان يشكل صعوداً أكيداً في السلم الطبقي وليس هبوطاً فيه. بل يمكننا أن نقول إنه لولا الصهيونية العمالية لما قُدِّر للمشروع الصهيوني أي نجاح، فهي التي نقلت جزءاً من الكتلة البشرية اليهودية اليديشية إلى فلسطين. ثانياً: نجحت الصهيونية العمالية (صهيونية ساحة القتال الاستيطانية) في التوصل إلى صيغة تَحُل إشكالية خصوصية الاستيطان الصهيوني وإحلاليته. وقد اكتشف الصهاينة العماليون أن الصيغة الجماعية (ذات الديباجة الاشتراكية) هي الصيغة المُثلى الكفيلة بتحقيق الاستعمار الصهيوني بجانبيه الاستيطاني والإحلالي. فالدولة الراعية لم يكن لديها استعداد لمد المشروع الصهيوني بما يحتاج إليه من تخطيط شامل وجهد بشري وتمويل كثيف لتوطين المهاجرين من أوربا وتهويد فلسطين سكانياً. والمادة البشرية المهاجرة من شرق أوربا لم تكن تملك رأس المال اللازم. ومن هنا، كان الشكل الجماعي (التعاوني الاشتراكي) حيث تقوم المنظمة الصهيونية والصهاينة التوطينيون في الخارج بجمع رأس المال القومي اللازم من أعضاء الجماعات اليهودية (ولا سيما الأثرياء) في الغرب، ثم تقوم بإعطائه للوكالة اليهودية في الداخل، التي تقوم بتوظيفه بشكل تعاوني على أرض مملوكة ملكية جماعية. ويقوم العنصر البشري الدخيل بتنظيم نفسه على هيئة وحدات جماعية تمارس الزراعة والقتال لأن المجهود الفردي لا يمكن أن يُكتَب له النجاح (وهو أمر اكتشفه المستوطنون البيض الأوائل في الولايات المتحدة أثناء حرب الإبادة ضد الهنود بدون مساعدة من أي فكر اشتراكي) . أما الشق الإحلالي من الاستعمار الصهيوني، فقد تكفلت به المفاهيم الاشتراكية الخاصة بنُبل العمل اليدوي. وقد نادت الصهيونية العمالية بأن يذهب يهودي المنفى إلى فلسطين ليعمل بنفسه ويزرع أرضها بيديه، فيزيل ما علق بذاته في الشتات، ويكون آخر اليهود وأول العبرانيين (كما قال جوردون) . وهكذا، فإن اليهودي إذا استأجر عاملاً عربياً فقد هدم الفكرة الصهيونية من أساسها. ومن هنا طرح جوردون فكرة اقتحام العمل، أي أن يعمل اليهودي بنفسه، ثم اقتحام الأرض، أي أن يزرعها بنفسه، وأخيراً اقتحام الحراسة، أي أن يحرسها بنفسه (وهذا ما نسميه «الزراعة المسلحة» ) . ورغم أن الديباجات المُستخدَمة ديباجات ثورية شعبوية تتسم بشيء من الجمال والجاذبية، فإنها في واقع الأمر تترجم نفسها إلى إحلالية. فهذه المفاهيم تعني في واقع الأمر تغييب العربي، والاستيلاء على الأرض بعد إخلائها من سكانها العرب مصدر العمالة الرخيصة التي كانت تتهدد المشروع الصهيوني من أساسه، وإحلال المستوطن الصهيوني محله. وبذلك تكون الصهيونية العمالية قد نجحت في التوصل إلى الصيغة التي تسمح بترجمة أهم عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (أي توطين الفائض اليهودي في فلسطين بعد التخلص من العرب) إلى برنامج عملي وممارسة فعلية. ويبدو أن أعضاء البورجوازية اليهودية المندمجة أو شبه المندمجة في الغرب ووسط أوربا (والتي جاء من صفوفها كثير من زعماء الصهيونية السياسية مثل هرتزل ونوردو) كانوا واعين بحقائق الموقف وبصعوبات الاستيطان. كما أنهم لم يكن يعنيهم، من قريب أو بعيد، شكل الدولة الصهيونية ما دامت تؤدي الأغراض المطلوبة منها مثل إبعاد يهود شرق أوربا عنهم والقيام بدور المدافع عن المصالح الإمبريالية. ولذلك، لم تمانع هذه القيادات البورجوازية في اتخاذ قرارات «اشتراكية» ثورية عديدة. فالنقطة الأولى في برنامج بازل تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين بالوسائل اللازمة دون تأكيد أي محتوى طبقي أو نمط إنتاجي معيَّن. وبمرور الزمن، اكتشف جميع الصهاينة بشكل برجماتي أن الاستيطان الجماعي والعمالي هو أهم أشكال الاستيطان، فعملية تمويل المشروع الصهيوني كان لابد أن تتم بشكل جماعي أو قومي، كما أن المستوطنين اضطروا إلى التجمع على هيئة جزر متماسكة في وجه الرفض العربي. لكل هذا، نجد أن المؤتمرات الصهيونية الأولى (التي سيطرت علىها الطبقات الوسطى والحاخامات) وافقت على مبدأ تأميم الأرض باعتباره أهم أُسس الدولة الصهيونية في المستقبل، كما اتخذت هذه المؤتمرات كثيراً من القرارات الثورية الأخرى. وكان وايزمان (الصهيوني العملي البورجوازي) يعطف كثيراً على النشاط الصهيوني العمالي ولم يكن يأبه باعتراضات المموِّلين اليهود اعتقاداً منه أن الصهيونية العمالية ستَخدم، في نهاية الأمر، المشروع الصهيوني. وتجدُر ملاحظة أن الصهيونية العمالية الاستيطانية لا ترفض اليهودية الحاخامية وحسب وإنما تقدم نقداً عميقاً للشخصية اليهودية في المنفى باعتبار أنها تود أن تُسبغ مركزية على المُستوطَن الصهيوني فتزيد من شرعيته وتضمن تَدفُّق الدعم المالي والسياسي عليه. وكان التصور أنه كلما زاد هذا النقد عمقاً زادت الشرعية وزاد الدعم، بل إن النقد العمالي الاستيطاني وصل إلى درجة رفض ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تماماً واعتبارها من مخلفات الماضي، ومن ثم نشأت الدعوة إلى أن يكون المستوطنون آخر اليهود وأول العبرانيين، وأصبحت الدعوة للهوية اليهودية من أمراض المنفى. وتؤمن الصهيونية العمالية بأزلية معاداة اليهود وإن كانت تعطي تفسيراً اجتماعياً مادياً لهذه الظاهرة. وتتلخص المشكلة، حسب التصور الصهيوني العمالي، في أن التركيب الاجتماعي والحضاري لليهود يختلف عن التركيب الاجتماعي والحضاري للشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها، فاليهود الذين يُحرَّم عليهم ممارسة مهنة الزراعة كانوا يعيشون أساساً في المدن، أما العمال منهم فهم لا يشكلون بروليتاريا صناعية وإنما ينتمون إلى قطاع البروليتاريا الرثة ومُحرَّم عليهم ممارسة كثير من الحرف والأعمال، أما أثرياء اليهود فإنهم يشتغلون بالتجارة والربا أو ببعض الصناعات الاستهلاكية. وهذا كله دليل على تَشوُّه البناء الطبقي عند اليهود وعلى هامشيتهم. وقد عبَّر بوروخوف عن هذه الفكرة بصورة الهرم المقلوب: فكل شعب يتكون من فئات اجتماعية تأخذ شكل الهرم الذي يتكون من قاعدة عريضة تُسهم في العمليات الإنتاجية الأساسية، وكلما بَعُدت العمليات الاقتصادية عن هذه العمليات الأساسية قلَّ عدد العاملين حتى نصل إلى قمة الهرم. ويجد بوروخوف أن هذا الهرم مُشوَّه تماماً عند اليهود ففي صفوفهم عدد كبير، من المحامين والأطباء والمفكرين وغيرهم، يشاركون في العمليات الإنتاجية الهامشية وينتمون إلى الطبقة الوسطى وإلى قمة الهرم، مع قلة قليلة من الفلاحين، إن وُجدت، وبروليتاريا صغيرة الحجم نسبياً ممن ينتمون إلى قاعدته. وقد نتج عن هذا الوضع المتميز شيئان: أولاً: أن كل الطبقات اليهودية في المجتمع ـ رأسماليين كانوا أو عمالاً ـ كانت تشكل وحدة متميزة مرفوضة من بقية المجتمع بسبب هامشيتها (وبسبب تراثها الفكري الديني القومي) . وهذا يعني أن معاداة اليهود شيء موجه ضد كل اليهود بجميع طبقاتهم، وهي تكاد تكون مرضاً أزلياً لأن المجتمعات الاشتراكية اللا طبقية غير قادرة على حل هذه القضية لعدم إدراكها خصوصية وضع اليهود. ثانياً: أُصيبت الشخصية اليهودية بالذبول والطفيلية لأنها فقدت علاقتها بالأرض الزراعية وبأي عمل منتج. وقد ازداد هذا الوضع حدَّة وتفاقماً، بسبب ظهور طبقة رأسمالية محلية (في روسيا وبولندا) تُنافس الرأسماليين اليهود وترفض استئجار العمال اليهود وذلك بسبب التعصب الديني ولأن العامل اليهودي في معظم الأحيان كان لا يمتلك الخبرات. ولقد راحت هذه الرأسمالية المحلية الجديدة تؤلب الجماهير المسيحية المُستغَلة ضد كل من الرأسماليين والعمال اليهود، حتى لا تعرف هذه الجماهير مستغليها الحقيقيين، وتحليل أوضاع اليهود بعد سقوط الجيتو على هذا النحو فيه كثير من الجدة والصدق. ويشترك الصهاينة العماليون في الإيمان بأن اليهود فقدوا كثيراً من الصفات القومية وإن كانوا مع هذا يشكلون أمة مستقلة أو أمة لها سمات الطبقة، وبأنها منبوذة في الغرب للأسباب التي ذُكرت آنفاً. وبالتالي، فإن الحل الذي يطرح نفسه هو إخلاء أوربا من يهودها وتصفية الجماعات اليهودية (وإن كان بوروخوف يرى إمكان استثمار مثل هذه الجماعات وبالتالي وجوب الدفاع عن حقوقها السياسية) . وتتم عملية التصفية من خلال نقل الكتلة البشرية اليهودية إلى فلسطين، أي تحويل الهجرة التلقائية (إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان) إلى استعمار استيطاني في فلسطين حيث ستُؤسَّس دولة صهيونية تُجسِّد القيم القومية اليهودية وتساهم في تطبيع الشخصية اليهودية وتُطهِّرها من أدران المنفى من خلال العمل اليدوي. وقد طالب العماليون بأن تُجسِّد هذه الدولة القيم الاشتراكية والثورية وكل القيم التقدمية المطروحة آنذاك في أوربا، ولا يخلو أي برنامج صهيوني عمالي من الحديث عن وحدة الطبقة العاملة. وفي الماضي، كان العماليون يتحدثون كذلك عن الأممية والتضامن البروليتاري العالمي وما شابه من شعارات. ولكن، داخل هذه الوحدة البنيوية الأساسية، توجد بنَى فرعية مختلفة. ولعل أهم هذه البنَى تيار بوروخوف الذي حاول توظيف المنهج الماركسي في خدمة رؤيته الصهيونية، فأكد الأساس الطبقي والاقتصادي للصهيونية، وخَلُص من تحليله إلى حتمية الحل الصهيوني كوسيلة لتزويد كل الطبقات اليهودية الهامشية بقاعدة للإنتاج. أما تيار سيركين، فقد ركز على العنصر الأخلاقي ووحدة الرؤية بين اليهود، ولذلك فهو يؤكد التعاون والأخوة ويُقلِّل أهمية الصراع الطبقي. وقد انصرف جل اهتمام جوردون إلى الجانب النفسي، ولذلك فقد ركز على فكرة اقتحام الأرض والعمل كوسيلة للتخلص من آفات المنفى وكوسيلة للولادة الجديدة وتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج. وقد كُتب لأفكار جوردون وسيركين الشيوع في الأوساط العمالية الصهيونية. ويعود ظهور الاتجاه العمالي إلى المؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898، لكنه قوبل برفض شديد من أغلبية المشاركين بزعامة هرتزل وكان الرافضون يقدِّمون الصهيونية آنذاك على أنها طريقة لتحويل الشباب اليهودي عن طريق الثورة. وبعد ذلك، عُقد مؤتمر في لاهاي عام 1907 لجماعات عمال صهيون بقيادة بوروخوف، ثم انضمت لهم جماعات أخرى، مثل العامل الفتي (هابوعيل هاتسعير) والفتي الحارس (هاشومير هاتسعير) واتحاد العمل (أحدوت هعفودا ( ويمكن القول بأن الموجة الثانية من الهجرة اليهودية (1905 ـ 1914) هي التي أتت بالمادة البشرية الاستيطانية العمالية. فالمهاجرون اليهود في الموجة الأولى من الهجرة كانوا في معظمهم من أبناء الطبقة الوسطى، ولذا فقد استقروا في المدن الفلسطينية، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى 5% فقط. أما مهاجرو الموجة الثانية فكانوا ـ لاعتبارات تتعلق بانتماءاتهم الطبقية والأيديولوجية على حدٍّ سواء ـ مصرين على العمل الزراعي الذي رأوه مفتاحاً لحل المسأة اليهودية وإصلاح الهرم الاجتماعي المقلوب عند اليهود. لقد تمت هذه الموجة " الثانية " من الهجرة في سنوات الهجرة اليهودية الكبرى من روسيا وأوربا الشرقية إلى أمريكا، وحدثت نتيجة فشل ثورة 1905وازدياد معاداة اليهود في روسيا القيصرية نتيجة تعثُّر التحديث. ولقد كانت الأقلية العقائدية هي التي هاجرت إلى فلسطين بدلاً من أمريكا. كانت هذه الأقلية في معظمها من الشبان (77% كانوا في سن دون 25 عاماً) ، ولا يملكون أية مدخرات، ومتشبعون بالأفكار الشعبوية الروسية (المعادية للصناعة) وبالأفكار الثورية الاشتراكية. ولذا استخدموا هذه الديباجات في تبرير الاستيلاء على الأرض العربية وطَرْد سكانها، ولذا بدلاً من المنطق الاستعماري التقليدي الذي يقوم بطرد السكان الأصليين وإبادتهم لأنهم من أجناس مُلوَّثة لجأ هؤلاء المهاجرون إلى تبرير عمليات الطرد والإبادة من خلال ديباجات اشتراكية ملتهبة. فاستولوا على