نتائج البحث عن (وِصَايَة) 6 نتيجة

(الْوِصَايَة) الْوَصِيَّة (ج) وَصَايَا وَالْولَايَة على الْقَاصِر
وِصَايَة
من (و ص ي) الولاية على القاصر، وكل عهد يؤخذ على الإنسان.
التَّعْرِيفُ:
1 - الْوِصَايَةُ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ وَأَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَالاِسْمُ: الْوِصَايَةُ، بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَأَوْصَاهُ وَوَصَّاهُ تَوْصِيَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَتَوَاصَى الْقَوْمُ: أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَالْوَصِيُّ: مَنْ يُوصَى لَهُ، وَمَنْ يَقُومُ عَلَى شُئُونِ الصَّغِيرِ، وَالْجَمْعُ: أَوْصِيَاءُ (1) .
وَالْوِصَايَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الأَْمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ (2) .
__________
(1) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَمُخْتَار الصِّحَاح، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(2) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَمُخْتَار الصِّحَاح، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَصِيَّةُ:
2 - الْوَصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أَصِيهِ: وَصَلْتُهُ. وَهِيَ مَا يُوصَى بِهِ وَالْجَمْعُ: وَصَايَا (1) .
وَالْوَصِيَّةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ (2) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْوِصَايَةِ كَمَا يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: أَنَّ الإِْيصَاءَ يَعُمُّ الْوَصِيَّةَ. وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مِنَ اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: وَهِيَ تَخْصِيصُ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ الْمُضَافِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتَخْصِيصُ الْوِصَايَةِ بِالْعَهْدِ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ (3) .

ب - الْوَكَالَةُ:
3 - الْوَكَالَةُ لُغَةً: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا: أَنْ يُعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يَعْمَل عَمَلاً، وَالْوَكَالَةُ: عَمَل الْوَكِيل وَمَحَلُّهُ (4) .
وَالْوَكَالَةُ اصْطَلاَحًا عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ الْجَائِزِ الْمَعْلُومِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ. وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ
__________
(1) الْمِصْبَاح الْمُنِير.
(2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 181 ـ 182.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 38 - 39.
(4) مُخْتَار الصِّحَاح.

بِأَنَّهَا: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَل النِّيَابَةَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ (1) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ إِلاَّ أَنَّ الْوِصَايَةَ تَكُونُ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالْوَكَالَةَ تَكُونُ فِي حَال الْحَيَاةِ.

ج - الْوِلاَيَةُ:
4 - الْوِلاَيَةُ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْوَلْيِ بِسُكُونِ اللاَّمِ ـ وَهُوَ الدُّنُوُّ وَالْقُرْبُ. وَوَلِيَ الشَّيْءَ وَعَلَيْهِ وِلاَيَةً: مَلَكَ أَمْرَهُ وَقَامَ بِهِ (2) .
وَالْوِلاَيَةُ اصْطِلاَحًا: تَنْفِيذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ، شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى (3) ، وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوِلاَيَةِ وَالْوِصَايَةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوِصَايَةِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْوَصِيَّةِ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِهِ مُوصِيًا أَوْ مُوصَى إِلَيْهِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوِصَايَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً إِذَا كَانَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالدُّيُونِ الْمَجْهُولَةِ أَوِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا فِي الْحَال، وَكَذَلِكَ الْوِصَايَةُ عَلَى الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمُ الضَّيَاعُ.
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 217، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 4 / 254.
(2) مُخْتَار الصِّحَاح، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(3) التَّعْرِيفَات للجرجاني.

وَأَمَّا الْوِصَايَةُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْمَعْلُومِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ الْمَعْلُومَةِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمُ الَّذِينَ لاَ يُخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيَاعُ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا الْمُوصَى إِلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ قَبُول الْوَصِيَّةِ إِذَا كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا أَوْصَى إِلَيْهِ فِيهِ وَوَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ أَدَاءَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِيصَاء ف 7، وَوَصِيّ ف 4) .

أَنْوَاعُ الأَْوْصِيَاءِ:
أ - وَصِيُّ الْمَيِّتِ وَوَصِيُّ الْقَاضِي:
6 - تَعْيِينُ الأَْوْصِيَاءِ وَاخْتِيَارُهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَل الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ يَكُونَ مِنْ قِبَل الْمَيِّتِ، وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ الأَْوْصِيَاءِ إِلَى نَوْعَيْنِ:

فَالأَْوَّل: وَصِيُّ الْقَاضِي وَهُوَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْقَاضِي لِلإِْشْرَافِ عَلَى شُئُونِ الْقُصَّرِ الْمَالِيَّةِ.

وَالثَّانِي: وَصِيُّ الْمَيِّتِ وَهُوَ مَنْ يَخْتَارُهُ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ أَوْ مَنْ لَهُ حَقُّ الْوِلاَيَةِ مِنْ قِبَلِهِمَا لِيَكُونَ خَلِيفَةً عَنْهُ فِي الْوِلاَيَةِ عَلَى أَوْلاَدِهِ الْقُصَّرِ وَعَلَى أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ وَصِيَّ الْقَاضِي

كَوَصِيِّ الْمَيِّتِ إِلاَّ فِي مَسَائِل:

الأُْولَى: لِوَصِيِّ الْمَيِّتِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، وَأَمَّا وَصِيُّ الْقَاضِي فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا لأَِنَّهُ كَالْوَكِيل وَهُوَ لاَ يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ.

الثَّانِيَةُ: إِذَا خَصَّ الْقَاضِي وَصِيَّهُ بِشَيْءٍ تَخَصَّصَ، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا بَاعَ وَصِيُّ الْقَاضِي مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَصِحَّ، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ.

الرَّابِعَةُ: لِوَصِيِّ الْمَيِّتِ أَنْ يُؤَاجِرَ الصَّغِيرَ بِخِيَاطَةِ الذَّهَبِ وَسَائِرِ الأَْعْمَال، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الْقَاضِي.

الْخَامِسَةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِل وَصِيَّ الْمَيِّتِ الْعَدْل الْكَافِيَ، وَلَهُ عَزْل وَصِيِّ الْقَاضِي.

السَّادِسَةُ: لاَ يَمْلِكُ وَصِيُّ الْقَاضِي الْقَبْضَ إِلاَّ بِإِذْنٍ مُبْتَدَأٍ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ الإِْيصَاءِ بِخِلاَفِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ.

السَّابِعَةُ: يُعْمَل نَهْيُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ وَلاَ يُعْمَل نَهْيُ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى قَبُول التَّخْصِيصِ وَعَدَمِهِ.

الثَّامِنَةُ: وَصِيُّ الْقَاضِي إِذَا جُعِل وَصِيًّا عِنْدَ مَوْتِهِ لاَ يَصِيرُ الثَّانِي وَصِيًّا بِخِلاَفِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ: كَذَا فِي الْيَتِيمَةِ، وَفِي الْخِزَانَةِ وَصِيُّ وَصِيِّ الْقَاضِي كَوَصِيِّهِ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ عَامَّةً (1) .
كَمَا نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ الْقَاضِي يَنْصِبُ وَصِيًّا فِي مَوَاضِعَ: إِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ، أَوْ لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ صَغِيرٌ، وَفِيمَا إِذَا اشْتَرَى مِنْ مُوَرِّثِهِ شَيْئًا وَأَرَادَ رَدَّهُ بِعَيْبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ أَبُ الصَّغِيرِ مُسْرِفًا مُبَذِّرًا فَيَنْصِبُهُ لِلْحِفْظِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتْ ضَيْعَةٌ بَيْنَ خَمْسَةِ وَرَثَةٍ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ صَغِيرٌ وَاثْنَانِ غَائِبَانِ وَاثْنَانِ حَاضِرَانِ فَاشْتَرَى رَجُلٌ نَصِيبَ أَحَدِ الْحَاضِرِينَ، فَطَلَبَ شَرِيكُ الْحَاضِرِ الْقِسْمَةَ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَخْبَرَاهُ بِالْقَضِيَّةِ فَيَأْمُرُ الْقَاضِي شَرِيكَهُ بِالْقِسْمَةِ وَيَجْعَل وَكِيلاً عَنِ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ قَامَ مَقَامَ الْبَائِعِ وَكَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ شَرِيكَهُ لأَِنَّ أَصْل الشَّرِكَةِ كَانَ مِيرَاثًا وَالْعِبْرَةُ لِلأَْصْل، وَفِيمَا إِذَا اشْتَرَى الأَْبُ شَيْئًا مِنِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَنْصِبُ الْقَاضِي وَصِيًّا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَفِيمَا إِذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ أَبٌ غَائِبٌ وَاحْتِيجَ إِلَى إِثْبَاتِ حَقٍّ لِلصَّغِيرِ إِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً وَإِلاَّ فَلاَ، وَفِيمَا
__________
(1) الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص 93 ـ 94.

إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ دَيْنًا فِي تَرِكَةٍ وَكُل الْوَرَثَةِ كِبَارٌ غُيَّبٌ إِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الْوَرَثَةُ مُنْقَطِعًا عَنْ بَلَدِ الْمُتَوَفَّى لاَ يَأْتِي وَلاَ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ إِلَيْهِ نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا لاَ يَنْصِبُ. وَفِيمَا لَوْ قَال الْوَارِثُ: أَنَا لاَ أَقْضِي الدَّيْنَ وَلاَ أَبِيعُ التَّرِكَةَ بَل أُسَلِّمُ التَّرِكَةَ إِلَى الدَّائِنِ نَصَبَ الْقَاضِي مَنْ يَبِيعُ التَّرِكَةَ وَفِيمَا لَوْ مَاتَ عَنْ عُرُوضٍ وَعَقَارٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَامْتَنَعَ الْوَرَثَةُ الْكِبَارُ عَنِ الْبَيْعِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَقَالُوا لِرَبِّ الدَّيْنِ: سَلَّمْنَا التَّرِكَةَ إِلَيْكَ قِيل: يَنْصِبُ الْحَاكِمُ وَصِيًّا، وَقِيل: لاَ، بَل يَأْمُرُ الْوَرَثَةَ بِالْبَيْعِ فَإِنِ امْتَنَعُوا حَبَسَهُمْ كَالْعَدْل الْمُسَلَّطِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، وَإِذَا حَبَسَهُ وَلَمْ يَبِعِ الآْنَ يَنْصِبُ وَصِيًّا أَوْ يَبِيعُ الْحَاكِمُ بِنَفْسِهِ، وَفِيمَا لَوِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ فَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ وَقَدْ مَاتَ بَائِعُهُ وَلاَ وَارِثَ لَهُ فَالْقَاضِي يَنْصِبُ عَنْهُ وَصِيًّا لِيَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَظَهَرَ الْمَبِيعُ حُرًّا وَقَدْ مَاتَ بَايَعَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَلاَ وَارِثًا وَلاَ وَصِيًّا غَيْرَ أَنَّ بَائِعَ الْمَيِّتِ حَاضِرٌ يَجْعَل الْقَاضِي لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَصِيُّ الْمَيِّتِ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِ الْمَيِّتِ، وَفِيمَا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَعْمَى فَالْقَاضِي يَنْصِبُ عَنْهُ وَصِيًّا وَيَأْمُرُ الْمُدَّعِي بِالْخُصُومَةِ مَعَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ جَدٌّ أَوْ وَصِيُّهُمَا. وَفِيمَا لَوْ شَرَى وَكِيلُهُ شَيْئًا فَمَاتَ

فَلِمُوَكِّلِهِ رَدُّهُ بِعَيْبٍ، وَقِيل: حَقُّ الرَّدِّ لِوَارِثِهِ أَوْ لِوَصِيِّهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَلِمُوَكِّلِهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي اللَّيْثِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: الْقَاضِي يَنْصِبُ وَصِيًّا فَيَرُدُّهُ، وَفِيمَا لَوْ مَاتَ الْوَصِيُّ فَوِلاَيَةُ الْمُطَالَبَةِ فِيمَا بَاعَ مِنْ مَال الصَّغِيرِ لِوَرَثَةِ الْوَصِيِّ أَوْ لِوَصِيِّهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا.
وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ وَصِيًّا عَنِ الْمَفْقُودِ لِحِفْظِ حُقُوقِهِ (1) .