الأرض بحجة أن الأرض لمن يزرعها، وطردوا أصحابها منها بحجة أن إنتاجيتهم ضعيفة. وقد تحوَّلت الصهيونية العمالية في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1933) إلى أكبر أجنحة المنظمة الصهيونية العالمية وأكثرها تأثيراً على الصعيدين السياسي والعملي. ويعود هذا إلى نجاحها في مجالين أساسيين: أولاً: نجحت الصهيونية العمالية فيما فشلت فيه كل الاتجاهات الصهيونية الأخرى، أي تجنيد المادة البشرية الأساسية للعملية الاستيطانية. ثانياً: نجحت الصهيونية العمالية في تنفيذ القسم الأكبر والأهم من عمليات الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة من خلال صيغ وأشكال مختلفة. والبناء الاقتصادي السياسي في المُستوطَن الصهيوني نتاج نشاطات الصهيونية العمالية بالدرجة الأولى. فالهستدروت والكيبوتس والهاجاناه والبالماخ هي الأدوات التي استخدمها الصهاينة لتحويل جزء من فلسطين إلى مُستوطَن صهيوني تحكمه دولة صهيونية وظيفية، وهي مؤسسات أوجدتها وسيطرت عليها الصهيونية العمالية التي لا تزال لها اليد الطولى في إسرائيل. إن الصندوق القومي اليهودي الذي أسسه الممولون من أعضاء الجماعات اليهودية كان سيصبح مؤسسة بلا هدف بدون المادة البشرية وبدون المؤسسات العمالية التي حققت لها البقاء والاستمرار. ولذا ليس من الغريب أن تعرف أن أموال الصندوق القومي اليهودي ما بين سنة 1921 وسنة 1945 كانت تذهب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الاقتصاد العمالي. فالبند الوحيد الذي كان لا يخضع لسيطرة شبكة الأحزاب والمؤسسات العمالية هو بند الإسكان في المدن البالغ 6.8% فقط من مجموع الإنفاق. أما باقي المصاريف، فكان يذهب مباشرةً إلى العمال، كمصاريف المستعمرات الزراعية والهجرة والتدريب والإسكان، كما كان يذهب بصورة غير مباشرة إلى مؤسسات يُشرف العمالي عليها، كالمصاريف المتعلقة بالثقافة والأمن والصحة. وقد تحوَّلت «الصهيونية العمالية» في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1933) إلى أكبر أجنحة المنظمة الصهيونية العالمية وأكثرها تأثيراً على الصعيدين السياسي والعملي الخاصين بالمشروع الصهيوني. ويُلاحَظ أنه مع تزايد اعتماد الدولة الصهيونية على يهود العالم، ومع تزايد خفوت النبرة الاشتراكية في صفوف الصهاينة العماليين، اختفى النقد الراديكالي للهوية اليهودية، بل استوعبت الصهيونية العمالية ديباجات الصهيونية الإثنية العلمانية وأصبحت الهوية اليهودية الرقعة المشتركة بين يهود الدولة الصهيونية ويهود العالم. موسى هس (1812-1875) Moses Hess رائد الصهيونية العمالية. وُلد في ألمانيا من أب بقَّال وأم كان أبوها حاخاماً. وانتقل هس، وهو بعد في التاسعة، إلى منزل جده حيث تلقَّى على يديه تعليماً دينياً وتعلَّم العبرية. ورغم ذلك، لم يُبد هس أي اهتمام بالقضايا اليهودية إلا في مرحلة متقدمة من عمره. وقد اهتم هس بدراسة التاريخ وكان شديد الإعجاب بالفيزياء والأدب الفرنسي ودرس الفلسفة في الجامعة ولكنه لم يحصل على درجة علمية. وقد استقر هس معظم حياته في باريس حيث تزوج من فتاة أمية مسيحية تعمل بالدعارة، ولكنه أجَّل الزواج إلى ما بعد وفاة والده بعام واحد أي عام 1852 لكي يضمن حقه في الميراث. وكان لهس اتصال بالأوساط والمجالات الاشتراكية، كما كان صديقاً لكارل ماركس وفردريك إنجلز، ولكنه اختلف معهما بعد فترة قصيرة، كما كان عضواً في أحد المحافل الماسونية، وساهم بعدة مقالات في المجلات الماسونية. وقد أظهر إعجاباً شديداً في مقتبل حياته بالدين المسيحي والحضارة الغربية، وخصوصاً في ألمانيا، ولذلك فقد كان يؤكد أهمية ألمانيا مثل نوردو وجابوتنسكي، واشترك في الثورة الألمانية عام 1848 وحُكم عليه بالإعدام. وقد كان هس واقعاً تحت تأثير روسو وإسبينوزا وماتزيني، ولكن أهم مصادر تفكيره هي الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. نشر هس عام 1862 كتاباً كان عنوانه الأصلي حياة إسرائيل، ولكنه عدَّل هذا الاسم وسماه روما والقدس. وتَردُّده بين الاسمين ذو دلالة، فالعنوان الأول ديني حلولي صريح وله بُعْد يهودي خالص، أما الثاني فهو حلولي غربي استعماري. وروما التي يشير إليها هس هي روما الثالثة التي كان يشير لها ماتزيني والتي ستُؤسَّس عن طريق بعث القومية الإيطالية، فهو يرى أن ثمة علاقة بين بعث روما في أوربا وبعث القدس في الشرق، ويرى أن ثمة علاقة بين الحركة القومية العضوية والحركة الصهيونية. ويتحدث الكتاب عن الثورة الفرنسية كمَعْلَم أساسي في تاريخ الغرب، فهي تشكل بعثاً اجتماعياً سيؤيد المشروع الاستعماري الصهيوني في الغرب، أي أن هس قام في البداية بتصنيف الصهيونية تصنيفاً صحيحاً لا باعتبارها حركة تنبع من داخل ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» وإنما باعتبارها ظاهرة تنبع من حركيات التاريخ الغربي الاستعماري. والكتاب عبارة عن اثنتي عشرة رسالة إلى سيدة حزينة على فَقْد إنسان تحبه، ولعل هذا يفسر عدم ترابط الأفكار كما يفسر العاطفية الزائدة، وهو كتاب سطحي بشكل عام في أطروحاته ورؤيته السياسية. يتفق هس مع النقد المعادي لليهودية ولما يسمَّى «الشخصية اليهودية» . وقد صرَّح في بداية حياته بأن شريعة موسى ماتت وأن اليهود إذا كان عليهم أن يختاروا ديناً فهو المسيحية فهي أكثر ملاءمة للعصر الحاضر، فهي دين يهدف إلى توحيد كل الشعوب وليس توحيد شعب واحد (كما هو الحال في اليهودية) . ورغم أن هس لم يَتنصَّر إلا أنه لم يكن معارضاً تماماً لفكرة التعميد، فالدين اليهودي أصبح، على حد قول هايني، مصيبة أكثر منه ديناً خلال الألفي عام الماضية. بل إن كل الأديان إن هي إلا خطأ إنساني جماعي والدين إن هو إلا تعبير عن حالة مرضية. ولا يختلف موقف هس من اليهود عن موقفه من اليهودية. ففي أول كتاب له التاريخ المقدَّس للإنسانية، وهو كتاب ذو صبغة مسيحية رومنتيكية، يقول فيه إن اليهود قد أنجزوا مهمتهم الروحية بظهور المسيح برؤيته العالمية. وقد قدَّم تقسيماً لمراحل التاريخ يدور في إطار مسيحي: المرحلة الأولى هي مملكة الإله الأب (التي سادتها المسيحية) ، أما المرحلة الثانية والأخيرة فهي مملكة الروح القدس (وهي مرحلة نهاية التاريخ التي سيتحقَّق فيها خلاص الجنس البشري بأسره) ، وينشأ مجتمع اشتراكي كامل تُلغَى فيه الملكية الخاصة وحق الميراث وحكم مامون إله المال ويؤكد التضامن الإنساني نفسه دون أية عوائق، ومن ثم فهو مجتمع يحقق رسالة اليهودية القديمة ولكن في إطار علماني. وليس بإمكان اليهود الآن إلا أن ينضموا كأفراد إلى الحضارة العالمية، تماماً كما فعل إسبينوزا نبي اليهودية الحقيقي. بل إن اليهود سيعودون تحت راياته وسيُنفَخ في الشوفار اليهودي الذي نُفخ فيه حين طُرد إسبينوزا من حظيرة الدين. والقدس الجديدة بهذا المعنى ستبقى هنا في قلب أوربا وليس في فلسطين. وفي مخطوطة أخرى بعنوان البولنديون واليهود تنتمي للفترة نفسها (1840) ، يرى أن البولنديين لهم مستقبل أما اليهود فلا مستقبل لهم لأنهم يعانون من نقص مطلق في الوعي القومي، والبولنديون لن يستسلموا قط لحقيقة تقسيم بولندا على عكس اليهود الذين استسلموا لحقيقة طردهم من فلسطين. ويذهب هس إلى أن اليهود والصينيين حفرية تاريخية لها ماض وليس لها مستقبل، بحيث أصبح الصينيون جسداً بلا روح وأصبح اليهود روحاً بلا جسد. ولذا فهو يرى أن الشعب المختار لابد أن يختفي إلى الأبد، فمن اختفائه قد تظهر حياة جديدة ثمينة. وقد صدرت له كراسة عن رأس المال (1845) ، وهي تزخر بالإشارات المعادية لليهود (ويبدو أن ماركس قرأها قبل أن تُنشر وتأثر بها) . يقول هس في هذه الكراسة إن أعضاء جماعة يسرائيل كانوا شعباً من الوثنيين، ربهم الأساسي هو مولك الذي كان يطلب منهم دم الضحايا. ولكنهم، بمرور الزمن، عبروا من مرحلة قرابين الدم (بالعبرية: دم) إلى مرحلة قرابين النقود (بالعبرية: داميم أي «رسوم» ) وهذه هي أصول عبادة اليهود للنقود إذ حلَّت محل مولك. وفي هذه الكراسة، يشير هس لإله يسرائيل باعتباره يهوه ـ مولك. ويصف شلومو أفنيري هذه العبارات بأنها "فرية دم جماعية" لا نظير لها في أدبيات معاداة اليهود. ويُعَدُّ هذا الرفض المبدئي لكل من اليهودية واليهود إحدى المقولات الأساسية الصريحة في صهيونية اليهود وغير اليهود وبُعْداً أساسياً في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ثم يذكر هس حقيقة ظهور القومية العضوية كإطار مرجعي في الغرب، فيقول: إن حركة التنوير دعوة للعالمية والإخاء ولكنها يصاحبها زيادة الوعي القومي (في أوربا) وزيادة الإحساس بأن الأمة كيان عضوي متماسك. ومصدر التماسك العضوي للشعوب العضوية هو العرْق، فهو القيمة الحاكمة الكبرى، وهو محرك التاريخ. فالتاريخ إن هو إلا ساحة للصراع العرْقي والطبقي، بل إن الصراع العرْقي هو الغالب. ولذا، تفشل كل محاولات الإصلاح لأنها تتجاهل عنصر العرْق. وهذا التركيز على العرْق أغلق أبواب الغرب تماماً أمام اليهود، إذ لم يَعُد بوسعهم الحصول على تأشيرة دخول الحضارة الغربية عن طريق التنصُّر (كما فعل هايني) . ثم يذكر هس الحقيقة الأساسية في أوربا في عصره وهي أن الشعوب الأوربية اعتبرت وجود اليهود بينها شذوذاً، ولذا سيبقى اليهود غرباء أبداً لا يمكنهم الالتحام العضوي بأوربا، شعباً منبوذاً ومُحتقَراً ومُشتَّتاً؛ شعباً هبط إلى مرتبة الطفيليات التي تعتمد في غذائها على الغير؛ شعباً ميتاً لا حياة له (والمُلاحَظ أن الصور المجازية العضوية تتواتر في كتابات هس كما هو الحال في معظم الأدبيات الصهيونية والنازية والمعادية لليهود) . المخْرَج من هذا الوضع هو الصيغة الصهيونية الأساسية التي تطرح فكرة الشعب العضوي المنبوذ، الذي يمكن حل مشكلته عن طريق توظيفه في خدمة الحضارة الغربية التي نبذته. ويبين هس أن اليهود عنصر حركي نافع، فمبدؤهم الرئيسي أن "موطن المرء حيث ينتفع". هذا هو دينهم، وهو أعظم من كل ذكرياتهم القومية إذ يرى أن اليهود متميزون باجتهادهم الصناعي والتجاري. ولذا، فقد أصبحوا مهمين للأمم المتحضرة التي يعيش فيها اليهود. وأصبحوا أمراً لا يمكن الاستغناء عنه لتقدُّم هذه الأمم (وهذا هو وَصفُنا للجماعة الوظيفية) . ولكن اليهود ليسوا جماعة وظيفية وحسب، إذ يجب أن يُعاد إنتاجهم على هيئة شعب عضوي حتى تتمكن أوربا من أن تجد لهم مكاناً في الأرض وتشرف على مشروعهم الاستعماري. ولذا، فهو يرى اليهود باعتبارهم قوماً ينقصهم الوعي القومي. وحيث إن القومية والعرْق أمران مترادفان في عقل هس وفي وجدان أوربا في القرن التاسع عشر (فالعرْق هو مصدر الوحدة العضوية وهو القيمة الحاكمة المرجعية) ، وحيث إن الانتماء القومي هو في جوهره انتماء عرْقي، نجد أن هس يشير إلى العرْق اليهودي باعتباره من العروق الرئيسية في الجنس البشري التي حافظت على وحدتها رغم التأثيرات المناخية عليها، كما حافظت السمة اليهودية على نقائها عَبْر العصور. وقد قسَّم هس العالم إلى جنسين أساسيين (السامي والآري) يهدف الأول إلى إضفاء الأخلاق على الحياة ويهدف الثاني إلى إضفاء الجمال عليها (وهو التقسيم الذي قبلته أوربا وقبله النازيون فيما بعد) . ولكن التعريف العرْقي ليس التعريف الوحيد وإن كان هو الأساس. والواقع أن ثمة إشارات في الكراسة تدل على أنه يرى أن الوحدة بين اليهود إثنية (ثقافية) أيضاً على طريقة القومية العضوية، فهو يقول إن هويته القومية ترتبط بتراث أسلافه وبالأرض المقدَّسة وبالمدينة الخالدة. ويرى هس أن ثمة ترابطاً عضوياً عميقاً بين الهوية اليهودية والدين اليهودي، فالدين أهم أشكال التعبير عن هذه الهوية، أي أنه يرى الدين مكوناً إثنياً وشكلاً من أشكال الفلكلور. ولذا، فقد اقترح هس عدم إدخال أية تغييرات عليه. واستنكر محاولات اليهود الإصلاحيين