اسْتِبْدَال الْقَاضِي الْوَصِيَّ أَوْ ضَمَّ غَيْرَهُ إِلَيْهِ:
7 - الْوَصِيُّ قَدْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنِ الْقِيَامِ بِمَهَامِّ وِلاَيَتِهِ وَقَدْ يَظْهَرُ مِنْهُ خِيَانَةٌ أَوْ فِسْقٌ: فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِمَهَامِّ وِلاَيَتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ضَمَّ الْقَاضِي إِلَيْهِ غَيْرَهُ لِيُعِينَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِذَا كَانَ وَصِيَّ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ؛ لأَِنَّ فِي الضَّمِّ رِعَايَةَ الْحَقَّيْنِ: حَقِّ الْمُوصِي وَحَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لأَِنَّ تَكْمِيل النَّظَرِ يَحْصُل بِهِ، لأَِنَّ النَّظَرَ يَتِمُّ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ شَكَا الْمُوصِي إِلَيْهِ ذَلِكَ فَلاَ يُجِبْهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لأَِنَّ الشَّاكِيَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا تَخْفِيفًا عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ ظَهَرَ لِلْقَاضِي عَجْزُهُ أَصْلاً اسْتَبْدَل بِهِ غَيْرَهُ رِعَايَةً لِلنَّظَرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
__________
(1) غَمْز عُيُون الْبَصَائِرِ لِلْحَمَوِيّ 1 / 363 ـ 365.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا ضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ بِمَهَامِّهِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ مَنْصُوبَ الْقَاضِي عَزَلَهُ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلاَّهُ.
أَمَّا إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ أَوْ فِسْقٌ فَإِنَّهُ يُعْزَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَيُقِيمُ مَكَانَهُ غَيْرَهُ لأَِنَّهُ إِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فَاتَتِ الأَْمَانَةُ، وَالْمَيِّتُ إِنَّمَا اخْتَارَهُ لأَِجْلِهَا، وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ إِبْقَاؤُهُ بَعْدَ فَوَاتِهَا، كَأَنْ مَاتَ وَلاَ وَصِيَّ لَهُ. (1) .

ب - الْوَصِيُّ الْمُتَطَوِّعُ وَالْوَصِيُّ الْمُسْتَجْعَل:
8 - الْوَصِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْجُوَرًا.
يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: لاَ يَخْلُو حَال الْوَصِيِّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا أَوْ مُسْتَجْعَلاً، فَإنْ تَطَوَّعَ فَهِيَ أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ، وَإِنِ اسْتُجْعِل فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِعَقْدٍ. وَالثَّانِي: بِغَيْرِ عَقْدٍ.
فَإِنْ كَانَ عَنْ عَقْدٍ فَهِيَ إِجَارَةٌ لاَزِمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا تَضَمَّنَهَا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا،
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 208، وَالْبَحْرِ الرَّائِقِ 8 / 524، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 68، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 141، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 394، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 6 / 389.

وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا ضَعُفَ عَنْهُ، وَلَهُ الأُْجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَقْدٍ: فَهِيَ جَعَالَةٌ، ثُمَّ هِيَ ضَرْبَانِ: مُعَيَّنَةٌ وَغَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً كَأَنْ قَال: إِنْ قَامَ زَيْدٌ بِوَصِيَّتِي فَلَهُ مِائَةٌ، فَإِنْ قَامَ بِهَا غَيْرُ زَيْدٍ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ قَامَ بِهَا زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَلاَ شَيْءَ لِعَمْرٍو، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ عَاوَنَ زَيْدًا فِيهَا فَلِزَيْدٍ جَمِيعُ الْمِائَةِ، وَإِنْ عَمِل لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِزَيْدٍ إِلاَّ نِصْفُ الْمِائَةِ، لأَِنَّ لَهُ نِصْفَ الْعَمَل.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ قَامَ بِوَصِيَّتِي هَذِهِ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَأَيُّ النَّاسِ قَامَ بِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَهُ الْمِائَةُ، فَإِنْ قَامَ بِهَا جَمَاعَةٌ كَانَتِ الْمِائَةُ بَيْنَهُمْ. وَإِذَا قَامَ بِهَا وَاحِدٌ وَكَانَ كَافِيًا مُنِعَ غَيْرُهُ بَعْدَ الْعَمَل أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي إِنْفَاذِ الْوَصَايَا وَالْقِيَامِ بِالْوَصِيَّةِ عَنْ إِتْمَامِهَا لَمْ يُجْبَرْ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْجَعَالَةِ لاَ يَلْزَمُ، وَجَازَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ رَفْعِ يَدِهِ أَنْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ، وَلِلأَْوَّل مِنَ الْجَعَالَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَلِلثَّانِي بِقَدْرِ عَمَلِهِ مُقْسِطًا عَلَى أُجُورِ أَمْثَالِهِمَا (1) . (ر: إِيصَاء ف 17) .
__________
(1) الْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 10 / 210 ط دَار الْفِكْرِ.

أَرْكَانُ الْوَصِيَّةِ:
لِلْوِصَايَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ وَهِيَ: الْوَصِيُّ، وَالْمُوصِي، وَالْمُوصَى بِهِ، وَالصِّيغَةُ.
وَلِكُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ نُفَصِّلُهَا فِيمَا يَلِي:

الرُّكْنُ الأَْوَّل: الْوَصِيُّ:
9 - الْوَصِيُّ مَنْ عَهِدَ إِلَيْهِ الرَّجُل أُمُورَهُ لِيَقُومَ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَصَالِحِهِ كَقَضَاءِ دُيُونِهِ (1) ، وَاشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَصِيِّ شُرُوطًا، مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا هُوَ: الْعَقْل، وَالإِْسْلاَمُ إِذَا كَانَ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفِ الْمُوصَى بِهِ، أَوِ الْكِفَايَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ (2) .
__________
(1) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 574 دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ بَيْرُوت، وَالْفَتَاوَى الْخَانِيَة 3 / 513، وَتَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير 10 / 411، وَالاِخْتِيَارِ 5 / 62، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 414، وَالْمَحَلِّيّ شَرْح الْمِنْهَاج 3 / 177 وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 393.
(2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 8 / 416 وَمَا بَعْدَهَا ط دَار الْفِكْرِ، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 200، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل لِلشَّيْخِ عِلِيش 4 / 689، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب 3 / 74، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 311، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137، شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 574، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 519، وَتَبْيِينِ الْحَقَائِقِ 6 / 206، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ 6 / 138.

وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَهُوَ الْوِصَايَةُ إِلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالأَْعْمَى وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْكَافِرِ.

أـ الْوِصَايَةُ إِلَى الصَّبِيِّ:
10 - الصَّبِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ، وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِلْوِلاَيَةِ وَالأَْمَانَةِ، وَلأَِنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ وَالِيًا كَالطِّفْل غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ (1) ، وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى إِلَى صَبِيٍّ فَالْقَاضِي يُخْرِجُهُ عَنِ الْوِصَايَةِ
__________
(1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 448، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138، الشَّرْح الْكَبِير للدردير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ 3 / 74، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 94 ـ 95، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 530 1

وَيَجْعَل مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ فِي نَفَاذِ تَصَرُّفِهِ قَبْل أَنْ يُخْرِجَهُ الْقَاضِي مِنَ الْوِصَايَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَنْفُذُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يَنْفُذُ وَهُوَ الصَّحِيحُ (1) .

الْقَوْل الثَّانِي: صِحَّةُ الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ قَدْ جَاوَزَ سِنُّهُ عَشْرَ سِنِينَ قِيَاسًا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ مِنْ صِحَّةِ وَكَالَتِهِ (2) .

ب ـ الْوِصَايَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ: 11 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: صِحَّةُ الْوِصَايَةِ إِلَيْهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ شُرَيْحٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي ثَوْرٍ (3) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ (4) ، وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْل الشَّهَادَةِ فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهَا كَالرَّجُل.
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138.
(2) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137.
(3) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ للدردير 4 / 452، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 75، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138.
(4) أَثَر عُمَر أَنَّهُ أُوصِيَ إِلَى حَفْصَة. . . . أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (6 / 200ـ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ أُمَّ الأَْطْفَال أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ عِنْدَ تَوَافُرِ الشُّرُوطِ، لِوُفُورِ شَفَقَتِهَا، وَخُرُوجِهَا مِنْ خِلاَفِ الاِصْطَخْرِيِّ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَلِي بَعْدَ الأَْبِ وَالْجَدِّ، وَكَذَا أَوْلَى مِنَ الرِّجَال أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ إِذَا كَانَ فِيهَا مَا فِيهِمْ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالاِسْتِرْبَاحِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِلاَّ فَلاَ (1) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ قَاضِيَةً فَلاَ تَكُونُ وَصِيَّةً كَالْمَجْنُونِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ (2) .

ج ـ الْوِصَايَةُ إِلَى الأَْعْمَى:
12 - ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَى الأَْعْمَى؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الشَّهَادَةِ وَالْوِلاَيَةِ فِي النِّكَاحِ وَفِي الْوِلاَيَةِ عَلَى أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ، فَصَحَّتِ الْوِصَايَةُ إِلَيْهِ كَالْبَصِيرِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوِصَايَةُ إِلَيْهِ تَأْسِيسًا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلاَ شِرَاؤُهُ، فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْوِلاَيَةِ (3) .
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 75.
(2) الْحَاوِي للماوردي 10 / 189، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 312، وَالْمُغْنِي 6 / 137.
(3) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74، وَالْحَاوِي 10 / 189.

د ـ الْوِصَايَةُ إِلَى الْفَاسِقِ:
13 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَصِيِّ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَتَصِحُّ الْوِصَايَةُ إِلَى فَاسِقٍ، مَتَى كَانَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ وَلاَ يُخْشَى مَعَهُ الْخِيَانَةُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَصِيِّ فَلاَ تَصِحُّ الْوِصَايَةُ إِلَى فَاسِقٍ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِيصَاء ف 11) .

هـ - الْوِصَايَةُ إِلَى الْعَبْدِ:
14 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوِصَايَةِ لِلْعَبْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْعَبْدِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ مُنْعَدِمَةٌ لأَِنَّ الرِّقَّ يُنَافِيهَا، وَلأَِنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْوِلاَيَةِ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا قَلْبُ الْمَشْرُوعِ، وَلأَِنَّ الْوِلاَيَةَ الصَّادِرَةَ مِنَ الأَْبِ لاَ تَتَجَزَّأُ، وَفِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ تَجْزِئَتُهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ بَيْعَ رَقَبَتِهِ، وَهَذَا

خِلاَفُ الْمَوْضُوعِ (1) .

الْقَوْل الثَّانِي: صِحَّةُ الْوِصَايَةِ لِلْعَبْدِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّهُ تَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّ أَنْ يُوصَى إِلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا إِذَا وَقَعَتِ الْوِصَايَةُ إِلَى الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذَنْ سَيِّدِهِ فَلاَ بُدَّ فِي تَصَرُّفِهِ مِنْ إِذَنْ سَيِّدِهِ.
وَذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوِصَايَةُ إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ وَلاَ تَصِحُّ إِلَى عَبْدِ غَيْرِهِ (2) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوِصَايَةُ إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَرَثَتِهِ رَشِيدٌ لأَِنَّهُ مُخَاطَبٌ مُسْتَبِدٌّ بِالتَّصَرُّفِ فَيَكُونُ أَهْلاً لِلْوِصَايَةِ وَلَيْسَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ وِلاَيَةٌ، فَإِنَّ الصِّغَارَ وَإِنْ كَانُوا مُلاَّكًا لَيْسَ لَهُمْ وِلاَيَةُ النَّظَرِ فِيهِ، فَلاَ مُنَافَاةَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ أَوِ الإِْيصَاءُ إِلَى عَبْدِ الْغَيْرِ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ إِذْ كَانَ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ، بِخِلاَفِ الأَْوَّل فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي وَلاَ لِلصِّغَارِ مَنْعُهُ بَعْدَمَا ثَبَتَ الإِْيصَاءُ إِلَيْهِ، وَكَذَا لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، وَإِيصَاءُ الْمَوْلَى إِلَيْهِ يُؤْذِنُ
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 207 ـ 208، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74. /
(2) الشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 207 ـ 208، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137.

بِكَوْنِهِ نَاظِرًا لَهُمْ فَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ (1) .

وـ الْوِصَايَةُ إِلَى الْكَافِرِ:
15 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ (2) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (3) } ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ. عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: جَوَازُ الْوِصَايَةِ إِلَى الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ عَدْلاً فِي دِينِهِ لأَِنَّ عَدَمَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ فَمَعَ الْكُفْرِ أَوْلَى (4) .

الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ فَأَمَّا وِصَايَةُ الذِّمِّيِّ إِلَى الذِّمِّيِّ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا وِصَايَةُ الذِّمِّيِّ إِلَى الْحَرْبِيِّ
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 207 ـ 208.
(2) الْهِدَايَة شَرْح الْبِدَايَةِ للمرغيناني 4 / 191، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138 وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير 4 / 452، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74.
(3) سُورَة النِّسَاء: 141.
(4) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137 ـ 138، وَالإِْنْصَاف 7 / 298.

مُسْتَأْمَنًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ فَلاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الذِّمِّيَّ مِنَ الْحَرْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمُ لَوْ أَوْصَى إِلَى الذِّمِّيِّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (1) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ قِيَاسًا عَلَى شَهَادَتِهِ (2) .

وَقْتُ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشُّرُوطِ:
16 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ تَوَافُرُ شُرُوطِ الْوَصِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (3) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عِنْدَ الإِْيصَاءِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (4) .
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74، الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137ـ138، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير 4 / 452.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 74، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 311، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137 ـ 138، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 574، وَالْكَافِي 2 / 520، وَابْن عَابِدِينَ 5 / 448.
(4) الإِْنْصَاف 7 / 289.

الْقَوْل الثَّالِثُ: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ عِنْدَ الإِْيصَاءِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ مَعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) ، لأَِنَّهَا شُرُوطٌ لِلْعَقْدِ فَاعْتُبِرَتْ حَال وُجُودِهِ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَاعْتُبِرَ وُجُودُهَا عِنْدَهُ (2) .

الْقَوْل الرَّابِعُ: يُشْتَرَطُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عِنْدَ الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهَذَا وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (3) ، لأَِنَّ كُل وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ التَّصَرُّفَ فَاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ فِي الْجَمِيعِ (4) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِيصَاء ف 12) .

الْوِصَايَةُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ:
17 - الإِْيصَاءُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِثْل: جَعَلْتُكُمَا وَصِيَّيْنِ، أَوْ بِلَفْظَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ زَمَانَيْنِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ فِي وَصِيَّتِهِ: إِنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَإِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
__________
(1) الإِْنْصَاف 7 / 289 رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 311، الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137ـ138، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 574، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 519، وَالإِْنْصَافِ 7 / 289.
(2) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 574.
(3) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 311، وَالإِْنْصَاف 7 / 228.
(4) الْمُهَذَّب 1 / 470.

الزُّبَيْرِ (1) ؛ وَلأَِنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَتْ إِلَى اثْنَيْنِ كَالْوَكَالَةِ.
وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ إِلَى رَجُلَيْنِ وَخَصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لَمْ يَخُصَّ بِهِ الآْخَرَ، كَأَنْ يَجْعَل إِلَى أَحَدِهِمَا قَضَاءَ الدُّيُونِ، وَإِلَى الثَّانِي إِخْرَاجَ الثُّلُثِ، أَوْ يَجْعَل إِلَى أَحَدِهِمَا إِنْفَاذَ الْوَصِيَّةِ، وَإِلَى الثَّانِي الْوِلاَيَةَ عَلَى الأَْطْفَال، فَوَصِيَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ مَقْصُورَةً عَلَى مَا جَعَل إِلَيْهِ، وَيَتَفَرَّدُ فِيهَا بِالتَّصَرُّفِ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيمَا جَعَل إِلَى الآْخَرِ.
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ: فَالْوِصَايَةُ هُنَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنَّ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعَدُّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا، وَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا جَازَ، وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ كَانَ لِلآْخَرِ الاِنْفِرَادُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ لاَ مُنْفَرِدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى إِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَتَفَرَّدَ بِشَيْءٍ
__________
(1) أَثَر عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَتَبَ فِي وَصِيَّتِهِ. . . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (8 / 282 - 283، ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) .

مِنْهَا، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لاَ يَصِيرُ الأَْمْرُ إِلَى الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُعَيِّنُ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَكَانَهُ يَضُمُّهُ إِلَى الْحَيِّ، وَلاَ يَتَفَرَّدُ أَيْضًا فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ، وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا رَدَّ الْحَاكِمُ الْوِصَايَةَ إِلَى اثْنَيْنِ اسْتِتْبَاعًا لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي، قَال ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ: وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لاَ أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلاَفًا (1) .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْوَصِيَّةَ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ اجْتِمَاعَهُمَا أَوِ انْفِرَادَهُمَا كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ إِلَيْكُمَا.
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ دُونَ الآْخَرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالاِجْتِمَاعِ فِي الْوَصِيَّةِ. لأَِنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَلأَِنَّهُ أَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ فَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ كَالْوَكِيلَيْنِ وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (2) .
__________
(1) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 137، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ للزيلعي 6 / 208.
(2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 209، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل 4 / 693، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير 4 / 453 - 454، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ الْمَوْضِع نَفْسه، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 317 ـ 319، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 138، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد 2 / 521.

وَإِنْ فَسَقَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ أَمِينًا، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَوِّضَ الْجَمِيعَ إِلَى الْبَاقِي لِذَلِكَ (1) .
وَاسْتَثْنَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ جَوَازَ انْفِرَادِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ عِنْدَ إِطْلاَقِ الْوَصِيَّةِ لَهُمَا دُونَ تَحْدِيدٍ فِي الأُْمُورِ التَّالِيَةِ:
أ) شِرَاءُ كَفَنِ الْمَيِّتِ وَتَجْهِيزُهُ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ الْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْجِيرَانُ عِنْدَ ذَلِكَ.
ب) فِي طَعَامِ الصِّغَارِ وَكِسْوَتِهِمْ، لأَِنَّهُ يَخَافُ مَوْتَهُمْ جُوعًا وَعُرْيًا إِذَا انْتَظَرَ تَصَرُّفَ الآْخَرِ.
ج) فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، لأَِنَّ رَدَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لَيْسَ مِنَ الْوِلاَيَةِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْمَالِكُ.
د) فِي حِفْظِ الأَْمْوَال وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى وِلاَيَةٍ يَسْتَمِدُّهَا الْوَصِيُّ مِنَ الْمُوصِي، فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إِذَا ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَحِفْظُ الْمَال يَمْلِكُهُ مَنْ يَقَعُ فِي يَدِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الإِْعَانَةِ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى
__________
(1) الْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 521، وَالْمُغْنِي 6 / 142 وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78.

الاِثْنَيْنِ لِلْحَاجَةِ إِلَى رَأْيِهِمَا وَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ.
هـ) فِي تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ بِعَيْنِهَا وَعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ.
و) فِي الْخُصُومَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، لأَِنَّ الاِجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَا لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلاَّ أَحَدُهُمَا غَالِبًا، وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهَا أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ.
ز) فِي قَبُول الْهِبَاتِ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ خِيفَةَ الْفَوَاتِ.
ح) فِي بَيْعِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ وَالْهَلاَكُ، لأَِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لاَ تَخْفَى.
ط) فِي جَمْعِ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ، وَلأَِنَّهُ يَمْلِكُهُ كُل مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْوِلاَيَةِ (1) .
وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ إِلاَّ فِي الأُْمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ، بِأَنَّ الْوِلاَيَةَ تَثْبُتُ بِالتَّفْوِيضِ، فَيُرَاعَى وَصْفُ التَّفْوِيضِ، وَهُوَ وَصْفُ الاِجْتِمَاعِ، إِذْ هُوَ شَرْطٌ مُقَيِّدٌ، وَمَا رِضَى الْمُوصِي إِلاَّ بِالْمُثَنَّى، وَلَيْسَ الْوَاحِدُ كَالْمُثَنَّى (2) .
__________
(1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 503 ـ 504.
(2) الْهِدَايَة بِأَعْلَى نَتَائِجِ الأَْفْكَارِ 10 / 502.

كَمَا اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ رَدَّ الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَالأَْعْيَانِ الْمُوصَى بِهَا، وَقَضَاءُ دَيْنٍ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ فَلأَِحَدِهِمَا الاِسْتِقْلاَل بِهِ؛ لأَِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَسْتَقِل بِأَخْذِ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرُّهُ اسْتِقْلاَل أَحَدِهِمَا بِهِ (1) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّ الْوِصَايَةَ سَبِيلُهَا الْوِلاَيَةُ، وَهِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَامِلاً كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ لِلأَْخَوَيْنِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُزَوِّجَ.
وَلأَِنَّ الْوِصَايَةَ خِلاَفَةٌ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْخِلاَفَةُ إِذَا انْتَقَلَتِ الْوِلاَيَةُ إِلَى الْوَصِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُوصِي، وَقَدْ كَانَ بِوَصْفِ الْكَمَال، وَلأَِنَّ اخْتِيَارَ الأَْبِ إِيَّاهُمَا يُؤْذِنُ بِاخْتِصَاصِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّفَقَةِ، فَيَنْزِل ذَلِكَ مَنْزِلَةَ قَرَابَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (2) .

حُكْمُ مَوْتِ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ أَوْ طُرُوءِ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ:
أـ مَوْتُ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ:
18 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَا إِذَا مَاتَ
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77 ـ 78.
(2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 209، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 502 ـ 504.

أَحَدُ الأَْوْصِيَاءِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَعَل الْقَاضِي مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ، لأََنَّ الْبَاقِيَ عَاجِزٌ عَنِ التَّفَرُّدِ بِالتَّصَرُّفِ فَيَضُمُّ الْقَاضِي إِلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ، وَلأَِنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ لَكِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ أَنْ يَخْلُفَهُ اثْنَانِ فِي حُقُوقِهِ وَذَلِكَ مُمْكِنُ التَّحَقُّقِ بِنَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ مَكَانَ الْمَيِّتِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ مِنْهُمَا لَوْ أَوْصَى إِلَى الْحَيِّ فَلِلْحَيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَحْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، لأَِنَّ رَأْيَ الْمَيِّتِ بَاقٍ حُكْمًا بِرَأْيِ مَنْ يَخْلُفُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يَحْتَاجُ الْقَاضِي إِلَى نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ مِنْهُمَا إِلَى الْحَيِّ لاَ يَنْفَرِدُ الْحَيُّ بِالتَّصَرُّفِ لأََنَّ الْمُوصِيَ مَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى غَيْرِهِ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى كَمَا رَضِيَهُ الْمُتَوَفَّى (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَا
__________
(1) الاِخْتِيَار 5 / 68 وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 505، وَالْمُهَذَّب 1 / 463، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77 ـ 78، وَالْمُغْنِي 6 / 142 ـ 143، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 439.

فِي أَمْرٍ كَبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، نَظَرَ الْقَاضِي فِي الأَْمْرِ وَيَقْضِي بِالأَْصْلَحِ مِنِ اسْتِقْلاَل الْحَيِّ فِي الْوِصَايَةِ أَوْ جَعْل غَيْرِهِ مَعَهُ، أَوْ رَدِّ فِعْل أَحَدِهِمَا حَال الاِخْتِلاَفِ أَوْ إِمْضَائِهِ وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِهِ فِي حَيَاةِ الآْخَرِ بِلاَ إِذْنٍ مِنَ الْوَصِيِّ الآْخَرِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ جَازَ (1) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْوَصِيَّانِ جَمِيعًا لَزِمَ الْحَاكِمَ نَصْبُ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا، وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ لِلْحَاكِمِ نَصْبَ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا كَمَا أَنَّ لَهُ الاِقْتِصَارَ عَلَى نَصْبِ وَاحِدٍ (2) .