تحويل اليهودية إلى شيء عالمي أو إلى نسخة ثانية من المسيحية، فهي محاولة محكوم عليها بالفشل لأن اليهودية الإصلاحية لا تُبدي أي شكل من أشكال الاحترام للمقومات الأساسية للقومية الدينية التي تشكل جوهر الدين. فاليهودية دين عقيدة ودين عبادة قومية (على عكس المسيحية) ، ولذا فهو يشير دائماً إلى «دين اليهود التاريخي» ، أي دين يتبدَّى في الحياة القومية والتاريخية لليهود، والذي لا وجود له كمجموعة من القيم المطلقة المُتجاوزة لهذه الحياة المُنزَّهة عنها. ويَقرن هس بين الروح المقدَّسة والعبقرية الخلاقة للشعب ويُوحِّدهما، فالواحد هو الآخر. وقد نبعت منها كل من الحياة الإثنية والعقيدة اليهودية، أي أن القومية العضوية أو روح الشعب أسبق من الدين، وما الدين سوى تعبير عن الروح القومية، وهذا يعني أن هس يَصدُر عن صورة مجازية حلولية عضوية ترى ترادفاً بين الدين والقومية، وتجعل الشعب المركز الوحيد للحلول والكمون، ومن ثم فهي حلولية بدون إله. وهكذا تكون قد تمت إعادة إنتاج الجماعة اليهودية في الغرب على هيئة شعب عضوي لا تقبله أوربا، أي شعب عضوي منبوذ. وطرح المشكلة على هذا النحو يشير إلى الحل وهو نقل الشعب الذي نبذه العالم الغربي وتوطينه في الشرق ليقوم على خدمة الغرب ومن ثم يصبح اليهود جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي بعد أن فشلوا في الانتماء إلى التشكيل الحضاري الغربي. ويشير هس إلى أنه قد تم تعبيد طريق الحضارة في الصحراء بحفر قناة السويس ومد الخطوط الحديدية التي تصل أوربا وآسيا، أي أن طرق المواصلات جعلت الشرق مفتوحاً أمام الغرب. ثم يشير إلى أن الظروف السياسية في الشرق (أي المسألة الشرقية) بدأت تتهيأ لدرجة تسمح بتنظيم عودة الدولة اليهودية للحياة. ولذا، يمكن أن تقوم إحدى الدول الغربية الاستعمارية (فرنسا الحبيبة مثلاً، المُخلِّص الذي سيعيد لشعبنا مكانته في التاريخ العالمي) بتشييد مستعمرات في أرض الأجداد. "فالأمم المسيحية لا تعارض عودة الدولة اليهودية إلى الحياة لأنهم بهذه الطريقة سيتخلصون من شعب غريب يعيش بينهم بعد أن كان شوكة في جنبهم". والدولة اليهودية يجب أن تكون دولة مستقلة مُعترَفاً بها من القانون الدولي (أي القانون الاستعماري الغربي) كدولة متحضرة (أي كدولة استيطانية وظيفية تدور في فلك الغرب الذي يضمن بقاءها واستمرارها وتدافع هي عن مصالحه) ويَتوصَّل هس لفكرة الدولة الوظيفية، فاليهود سيذهبون إلى أرض الأجداد داخل إطار الحضارة الغربية الاستعمارية. لكل هذا، يرى هس أن اليهود ينبغي علىهم ألا يطالبوا الإله بأرض الأجداد من خلال الصلاة، وإنما يجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويطلبوا هذه الأرض من الإنسان الغربي، وأن ينسلخوا عن اليهودية وينخرطوا في التشكيل الاستعماري الغربي (ذلك أن هس صهيوني يهودي غير يهودي) . ويبين هس مدى نفع الدولة الوظيفية الجديدة، فاليهود يُكوِّنون "مركز اتصال بين القارات الثلاث ... [وهم] حملة الحضارة إلى شعوب لا تعرفها ... الوسيط بين أوربا وآسيا البعيدة، وذلك كي يمهدوا الطرق التي تقود إلى الهند والصين، لكل المناطق المعزولة التي يجب أن تُعرَّض للحضارة ". كما أنهم سيعطون الدولة العثمانية بعض المال الأمر الذي سيحد من تداعي الإمبراطورية (وهو ما كان يُهم فرنسا آنذاك) ويَتوصَّل هس إلى مفهوم الصهيونيتين، فيميز بين يهود الشرق ويهود الغرب، فالمشروع الصهيوني لا يعني أن يهاجر يهود الغرب كلهم إلى فلسطين، ذلك أن أغلبية اليهود الذين يعيشون في بلدان متمدنة في الغرب لابد أن يبقوا في بلادهم بعد تأسيس دولة يهودية، فقد نجحوا في شق طريقهم بجهد بالغ وحققوا لأنفسهم مركزاً اجتماعياً وسوف لن يتخلوا عن أي نجاح حققوه. ولكنهم، مع هذا، سيساندون الشعب اليهودي من شرق أوربا (أي يهود اليديشية) في مهمته التاريخية، أي أنه حدد لهم دورهم في الحركة الصهيونية باعتباره صهيونية توطينية. "أما في تلك البلاد التي تؤلف الخط الفاصل بين الغرب والشرق، أي روسيا وبولندا وبروسيا والنمسا وتركيا، فالملايين من إخواننا يتضرعون إلى الإله بحماس كي يعيد المملكة اليهودية. لقد حافظ هؤلاء اليهود على بذرة الحياة اليهودية [الحياة الجيتوية] بإخلاص أكثر من إخواننا في الغرب". لقد توجَّس هس خيفة من البداية من أن المادة البشرية المطلوبة للمشروع الاستعماري قد لا تكون طيعة وقد لا تهاجر، ولذا فهو يقول: "إن عدد اليهود الذين سيسكنون الدولة ليس أمراً مهماً، فاليهود عبر تاريخهم يعيشون في كل مكان، وكل دولة مستقلة لها مواطنون يعيشون في أرض أجنبية" أي أنه لا يطالب بتصفية الدياسبورا. هذه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ولكن هس كان مدركاً أنها في حد ذاتها لا تكفي، ولذا فلابد من زيادة مقدرتها التعبوية بإضافة ديباجات وأبعاد مختلفة، يقول هس إن دولة اليهود الجديدة ستوفر لهم الكرامة والاحترام والشرف، وسيتم تطبيعهم إذ سيُحوِّلهم حصولهم على أرض إلى أفراد، عمال نافعين، وسيُسهم رأسمالهم وعملهم في إعادة الحياة للأرض القاحلة، أي أنهم سيتحولون إلى مادة استيطانية ناجحة بيضاء. ثم يستخدم هس ديباجات إثنية دينية، فيؤكد أن هذا البعث القومي سيؤدي لا إلى إصلاح اليهود وحسب وإنما إلى إصلاح اليهودية نفسها، فعبقرية اليهود الدينية لن يعيدها إلا نهضة قومية (والقومية على كلٍّ أسبق من الدين) . كما أن هذا الجفاف الديني سيختفي عندما تستيقظ الحياة الوطنية المنطفئة. وعندما يتغلغل تيار التطور الوطني القومي التاريخي الحر ثانيةً داخل تلك الشكليات الدينية المتزمتة. "فإذا حققنا هذه الخطوة الرئيسية لأمكننا التغلب على الصعوبات مهما بلغت.... ويمكننا بهذه الروح الوطنية تحرير الشعب اليهودي من الشكليات المميتة للروح". بل إن البعث القومي سيغير شكل التعبير الديني ذاته في المستقبل، فمن المؤكد أن اليهود سيختلفون في تعبيرهم الديني عما هو عليه في الحاضر وعما كان عليه في الماضي. بل إن هس يتنبأ بأنه بعد البعث القومي، وإنشاء دولة يهودية، سيقام سنهدرين منتخب يقوم بتعديل الشريعة اليهودية حسب احتياجات المجتمع الجديد (وهو الأمر الذي حَدَث بالفعل) وإلى جانب الديباجة الإثنية، هناك الديباجة العمالية الأممية الإنسانية، "واليهودية القومية لا تستبعد النظرة العالمية، بل العكس هو الصحيح، فالعالمية هي النتيجة المنطقية لصفات اليهود القومية". بل إنه "لا يوجد شعب غير اليهود له دين يربط العناصر القومية والعالمية والتاريخية معاً، فاليهود إذن هم وحدهم شعب الإله". ولقد أصبح تاريخ الإنسانية مقدَّساً من خلال اليهودية. فالتاريخ أصبح تطوراً عضوياً ومُوحَّداً يعود في أصله إلى حب الأسرة. وسوف لا يتم هذا التطور إلا إذا أصبحت الإنسانية كلها أسره واحدة يتحد أعضاؤها بالروح القدس وبإبداع التاريخ العبقري. والواقع أن هناك حتمية وراء اختيار اليهود لطريق العدالة في مجتمعهم، فهم طفيليون منبوذون يشعرون بالحاجة إلى ظروف عمل عادلة وصحيحة. ولذا، فهم بحاجة إلى أرض حتى يتحولوا من طفيليين هامشيين إلى عمال نافعين، ووجود مثل هذه الأرض التي ستشكل الوطن المشترك شرط أساسي لإدخال علاقة صحيحة بين رأس المال والعمل عند اليهود. وسيزداد تحقيق العدالة في المجتمع إن اعتمد على استغلال الإنسان للطبيعة بدلاً من استغلال الإنسان للإنسان، وسيتحقق هذا من خلال التقدم العلمي. ففي الماضي، كانت الندرة مصدر الصراع الطبقي والعرْقي. ولذا، ومع تحقيق الوفرة من خلال تَقدُّم وسائل الإنتاج والعلم، ستختفي هذه الصراعات وستزول الحاجة لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وسيختفي العداء بين الطبقة الرأسمالية والطبقة المنتجة، بل ستختفي الاختلافات بين النظرة الفلسفية والبحث العلمي، وسيتحد الذات والموضوع تماماً. وسيصبح الفاعل الفلسفي هو نفسه القانون العلمي، أي أن التاريخ والطبيعة سيتحدان وتتحقق الواحدية المادية الكونية في لحظة نهائية مطلقة في سبت التاريخ أي نهايته. ومن الواضح أن المشيحانية تحوَّلت هنا إلى عقيدة هيجلية علمانية. وفيما يتصل بالسكان الأصليين، فهناك ما يشبه الصمت بشأنهم، وحينما تحدَّث هس عن الأعراق في أوربا، فقد تحدَّث عن اختلافها لا عن تفاوتها، ولكنه حينما انتقل إلى الشرق فإنه يؤكد التفاوت فيما بينها حتى يُكسب مشروعه الصهيوني الشرعية الغربية الإمبريالية اللازمة. فاليهود سيجلبون الحضارة للمتخلفين وعليهم أن يعملوا على تثقيف القطعان العربية المتوحشة والشعوب الأفريقية وأن يجعلوا القرآن والإنجيل يتحلقان حول التوراة. وقد سمع هس، قبل نشر كراسته، عن كتابات كاليشر فنوَّه بها وبيَّن أنها علامة على البعث القومي الجديد، كما كان يرى ذلك في الحسيدية (فرَفْضُها الاندماج علامة على حيوية اليهودية الحديثة) . وقد وصف الزعيم الإصلاحي أبراهام جايجر كتابات هس بأنها "ليست الولادة لعصر جديد، بل القبر المفتوح لعهد مضى". وقد ساهم هس في بعض الأعمال التمهيدية للاستيطان، فاشترك في تحقيق مشروع المدرسة الزراعية قرب يافا والذي تبنته الأليانس. وقد تُوفي هس عام 1875، ونُقلت رفاته إلى إسرائيل. وإلى جانب الدراسات التي أسلفنا الإشارة إليها، كَتَب هس في الاشتراكية وله كتاب المادية الدينامية يضم آراءه العلمية المقتبسة عن النظرة الحيوية. أهارون جوردون (1856-1922) Aharon Gordon أحد مفكري الصهيونية العمالية وأحد أعمدة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وُلد في بودوليا (روسيا) في بيئة زراعية تركت أثرها العميق فيه، وقد تلقَّى تعليماً دينياً ثم علمانياً، وعمل محاسباً حتى عام 1903. وفي تلك الفترة، فَقَد إيمانه باليهودية وبحركة التنوير، وتأثر بأفكار تولستوي والحركة الشعبوية الروسية، وتبنَّى رؤية آحاد هعام الصهيونية ووثنيته اللادينية. وتعرَّف خلال ذلك إلى جماعة أحباء صهيون وأصبح من أتباعها المتحمسين. وحينما بيعت الضيعة التي كان يعيش ويعمل فيها عام 1904، هاجر إلى فلسطين حيث اشتغل عاملاً زراعياً يدوياً في المستوطنات اليهودية هناك (وكان عمره آنذاك 48 سنة على عكس الأكثرية الساحقة من مهاجري الهجرة الثانية) . أنجب جوردون سبعة أطفال لم يبق منهم سوى اثنين. وقد حاولت أسرته أن تُثنيه عن عزمه على الاستيطان ولكنه نجح في إحضارها إلى فلسطين إلا ابنه الأكبر الذي عاد إلى حظيرة الدين اليهودي وانفصل عن أبيه. وفي عام 1909، نشر جوردون في مجلة العامل الفتي مجموعة من المقالات يشرح فيها أفكاره وهي مجلة جماعة عمالية معارضة لجماعتي عمال صهيون واتحاد العمل. ينطلق جوردون من نقد عميق للجماعات اليهودية ولليهودية التي قضت تاريخها معزولة عن الطبيعة، مسجونةً داخل أسوار المدينة، ففقدت حب العمل. فالتلمود يقول إنه عندما ينفذ اليهود إرادة الإله سيقوم الآخرون بتنفيذ أعمالهم نيابةً عنهم، وهكذا تحوَّل اليهود إلى شعب طفيلي ميت. وإلى جانب هذا، فَقَد اليهود أيضاً مقومات الشخصية القومية المستقلة. فهم طفيليون لا في العمل المادي وحسب وإنما في المنتجات الثقافية كذلك، فهم يعتمدون على الآخرين مادياً وروحياً. إن الجماعات اليهودية في العالم سلبية في تَلقِّيها واستهلاكها حضارة الآخرين، فكل الشعوب تعيش من ثمرة عملها إلا اليهود. والحضارة كما يرى نتاج عملية تَطوُّر طبيعية لم يساهم فيها اليهود. ولذا، فإن اليهود المندمجين في حضارة غير يهودية سيكتسبون هوية غير يهودية جديدة ويتحولون بذلك إلى أشخاص غير طبيعيين ناقصين ومنشطرين داخلياً. والحل الذي يطرحه جوردون هو الحل الصهيوني، أي إسقاط اليهودية كدين وتحويل اليهود إلى مادة استيطانية، ولكنه يضيف إلى هذا المشروع ديباجته الخاصة. يذهب جوردون إلى أن اليهود يوجد أمامهم طريقان لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حياة