ب ـ طُرُوءُ مَا يُوجِبُ عَزْل أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ:
19 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا جُنَّ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ فَسَقَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَزْلَهُ أَقَامَ الْحَاكِمُ وَصِيًّا آخَرَ مَقَامَهُ وَلَيْسَ لَهُ جَعْل الآْخَرِ مُسْتَقِلًّا فِي التَّصَرُّفِ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ وَصِيٍّ وَاحِدٍ (3) .
__________
(1) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 453، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 608، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 201.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَالْمُغْنِي 6 / 143، وَالإِْنْصَاف 7 / 290.
(3) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 451، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 521.

اخْتِلاَفُ الْوَصِيَّيْنِ فِي حِفْظِ الْمَال وَقِسْمَتِهِ:
20 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اقْتِسَامِ الْوَصِيَّيْنِ الْمَال الَّذِي هُوَ تَحْتَ وِصَايَتِهِمَا عِنْدَ اخْتِلاَفِهِمَا فِي حِفْظِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيَّيْنِ قِسْمَةُ الْمَال الَّذِي تَحْتَ وِصَايَتِهِمَا بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّ أَرَادَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَالِهِ، فَإِنِ اقْتَسَمَاهُ ضَمِنَا مَا تَلِفَ مِنْهُ لِتَعَدِّي وَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهِ بِاسْتِقْلاَلِهِ بِهِ، وَالآْخَرِ لِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (1) .
يَقُول الزُّرْقَانِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ الْمَال بَيْنَهُمَا، لأَِنَّهُ قَدْ يَزِيدُ بِاجْتِمَاعِهِمَا لأَِمَانَةِ أَحَدِهِمَا وَكِفَايَةِ الآْخَرِ، وَإِلاَّ بِأَنِ اقْتَسَمَاهُ ضَمِنَا مَا تَلِفَ مِنْهُ ـ وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ ظَاهِرٍ ـ ضَمَانَ الْجَمِيعِ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ لاِسْتِبْدَادِهِ فِيهِ، وَمَا تَلِفَ عِنْدَ صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَضْمَنَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً دُونَ مَا هَلَكَ بِيَدِهِ. . ثُمَّ قَال: وَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ كُل وَاحِدٍ يَضْمَنُ مَا سَلِمَ
__________
(1) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 201، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 576، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 396.

لِصَاحِبِهِ، وَالْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ كُل وَاحِدٍ مَا تَلِفَ بِيَدِهِ.
وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُل وَاحِدٍ غَرِيمٌ إِمَّا بِمَا فِي قَبْضَةِ صَاحِبِهِ، وَإِمَّا بِجَمِيعِ الْمَال (1) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ عِنْدَ مَنْ يُجْعَل الْمَال مِنْهُمَا، لَمْ يُجْعَل عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمَا فِي مَكَانٍ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْمَنْ أَحَدَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ وَلاَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. . ثُمَّ قَال: وَلَنَا أَنَّ حِفْظَ الْمَال مِنَ الْمُوصَى بِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِهِ، كَالتَّصَرُّفِ.
وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِحِفْظِ بَعْضِهِ لَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي بَعْضِهِ (2) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا الْمَال بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إِنْ كَانَ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُمَا يَتَهَايَآنِ زَمَانًا أَوْ يُودِعَانِهِ عِنْدَ آخَرَ، لأَِنَّ لَهُمَا وِلاَيَةَ الإِْيدَاعِ، وَقِيل: يُودَعُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا.
__________
(1) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 201.
(2) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 576، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 396.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوِ اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي حِفْظِ الْمَال، فَإِنِ احْتَمَل الْقِسْمَةَ يَكُونُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَإِلاَّ فَيَتَهَايَآنِ زَمَانًا أَوْ يَسْتَوْدِعَانِهِ، لأَِنَّ لَهُمَا الإِْيدَاعَ (1) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي حِفْظِ الْمَال وَالْمَقْسُومِ، قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي النِّصْفِ الْمَقْسُومِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَيَتَصَرَّفَانِ مَعًا فِي الْكُل، بِأَنْ يَتَصَرَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ فِيمَا بِيَدِهِ وَيَدِ صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَال بِيَدِهِمَا كَانَ النِّصْفُ بِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَجَازَ أَنْ يُعَيَّنَ ذَلِكَ النِّصْفُ.
هَذَا إِذَا انْقَسَمَ الْمُوصَى فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ جَعَلَهُ الْحَاكِمُ تَحْتَ يَدِهِمَا، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِنَائِبٍ لَهُمَا فِي الْحِفْظِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِنَائِبٍ لَهُمَا حَفِظَهُ الْقَاضِي.
وَهَذَا التَّفْصِيل فِي وَصِيَّيِ التَّصَرُّفِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْحِفْظِ إِلَى وَقْتِ التَّصَرُّفِ.
أَمَّا وَصِيَّا الْحِفْظِ فَلاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِحَالٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (2) .
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ 6 / 706، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 142.
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 71، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 319.

مَرْتَبَةُ الْوَصِيِّ فِيمَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى الْقُصَّرِ:
21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَرْتَبَةِ الْوَصِيِّ بَيْنَ مَنْ يَتَوَلُّونَ أَمْرَ الصَّغِيرِ:
- فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ فِي مَال الصَّغِيرِ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ وَصِيِّ وَصِيِّهِ وَلَوْ بَعْدُ.
فَلَوْ مَاتَ الأَْبُ وَلَمْ يُوصِ فَالْوِلاَيَةُ لأَِبِي الأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ وَصِيِّ وَصِيِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْقَاضِي وَمَنْصُوبِهِ.
وَوَصِيُّ الأَْبِ عِنْدَهُمْ أَحَقُّ بِمَال الطِّفْل مِنَ الْجَدِّ، وَذَلِكَ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْبِ تَنْتَقِل إِلَى وَصِيِّهِ بِالإِْيصَاءِ. فَتَكُونُ وِلاَيَةُ الْوَصِيِّ قَائِمَةً مَعْنًى وَتَتَقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ كَالأَْبِ نَفْسِهِ.
وَلأَِنَّ اخْتِيَارَ الأَْبِ لِلْوَصِيِّ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الْجَدِّ يَدُل عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ أَنْظَرُ وَأَحْسَنُ لأَِوْلاَدِهِ مِنْ تَصَرُّفِ الْجَدِّ (1) .
- وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى مَال الصَّغِيرِ تَكُونُ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ لِلْقَاضِي، دُونَ الأَْجْدَادِ وَالأَْعْمَامِ وَالإِْخْوَةِ، لأَِنَّهُمْ يُدَلُّونَ لِلْمَيِّتِ بِوَاسِطَةٍ، بِخِلاَفِ الأَْبِ فَإِنَّهُ يُدَلِّي بِنَفْسِهِ.
__________
(1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 6 / 714، 715، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 213.

غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ لِلأُْمِّ أَنْ تُوصِيَ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: الأَْوَّل: أَنْ يَقِل الْمَال الَّذِي أَوْصَتْ بِسَبَبِهِ، وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ هُوَ الْعُرْفُ.
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ وَلِيٌّ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّ الأَْبِ أَوْ وَصِيِّ قَاضٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَرِثَ الصَّغِيرُ ذَلِكَ الْمَال عَنْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَال لَهَا وَمَاتَتْ (1) .

- وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلأَْبِ عَلَى الصَّحِيحِ نَصْبُ وَصِيٍّ عَلَى الأَْطْفَال وَنَحْوِهِمْ كَالْمَجَانِينِ وَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا وَالْجَدُّ حَيٌّ حَاضِرٌ بِصِفَةِ الْوِلاَيَةِ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا فَلَيْسَ لَهُ نَقْل الْوِلاَيَةِ عَنْهُ كَوِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْجَدُّ غَائِبًا فَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ أَرَادَ الأَْبُ الإِْيصَاءَ بِالتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ إِلَى حُضُورِهِ، فَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْبُلُوغِ: الْجَوَازُ، وَيُحْتَمَل الْمَنْعُ، لأَِنَّ الْغَيْبَةَ لاَ تَمْنَعُ حَقَّ الْوِلاَيَةِ (2) .
وَأَمَّا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا فَلِلأَْبِ نَصْبُ
__________
(1) شَرْح مَنَحَ الْجَلِيل 4 / 688، وَالشَّرْح الْكَبِير لِلدُّسُوقِيِّ 4 / 452، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 518.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب 3 / 75.

الْوَصِيِّ فِي حَيَاةِ الْجَدِّ وَيَكُونُ الْوَصِيُّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْصِبْ وَصِيًّا فَأَبُوهُ أَوْلَى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَمْرِ الأَْطْفَال، وَالْحَاكِمُ أَوْلَى بِتَنْفِيذِ الْوَصَايَا. كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ (1) .

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوصِي:
الْمُوصِي هُوَ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ أَمْرٌ لِغَيْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي أُمُورِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (2) ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ وِصَايَتِهِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: التَّكْلِيفُ (وَهُوَ الْعَقْل وَالْبُلُوغُ) :
22 - أَمَّا الْعَقْل: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي عَاقِلاً، فَلاَ تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ مُبَرْسَمٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ قَبْل إِفَاقَتِهِ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لِهَؤُلاَءِ وَلاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِمْ (3) .
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لَهُ
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 315، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 76.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 73، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 311.
(3) الْبَدَائِع 7 / 334، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص398، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ 2 / 204 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 97، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَالإِْنْصَاف 7 / 185 ـ 187.

وَلأَِنَّهُ يُوَلَّى عَلَيْهِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ لاَ يَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ.
أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِصَايَتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَتِ الْوِصَايَةُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى صِحَّةِ وِصَايَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، لأَِنَّهَا تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ فَصَحَّ مِنْهُ كَالإِْسْلاَمِ وَالصَّلاَةِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ الْوِصَايَةِ مِنَ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِل الْقُرْبَةَ كَمَا قَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ صِحَّةَ الْوِصَايَةِ مِنَ الْمُمَيِّزِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ (1) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي حُرًّا فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ
__________
(1) الْبَدَائِع 7 / 334، وَجَامِع أَحْكَام الصِّغَار ص340، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 520 - 521، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ 2 / 204 ـ 205، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص398، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 88، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 75، 39، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَالإِْنْصَاف 7 / 185 ـ 186.

وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) إِلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمُوصِي فَلاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الْعَبْدِ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، لأَِنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْوِلاَيَاتِ الْمُتَعَدِّيَةَ كَوِلاَيَةِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَغَيْرِهَا لأَِنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْقُدْرَةِ الْحُكْمِيَّةِ، إِذِ الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَالرِّقُّ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ.
كَمَا أَنَّ الأَْصْل فِي الْوِلاَيَاتِ وِلاَيَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ التَّعَدِّي مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ (1) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ وِصَايَةِ الْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَال لأَِنَّ لَهُ عِبَارَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً (2) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الرُّشْدُ:
24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصِي رَشِيدًا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَيَصِحُّ إِيصَاءُ السَّفِيهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ، لأَِنَّ السَّفَهَ
__________
(1) الْبَدَائِع 7 / 334، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 4، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى الرِّسَالَةِ 2 / 205، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص398، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ الْحَوَاشِي 7 / 88، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 75، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 68 وَالْحَاوِي للماوردي 10 / 190، وَالتَّقْرِير وَالتَّحْبِير عَلَى التَّحْرِيرِ 2 / 185، وَكَشَفَ الأَْسْرَار عَنْ أُصُول البزدوي 4 / 491.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَالإِْنْصَاف 7 / 183.

لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ، وَلاَ شَيْئًا مِنَ الأَْحْكَامِ سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصِي رَشِيدًا، فَلَيْسَ لِلأَْبِ السَّفِيهِ أَنْ يُوصِيَ عَلَى وَلَدِهِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لَهُ الْحَاكِمُ لأَِنَّ الأَْبَ السَّفِيهَ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَى وَلَدِهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى.
وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ فِي بَابِ الْمُوصَى إِلَيْهِ صِحَّةُ وَصِيَّةِ السَّفِيهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَال (1) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْعَدَالَةُ:
25 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي، فَتَصِحُّ وِصَايَةُ الْفَاسِقِ (2) .
__________
(1) التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 191، وَالتَّقْرِيرِ وَالتَّجْبِيرِ 2 / 201، وَالْحَاوِي للماوردي 10 / 190، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 68، وَالإِْنْصَاف 7 / 185، شَرْح الْمُنْتَهَى 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336 ـ 337.
(2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر ص386 وَتَكْمِلَة الْبَحْرِ الرَّائِقِ 8 / 459 وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَالإِْنْصَافِ 7 / 183.

وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ إِطْلاَقِ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُوصِي فَلاَ تَصِحُّ وِصَايَةُ الْفَاسِقِ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةٌ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لاَ تَصِحَّ مِنْهُ تَوْلِيَةٌ (2) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْوِلاَيَةُ:
26 - يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصِي أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى مَنْ يُوصَى عَلَيْهِ.
وَلِلتَّفْصِيل فِيمَنْ لَهُ تَوْلِيَةُ الْوَصِيِّ (ر: ف 6، وَإِيصَاء ف 9) .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ ضِمْنَ شُرُوطِ الْمُوصِي أَنْ لاَ يَكُونَ لِلطِّفْل مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوِلاَيَةَ، لأَِنَّ مُسْتَحِقَّ الْوِلاَيَةِ بِنَفْسِهِ أَقْوَى مِمَّنِ اسْتَحَقَّهَا بِغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى الأَْبُ بِالْوِلاَيَةِ عَلَى أَطْفَالٍ وَهُنَاكَ جَدٌّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (3) .
وَلَمْ يَشْتَرِطْ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا الشَّرْطَ.
__________
(1) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 452، وَالْخَرَشِيّ 8 / 192.
(2) الْحَاوِي للماوردي 10 / 190، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 79.
(3) الْحَاوِي 10 / 191، مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 75 ـ 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 89.

الشَّرْطُ السَّادِسُ: الإِْسْلاَمُ: 27 - الأَْصْل أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ فَلاَ يَصِحُّ إِيصَاءُ الْكَافِرِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى أَوْلاَدِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إِيصَاءُ الذِّمِّيِّ إِلَى ذَمِّيٍّ عَلَى أَوْلاَدِهِ الذِّمِّيِّينَ فَصَحِيحٌ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا أَوْصَى الذِّمِّيُّ إِلَى الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ الذِّمِّيَّ مِنَ الْحَرْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمُ لَوْ أَوْصَى إِلَى الذِّمِّيِّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (1) .

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى بِهِ:
28 - الْمُوصَى بِهِ هُوَ التَّصَرُّفُ الَّذِي عَهِدَ بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى بِهِ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا مَعْلُومًا يَمْلِكُ الْمُوصِي فِعْلَهُ، لأَِنَّ الإِْيصَاءَ كَالْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيُّ يَتَصَرَّفُ بِالإِْذْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ الْمُوصِي، مِثْل الإِْيصَاءِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَوْزِيعِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، وَرَدِّ وَدَائِعَ إِلَى أَهْلِهَا، وَاسْتِرْدَادِهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ وَرَدِّ مَغْصُوبٍ. . . . (2)
__________
(1) الْحَاوِي 10 / 190، وَشَرْح الْمُنْتَهَى 2 / 494، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 138.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 398، وَشَرْح الْمُنْتَهَى 2 / 575، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 169، وَالدُّسُوقِيّ 4 / 422 ـ 423.

وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَزْوِيجِ الْوَصِيِّ بِنْتِ أَوِ ابْنِ الْمُوصِي فَفِيهِ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: يَجُوزُ الإِْيصَاءُ بِتَزْوِيجِ الْبِنْتِ أَوِ الاِبْنِ، وَلِوَصِيِّ الأَْبِ إِجْبَارُ الْبِنْتِ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا كَالأَْبِ، لأَِنَّ نَائِبَهُ كَوَكِيلِهِ، وَهَذَا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ (1) .

الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ الإِْيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ مَعَ وُجُودِ الْجَدِّ أَوْ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ الأَْوْلِيَاءِ وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (2) .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ " (3) ، وَلأَِنَّ الْبَالِغِينَ لاَ وِصَايَةَ فِي حَقِّهِمْ، وَالصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ لاَ يُزَوِّجُهُمَا غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ (4) .
__________
(1) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 575، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 58، وَالإِْنْصَاف 8 / 85، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 451 ـ 452، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 199.
(2) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 2 / 311 - 312، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 90، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 76، وَالإِْنْصَاف 8 / 86.
(3) حَدِيث: " السُّلْطَان وَلِي مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 399 ـ ط الْحَلَبِيّ) ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ. وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(4) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 315، 322، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 90.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 111)

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ:
29 - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوِصَايَةَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
كَمَا أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الإِْيجَابَ يَصِحُّ بِكُل صِيغَةٍ تَدُل عَلَى تَفْوِيضِ الْمُوصِي بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ، مِثْل: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ أَمْرَ أَمْوَالِي وَأَوْلاَدِي بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَسْنَدْتُ أَمْرَهُمْ إِلَيْكَ بَعْدَ مَوْتِي، وَأَقَمْتُكَ فِيهِمْ مَقَامِي بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى تَفْوِيضِ الأَْمْرِ الْمُوصَى بِهِ إِلَى الْوَصِيِّ.
30 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ عَقْدِ الْوِصَايَةِ بِلَفْظَيِ الْوَكَالَةِ، وَالْوِلاَيَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْيجَابُ فِي الْوِصَايَةِ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، كَأَنْ يَقُول الْمُوصِي لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ وَلَّيْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي انْقِضَاءِ الْوِصَايَةِ بِلَفْظَيِ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ وَجْهَانِ (1) .
__________
(1) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة 3 / 512، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 429، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77، وَأَسْنَى الْمَطَالِب مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ 3 / 70، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 90.

أَمَّا الأَْخْرَسُ فَتَكْفِي إِشَارَتُهُ الْمُفْهَمَةُ وَكِتَابَتُهُ، وَكَذَا مُعْتَقَل اللِّسَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ وَالْحَنَابِلَةُ قَبُول إِشَارَةِ مُعْتَقَل اللِّسَانِ إِذَا كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُول مُوَافِقًا لِلإِْيجَابِ، لأَِنَّ الإِْيصَاءَ عَقْدٌ فَأَشْبَهَ الْوَكَالَةَ، وَلِذَا تَبْطُل بِالرَّدِّ كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: لاَ أَقْبَل، وَيَقُومُ التَّصَرُّفُ مَقَامَ اللَّفْظِ فَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول لَفْظًا (1) .
(ر: عَقْد ف 6 ـ 8، إِشَارَة ف 11) .

وَقْتُ اعْتِبَارِ قَبُول الْوِصَايَةِ وَرَدِّهَا:
31 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ قَبُول الْوِصَايَةِ أَوْ رَدِّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: يَصِحُّ قَبُول الْوِصَايَةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ) (2) وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
__________
(1) الْبَدَائِع 7 / 334، الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيمِ ص344، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 422، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 317، وَالْمُغْنِي 6 / 574، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336.
(2) الْبَدَائِع 7 / 333، وَحَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 6 / 700 وَمَا بَعْدَهَا، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 206، وَالْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 442، وَالْمُغْنِي 6 / 574، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 520، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: قَبُول الْوِصَايَةِ أَوْ رَدُّهَا عِنْدَ الْمُوصِي صَحِيحٌ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ إِلْزَامِهِ التَّصَرُّفَ وَلاَ غُرُورَ فِيهِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عِنْدَ الْمُوصِي بَل رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لاَ يَرْتَدُّ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ مَاتَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لَصَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَيُرَدُّ رَدُّهُ فَيَبْقَى وَصِيًّا عَلَى مَا كَانَ، كَالْوَكِيل إِذَا عَزَل نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل، وَلَوْ لَمْ يَقْبَل وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَبِل وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْلْزَامِ فَبَقِيَ مُخَيَّرًا (1) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ مِنَ الإِْيصَاءِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لأَِنَّ عَقْدَ الْوِصَايَةِ غَيْرُ لاَزِمٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلِلْمُوصِي عَزْل الْوَصِيِّ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَوْ قَبِل، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ رَدُّ الْوِصَايَةِ بَعْدَ الْقَبُول وَمَوْتِ الْمُوصِي بِمَعْنَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا قَبِل الْوِصَايَةَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، أَوْ مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ قَبِل فَلَيْسَ لَهُ عَزْل نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَصِيُّ بِالإِْيصَاءِ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَهُ عَدَمُ الْقَبُول ثُمَّ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولٌ (2) .
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 206.
(2) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 202، وَالشَّرْح الْكَبِير بِحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 455.

قَال ابْنُ شَاسٍ: وَظَاهِرُ إِطْلاَقِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَشَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ مَنْعُ الْوَصِيِّ مِنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْقَبُول مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَعْجِزَ أَوْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِهَا.
وَقَال الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إِذَا قَبِل الْوَصِيُّ الْوِصَايَةَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ قَبُول الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، لأَِنَّهَا إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكِيل بِخِلاَفِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُول قَبْل الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُول إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لأَِنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ فَصَحَّ قَبُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُ (2) .
الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّةِ قَبُول الإِْيصَاءِ وَلاَ رَدِّهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُ التَّصَرُّفِ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ بِالْمَال، فَلَوْ قَبِلَهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَغَا، أَمَّا لَوْ رَدَّهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ قَبِلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَحَّ (3) .
__________
(1) عَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 431.
(2) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 574، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 522 ـ 523، وَانْظُرِ الإِْنْصَاف 7 / 293.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب 3 / 77.

تَعْلِيقُ صِيغَةِ الْوِصَايَةِ وَتَوْقِيتِهَا:
32 - التَّعْلِيقُ وَالتَّأْقِيتُ فِي صِيغَةِ الْوِصَايَةِ جَائِزٌ بِالاِتِّفَاقِ، لأَِنَّ الْوِصَايَةَ تَحْتَمِل الْجَهَالاَتِ وَالأَْخْطَارَ فَكَذَا التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ، وَلأَِنَّ الإِْيصَاءَ كَالإِْمَارَةِ، وَقَدْ أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قُتِل زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِل جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ " (1) .
وَمِثَال التَّعْلِيقِ: أَنْ يَقُول: إِذَا مُتُّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ أَوْ يُوصِي إِلَى شَخْصٍ وَيَقُول: إِنْ مَاتَ الْوَصِيُّ فَزَيْدٌ وَصِيٌّ بَدَلَهُ. وَمِثَال التَّأْقِيتِ: أَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ سَنَةً أَوْ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ إِلَى قُدُومِ زَيْدٍ (2) .

وَاجِبَاتُ الْوَصِيِّ:
33 - الْوَصِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا. فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا الْتَزَمَ بِمَا قُيِّدَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا وُصِّيَ عَلَيْهِ مِنْ
__________
(1) حَدِيث: " أَمْر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْد بْن حَارِثَة ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 7 / 510) .
(2) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 6 / 701، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 5 / 148، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 199، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 451، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 77، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 314، وَالْمُغْنِي 6 / 572، وَشَرْح الْمُنْتَهَى 2 / 574، وَالْكَافِي لاِبْنٍ قُدَّامِهِ 2 / 522.