المنفى المريضة أو الخوض في طريق الحياة القومية الصحيحة، والواقع أن اختيار أحدهما يعني استبعاد الآخر. ولذا، يقترح جوردون على الرواد الصهاينة في فلسطين أن يكونوا آخر اليهود وأن يصبحوا رواد أمة عبرانية جديدة تتكون من رجال ونساء تربطهم علاقة جديدة بالطبيعة. وهو يدعو إلى تصفية الدياسبورا (الجماعات اليهودية) تماماً. وإن تم الاحتفاظ بهم، فيجب أن يكونوا بمنزلة المستعمرات في علاقتهم بالوطن الأم، يزودونه بالمادة البشرية المطلوبة والدعم المالي والسياسي. وينطلق جوردون من إيمان بالواحدية المادية الكونية، ولذا فهو يرى أن ثمة وحدة كونية بل تماثلاً كاملاً بين الإنسان والطبيعة. غير أنه إذا كان الإنسان مجرد جزء عضوي من الطبيعة، فإن العقل الإنساني يفقد أهميته (فالعقل مركز الذاكرة ووسيلتنا للوصول إلى المعرفة التاريخية) . بل إن العقل ـ حسب تصوُّر جوردون ـ يصبح حينئذ مصدر اغتراب الإنسان عن مصادر حياته، لأن المعرفة العقلية تقف على طرف النقيض من الحياة الكونية (وهنا يتضح تأثير نيتشه العميق) . وإذا كان العقل هو مصدر اغتراب الإنسان، فإن المعرفة الحدسية هي التي تقلِّل غربته، وهي التي تجعله قادراً على الامتزاج بالطبيعة وبالقوة الكونية. إن حياة الإنسان مرتبطة بالحياة الخفية للكون (كما كان يزعم القبَّاليون) . لكن الإنسان الذي ينبغي أن يعود جزءاً من الطبيعة عليه أن يتخلى عن العقل وعن أية حدود تفصل بينه وبين الطبيعة والقوة الكونية التي تسري فيها وفيه، وعليه أن ينغمس في تجربة دينية صوفية حلولية. وهنا نجد أن الدين لا يعلو على الطبيعة وإنما هو جزء لا يتجزأ منها. ونحن، هنا، نجد الثالوث الحلولي وقد تحوَّل إلى ثالوث عضوي: فمن الإله والإنسان والطبيعة ننتقل إلى قوة الكون التي تسري في كلٍّ من الإنسان والطبيعة وتُوحِّدهما. هذا الحديث الرومانسي عن الطبيعة والكون يُخفي كل المفاهيم الصهيونية الأساسية، فهو يعني أولاً رفض الدين اليهودي، فالحياة الطبيعية الجديدة هي بالنسبة لجوردون بمنزلة الدين لليهودي الورع المخلص، أي أنه سيُسقط المثل الدينية ويتبنَّى المثل الإثنية المطلقة المكتفية بذاتها، أي أنها حلولية موت الإله حيث تصبح الذات الإثنية هي العبد والمعبود والمعبد. ويقول في تعريفه العامل الكوني: إنه الانتماء العرْقي، وهو مجموعة من القوى العقلية والجسدية التي تؤثر في شخصية كل فرد من أفراد مجموعة هذا الجنس. والواقع أن هذا التعريف هو نفسه الفكرة الجرمانية والسلافية للشعب العضوي. ولذا، فهو يؤكد أن هذا العنصر الكوني لا يمكن أن يتحقق بالنسبة لليهود إلا في فلسطين حيث يرتبط الدم بالتربة، أما في المنفى "فالذات العرْقية تنكمش على نفسها بدون أي مصدر للحياة". ثم نأتي أخيراً للمفهوم المحوري، مفهوم دين العمل، وهي فكرة تستند إلى بعض أفكار الشعبويين الروس، كما أن لها جذوراً في الفكر الحسيدي وتراث القبَّالاه وبالوضع الاقتصادي في منطقة الاستيطان، وقد أضفى جوردون عليها غلالة عصرية لتصبح إطاراً جيداً للمشروع الصهيوني. إن دين العمل عند جوردون إن هو إلا وسيلة من وسائل العودة للطبيعة الكونية والاتحاد بها، فعن طريق العمل اليدوي يُنشئ الإنسان علاقة عضوية مع الطبيعة (مثل علاقة الرسام بالصورة وليس علاقة المشتري بها) ويصبح العمل الزراعي (وحَرْث الأرض بالذات) عملاً روحانياً وقيمة أخلاقية في حد ذاته. ولكن الأساسات الصهيونية توجد وراء الحديث الكوني، إذ يقول جوردون إن حياة الإنسان الإبداعية والأخلاقية لا يمكن أن تتم على نحو فردي، بل لابد أن تتم على نحو قومي. فالقومية هي العنصر الكوني فينا، والطبيعة خلقت الشعب كحلقة وصل بين الكون والفرد، إذ أن الشعب هو جماعة طبيعية تُجسِّد علاقات كونية حية. والبعث القومي، حسب تصوُّر جوردون، لا يمكن أن يتم عن طريق إعادة التنظيم الاجتماعي ولا من خلال الحركات الجماهيرية وإنما من خلال جماعة متحدة بشكل عضوي وذات علاقة عضوية بالطبيعة. فالصهاينة لم يأتوا للصراع الطبقي وكُره الطبقات ولا من أجل الاشتراكية أو باسمها وإنما أتوا باسم الشعب العضوي اليهودي. ولذا، فإن مضمون الصراع قومي صرف، بالمعنى العضوي للكلمة الذي يستبعد الآخرين تماماً. وإن كان ثمة اشتراكية، فهي اشتراكية عضوية (إن صح التعبير) مقصورة على اليهود وحدهم. لكل هذا، يرى جوردون أن البعث القومي اليهودي لن يتم إلا عن طريق دين العمل الجماعي على الأرض المملوكة ملكية جماعية حيث يعود الشباب اليهودي للأرض المقدَّسة ليحرثوها ويزرعوها بأنفسهم دون أن يسمحوا لأي عامل عربي بأن يدخلها لأن العامل اليهودي أو العبري سيعمل بشكل ذاتي في مزارعه أو مصانعه الخاصة. أما إذا عاد ليعمل في مصانع أو مزارع الآخرين دون استقلالية، فإنه سيفشل في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني. والعمال اليهود، إلى جانب ذلك، لن يعيدوا بَعْث أنفسهم وتطبيعها وغَسْل أدران المنفى عنها إن لم يعملوا بأنفسهم، فالشخصية اليهودية التي أحضروها معهم لابد أن يتم التخلص منها. وإن لم يعمل اليهود بأنفسهم، فإنهم لن يحلوا محل الغريب. ولو حصل الصهاينة على كل سندات ملكية الأرض التي يطالب بها الصهاينة الدبلوماسيون (الاستعماريون) ، أو براءة الاستيطان الدولية التي يطالب بها الصهاينة السياسيون، فإن البلد مع هذا سيظل في يد من يعمل فيه، أي في يد العرب. ولذا، لا ينبغي الاكتفاء بشراء الأراضي من العرب وإنما يجب إحلال اليهود محلهم، فبدون العمل العبري سيظل المُستوطَن الصهيوني في أيديهم. ولهذا، يرى جوردون أن الطبقة العاملة اليهودية هي عماد المشروع الصهيوني. ولا شك في أن منطق جوردون الرومانسي في مجال تأليه العمل لعب دوراً كبيراً في تجنيد شباب اليهود الثائرين في أوربا، ولكن جوردون في مَعرض مواجهته مع العرب لا يكتفي بالمنطق الرومانسي وإنما يتحدث كذلك عن حق اليهود الأبدي في الأرض الفلسطينية، وهو حق ينسخ كل الحقوق الأخرى، ثم يضيف: وخصوصاً أن العرب لم يخلقوا أي شيء طوال فترة استيلائهم على الأرض المقدَّسة، أي أنه ينظر إلى العربي من خلال مقولة العربي المتخلف كي يبرر الاستيلاء الصهيوني على الأرض. وقد كان جوردون من أوائل من نظَّموا الإضرابات ضد المزارع اليهودية التي استأجرت عرباً، وكان من بين سكان مستوطنة داجانيا التي نظمت إضراباً وطلبت عزل المدير الذي عينته المنظمة الصهيونية. وقد استجابت المنظمة لمطالب المضربين وتمت إدارة المزرعة على أساس تعاوني وأخذت الحياة فيها شكلاً جماعياً، وكانت هذه بداية الحركة الكيبوتسية. وقد قضى جوردون آخر أيامه في داجانيا. وبرغم أنه لم يشغل أي منصب رسمي في الحركة الصهيونية، إلا أنه أثَّر فيها تأثيراً عميقاً. جُمعت آثار جوردون في عدة مجلدات تحت عنوان كتبي. وقد أُطلق اسمه على المتحف الإقليمي للطبيعة والزراعة في داجانيا، كما سُمِّيت باسمه حركة جوردونيا للشباب التي تنتمي لحركة العامل الفتي والتي نشطت بين الحربين العالميتين. نحمن سيركين (1868-1924 (Nachman Syrkin أحد مفكري الصهيونية العمالية. وُلد في روسيا لعائلة من الطبقة الوسطى عُرفت بالتدين، وتلقَّى تعليماً تقليدياً ثم دخل مدرسة روسية ودرس بعد ذلك الاقتصاد في ألمانيا. انضم في شبابه لجماعة أحباء صهيون، وحضر المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ولكنه ظل من دعاة الصهيونية الإقليمية حتى عام 1909. رجع إلى أحضان المنظمة الصهيونية ممثلاً عن حزب عمال صهيون. وقد هاجر إلى الولايات المتحدة حيث استقر وكتب العديد من المقالات، كما أصدر مجلات باللغتين اليديشية والعبرية للدعوة للأفكار الصهيونية، ونشر رسالته للدكتوراه عام 1898 في كراس بعنوان المسألة اليهودية ودولة اليهود الاشتراكية. وقد ساهم سيركين خلال الحرب العالمية الأولى في تأسيس المؤتمر اليهودي الأمريكي وفي الدعوة له، وأيد فكرة الفيلق اليهودي وسافر كعضو في لجنة الوفود اليهودية إلى مؤتمر السلام في فرنسا عام 1917. تبنَّى سيركين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وأدخل عليها ديباجة اشتراكية، فطرح رؤية للتاريخ اليهودي تستند إلى افتراض أن اليهود كانوا يكوِّنون دولة مستقلة ذات تاريخ مستقل. ويبدأ التاريخ اليهودي سيرته الحزينة من المنفى حين وجد اليهود أنفسهم في الجيتو، ولكنهم مع هذا حافظوا على هويتهم القومية المستقلة داخله وهو ما أدَّى إلى ازدواج الشخصية اليهودية. فهناك شخصية للخارج يتعامل اليهودي من خلالها مع الأغيار، وأخرى للداخل يتعامل من خلالها مع اليهود (وازدواجية المعايير هي إحدى أهم سمات الجماعات الوظيفية ( ثم فُرض الانعتاق فجأة على اليهود، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم وتنازلهم عن هويتهم القومية، وأصبح اليهود جزءاً من الحركة الليبرالية التي تدافع عن حقوقهم. ولكن البورجوازية خانت الُمُثل الليبرالية بعد ذلك وتراجعت عنها، وزادت حدة الصراع الطبقي، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة حدة كُره اليهود، وخصوصاً بين الفلاحين والطبقات الوسطى. فالفلاحون مهددون بالاختفاء من المجتمع الإقطاعي ويرون اليهودي طليعة المجتمع الجديد الذي يتهددهم. أما الطبقات الوسطى، فهي مهددة بالهبوط في السلم الاجتماعي، كما أنها تنتمي إلى طبقات الملاك ولكنها لا تملك شيئاً ولا حتى عملها، وهي طبقة لا شخصية لها. ولذا، فإنها برغم عدائها للرأسمالية تناضل نضالاً ثورياً يأخذ شكل كُره عنصري لليهود. والطبقة الحاكمة والكنيسة ورأس المال على استعداد لاستخدام هذا الاتجاه بين الفلاحين وأعضاء الطبقة الوسطى ولصالحهم، ومن هنا فإن معاداة اليهود كانت موجهة على الدوام من قبَل معظم طبقات المجتمع ضد الفئات اليهودية كافة وبدرجة واحدة. وقد كان الحل الاشتراكي المنطقي يتمثل في أن ينضم اليهود للبروليتاريا التي ستُنهي الصراع الطبقي فتنتهي بالتالي ظاهرة معاداة اليهود. وهنا يطرح سيركين عدة أسباب صهيونية ذات ديباجة اشتراكية ليبيِّن استحالة هذا الحل: 1 ـ لاحَظ سيركين أن الأحزاب الاشتراكية لا تأخذ الظروف الخاصة بالمسألة اليهودية بعين الاعتبار ولذلك فهي عاجزة عن أن تطرح حلولاً لها. بل إن بعض الأحزاب الاشتراكية تتبنى مواقف معادية لليهود. 2 ـ يُورد سيركين أسبابه الأخرى لطرح الصهيونية (أو «الاشتراكية اليهودية» كما يسميها) كحل وحيد للمسألة اليهودية وكلها تدور حول فكرة الخصوصية أو التفرُّد اليهودي. 3 ـ ينتقد سيركين الاشتراكيين اليهود الذين تبنوا المُثُل الاندماجية أو الأممية كما ينتقد طرحهم لهويتهم القومية. ولكنه، حين يحاول تحديد هذه الهوية القومية اليهودية، يلاحظ أن اليهود سُلبَت منهم الخصائص القومية الظاهرية، فهم مشتتون يتحدثون جميع اللغات واللهجات ويعيشون بدون ملكية وطنية، ثم يضيف أنهم مع هذا كانوا (في الماضي) أمة مميَّزة "كان مجرد وجودها سبباً كافياً لأن تكون". 4 ـ يذهب سيركين إلى أن الوجود اليهودي هو رمز الضمير الإنساني، وبذا تصبح القومية اليهودية قيمة في ذاتها. 5 ـ يرى سيركين أن اليهودي هو البروليتاري الأزلي. ومن هنا، فإن الاشتراكية اليهودية ليست معادلة للاشتراكية المسيحية وإنما هي معادلة للاشتراكية البروليتارية، والخصوصية اليهودية هي في جوهرها اشتراكية. ولذا، فإن الصهيونية بطبيعتها هي حركة احتجاج يهودية ثورية كبرى يقوم بها كل اليهود، ولذا فهي ملك للجميع. ومن وجهة نظره، يؤكد سيركين أن الصهيونية لا تتعارض مع الصراع الطبقي وإنما تتجاوزه وحسب. فهي ستفيد الطبقة العاملة أساساً ولكنها تتبنَّى الطبقات الأخرى كافة، وخصوصاً أن التاريخ اليهودي يجسد كثيراً من القيم الثورية. ثم يتوجَّه سيركين إلى طبيعة المجتمع الصهيوني الاستيطاني ليبين أن ثمة ظروفاً خاصة تجعل من الضروري أن يتخذ هذا المجتمع شكلاً اشتراكياً: 1 ـ يُشير سيركين إلى وضع المهاجرين اليهود الطبقي فهم بقالون وباعة متجولون وحرفيون غير قادرين على التكيف مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الجديدة في روسيا، ولذا فإن هذه الجماهير تفكر في الهجرة بحثاً عن عمل وعن بناء اقتصادي اجتماعي جديد. ولجذب هذه الجماهير، لا يمكن أن يُطرَح عليها مجتمع مَبني على التفاوت لأن هذا سيعني عقداً اجتماعياً للعبودية الاجتماعية الجديدة. وبالتالي، لابد أن يكون المجتمع الجديد الذي يطمحون إليه مبنياً على المساواة، وخصوصاً أن هذه الجماهير كانت متجهة إلى الولايات المتحدة حيث توجد الفرص الاقتصادية النادرة ونوع من الحراك الاجتماعي الأكيد. 