صِغَارٍ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَيَشْمَل ذَلِكَ الْقِيَامَ بِحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَتَثْمِيرِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِخْرَاجِ مَا تَعَلَّقَ بِأَمْوَالِهِمْ مِنْ حُقُوقٍ لِلَّهِ أَوْ لِلنَّاسِ، عَمَلاً بِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1) } .
" وَبِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْتَغُوا بِأَمْوَال الْيَتَامَى لاَ تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ " (2) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الأَْصْل أَنَّ وِلاَيَةَ الْوَصِيِّ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ وِلاَيَةِ الْمُوصِي، وَأَنَّ وِلاَيَةَ الْحِفْظِ تَبَعٌ لِوِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا ثَبَتَتْ لِلْوَصِيِّ وِلاَيَةُ الْحِفْظِ ثَبَتَتْ لَهُ وِلاَيَةُ كُل تَصَرُّفٍ هُوَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، نَحْوَ بَيْعِ الْمَنْقُول، وَبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ (3) .
وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي النَّفَقَةِ لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْسْرَافِ وَلاَ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيقِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِقِلَّةِ مَال الصَّبِيِّ وَكَثْرَتِهِ وَاخْتِلاَفِ حَالِهِ فَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا يَلِيقُ (4) .
__________
(1) سُورَة الإِْسْرَاء: 34.
(2) أَثَر عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْتَغَوْا بِأَمْوَال الْيَتَامَى. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (2 / 110 ـ ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (4 / 107 ـ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيّ إِسْنَاده.
(3) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 145، وَالْبَحْر الرَّائِق 8 / 526.
(4) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة 3 / 522 ـ 523، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 45.

وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوَصِيِّ مَا يَلِي:
أ) تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَشِرَاءُ الْكَفَنِ لَهُ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْجِيرَانُ أَيْضًا فِي الْحَضَرِ، وَالرُّفْقَةُ فِي السَّفَرِ.
ب) قَضَاءُ حَاجَةِ الصِّغَارِ وَالاِتِّهَابُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يَخَافُ هَلاَكَهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ.
ج) رَدُّ وَدِيعَةِ عَيْنٍ وَقَضَاءُ دَيْنٍ.
د) رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَرَدُّ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَكَذَا حِفْظُ الْمَال.
هـ) بَيْعُ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى وَالتَّلَفُ وَجَمْعُ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ.
و) تَنْفِيذُ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَعِتْقُ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ.
ز) الْخُصُومَةُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْوَصِيِّ اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرُهُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَقَدْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ هُوَ الصَّوَابَ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْل أَوِ السَّفِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، بِحَسَبِ قِلَّةِ الْمَال أَوْ كَثْرَتِهِ، وَبِحَسَبِ حَال الطِّفْل مِنْ أَكْلٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَنْظُرُ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا ذَكَرَ، وَفِي خَتْنِهِ وَعُرْسِهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ دَخَل فَأَكَل لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 8 / 526.

شَرْعًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَسْرَفَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ فَلاَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ، وَعِيدِهِ فَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال.
وَأَمَّا مَا يَصْرِفُ لِلَّعَّابِينَ فِي عُرْسِهِ وَخَتْنِهِ فَلاَ يَلْزَمُ الْيَتِيمَ وَيَضْمَنُهُ الْوَصِيُّ. وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ نَفَقَةٍ لَهُ قَلَّتْ كَنَفَقَةِ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُهُ، فَإِنْ خَافَ إِتْلاَفَهُ فَنَفَقَةُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وَلَهُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ فِطْرِهِ مِنْ مَالِهِ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَزَكَاتُهُ الْمَالِيَّةُ مِنْ عَيْنٍ وَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ.
وَيَرْفَعُ الْوَصِيُّ لِلْحَاكِمِ الَّذِي يَرَى زَكَاةَ الْمَال فِي مَال الصَّبِيِّ لِيَحْكُمَ بِإِخْرَاجِهَا، فَيَرْتَفِعَ الْخِلاَفُ خَوْفًا مِنْ رَفْعِ الصَّبِيِّ بَعْدَ رُشْدِهِ لِقَاضٍ حَنَفِيٍّ لاَ يَرَى الزَّكَاةَ فِي مَال الصَّبِيِّ فَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ.
وَهَذَا إِنْ كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ يَرَى سُقُوطَهَا عَنِ الصَّبِيِّ.
وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَعْمَل فِيهِ قِرَاضًا وَبِضَاعَةً، وَلَهُ عَدَمُ دَفْعِهِ إِذْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْمِيَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الَّذِي يَلْزَمُ الْوَصِيَّ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
__________
(1) الشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش الدُّسُوقِيّ 4 / 454 ـ 455. /

أَحَدُهَا: حِفْظُ أُصُول أَمْوَالِهِ.

وَالثَّانِي: تَثْمِيرُ فُرُوعِهَا.

وَالثَّالِثُ: الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ.

وَالرَّابِعُ: إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ.
ـ فَأَمَّا حِفْظُ الأُْصُول فَيَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حِفْظُ الرِّقَابِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ، فَإِنْ فَرَّطَ كَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا ضَامِنًا.
وَالثَّانِي: اسْتِبْقَاءُ الْعِمَارَةِ لِئَلاَّ يُسْرِعَ إِلَيْهَا خَرَابٌ فَإِنْ أَهْمَل عِمَارَتَهَا حَتَّى عُطِّل ضَيَاعُهُ وَتَهَدَّمَ عَقَارُهُ: نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لإِِعْوَازِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ فَقَدْ أَثِمَ، وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ وَيَصِيرُ بِهَذَا كَالْغَاصِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ خَرَابَهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ فَيَضْمَنُ بِهِ وَلاَ يَدُهُ غَاصِبَةٌ، فَيَجِبُ بِهَا عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
وَأَمَّا تَثْمِيرُ فُرُوعِهِ: فَلأَِنَّ النَّمَاءَ مَقْصُودٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ كَالأُْصُول.
وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ نَمَاؤُهَا أَعْيَانًا مِنْ ذَاتِهِ كَالثِّمَارِ وَالنِّعَاجِ: فَعَلَيْهِ بِذَلِكَ مَا عَادَ بِحِفْظِهِ وَزِيَادَتِهِ كَتَلْقِيحِ النَّخْل وَعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ،

فَإِنْ أَخَل بِعُلُوفَةِ الْمَاشِيَةِ ضَمِنَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخَل بِتَلْقِيحِ الثَّمَرَةِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لأَِنَّهَا إِنْ لَمْ تُثْمِرْ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَإِنْ خُلِقَتْ نَاقِصَةً فَالنُّقْصَانُ - أَيْضًا - مِمَّا لَمْ يُخْلَقْ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا كَانَ نَمَاؤُهُ بِالْعَمَل.
وَذَلِكَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: تِجَارَةٌ بِمَالٍ، وَالثَّانِي: اسْتِغْلاَلٌ لِعَقَارٍ.
فَأَمَّا التِّجَارَةُ بِالْمَال فَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَالُهُ نَاضًّا، فَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ آمِنًا فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يَجُزْ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ عَادِلاً فَإِنْ كَانَ جَائِرًا لَمْ يَجُزْ.

وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْمُتَاجَرَةُ مُرْبِحَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُخَسِّرَةً لَمْ يَجُزْ.
فَإِذَا اكْتَمَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَى التِّجَارَةِ لَهُ بِالْمَال، فَلَوْ لَمْ يَتَّجِرْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ لأَِمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ مِلْكٌ عَلَى رِبْحٍ مَعْلُومٍ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ بِالْعَقْدِ وَالْمَال تَبَعٌ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا رِبْحَ الْغَاصِبِ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ لَهُ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
فَإِنِ اتَّجَرَ الْوَلِيُّ لَهُ بِالْمَال مَعَ إِخْلاَلِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، كَانَ ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ مِنْ أَصْل الْمَال.
وَأَمَّا اسْتِغْلاَل الْعَقَارِ: فَإِنَّمَا يَكُونُ بِإِجَارَتِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَاطِلاً لَمْ يُؤَجِّرْهُ فَقَدْ أَثِمَ.
وَفِي ضَمَانِهِ لأُِجْرَةِ مِثْلِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي تَعْطِيلِهِ وَجْهَانِ، لأَِنَّ مَنَافِعَهُ تُمْلَكُ كَالأَْعْيَانِ.
- وَأَمَّا النَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَيْهِ؛ فَلأَِنَّ فِي الزِّيَادَةِ سَرَفًا، وَفِي التَّقْصِيرِ ضَرَرًا، فَلَزِمَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَى كُل مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ مِنْ وَالِدَيْنِ وَمَمْلُوكَيْنِ، ثُمَّ يَكْسُوهُ وَإِيَّاهُمْ فِي فَصْلَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ كِسْوَةً مِثْلَهُمْ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ.
وَقَال بَعْضُ الأَْصْحَابِ: يَعْتَبِرُ بِكِسْوَةِ أَبِيهِ، فَيَكْسُوهُ مِثْلَهَا، فَإِنْ أَسْرَفَ الْوَلِيُّ فِي الإِْنْفَاقِ

عَلَيْهِ ضَمِنَ زِيَادَةَ السَّرَفِ، وَإِنْ قَصَّرَ بِهِ أَسَاءَ وَلَمْ يَضْمَنْ.

- وَأَمَّا إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَرْبَانِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ.
فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَكَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا الزَّكَوَاتُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ، وَأَعْشَارُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ: فَوَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا زَكَاةُ الأَْمْوَال فَقَدْ أَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَمْ يُوجِبْهَا إِلاَّ عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ.

وَأَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: حَقٌّ وَجَبَ بِاخْتِيَارٍ كَالدُّيُونِ فَعَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهَا إِذَا ثَبَتَتْ وَطَالَبَ بِهَا أَرْبَابُهَا، فَإِنْ أَبْرَأُوا سَقَطَتْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ إِبْرَاءٍ نُظِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا: أَلْزَمَهُمُ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ، أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتْلَفَ الْمَال وَيَبْقَى الدَّيْنُ، وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِدُيُونِهِمْ إِذَا شَاءَ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَالْجِنَايَاتِ وَهِيَ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: عَلَى مَالٍ فَيَكُونُ غُرْمُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ كَالدُّيُونِ.

الثَّانِي: عَلَى نَفْسٍ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لاَ فِي مَالِهِ.

وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ، مِنَ اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ فِي عَمْدِ الصَّبِيِّ هَل يَجْرِي مَجْرَى الْعَمْدِ أَوْ مَجْرَى الْخَطَأِ؟ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْعَمْدِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْخَطَأِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَفِي مَالِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا (1) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوَصِيِّ قَضَاءَ دُيُونِ الْمَيِّتِ وَتَفْرِيقَ وَصِيَّتِهِ، وَالنَّظَرَ فِي أَمْرِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ مِنْ طِفْلٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ، وَرَدَّ الْوَدَائِعِ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْتِرْدَادَهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ، وَرَدَّ الْغَصْبِ، وَحَدَّ قَذْفٍ (2) .

إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ الزَّكَاةَ عَنِ الصَّغِيرِ أَوْ عَنْ مَالِهِ:

أَوَّلاً: إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ:
34 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ
__________
(1) الْحَاوِي الْكَبِير: الْمَاوَرْدِيّ 10 / 203 وَمَا بَعْدَهَا.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 398، وَالإِْنْصَاف 7 / 295.

الْوَصِيِّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى وُجُوبِهَا فِي مَال الصَّغِيرِ وَإِلْزَامِ الْوَصِيِّ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ " (1) .
فَعُمُومُ وُجُوبِهَا عَلَى الصَّغِيرِ يَشْمَل الْيَتِيمَ وَغَيْرَهُ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً فِي مَال الْيَتِيمِ وَلِلْوَصِيِّ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ، وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً بَل فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَتِ الْعُشْرَ (2) .
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُخَاطَبُونَ بِهَا ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا، صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، عَبِيدًا كَانُوا أَوْ أَحْرَارًا
__________
(1) حَدِيث: ابْن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمِا " أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 3 / 367) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 677) دُونَ قَوْله: " وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْل خُرُوجِ النَّاسِ ".
(2) الْبَدَائِع 2 / 69 ـ 70، بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 1 / 286، الْمَجْمُوع 6 / 120، الْمُغْنِي 2 / 646، وَفَتْح الْبَارِي 3 / 367، وَشَرْح النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِم 7 / 57.

لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِلاَّ مَا شَذَّ فِيهِ اللَّيْثُ مِنْ قَوْل مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى الْيَتِيمِ (1) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالأُْنُوثِيَّةِ فِي قَوْل أَهْل الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ وَيُخَرِّجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ. (2)
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ إِخْرَاجُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الصَّغِيرِ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (3) .

ثَانِيًا: إِخْرَاجُ الْوَصِيِّ زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ:
35 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْوَصِيِّ زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ وَإِلْزَامِهِ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة ف11) .