2 ـ ستسود دولة اليهود الاشتراكية ثقافة لا دينية تنبع من الإثنية اليهودية، ولذا فستكون بمنزلة الحصن الذي يحمي القومية اليهودية المهددة بالتآكل في المجتمع الاشتراكي والغربي باتجاهاته الاندماجية. إن الثقافة البروليتارية اليهودية ستُمثِّل تحدياً لليهودية الإصلاحية (ومع هذا، لم يذكر سيركين شيئاً عن بعث اللغة العبرية) . وهذه الثقافة العمالية ستربط بين الطموح العالمي لدى العمال ورؤى الأنبياء اليهود في العهد القديم. 3 ـ يضيف سيركين إلى كل هذه الأسباب المؤدية إلى «حتمية» الصهيونية العمالية سبباً أخيراً هو أن اليهود المتأثرين برؤية الأنبياء لم يُصلُّوا طيلة حياتهم من أجل العودة ليؤسِّسوا دولة مثل كل الدول، أي أن حتمية الاشتراكية الصهيونية تضرب بجذورها في أحلام اليهود عبر التاريخ وتصبح مثل العهد مع الرب علامة تميُّز وانفصال. 4 ـ يبين سيركين أن طبيعة المشروع الاستيطاني الصهيوني تتطلب أن يتم هذا المشروع بالطريقة الاشتراكية الجماعية لأن مشروعاً ضخماً لتغيير اقتصاد فلسطين وتركيبها السكاني يتطلب وَضْع خطط بعيدة المدى، والمشروع الحر بطبيعته لا يمكنه أن يقوم بذلك. 5 ـ ويتطلَّب هذا المشروع الضخم تمويلاً كبيراً لا يستطيع رأس المال اليهودي الصغير أن يقوم به. ولذا نادى سيركين بما سماه «التراكم الاشتراكي» ، أي أن تقوم المنظمة الصهيونية بتمويل المشروع الاستيطاني عن طريق تجميع رأسمال قومي، وتظل ملكية الأراضي ملكية عامة وتُوظَّف الأموال لا للربح وإنما للاستثمار الاجتماعي وعلى أساس التعادل. 6 ـ ثم يقدم سيركين ديباجة اشتراكية أيضاً للطبيعة الإحلالية للمشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استيطانياً غربياً أبيض، فدولة يهودية رأسمالية تعني أن آليات السوق والعرض والطلب ستتحكم فيها، الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض الأجور " إلى درجة تجعل قبول أي يهودي أوربي لها مستحيلاً "، ولذلك سيقوم العمال من المواطنين الأصليين (أي العرب) بملء الفراغ، وسيقضي هذا على الجانب الإحلالي من المشروع الصهيوني. 7 ـ يربط سيركين بين حركة التحرر القومي والاشتراكية، وبالتالي بين الصهيونية والاشتراكية، ويرى أن الصهاينة سيشكلون حركة هجرة ذات طابع تقدُّمي وسيتصلون بالحركات القومية المماثلة بين الشعوب غير الإسلامية في الدولة العثمانية التي يجب تقسيمها على أسس قومية بحيث تكون فلسطين من نصيب اليهود. كما يرى أن "إرتس يسرائيل" قليلة السكان ويمكن تفريغها من سكانها حتى يتسنى توطين اليهود الذين تود الدول الغربية التخلص منهم. وإذا قاوم العرب عملية التفريغ فسيكون هذا أكبر علامات تخلُّفهم ورفضهم الوعي البروليتاري ورفضهم أيديولوجيا تقدمية اشتراكية، الأمر الذي يعني أحقية نقلهم. وبرنامج سيركين هو نفسه الصيغة الصهيونية الأساسية مع إضافة الديباجة الاشتراكية، ذلك أن قبول ظاهرة معاداة اليهود وحل المشكلة اليهودية عن طريق الاستعمار، وتفريغ أوربا من يهودها، وتفريغ فلسطين من عربها، والاعتماد على الأثرياء اليهود، والتحالف مع القوى الإمبريالية وضرورة اللجوء للعنف، وغير ذلك من الثوابت، موجود بعد إضافة ديباجات اشتراكية وإثنية. وقد قام سيركين بزيارة فلسطين في العشرينيات، وكانت المقاومة العربية للغزوة الصهيونية قد بدأت، وقبل موته في نيويورك سمع عن الإضرابات العنيفة التي وقعت عام 1924. وقد أثَّر فكر سيركين في كثير من الصهاينة الاشتراكيين والأحزاب الصهيونية العمالية. جوزيف ترومبلدور (1880-1924 (Joseph Trumpeldor زعيم صهيوني أصبح رمزاً للجيل القديم من الصهاينة الرواد المقاتلين الذين جاءوا إلى فلسطين. كان أبوه جندياً في الجيش الروسي وقد التحق جوزيف بمدرسة دينية قبل أن يدرس طب الأسنان. وأثَّرت فيه أفكار تولستوي، وامتزجت بالأفكار الصهيونية حيث بدأت تتبلور لديه فكرة المستعمرات الصهيونية المسلحة في فلسطين. وقد جُنِّد في الجيش الروسي عام 1902، وفَقَد ذراعه اليسرى في الحرب الروسية ـ اليابانية، ورُقِّي وحاز عدة أوسمة ثم أُعيد إلى الجبهة بناء على طلبه فأسره اليابانيون وفي الأسر قام بتنظيم مجموعة صهيونية من الأسرى. وقد درس ترومبلدور الزراعة ثم القانون، وأخذ في تنظيم مجموعة من الصهاينة في أوكرانيا عام 1911 حيث قرروا الهجرة إلى فلسطين. عمل في مستوطنة داجانيا ثم حضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (1913) . وعند عودته إلى فلسطين، رحَّلته السلطات التركية إلى الإسكندرية حيث شارك في تكوين فرقة البغالة الصهيونية وأصبح نائباً لقائدها. وبعد اشتراك هذه الفرقة في القتال مع البريطانيين، سافر مع جابوتنسكي إلى لندن من أجل تكوين الفيلق اليهودي. وفي منتصف عام 1917، سافر إلى روسيا لإقناع السلطات هناك بتكوين قوة عسكرية يهودية تُرسَل للقوقاز وتقاتل هناك حتى تصل إلى فلسطين. وبعد نجاح مبدئي، فشلت هذه المهمة وأُلقي القبض عليه فتحوَّل إلى تكوين حركة الرائد في روسيا. وفي 1919، سافر إلى فلسطين حيث عرض على أللنبي إلحاق قوات يهودية قوامها 10 آلاف جندي بالقوات البريطانية، غير أن عرضه رُفض. وكان قد اقترح من قبل غزو فلسطين بجيش قوامه 100 ألف يهودي! وقد أسَّس مكتباً للاستعلامات لقاعدة اليهود القادمين من روسيا وشارك في الدفاع عن المستعمرات الصهيونية في الجليل الأعلى حيث قتله العرب عام 1920. وقد جاءت حركة بيتار المسماة باسمه (بريت ترومبلدور) بعد ذلك لتركز على النواحي العسكرية الصهيونية في فكره. ولا تزال منظمات الشباب الصهيونية ترفعه إلى مرتبة المثل الأعلى. دوف بوروخوف (1881-1917 (Dov Borochov أهم منظري الحركة الصهيونية العمالية ومؤسس حركة عمال صهيون وزعيمها. وُلد في روسيا وتلقى تعليماً علمانياً، وكانت نشأته في مدينة كان يُنفَى إليها الثوريون الروس، وكان أبوه عضواً في جمعية أحباء صهيون، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً فيه، فقد ظل طوال حياته يحاول الجمع بين الصيغة الصهيونية الأساسية والديباجات الاشتراكية. وكان عضواً في الحزب الاشتراكي الديموقراطي، ولكنه استقال عام 1906 ليُكوِّن حزب عمال صهيون. وفي العام نفسه، نشر بوروخوف مقاله الشهير "برنامجنا". كما وضع برنامج الحزب بالاشتراك مع إسحق بن تسفي (وهذا الحزب هو أول حزب صهيوني يصل للصيغة الصهيونية التي تجعل الاشتراكية الأداة الوحيدة للاستيطان) . وقد قُبض عليه عام 1907، وحينما أُفرج عنه ذهب إلى لاهاي حيث أسَّس الاتحاد الدولي لأحزاب عمال صهيون، وشغل منصب الأمين العام للاتحاد حتى وفاته. وقد تَنقَّل في أنحاء أوربا داعياً لصهيونيته ذات الديباجة الاشتراكية، كما شرح معظم أفكاره في كتاب الحركة العمالية اليهودية في أرقام (1918) ، أجرى أبحاثاً في اللغة اليديشية ودراسات اجتماعية عديدة. وقد انتقل إلى الولايات المتحدة بعد اندلاع الحرب العالمية حيث قام بنشاط فعال لا في صفوف حزبه وحسب بل في صفوف المؤتمر الأمريكي اليهودي. وقد ساهم في تأسيس الفيلق اليهودي مع كلٍّ من بن جوريون (العمالي) وجابوتنسكي (اليميني) ، وظل طوال حياته يتعاون مع كل الصهاينة بغض النظر عن انتمائهم الطبقي أو العقائدي. وعندما قامت ثورة كيرنسكي، عاد بوروخوف ليشارك في مؤتمر الأقليات متخذاً موقفين متعارضين يعبِّران عن التناقض المبدئي في تفكيره. ففي أغسطس 1917، طالب في مؤتمر لحزب عمال صهيون في روسيا بتوطين اليهود في فلسطين على أُسس اشتراكية! ولكنه في سبتمبر من العام نفسه، قدَّم بحثاً أمام مؤتمر الشعوب في كييف عنوانه «روسيا: كومنولث الأمم» . ويتلخص إنجاز بوروخوف الفكري في أنه زاوج بين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وديباجات اشتراكية ثورية مُستمدة من الأفكار اليسارية السائدة في شرق أوروبا بين صفوف المثقفين والعمال. ويُقسِّم بوروخوف البشرية من وجهة النظر الاجتماعية والاقتصادية إلى أمم ثم طبقات، ويرى أن الأمم ككيانات حضارية عضوية تتسم بقدر عال من الثبات وتوجد قبل الطبقات. ولذا، فإن الأمم باقية أما الطبقات فتتغير. وقد تعرَّضت الأمم إلى تأثيرات وتغيرات شتى، والأمة العضوية هي النقطة المرجعية النهائية والقيمة الحاكمة الكبرى وهي تظل دون تغيُّر يُذكَر في أساسياتها الحضارية. ويفسر بوروخوف مسألة انقسام البشر إلى أمم وطبقات على أساس وجود علاقات إنتاج تُقسِّمهم إلى طبقات، وظروف إنتاج تُقسِّمهم إلى أمم. وظروف الإنتاج هي الاختلافات الجغرافية والأنثروبولوجية والتاريخية بين المجموعات البشرية المختلفة. كما أن عملية تطوُّر قوى الإنتاج نفسها يمكن أن تأخذ عدة أشكال تبعاً لاختلافات ظروف الإنتاج. يَنتُج عن هذا أن ثمة أمماً تخضع للاضطهاد، فهي لا تسيطر على ظروف الإنتاج الخاصة بها. وسيُلاحَظ في هذه الحالة أن الرموز القومية والجوانب الثقافية الخاصة بهذه الأمة ستكتسب، مستقلة، أهمية بالغة، ويُوجِّه جميع أعضاء هذه الأمة جهودهم نحو تقرير المصير (أي السيطرة على ظروف الإنتاج الخاصة بهم، وهذا طرح عمالي لإشكالية العجز بسبب انعدام السيادة) بدلاً من الصراع الطبقي (أي التناقضات داخل علاقات الإنتاج) . وكل طبقة، داخل الأمة، لها اهتمامها الخاص بظروف الإنتاج، وخصوصاً عنصر الأرض (فهي القاعدة الإستراتيجية للصراع الطبقي) . حينئذ تظهر حركة قومية ثورية تستوعب التركيب الطبقي للمجتمع ولكنها لا تَحجُب بالضرورة الوعي الطبقي، ويسميها بوروخوف «قومية الطبقة التقدمية الحقيقية» أو «قومية البروليتاريا الثورية المنظمة للشعوب المضطهدة» ، وتطرح برنامج الحد الأدنى الذي يهدف إلى ما يلي: 1 ـ تأكيد ظروف الإنتاج الطبيعية للأمة. 2 ـ تأمين قاعدة طبيعية لعمل البروليتاريا وللنضال الطبقي. وبالتالي يظهر تركيب طبقي صحيح وصراع طبقي سليم، وبعدها تقوم البروليتاريا بنضالها الثوري على أساس سليم داخل التشكيل القومي الجديد. ثم ينصرف بوروخوف لتعريف المسألة اليهودية داخل هذا الإطار، فيقرر أن ما يميِّز اليهود كشعب (أو نصف شعب أو شبه شعب) هو أنهم شعب «لا أرض له» . وكما يرى بوروخوف، فإن هذا الوضع الشاذ نتج عنه ما سماه بنظرية «الهرم المقلوب» ، فكل شعب يتكون من فئات اجتماعية وطبقات تأخذ شكل الهرم الذي يتكون من قاعدة عريضة تساهم في العمليات الإنتاجية الأساسية. وكلما بَعُدت العمليات الاقتصادية عن هذه العمليات الأساسية، قلَّ عدد العاملين فيها حتى نصل إلى قمة الهرم. ويجد بوروخوف أن هذا الهرم الاجتماعي مُشوَّه تماماً عند اليهود إذ يوجد في صفوفهم عدد كبير من المحامين والأطباء والمفكرين وغيرهم ممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى والعمليات الإنتاجية الهامشية، مع قلة قليلة (إن وُجدت) من الفلاحين بالإضافة إلى بروليتاريا صغيرة الحجم نسبياً. وكل هذا يرجع إلى عدم وجود ظروف أو أحوال إنتاج خاصة باليهود، ولذا فهم يظلون بمعزل عن بعض قطاعات الإنتاج التي تظل حكراً على الأمة التي تستضيفهم. وبظهور الرأسمالية وازدياد التطور الصناعي والتنافس الرأسمالي، بدأت الجماهير اليهودية تتحول من حرفيين إلى بروليتاريا. ولكن، بسبب وجودهم المنعزل، وبسبب ظاهرة معاداة اليهود المنتشرة في صفوف البورجوازية والبروليتاريا المسيحية، كان العامل اليهودي لا يجد عملاً إلا عند الرأسمالي اليهودي الذي كان يستثمر رأسماله عادةً في الصناعات الاستهلاكية (لأسباب أوضحها بوروخوف ( ولكل ما تقدَّم، فإن تحوُّل الحرفيين اليدويين اليهود إلى بروليتاريا صناعية كان يتم ببطء شديد وأحياناً كان يتوقف كليةً. ونظراً لأن البروليتاريا اليهودية كانت تعمل في الصناعات الاستهلاكية فحسب، فلم يكن بإمكانها أن تشل الاقتصاد إن قامت بإضراب عن العمل. وبالتالي، لم يكن بإمكانها الدفاع عن نفسها أو المطالبة بحقوقها. واستجابة لهذا الوضع الشاذ، طُرحت حلول عديدة من بينها الاندماج والديموقراطية السياسية أو الثورة البورجوازية. ولكن بوروخوف بيَّن أنها عملية مركبة تؤدي إلى إعتاق اليهود في المرحلة الأولى، ثم تزيد من حدة المنافسة القومية في مرحلة لاحقة الأمر الذي يزيد حدة معاداة اليهود. ولهذا، رفض بوروخوف الاندماج كحل للمسألة اليهودية. ثم يقدم بوروخوف تحليله لاستجابة الطبقات اليهودية المختلفة للمسألة اليهودية وللحل الصهيوني: 1 ـ طبقة البورجوازية الكبيرة في الغرب: وهي طبقة لا تَحصُر نفسها في السوق المحلية، وليست لها أية مشاعر قومية، فهي ذات نظرة عالمية ويمكنها حل مشكلتها عن طريق الاندماج. ومع هذا، يُشكِّل تَدفُّق يهود شرق أوربا الفقراء على غرب أوربا مصدراً كبيراً لقلقهم، فهو يهدد عملية الاندماج التي يطمح إليها أعضاء هذه الطبقة بل يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه الطبقات الغنية القوية تمقت الجماهير اليهودية الضعيفة ولكن معاداة اليهود تُذكِّرها بقرابتها لها، وهو ما حَوَّل المسألة اليهودية بالنسبة لها إلى عبء مفروض عليها. ولذا، فهي تبذل جهداً غير عادي لتَجد مخرجاً أميناً يبعد هذه الجماهير عنها. وتبحث عن حل يهودي للمسألة اليهودية كوسيلة للتخلص من الجماهير اليهودية. ولكل هذا، تكمن داخل صدر اليهودي الغربي المندمج نفسان: نفس الأوربي المعتز بنفسه، ونفس اخوانه اليهود الشرقيين (دون أن يكون هناك خيار في ذلك) . 2 ـ يهود أوربا الشرقية من البورجوازيين الكبار: وهؤلاء مختلفون عن أقرانهم من أثرياء الغرب لأنهم يتأثرون بشكل أكثر مباشرة بحالة اليهود الراهنة. 3 ـ الطبقة الوسطى: وهي طبقة أكثر ارتباطاً بالدعوة القومية لأن مصالحها تعتمد على السوق التي تستطيع الجماهير اليهودية ارتيادها امتداداً للغة القومية والمؤسسات الثقافية، وعلى هذا، فإن هذه الطبقة تُعتبَر سنداً للصهيونية الإثنية وهي لذلك لا تبحث عن حل جذري بل تَقْبل الحلول الليبرالية، وتدافع عن الثقافة اليهودية بل عن الدولة اليهودية. ولكنها، ما دامت تحافظ على مواقعها الطبقية، تبقى خارج الدائرة اليهودية. 4 ـ البورجوازية الصغيرة المنهارة والبروليتاريا: وهذه طبقة معزولة وتبحث عن سوق يحررها من عزلتها، ومشكلتها هي "مشكلة شعب منفي يبحث عن مكان يجد فيه أمناً اقتصادياً"، أي أن هذه الطبقة وحدها هي الشعب العضوي المنبوذ الذي يشكل جوهر المسألة اليهودية. من هنا كانت الهجرة اليهودية. وقد بدأت الجماهير اليهودية بالفعل تهاجر بأعداد كبيرة إلى الولايات المتحدة. ولكن الهجرة، كما قال هرتزل من قبل، لا تحل المسألة اليهودية، فهي تترك اليهود عاجزين في بلاد غريبة وهم يضطرون إلى التجمع لتسهيل عملية التكيف مع البيئة الجديدة. ولكن التجمع يعزلهم مرة أخرى ويعرْقل عملية التكيف ويفرض علىهم المحافظة على تقاليدهم الاقتصادية السابقة (ميراثهم الاقتصادي) ويتركزون فيها، ويتحولون بسبب ذلك إلى المراحل الأخيرة من الإنتاج وهو قطاع البضائع الاستهلاكية (أي أنهم يتحولون مرة أخرى إلى ما يشبه الجماعة الوظيفية) . ومن ثم، فإنهم يظلون عاجزين عن الهيمنة على ظروف الإنتاج ويكونون أول ضحايا الأزمة الرأسمالية، ولذا فإن حاجة اليهود لتنمية قواهم الإنتاجية المستقلة تظل مسألة قائمة تتطلب حلاًّ. ويقترح بوروخوف الحل، وهو في جوهره الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حيث تتحول الهجرة إلى استعمار واستيلاء على الأرض. ولكن بوروخوف يضيف ديباجة اشتراكية إذ يصبح الاستيلاء على الأرض هو حصول الشعب اليهودي على قاعدة إستراتيجية وعلى ظروف إنتاج مقصورة عليه وحده وخصوصاً الأرض، الأمر الذي سيُمكِّنه من أن يتواجد في المستويات الدنيا من العملية الإنتاجية وأن يعيد الهرم المقلوب إلى وضعه الطبيعي على قاعدته. وهذا المطلب تشترك فيه كل الطبقات اليهودية من أعضاء الأمة اليهودية العضوية التي تعاني من عدم السيطرة على ظروف الإنتاج. ثم يُورد بوروخوف المزيد من الأسباب الدالة على حتمية الحل الاشتراكي الصهيوني للمسألة اليهودية، أي ضرورة الاستيلاء على أرض واستعمارها حتى تشكل قاعدة للإنتاج. أما بالنسبة للاشتراكية، فيُورد بوروخوف أن المشروع الصهيوني يحتاج إلى قوى تقوم بتنظيم حركة الجماهير اليهودية المهاجرة وتوجيهها، وهو أمر مُلقى على عاتق البروليتاريا اليهودية. ولكنه مع ذلك كان يعترف بأن الهدف النهائي للصهيونية هدف بورجوازي، وهو إيجاد حكم سياسي إقليمي ذاتي، وإيجاد دولة يهودية يتم دمجها في المجتمع الدولي، كما أنه كان يدرك أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم إلا بأموال بورجوازية وتنازلات سياسية ومساندة دولية (إمبريالية) لا يمكن إلا للبورجوازية اليهودية وحدها أن تحصل عليها. ولكنه، مع هذا، كان يجد أن ذلك يشكل خطوة نحو الاشتراكية، على اعتبار أنه سيُطبِّع ظروف الإنتاج والصراع الطبقي بالنسبة للطبقة العاملة اليهودية، كما أن دور العمال يمكن أن يتركز في حماية الدولة الصهيونية وفي محاولة فرض سمات تقدمية عليها. ولكن، إذا كان المطلوب هو الأرض، فلماذا فلسطين بالذات (وكان بوروخوف من معارضي مشروع شرق أفريقيا) ؟ يجيب بوروخوف عن هذا السؤال بديباجات اشتراكية مصقولة. فالعمال اليهود ـ حسب قوله ـ ينظرون إلى استعمار فلسطين ونمو البروليتاريا كظاهرتين متلازمتين ومرتبطتين إحداهما بالأخرى، فالوعي الطبقي "لعمالنا" لا ينطلق من المصالح الأنانية الضيقة التي تتعارض مع مصالح الأمة في مجموعها، ولذا فهم طليعة الشعب اليهودي. ويضيف بوروخوف الأسباب التالية لضرورة الاستيلاء على أرض فلسطين دون أي أرض أخرى: 1 ـ هذا البلد لا يمثل أي إغراء بالنسبة للمهاجرين من شعوب أخرى، ولذا فهو لن يجذب سوى المهاجرين الكادحين من اليهود. 2 ـ يجب أن تكون الأرض التي سيتم الاستيلاء عليها مغرية بالنسبة للرأسمالي اليهودي الصغير والمتوسط بحيث يجد فيه وفي البلاد المجاورة سوقاً لمنتجاتها. 3 ـ يجب أن يكون هذا البلد متخلفاً شبه زراعي. 4 ـ يجب أن يكون البلد ذا مستوى ثقافي متدن وذا نمو سياسي منخفض. ومن وجهة نظر بوروخوف، فإن فلسطين تتوافر فيها هذه المواصفات المادية، فهي بلد شبه زراعي، كما أن الشعب الذي يقطنها ليس ذا طابع اقتصادي أو حضاري مستقل فهم منشقون ومفتتون، كما أنهم لم يتبلوروا في كيان اجتماعي متماسك الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على التنافس مع رأس المال اليهودي والطبقة العاملة اليهودية. كما يمكن استيعابهم وصهرهم في الشعب اليهودي، فبإمكانهم الوقوف أمام قوى التقدم الاشتراكية. وفلسطين، علاوة على كل هذا، جزء من الإمبراطورية العثمانية وهو ما يعني أن المستوطنين اليهود سيدخلون حرباً تقوم ضد السلطان التركي المتخلف. وقد كان بوروخوف يتصور أن رأس المال اليهودي سيهاجر إلى " الأرض" بشكل عفوي، وذلك ليبني هناك صناعة راسخة، ثم تهاجر في أعقابه آلاف مؤلفة من العمال اليهود. وعملية الاستيطان هذه هي التي ستحل مرض "الطاقة الفائضة" عند اليهود، مأساة البروليتاريا اليهودية ومصدر عذابها. ويبدو أن موقف بوروخوف من الجماعات اليهودية في العالم يشبه موقف هرتزل، فهو يرى ضرورة إفراغ أوربا من فائضها، ولكن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى تصفية الدياسبورا تماماً. ولذا، نادى بوروخوف بأن يقوم الصهاينة بالصراع على جبهتين: في الداخل (أي في فلسطين) ضد الأتراك والسكان الأصليين، وفي الخارج لتحسين أحوال اليهود. وفي عام 1917، وفي خطبة له أثناء انعقاد مؤتمر الفرع الروسي لعمال صهيون في كييف، عمَّق بوروخوف الديباجات الإثنية، فأكد أهمية الجوانب الحضارية اليهودية مثل "العودة إلى أرض الآباء" و"أساس النشاط الخلاق" للبعث اليهودي. ورغم أن كتابات بوروخوف كانت تتسم أحياناً بشيء من الصدق والذكاء، وخصوصاً إذا كانت في مجال الوصف المباشر، إلا أن معظم تحليلاته وتفسيراته غير دقيقة. وعلى سبيل المثال، لم يهاجر رأس المال اليهودي بشكل تلقائي إلى فلسطين وإنما كان يهاجر في فترات الركود الاقتصادي في أوربا وحسب (كما هو الحال دائماً مع رأس المال) ، كما كان ينزح عن فلسطين حينما تتاح له فرصة اقتصادية أفضل خارجها. وهذه الهجرة لم تتم إلا بعد سقوط فلسطين في فلك الإمبريالية الإنجليزية، ولذا فقد كان رأس المال اليهودي جزءاً من رأس المال العالمي. ولم يهاجر العمال اليهود إلى فلسطين، كما تصور بوروخوف، فمعظم المهاجرين كانوا من البورجوازيين أو من البورجوازيين الصغار وهو ما اضطر كثيراً منهم إلى التحول إلى عمال. ومن الواضح أن التطور في روسيا وبولندا لم يكن نحو مزيد من انفصال الطبقة العاملة اليهودية، فاشتراك اليهود في الثورة البلشفية كان بنسبة عالية جداً تتخطى نسبتهم القومية. كما أن اليهود نجحوا في الاندماج في المجتمع الأمريكي رغم تركُّزهم في مستويات الإنتاج العليا وعدم سيطرتهم على ظروف الإنتاج الخاصة بالمجتمع الأمريكي. ولعل الخلل الأساسي في أطروحات بوروخوف يرجع إلى إصراره على وحدة اليهود القومية بدلاً من رؤيتهم كجماعات مختلفة تخضع لحركيات تاريخية وظيفية ودينية مختلفة. ولعل أكبر خطأ وقع فيه بوروخوف هو استهانته بالوجود العربي في فلسطين واكتفاؤه بالإشارات العابرة إليه، وهو في هذا كان ضحية التجريد الصهيوني الذي كان دائماً يشير إلى «الأرض» (أو الأرض المقدسة أو إرتس يسرائيل) التي تنتظر ساكنيها الغائبين آلاف السنين وكأن التاريخ توقَّف كليةً. وقد قُدِّر لهذه المشكلة التي كان يُتصوَّر أنها هينة وعرضية أن تترك أثرها العميق لا في الدولة الصهيونية فحسب بل في يهود العالم جميعاً. بل يمكننا أن نقول إن طريقة حسم هذه المشكلة العرضية هي التي ستحدد مصير المستوطنين اليهود في المنطقة بيرل كاتزنلسون (1887-1944 (Berl Katzenelson صحفي وزعيم صهيوني عمالي، وابن تاجر روسي. وقع تحت تأثير الجماعات اليهودية الاشتراكية الروسية منذ شبابه، وتأثر على وجه خاص بفكرة شذوذ الهيكل الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية. كان من دعاة الصهيونية الإقليمية، ولكنه هاجر عام 1909 إلى فلسطين ضمن أفراد الهجرة الثانية حيث اشتغل كعامل زراعي في عدة مستوطنات، كما ساهم في تأسيس عدة تنظيمات زراعية استيطانية (إيماناً منه بدين العمل الذي كان يبشر به صديقه جوردون) . وقد أصبح من أهم الشخصيات الصهيونية بين المستوطنين وفي صفوف الحركة الصهيونية العالمية. وأثناء الحرب العالمية الأولى، انضم إلى الفيلق اليهودي. وقد أثَّر كاتزنلسون في بن جوريون ونال منه لقب «المعلم» ، واشترك معه في تأسيس حزب اتحاد العمل ثم حزب الماباي فيما بعد. كما ساهم في إنشاء الهستدروت، وكان ممثلاً للهستدروت ولاتحاد العمل في عدة مؤتمرات محلية ودولية. رأس عام 1921 أول لجنة للهستدروت تتوجه إلى الولايات المتحدة، وشارك في تأسيس بنك العمال ومركز شباب الهستدروت، وأسس صحيفة دافار عام 1925، ورَأَس تحريرها حتى وفاته، كما ساهم في تأسيس دار النشر التابعة للهستدروت. وقد عارض اقتراحات التقسيم لإصراره على إقامة دولة يهودية