تَضْحِيَةُ الْوَصِيِّ عَنِ الصَّغِيرِ:
36 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَضْحِيَةِ الْوَصِيِّ عَنِ الصَّبِيِّ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا لأَِنَّ الأُْضْحِيَّةَ لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً بَل فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَتِ
__________
(1) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 1 / 286.
(2) الْمُغْنِي 2 / 646.
(3) الْبَدَائِع 2 / 70.

الْعُشْرَ: وَقَال: لاَ يَتَصَدَّقُ الْوَصِيُّ بِاللَّحْمِ لَكِنْ يَأْكُل مِنْهَا الصَّغِيرُ وَيَدَّخِرُ لَهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ وَيَبْتَاعُ بِالْبَاقِي مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ. (1)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ. (2)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنِ الْيَتِيمِ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ مَالِهِ لأَِنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ وَفَرَحٍ وَلِيَحْصُل بِذَلِكَ جَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِلْحَاقًا بِمَنْ لَهُ أَبٌ وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَصِيِّ التَّصَدُّقُ وَالإِْهْدَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ، وَيُوَفِّرُهَا لِلْيَتِيمِ لأَِنَّ الْوَصِيَّ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّبَرُّعِ مِنْ مَال الْيَتِيمِ (3) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ، وَاحْتَجَّ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ التَّضْحِيَةَ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ. وَإِنْ ضَحَّى الْوَصِيُّ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ يَضْمَنُ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (4) .
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 5 / 64، 2 / 70.
(2) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 118.
(3) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 450، 23.
(4) الْمَجْمُوع 8 / 425، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 9 / 344، 367، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 70، 5 / 64، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ وَحَاشِيَة الشلبي عَلَيْهِ 6 / 3.

تَصَرُّفَاتُ الْوَصِيِّ:
أَوَّلاً: بَيْعُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ وَشِرَاؤُهُ:
37 - مَال الصَّغِيرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً فَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُهُ إِلاَّ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ كَنَفَقَةِ الصَّغِيرِ وَكِسْوَتِهِ، وَأَدَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ فِي الْبَيْعِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ كَأَنْ يَرْغَبَ الْمُشْتَرِي فِي الْعَقَارِ بِضِعْفِ الثَّمَنِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِيصَاء ف14، وَعَقَار ف15) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَنْقُولاً فَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ. أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ فَلاَ يَجُوزُ.
(ر: إِيصَاء ف14، مَنْقُول ف4، وِلاَيَة ف53 وَمَا بَعْدَهَا) .
أَمَّا بَيْعُ الْوَصِيِّ وَشِرَاؤُهُ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ وَصِيِّ الْقَاضِي وَوَصِيِّ الأَْبِ؛ أَمَّا وَصِيُّ الْقَاضِي فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِكُل حَالٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ مِنَ الصَّغِيرِ.

وَأَمَّا وَصِيُّ الأَْبِ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَال الصَّغِيرِ وَشِرَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ لاَ يَجُوزُ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِلْوَصِيِّ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ مَال الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ تَعَقَّبَهُ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فَيَمْضِي مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْيَتِيمِ وَيَرُدُّ غَيْرَهُ إِلاَّ مَا اشْتَرَاهُ مِنَ التَّرِكَةِ مِمَّا قَل ثَمَنُهُ وَانْتَهَتِ الرَّغَبَاتُ فِيهِ. (1)

ثَانِيًا: الْمُضَارَبَةُ وَالاِتِّجَارُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ:
38 - الاِتِّجَارُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ يَكُونُ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الثَّلاَثَةِ: اتِّجَارُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ، وَاتِّجَارُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ، وَدَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَقْبَل فِيهِ مُضَارَبَةً لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ.
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 211 - 212، وَأَحْكَام الصِّغَارِ ص355 ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 455 وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 610 ـ 611، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 402 ـ 403، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 175 وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 322، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 6 / 597.

أـ اتِّجَارُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ:
39 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ أَوِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَصِيرِ الرِّبْحِ إِذَا اتَّجَرَ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ وَرَبِحَ.
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَمَنْ وَافَقَهُمَا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَضْمَنُ رَأْسَ الْمَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُسَلِّمُ لَهُ الرِّبْحَ وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ. (1)
ب ـ اتِّجَارُ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ:
40 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اتِّجَارِ الْوَصِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 147، وَالْفَتَاوَى الْخَانِيَة بِهَامِش الْهِنْدِيَّة 3 / 524، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 455، وَالْمُنْتَقَى 2 / 111، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 174 - 175، وَالْمُهَذَّب 1 / 335، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449.

لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ. (1)
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنِ اتَّجَرَ الْوَصِيُّ بِمَال الْيَتِيمِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ فِي نَظِيرِ اتِّجَارِهِ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ. (2)

الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَال الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ (3) ، لِئَلاَّ يُحَابِيَ نَفْسَهُ بِزِيَادَةٍ مِنَ الرِّبْحِ. (4)
وَفَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الْجَوَازِ هُنَا بِالْكَرَاهَةِ. وَزَادُوا: أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا عَمِل بِمَال الْيَتِيمِ مَجَّانًا فَلاَ نَهْيَ بَل هُوَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. (5)

ج ـ دَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِمَنْ يَعْمَل فِيهِ مُضَارَبَةً:
41 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ الْمُوصَى عَلَيْهِ مُضَارَبَةً أَوْ
__________
(1) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 5 / 455، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 399، كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449، وَالْمُغْنِي 4 / 265.
(3) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 455، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 399، وَالْمُبْدِع 4 / 338 وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 455.
(4) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 455.
(5) الْمَرْجِع نَفْسه.

بِضَاعَةً لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ. (1)
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (إِيصَاء ف14، وِلاَيَة ف63) .

ثَالِثًا: تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:
42 - تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ.
أَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ فَجَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ لأَِنَّ الْوَصِيَّ لَهُ اسْتِعْمَال الصَّبِيِّ بِلاَ عِوَضٍ لِلتَّهْذِيبِ وَالرِّيَاضَةِ فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى.
أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْوَصِيِّ الصَّبِيَّ لِنَفْسِهِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى جَوَازِهِ. (2)
43 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسْخِ الإِْجَارَةِ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا أَثْنَاءَ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ وَقَدْ
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 147 وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 399، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 455، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 174 ـ 175، وَالْمُبْدِع 4 / 338 ـ 339، كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449.
(2) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 444، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 567، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 32، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 250.

أَجَّرَهُ الْوَصِيُّ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الصَّبِيَّ لَهُ فَسْخُ الإِْجَارَةِ. (1)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الصُّوَرُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ سِتٌّ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَظُنَّ الْوَلِيُّ بُلُوغَهُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ يَظُنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا، وَفِي كُلٍّ مِنَ الثَّلاَثَةِ إِمَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الأَْيَّامِ، فَلاَ خِيَارَ لَهُ فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا ظَنَّ عَدَمَ الْبُلُوغِ فِيهَا وَبَلَغَ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ يَسِيرٌ، وَيُخَيَّرُ فِي الْبَاقِي وَهِيَ مَا إِذَا بَقِيَ كَثِيرٌ مُطْلَقًا ظَنَّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الإِْجَارَةِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا وَكَذَا إِنْ بَقِيَ يَسِيرٌ وَالْحَال أَنَّهُ ظَنَّ بُلُوغَهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْوَلِيَّ إِنْ أَجَّرَ صَبِيًّا مُدَّةً لاَ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالاِحْتِلاَمِ وَهُوَ رَشِيدٌ فَالأَْصَحُّ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ وَفِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ: تَنْفَسِخُ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْوِلاَيَةِ فِيمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ بَطَلَتِ الإِْجَارَةُ فِيمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ. (3)
__________
(1) الْفَتَاوَى البزازية 6 / 444.
(2) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 32.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 356.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَجَّرَ الْوَصِيُّ الْيَتِيمَ مُدَّةً ثُمَّ بَلَغَ وَرَشَدَ قَبْل انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ يَعْلَمُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ فِي الْمُدَّةِ بِأَنْ أَجَّرَهُ سَنَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ وَقْتَ بُلُوغِ الْيَتِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَصِيُّ بُلُوغَ الْيَتِيمِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ تَنْفَسِخِ الإِْجَارَةُ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ لاَزِمٌ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَرِّفُ (1) .

رَابِعًا: تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:
44 - تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ نَفْسِهِ.
أـ أَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ لِلْغَيْرِ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (2)) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ تَأْجِيرَ أَرْضِ الصَّبِيِّ إِجَارَةً طَوِيلَةً حَيْثُ قَالُوا: وَالْوَصِيُّ إِذَا أَجَّرَ أَرْضَ الْيَتِيمِ إِجَارَةً طَوِيلَةً رَسْمِيَّةً ثَلاَثَ سِنِينَ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الرَّسْمَ فِي الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ مَال الإِْجَارَةِ بِمُقَابَلَةِ السِّنِينَ الأُْولَى وَمُعْظَمُ الْمَال
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 567 ـ 568.
(2) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْهِنْدِيَّة 6 / 444، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 567، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 254.

بِمُقَابَلَةِ السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ لأَِرْضِ الْيَتِيمِ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ فِي السِّنِينَ الأُْوَل لأَِنَّهَا تَكُونُ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل فَلاَ تَصِحُّ.
وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلْيَتِيمِ بِمَال الْيَتِيمِ فَفِي السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ يَكُونُ الاِسْتِئْجَارُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْل فَلاَ يَصِحُّ. (1)
ب ـ وَأَمَّا تَأْجِيرُ الْوَصِيِّ مَال الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ. (2)
45 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا أَثْنَاءَ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ وَكَانَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى مَال الصَّبِيِّ: فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. (3)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ عَقَدَ الْوَصِيُّ عَلَى سِلَعِ الصَّبِيِّ كَدَارِهِ وَدَابَّتِهِ وَغَيْرِهِمَا فَيَلْزَمُ فِيمَا إِذَا ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ سِنُونَ عَلَى الأَْرْجَحِ.
وَمُقَابِل الأَْرْجَحِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَشْهَبُ مِنْ
__________
(1) جَامِع أَحْكَام الصِّغَار ص 212.
(2) الْفَتَاوَى البزازية 6 / 444.
(3) الْمَرْجِع السَّابِق.

أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى سِلَعِ الصَّبِيِّ كَالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ إِذَا ظَنَّ الْوَصِيُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ. (1)
وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي فَسْخِ الصَّبِيِّ الإِْجَارَةَ عَلَى الْمَال بَعْدَ بُلُوغِهِ مِثْل قَوْلِهِمْ فِي فَسْخِ الصَّبِيِّ الإِْجَارَةَ عَلَى نَفْسِهِ خِلاَفًا وَتَفْصِيلاً. (2)

خَامِسًا: إِجَارَةُ الْوَصِيِّ نَفْسَهُ لِلصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ:
46 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ. (3)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَجَّرَ الْوَصِيُّ نَفْسَهُ فِي عَمَل يَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ فَيَتَعَقَّبُهُ الإِْمَامُ، فَمَا كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ أَمْضَاهُ وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ رَدَّهُ. (4)

سَادِسًا: تَبَرُّعُ الْوَصِيِّ وَهِبَتُهُ:
47 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَال الصَّغِيرِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالصَّدَقَةِ أَمْ بِالْهِبَةِ بِغَيْرِ
__________
(1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 53.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 356، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 567 ـ 568.
(3) الْفَتَاوَى البزازية 6 / 444.
(4) مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 71.