خالصة على أرض إسرائيل (فلسطين) . وكان كاتزنلسون يؤمن بأن الصندوق القومي اليهودي هو أهم عنصر في بناء المجتمع العمالي، وقد عُيِّن مديراً له. وقد ساعد كاتزنلسون على الهجرة الإحلالية غير الشرعية، وقاوم الكتاب الأبيض الصادر عام 1939. وتعبِّر معظم كتاباته عن فكرة «الاستيطان الصهيوني الاشتراكي» حيث يحاول أن يمزج بين ما يُسمَّى «القومية اليهودية» وتقاليدها من جهة والاشتراكية من جهة أخرى (وذلك انطلاقاً من أفكار سيركين) . وكان كاتزنلسون من أكبر المدافعين عن التقاليد اليهودية، كما كان من الأصوات العمالية الأولى التي نادت بتنفيذ القوانين الخاصة بالطعام ويوم السبت، أي أنه كان يحاول المزج بين الصهيونية العمالية والصهيونية الإثنية العلمانية والدينية، وهي الصيغة التي قُدِّر لها النجاح في نهاية الأمر. وقد نُشرت كتاباته في 12 جزءاً في الفترة 46 ـ 1960. يتسحاق تابنكين (1887-1973 (Yetzhak Tabenkin زعيم صهيوني عمالي، وأحد مؤسسي حركة الكيبوتس الموحَّد ومن أهم منظريها. وُلد في روسيا وتلقَّى تعليماً دينياً في طفولته ثم تلقَّى تعليماً علمانياً في وارسو وفيينا. استوطن فلسطين عام 1912 وكان من أوائل منظمي الزراعة المسلحة فيها وكان من مؤسسي الهستدروت (1920) والماباي (1930) . وقد عارض تابنكين الاتفاق المبرم بين بن جوريون والتصحيحيين، كما عارض قرار التقسيم وطالب بأن يكون الاستيطان في كل إرتس يسرائيل. وحينما انقسمت الحركة العمالية عام 1944، كان تابنكين أحد مؤسسي حزب المابام. وكان عضواً فى كل مؤتمر صهيوني عُقد بعد الحرب العالمية الأولى حتى عام 1959. وبعد عام 1967، كان من المطالبين بأن تحتفظ إسرائيل بكل الأرض التي ضُمَّت وأن تصبح جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل. له عدة مؤلفات عن الكيبوتس. حاييم أرلوسوروف (1899-1933 (Hayyim Arlosoroff زعيم صهيوني وأحد قادة الحركة الصهيونية العمالية. وُلد في أوكرانيا حيث كان جده حاخاماً بارزاً، وانتقل مع والديه إلى ألمانيا عام 1905 حيث درس الاقتصاد في جامعة برلين وساعد في إنشاء جماعة العامل الفتي. وقد حاول أرلوسوروف مَزْج الأفكار الاشتراكية بالصهيونية في كتيب الاشتراكية الشعبية اليهودية (1919) ، ولفت الأنظار إليه بتقديمه أفكاراً جديدة لتمويل المستعمرات الصهيونية. وقد انتقل أرلوسوروف إلى فلسطين عام 1924، ومثَّل صهاينة فلسطين في عصبة الأمم، وزار الولايات المتحدة في هذه الفترة وكتب عن الجماعة اليهودية هناك واتصل بجماعات الطلبة اليهود الأمريكية كممثل للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد انتُخب عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيساً للإدارة السياسية بها عام 1931، واشترك أرلوسوروف في عقد اتفاق الهعفراه بين المنظمة الصهيونية وحكومة ألمانيا النازية لتسهيل هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين. وفي نهاية حياته، دعا أرلوسوروف إلى اتباع سياسة متشدِّدة في فلسطين خشية ألا يتم تحقيق قيام الدولة الصهيونية بسبب موقف بريطانيا المُتقلِّب وغير المأمون نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية. وقد قُتل عام 1933 بطريقة غامضة، فاتهم الصهاينة العماليون بعض الصهاينة التصحيحيين بقتله، فحُوكموا وأُدين أحدهم. غير أن الدفاع أصر على أن العرب هم الذين قاموا بالحادث. وقد تسبَّب الحادث في المزيد من الانشقاق في الحركة الصهيونية بين العناصر الصهيونية التصحيحية والعناصر الصهيونية العمالية. وقد ادعى التصحيحيون أن الحادث أُلصق بهم، وطالب مناحم بيجين بفتح باب التحقيق في الموضوع من جديد. وقد نُشرت أعمال أرلوسوروف بعد موته، وهي تتضمن تحليلات سياسية واقتصادية وتأريخاً للاستعمار في العالم وقطعاً شعرية بالإضافة إلى مذكراته. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*أمريكا الشمالية (قارة) إحدى قارات العالم الست.
تقع فى القسم الشمالى الغربى من الكرة الأرضية. وهى ثالثة قارات العالم مساحة بعد كلٍ من آسيا وإفريقيا؛ إذ تبلغ مساحتها (24) مليون كم2. وعدد سكانها (429) مليون نسمة. وهى على هيئة مثلث، قاعدته فى الشمال ورأسه فى الجنوب. ويحدها من الشمال المحيط المتجمد الشمالى، ومن الشرق المحيط الأطلنطى وخليج المكسيك، ومن الجنوب أمريكا الوسطى، ومن الغرب المحيط الهادى. وتشتمل أمريكا الشمالية على عدة دول مهمة، هى: الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، وجرينلاند، وألاسكا. ومن أهم المحاصيل الزراعية فيها: القمح والقطن والموالح والذرة الشامية الرفيعة والتفاح والكمثرى والأناناس وفول الصويا. ومن أهم ثرواتها المعدنية: الحديد والفحم والنحاس والزنك والرصاص، كما تنتج النفط والغاز الطبيعى. والمسيحية هى الديانة السائدة فى أمريكا الشمالية وفيها أقليات يهودية، وكذلك دخل الإسلام إلى أمريكا الشمالية منذ سنة (1202هـ = 1787م)، فأصبح للمسلمين فيها جماعة تدعى البلاليين نسبة إلى الصحابى الجليل بلال بن رباح، وبلغ عدد المسلمين فيها نحو (250) ألف نسمة، ولهم (70) مسجدًا، إلى جانب عدة مراكز إسلامية كبرى فى شيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس وواشنطن وسان فرانسيسكو. ومنذ سنة (1189 هـ = 1775 م) بدأت حرب الاستقلال الأمريكية ضد الاحتلال الإنجليزى الذى كان يسيطر عليها منذ أمدٍ بعيد. وبعد توقيع معاهدة فرساى سنة (1197 هـ = 1783 م) نالت أمريكا الشمالية استقلالها، واعترفت إنجلترا بذلك، ومنذ هذا التاريخ ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية على مسرح الأحداث العالمية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة (1364هـ =1945م) أصبح لها دور كبير فى السياسة الدولية، وخاصًة فى توجيه الاقتصاد العالمى. |
معجم القواعد العربية
|
وهي الدَّالَةُ عَلَى مَعْنَى الكَمَال، فَتَقَعُ صِفَةً للنَّكِرَة نحو" عُمَرُ رَجُلٌ أيُّ رجُلٍ" أيْ كَامِلٌ في صِفَاتِ الرِّجال. وحَالاً للمعرفة كـ "مَرَرْتُ بعبدٍ اللَّهِ أَيَّ رَجُلٍ"
وَلاَ تُضَافُ إلاَّ إلى النَّكِرَةِ لُزوماً. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
انْظُرْ: مَالٌ __________ (1) حديث: " الذهب بالذهب. . . ". أخرجه مسلم (3 / 211 - ط. الحلبي) . |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* كيفية إخراج زكاة الأوراق المالية:
تُقوَّم بنصاب أحد النقدين، فإذا كان أقل نصاب الذهب (85) جراماً، وقيمة الجرام (40) ريالاً سعودياً مثلاً، فنضرب نصاب الذهب بقيمة الجرام (85 ×40= 3400) ريال هي أقل نصاب الأوراق المالية، وفيها ربع العشر، (85) ريالاً سعودياً، وهو يعادل (2.5%) وهكذا. * لإخراج مقدار زكاة الأوراق المالية يقسم المال على (40) فيخرج ربع العشر، وهو الواجب في زكاة النقدين وما يلحق بهما، فمثلاً: لو كان عنده ثمانون ألف ريال (80000÷40= 2000) ريال هي مقدار زكاة ذلك المبلغ، وهي ربع العشر وهكذا. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث السادس: الاستطاعة المالية
المطلب الأول: اشتراط الزاد والراحلة: يشترط في وجوب الحج القدرة على نفقة الزاد والراحلة (¬1)، فاضلاً عن دَينه، ونفقته، وحوائجه الأصلية (¬2)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وهو قول سحنون, وابن حبيب من المالكية (¬6)، وبه قال أكثر الفقهاء (¬7) (¬8). الأدلة: أولاً: من الكتاب: 1 - قال الله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97] .. وجه الدلالة: أن الله عز وجل لما قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً علمنا أنها استطاعة غير القوة بالجسم; إذ لو كان تعالى أراد قوة الجسم لما احتاج إلى ذكرها; لأننا قد علمنا أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها (¬9). 2 - قال الله تعالى: إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ [النحل: 7]. وجه الدلالة: أن الآية تفيد أن الرحلة لا تبلغ إلا بشق الأنفس بالضرورة، ولا يكلفنا الله تعالى ذلك لقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] (¬10)، فتعين اشتراط الزاد والراحلة لتحقيق الاستطاعة في الحج. 3 - قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى البقرة: 197 [.] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة، سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)). ثانياً: أنه قول طائفة من الصحابة رضي الله عنهم ولا مخالف لهم: 1 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال في استطاعة السبيل إلى الحج: ((زاد وراحلة)). 2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ذلك أيضاً: ((زاد, وبعير)). 3 - عن أنس رضي الله عنه: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: ((زاد, وراحلة)). 4 - عن ابن عمر قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال: ((ملء بطنه, وراحلة يركبها)) (¬11). المطلب الثاني: ¬_________ (¬1) المقصود بالراحلة: آلة الركوب، والأصل فيها المركب من الإبل ذكرا ً كان أو أنثى. ((المصباح المنير)) (مادة: ر ح ل). (¬2) ((العناية شرح الهداية)) للبابرتي (2/ 417، 418)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/ 464)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/ 25). (¬3) ((تبيين الحقائق)) للزيلعي, و ((حاشية الشلبي)) (2/ 4)، ((العناية شرح الهداية)) للبابرتي (2/ 409). (¬4) ((المجموع)) للنووي (7/ 75). ((نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج)) الرملي (3/ 242، 243). (¬5) ((المغني)) لابن قدامة (3/ 215). (¬6) ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/ 448). (¬7) قال الصنعاني: (قد ذهب إلى هذا التفسير أكثر الأمة فالزاد شرط مطلقاً والراحلة لمن داره على مسافة). ((سبل السلام)) للصنعاني (2/ 180). وهو قول الضحاك بن مزاحم, والحسن البصري, ومجاهد, وسعيد بن جبير, ومحمد بن علي بن الحسين, وأيوب السختياني وأحد قولي عطاء. ((المحلى)) لابن حزم (7/ 54). (¬8) قال الصنعاني: (حديث الباب يدل أنه أريد بالزاد الحقيقة وهو وإن ضعفت طرقه فكثرتها تشد ضعفه). ((سبل السلام)) للصنعاني (2/ 180). (¬9) ((المحلى)) لابن حزم (7/ 54)، ((سبل السلام)) للصنعاني (2/ 180). (¬10) ((المحلى)) لابن حزم (7/ 54). (¬11) ((المحلى)) لابن حزم (7/ 54). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم بيع الصرف والأوراق المالية:
الصرف: هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف، وسواء كان النقد من الذهب والفضة، أو من الأوراق النقدية المتعامل بها الآن فهي تأخذ حكم الذهب والفضة لاشتراكهما في الثمنية. * إذا باع نقداً بجنسه كذهب بذهب، أو ورق نقدي بجنسه كريال بريال ورقي أو معدني وجب التساوي في المقدار والتقابض في المجلس. * وإن باع نقداً بنقد من غير جنسه كذهب بفضة، أو ريالات ورقية سعودية بدولارات أمريكية مثلاً جاز التفاضل في المقدار، ووجب التقابض في المجلس. * إذا افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض صح العقد فيما قبض وبطل فيما لم يقبض كأن يعطيه ديناراً ليصرفه بعشرة دراهم، فلم يجد إلا خمسة دراهم فيصح العقد في نصف الدينار، ويبقى نصفه أمانة عند البائع. |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
1 - رأس مال (رأسمالية)
لغة: اسم للقليل والكثير من المقتنيات من كل ما يتمول ويملك، ويقصد برأس المال فى اللغة. أصل المال دون ربح أو زيادة، كما فى القرض لتحريره من الربا (1)، وكذلك لقوله تعالى {{إن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}} البقرة:279. واصطلاحا: يطلق رأس المال على المال الذى يدفع للعامل فى شركة المضاربة، وعلى الثمن الذى يعجل به فى بيع السلم، وعلى المبلغ الذى يدفعه كل شريك فى شركة العنان، وعلى الثمن الأصلى الذى اشترى به البائع فى معاملات التجارة، ويطلق كذلك على النقد ذهبا أو فضة أو ما يقوم مقامهما من العملات (3). ويطلق فى الفكر الوضعى على أدوات الإنتاج التى لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشر، وإنما للمساهمة فى إنتاج سلع أخرى، ويطلق على الرصيد المتجمع من الموارد، والذى يسهم فى إنتاج أكبر قدر ممكن من السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة. ويعرف كذلك، بأنه الرصيد الذى يستخدم كاحتياطى لتدعيم مستوى مرتفع من الاستهلاك فى وقت تشتد الحاجة فيه إليه. ويمكن التفرقة بين رأس المال والدخل، بأن الدخل هو الإيراد أو الغلة التى تعود على الفرد أو المؤسسة من العمل أو المال، كما أنه أجر العامل أو إيجار الأرض، وقد حرص الإسلام على استثمار رأس المال وتنميته. وقد اعتبر الفقهاء أن الانفاق من رأس المال تبذير، بينما الإنفاق من الربح ليس تبذيرا (3). ولا يخفى حرص الإسلام على تشجيع التكوين الرأسمالى عندما أعفى رأس المال الثابت من الزكاة وقد حدد الدمشقى وسائل حفظ المال كما يلى: 1 - ألا ينفق أكثر مما يكتسب. 2 - ألا يكون ما ينفق مساويا لما يكتسب. 3 - أن يحذر الرجل أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به. ومن أنواع رأس المال: 1 - رأس المال المتداول ويقصد به المال الذى تنتهى منفعته الاقتصادية باستعماله مرة أو بضع مرات، وتحسب قيمته بالكامل فى نفقة إنتاج السلعة المنتجة، مثل القطن الخام الذى يستخدم فى صناعة المنسوجات مرة واحدة. 2 - رأس المال العامل، ويقصد به الموارد السائلة الصافية لمنشاة ما فى السوق، وهى الأصول الجارية مطروحا منها الالتزامات الجارية وتشمل عروض التجارة، ويستحق عليها الزكاة باعتبارها مالا ناميا بعد حولان الحول. 3 - رأس المال الاجتماعى، ويقصد به المرافق العامة ومشروعات البنية الأساسية ومؤسسات حفظ النظام، والأمن والعدالة، باعتبارها أصولا يتملكها المجتمع. 4 - رأس المال المعنوى ويقصد به الشهرة فى التجارة أو التصنيع أو العلامة التجارية، والذى يضمن تحقيق رقم مرتفع من المبيعات، وعلى ذلك فقد درج المحاسبون على تحديد قيمة نقدية للشهرة ضمن عناصر أصول رأس مال المشروع باعتبارها أصلا رأسماليا معنويا. 5 - الأوراق المالية والسندات باعتبارها مساهمات فى رؤوس أموال المشروعات تدر عائدا سواء فى صورة أرباح موزعة على كل سهم، وفائدة محددة تزاد على أصل قيمة السند فى تاريخ استحقاقه. ويعتبر رأس المال أحد عناصر الانتاج حيث يشترك مع غيره من العناصرلتحقيق الإنتاج بدرجة تجعله محور التنمية الاقتصادية، ويحتل مكانا بارزا فى النظرية الاقتصادية للإنتاج والتوزيع، وفى نظرية النمو الاقتصادى فى نفس الوقت. ويطلق تعبير "رأسمالية" للدلالة على النضام الاقتصادى القائم على تطبيق قواعد العرض والطلب فى السوق الحرة، وعلى حرية القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، وعلى حق الملكية الخاصة للأفراد والمشروعات، وبحيث يكون تخصيص الموارد وتوزيع الدخل بمعرفة قوى السوق الحرة دون تدخل من السلطات الحكومية، التى تقتصر وظائفها على الدفاع والأمن والعدالة ومراقبة السوق والأسعار، ويعترف النظام الاقتصادى الرأسمالى بدور ثانوى للقطاع العام وفقا لما تقرره السلطات الحكومية فى مجال المنافع العامة، ذات الربحية الاجتماعية، وفى مجال الأنشطة الاستراتيجية. أ. د/حمدى عبد العظيم __________ الهامش: 1 - المعحم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة، القاهرة، 2/ 927. 2 - معجم مصطلحات الفقهاء، دار التراث القاهرة. 3 - أحكام القرآن، ابن العربى، مكتبة عيسى الحلبى، الطبعة الأولى، القاهرة،2/ 1302. مراجع الاستزادة: 1 - لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت. 2 - قاموس المصطلحات الاقتصادية، د محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة. 3 - التنمية الاقتصادية، د. حمدية زهران، مكتبة عين شمس، القاهرة |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بناء المدرسة الكمالية ببغداد.
535 - 1140 م بنى كمال الدين أبو الفتوح بن طلحة صاحب المخزن المدرسة الكمالية ببغداد، ولما فرغت درس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل، وحضره أرباب المناصب وسائر الفقهاء |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة المهدي زعيم المقاومة الصومالية.
1329 - 1910 م محمد عبدالله حسن سماه الإنجليز «الملا المجنون» عندما واجه الاستعمارين البريطاني والإيطالي واستطاع أن يقاوم المستعمرين لمدة عشرين عاماً كبدهم أثناءها الخسائر الفادحة وانتزع حق السيادة على مناطق عديدة خاض محمد بن عبد الله 270 موقعة في الجهاد ضد البريطانيين انتصر في معظمها. في العام 1920م تعرض محمد بن عبد الله لقصف من الطيران البريطاني استهدف مواقع الثوار في مدينة جالكاسيو غرب الصومال، فاستطاع أن يصل إلى أثيوبيا حين توفي فيها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قوات المعارضة الصومالية تتولى السلطة بعد هرب الرئيس محمد زياد بري.
1411 رجب - 1991 م كان رئيس الصومال محمد زياد بري قد أسس في مقديشو مكتبا للمنظمة الديمقراطية الشعبية الأورومية المعارضة في الحبشة لنظام منغستو ماريام رئيس الحبشة، فقامت الحبشة بمضاعفة دعمها للمعارضة الصومالية مما أدى إلى اشتداد القتال بين قوات الحكومة وفصائل المعارضة التي زادت قوتها وبان تفوقها حتى اضطر الرئيس محمد زياد بري إلى الهرب خارج الصومال في رجب 1411هـ / كانون الثاني 1991م وتمكنت القوات المسلحة المعارضة التي تتألف أكثريتها من أفراد قبيلة الهويه أن تدخل مقديشو بقيادة العقيد محمد فارح عيديد وتسلم علي مهدي محمد رئاسة الدولة مؤقتا لمدة شهر وعهد إلى عمر عرتة برئاسة الحكومة المؤقتة وهو من قبيلة الهويه أيضا وهذا ما أثار القبائل الأخرى المشاركة في المعارضة وزاد الأمر عندما أبقي التسليح بيد قبائل الهويه فقط، حتى اشتد الصراع بين الفصائل فاستقل الشماليون وشكلوا جمهورية أرض الصومال برئاسة عبدالرحمن أحمد علي تور، وفي أقصى الجنوب كان كيان الحزب الاشتراكي الثوري المؤيد لزياد بري، وأضرمت نار القتال بين الأطراف الصومالية وانتشرت المجاعة والخوف وعدم الأمن على الأرواح والأعراض وبدأ الناس يتساقطون موتى فمن نجى من القتل قتلته المجاعة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
زعماء الفصائل الصومالية المتنازعة يوقعون اتفاقاً لإنهاء القتال.
1414 شعبان - 1994 م وقع زعماء الفصائل الصومالية المتنازعة، في العاصمة الصومالية مقديشيو، اتفاقاً يهدف إلى إنهاء القتال في مقديشيو، ونص الاتفاق على إعادة الممتلكات، التي نُهبت عقب الفوضى التي أطاحت بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
إنهاء الحرب الأهلية في اليمن بدخول قوات اليمن الشمالية مدينة عدن ..
1415 محرم - 1994 م حرب صيف 1994 وتُعرف أيضاً بحرب 1994 أو حرب الانفصال اليمنية، هي حرب أهلية اندلعت في اليمن صيف 1994 بين الحكومة اليمنية في صنعاء والحزب الاشتراكي اليمني في عدن من أجل مطالبة الانحلال أو الانفصال لـ اليمن الجنوبي عن اليمن الشمالي من دولة الوحدة اليمنية التي قامت في عام 1990 بين اليمن الجنوبي بما كان يُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ممثلة بـ الحزب الاشتراكي اليمني واليمن الشمالي بما كان يُعرف بالجمهورية العربية اليمنية. وانتهت الحرب في 7 يوليو بهزيمة القوات الجنوبية وهروب معظم القادة الجنوبيين خصوصاً من قادة الحزب الاشتراكي اليمني للمنفى في الخارج ودخول القوات الشمالية لعدن وهو ما يعتبره الكثير من الجنوبيين احتلالاً في حين اعتبرته الحكومة في صنعاء تثبيتاً لدولة الوحدة اليمنية وقضاء على الدعوات الانفصالية. وكان الاقتتال الفعلي في الحرب الأهلية في الجزء الجنوبي من البلاد على الرغم من الهجمات الجوية والصاروخية ضد المدن والمنشآت الرئيسية في الشمال. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
سيطرة المحاكم الإسلامية الصومالية على بلدة بلعد ومدينة كيسمايو.
1429 ربيع الثاني - 2008 م استولت قوات المحاكم الاسلامية الصومالية المعارضة للحكومة على مدينة بلعد الواقعة على بعد 30 كيلو متر إلى الشمال من العاصمة الصومالية مقديشو، ويأتى ذلك بعد استيلائها على ست مدن صومالية بوسط وجنوب الصومال من بينها مدينة جوهر عاصمة إقليم شبه الوسط المتاخم للعاصمة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
دخول الجيش الكيني إلى الأراضي الصومالية.
1432 ذو القعدة - 2011 م أعلن قائد عسكري صومالي أن قوات كينية عبرت إلى الصومال وطردت عناصر حركة الشباب المجاهدين من قاعدتين قرب الحدود الكينية في عملية مشتركة مع جنود صوماليين، بينما هددت الحركة الجيش الكيني ودعت الصوماليين للوحدة ضده. وكانت كينيا أكدت أنها ستلاحق المتمردين المرتبطين بتنظيم القاعدة بعد خطف موظفتي إغاثة إسبانيتين. وسبق أن أعلن مصدر أمني كيني أن مسؤولين أمنيين كينيين وصوماليين التقوا في بلدة دوبلي الصومالية الحدودية لمناقشة الاستعدادات لشن هجوم ضد متمردي حركة الشباب بعد خطف موظفتي الإغاثة. لكن حركة الشباب نفت مسؤوليتها عن خطف الموظفتين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*أمريكا الشمالية (قارة) إحدى قارات العالم الست.
تقع فى القسم الشمالى الغربى من الكرة الأرضية. وهى ثالثة قارات العالم مساحة بعد كلٍ من آسيا وإفريقيا؛ إذ تبلغ مساحتها (24) مليون كم2. وعدد سكانها (429) مليون نسمة. وهى على هيئة مثلث، قاعدته فى الشمال ورأسه فى الجنوب. ويحدها من الشمال المحيط المتجمد الشمالى، ومن الشرق المحيط الأطلنطى وخليج المكسيك، ومن الجنوب أمريكا الوسطى، ومن الغرب المحيط الهادى. وتشتمل أمريكا الشمالية على عدة دول مهمة، هى: الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، وجرينلاند، وألاسكا. ومن أهم المحاصيل الزراعية فيها: القمح والقطن والموالح والذرة الشامية الرفيعة والتفاح والكمثرى والأناناس وفول الصويا. ومن أهم ثرواتها المعدنية: الحديد والفحم والنحاس والزنك والرصاص، كما تنتج النفط والغاز الطبيعى. والمسيحية هى الديانة السائدة فى أمريكا الشمالية وفيها أقليات يهودية، وكذلك دخل الإسلام إلى أمريكا الشمالية منذ سنة (1202هـ = 1787م)، فأصبح للمسلمين فيها جماعة تدعى البلاليين نسبة إلى الصحابى الجليل بلال بن رباح، وبلغ عدد المسلمين فيها نحو (250) ألف نسمة، ولهم (70) مسجدًا، إلى جانب عدة مراكز إسلامية كبرى فى شيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس وواشنطن وسان فرانسيسكو. ومنذ سنة (1189 هـ = 1775 م) بدأت حرب الاستقلال الأمريكية ضد الاحتلال الإنجليزى الذى كان يسيطر عليها منذ أمدٍ بعيد. وبعد توقيع معاهدة فرساى سنة (1197 هـ = 1783 م) نالت أمريكا الشمالية استقلالها، واعترفت إنجلترا بذلك، ومنذ هذا التاريخ ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية على مسرح الأحداث العالمية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة (1364هـ =1945م) أصبح لها دور كبير فى السياسة الدولية، وخاصًة فى توجيه الاقتصاد العالمى. |
|
كَوْنُ الشَّيْءِ لَهُ قِيمَة ويُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعاً مَشْرُوعاً.
Monetary value: The description given to an item to denote that it has monetary value and can be utilized in a lawful manner approved by the Shariah. |