عِوَضٍ أَمْ بِالْمُحَابَاةِ (1) ، لأَِنَّ التَّبَرُّعَ بِمَال الصَّغِيرِ لاَ حَظَّ لَهُ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُنَافِي مَقْصُودَ الْوِصَايَةِ مِنَ الْحِفَاظِ عَلَى الْمَال وَتَنْمِيَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ يَعُودُ عَلَى الصَّغِيرِ، مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ) (2) .
فَقَدْ نَهَى عَنْ قُرْبَانِ مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، وَالتَّبَرُّعُ بِالْمَال لاَ مَصْلَحَةَ لِلْيَتِيمِ فِيهِ، بَل هُوَ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (3) ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ (4) .
__________
(1) مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 72، وَشَرْح الْخَرَشِيّ 5 / 297، وَالشَّرْح الْكَبِير 4 / 519، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 5 / 153، وَالْمُهَذَّب 1 / 328، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 447.
(2) سُورَة الأَْنْعَام 152.
(3) حَدِيث: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. . . . " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 745 - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْمَازِنِيّ مرسلا، لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ مَوْصُولَةً يَتَقَوَّى بِهَا ذَكَرُهَا ابْن رَجَب الْحَنْبَلِيّ فِي جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَم (ص286 - 287 ط الْحَلَبِيّ) ، وَحُسْنه النَّوَوِيّ.
(4) حَدِيث: " لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا. . . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (5 / 323 - ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ عِبَادَة بْن الصَّامِتِ. وَحُسْن إِسْنَاده الْمُنْذِرِي فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (1 / 149 - دَار ابْن كَثِير) .

وَالإِْضْرَارُ بِالصَّغِيرِ لَيْسَ مِنَ الْمَرْحَمَةِ فِي شَيْءٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا مَحْضًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَلاَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ، لأَِنَّ التَّصَدُّقَ وَالْوَصِيَّةَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ فَكَانَ ضَرَرًا فَلاَ يَمْلِكُهُ. (1)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (وِلاَيَة ف 53 ـ 54) .

سَابِعًا: الْهِبَةُ بِعِوَضٍ:
49 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَهَبَ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ بِعِوَضٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لأَِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ، وَهَذِهِ مِنْ لَوَازِمِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيُّ لاَ يَمْلِكُهَا، فَلاَ تَصِيرُ عِوَضًا انْتِهَاءً.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَعْلُومًا فِي الْهِبَةِ بِغِبْطَةٍ جَازَتْ لأَِنَّهَا إِذْ قُيِّدَتْ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ كَانَتْ بَيْعًا. (2)
__________
(1) الْبَدَائِع 5 / 153.
(2) مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 72، وَشَرْح الْخَرَشِيّ 5 / 297، الْبَدَائِع 5 / 153، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 189، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 2 / 213.

الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمُوصِي أَنْ يَهَبَ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ، لأَِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ مُعَاوَضَةُ الْمَال بِالْمَال، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَمَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (1) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْوَصِيِّ هِبَةُ مَال الصَّغِيرِ بِعِوَضٍ إِذَا كَانَ الْعِوَضُ قَدْرَ قِيمَتِهِ فَأَكْثَرَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ. (2)
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَلَمْ يُجِيزُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ أَقَل مِنْ قِيمَةِ الْمَال الْمَوْهُوبِ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الْمُحَابَاةِ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهَا.

ثَامِنًا: طَلَبُ الْوَصِيِّ الشُّفْعَةَ:
فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ كَوْنِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فِي صَالِحِ الصَّبِيِّ، وَبَيْنَ كَوْنِ تَرْكِهَا فِي مَصْلَحَتِهِ، وَبَيْنَ اسْتِوَاءِ الطَّلَبِ وَالتَّرْكِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

الْحَالَةُ الأُْولَى: طَلَبُ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ فِيهِ حَظٌّ لِلصَّغِيرِ:
49 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ حَقَّ الشُّفْعَةِ وَالأَْخْذَ بِهَا إِذَا كَانَ فِي الطَّلَبِ مَصْلَحَةٌ لِلصَّغِيرِ وَحَظٌّ
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 5 / 153.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 450، وَالْمُبْدِع 4 / 338.

لَهُ (1) ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ.
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الطَّلَبِ فِي حَقِّ الْوَصِيِّ بِأَنَّ تَرْكَ الطَّلَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الصَّبِيِّ فَلاَ يَصِحُّ، كَالْعَفْوِ عَنْ قَوَدِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَإِبْرَاءِ غَرِيمِهِ، وَبِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ نَظَرِيَّةٌ وَالنَّظَرُ فِي الأَْخْذِ مُتَعَيَّنٌ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ فِي إِبْطَالِهِ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ.
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الطَّلَبِ بِأَنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ، بَل عَيْنِهَا، لأَِنَّ طَلَبَ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال، وَتَرْكُ الأَْخْذِ بِهَا تَرْكُ التِّجَارَةِ، فَيَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَمَا يَمْلِكُ تَرْكَ التِّجَارَةِ بِرَدِّ الْبَيْعِ، وَقَالُوا: الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ، فَيُحْمَل عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ أَنْفَعَ بِإِبْقَاءِ الثَّمَنِ عَلَى مِلْكِ الصَّغِيرِ فَيَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَالأَْخْذِ، بِخِلاَفِ الْعَفْوِ عَنِ الْقَوَدِ وَأَشْبَاهِهِ لأَِنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ غَيْرُ مُتَرَدَّدٍ، إِذْ هُوَ إِبْطَالٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُنَا بِعِوَضٍ يُعَدُّ لَهُ، وَهُوَ الثَّمَنُ فَلاَ يُعَدُّ ضَرَرًا. (2)
__________
(1) الْبَدَائِع 5 / 16، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل 2 / 100، وَشَرْح الْخَرَشِيّ 5 / 298، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 176، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 5 / 183، وَالْمُهَذَّب 1 / 329، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 145.
(2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 5 / 263.

وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا فَلاَ يَمْلِكُ الأَْخْذَ بِهَا كَالأَْجْنَبِيِّ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إِذَا كَبُرَ. (1)
50 - وَإِذَا لَمْ يَطْلُبِ الْوَصِيُّ الشُّفْعَةَ مَعَ أَنَّ مَصْلَحَةَ الصَّبِيِّ فِي طَلَبِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فِي طَلَبِهَا إِذَا بَلَغَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ) إِلَى أَنَّ لِلصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ طَلَبَهَا.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَكَانَ يُفْتِي بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّبِيِّ طَلَبُهَا (2) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَرْكُ الْوَصِيِّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ التَّرْكُ فِي مَصْلَحَةِ الصَّغِيرِ:
51 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ تَرْكَ الشُّفْعَةِ لِلصَّغِيرِ إِذَا كَانَ تَرْكُ الطَّلَبِ فِي مَصْلَحَتِهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ قَدْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ، أَوْ لأَِنَّ الثَّمَنَ
__________
(1) الْمُغْنِي 5 / 340.
(2) الْخَرَشِيّ 5 / 298، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 5 / 192، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 5 / 263، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 176، تُحْفَة الْمُحْتَاج 5 / 183 ـ 184، وَالإِْنْصَاف 6 / 272، وَالْمُغْنِي 5 / 339.

يَحْتَاجُ إِلَى إِنْفَاقِهِ أَوْ صَرْفِهِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ، أَوْ لأَِنَّ مَوْضِعَهُ لاَ يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ أَوْ لأَِنَّ أَخْذَهُ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ مَا إِبْقَاؤُهُ أَوْلَى، أَوْ إِلَى اسْتِقْرَاضِ ثَمَنِهِ وَرَهْنِ مَالِهِ، أَوْ إِلَى ضَرَرٍ وَفِتْنَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال، لاِنْعِدَامِ حَظِّ الصَّغِيرِ وَلُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ. (1)
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا مِثْل أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَبَنَ أَوْ كَانَ فِي الأَْخْذِ بِهَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَرْهَنَ مَال الصَّبِيِّ فَلَيْسَ لَهُ الأَْخْذُ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ فِعْل مَا لاَ حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ. (2)
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ لِلصَّغِيرِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ فِي مَصْلَحَتِهِ وَلَهُ فِيهِ حَظٌّ مُعَلِّلِينَ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْوَصِيَّ يَشْتَرِي لِلصَّغِيرِ مَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى لَهُ مَعِيبًا لاَ يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَلأَِنَّ الْحَظَّ قَدْ يَخْتَلِفُ وَيَخْفَى، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي الأَْخْذِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل لِزِيَادَةِ قِيمَةِ
__________
(1) الْبَدَائِع 5 / 16، وَالْخَرَشِيّ 5 / 298، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل 2 / 100، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 189، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 5 / 183، وَالْمُغْنِي 5 / 497، وَالإِْنْصَاف 6 / 273.
(2) الْمُغْنِي 5 / 497.

مِلْكِهِ، وَلأَِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِأَخْذِ الْوَصِيِّ بِالشُّفْعَةِ كَثِيرٌ، فَلاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْحَظِّ بِنَفْسِهِ لِخَفَائِهِ. (1)
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ الأَْخْذُ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ فِعْل مَا لاَ حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ، فَإِنْ أَخَذَ فَهَل يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يَصِحُّ وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لاَ يَمْلِكُ شِرَاءَهُ فَلَمْ يَصِحَّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الأَْخْذُ لِلصَّبِيِّ، لأَِنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ فَصَحَّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا لاَ يَعْلَمُ عَيْبَهُ. (2)

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِوَاءُ الْمَصْلَحَةِ فِي الأَْخْذِ وَالتَّرْكِ:
52 - لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يَحْرُمُ الأَْخْذُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} " (3) .
فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَنْعِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ،
__________
(1) الشَّرْح الْكَبِير 3 / 468، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 5 / 497.
(2) الْمُغْنِي 5 / 340.
(3) سُورَة الأَْنْعَام / 152.

لِوُرُودِهَا بِصِيغَةِ التَّفْضِيل.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ الأَْخْذُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُتَخَيَّرُ. (1)
تَاسِعًا: إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ:
إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَسْتَقْرِضَ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ وَإِمَّا أَنْ يُقْرِضَهُ لِلْغَيْرِ.

أ - اقْتِرَاضُ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مَال الصَّغِيرِ:
53 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اقْتِرَاضِ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْتَرِضَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَال الصَّغِيرِ لِلتُّهْمَةِ (2) . وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ بِجَوَازِ اقْتِرَاضِ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ. (3)
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 176، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 5 / 183.
(2) فَتَاوَى قاضيخان 3 / 521، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 455، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي 5 / 111، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 450.
(3) فَتَاوَى قاضيخان 3 / 521، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 455.

ب ـ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ لِلْغَيْرِ:
54 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِلْكِيَّةِ الْوَصِيِّ إِقْرَاضَ مَال الصَّغِيرِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ إِقْرَاضُ مَال الصَّغِيرِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ عِنْدِ الْحَنَفِيَّةِ وَلِحَاجَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (1) فَإِنْ خَافَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ، أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الإِْقْرَاضُ، وَلاَ يُقْرِضُهُ إِلاَّ ثِقَةً مَلِيئًا، لأَِنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ يَجْحَدُ وَغَيْرَ الْمَلِيءِ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُ الْبَدَل مِنْهُ، وَعَلَّل هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ عَدَمَ جَوَازِ إِقْرَاضِ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ بِأَنَّ الإِْقْرَاضَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ يُعَدُّ تَبَرُّعًا فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ كَالْهِبَةِ. (2)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 4 / 341، وَفَتَاوَى قاضيخان بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 3 / 520 ـ 521، وَالْمُهَذَّب 1 / 336، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 122، وَالْمُنْتَقَى 5 / 149، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 2 / 214، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 191، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449، وَالْمُغْنِي 4 / 269 ـ 270.
(2) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 4 / 341، وَفَتَاوَى قاضيخان بِهَامِش الْهِنْدِيَّة 3 / 520 - 521، وَالْمُهَذَّب 1 / 336، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 122، وَالْمُنْتَقَى 5 / 149، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 2 / 214، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 191 وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449، وَالْمُغْنِي 4 / 269 ـ 270.

أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ تَسْلِيفُ مَال الْيَتِيمِ لأَِحَدٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَوْ أَخَذَ رَهْنًا، إِذْ لاَ مَصْلَحَةَ لِلْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ. (1)
ج ـ اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالاً لِلصَّغِيرِ:
55 - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالاً لِلصَّغِيرِ إِذَا دَعَتْ لِذَلِكَ حَاجَةٌ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ وَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ جَازَ، لأََنَّ الاِسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ، وَالرَّهْنُ يَقَعُ إِيفَاءً لِلْحَقِّ فَيَجُوزُ. (2)
عَاشِرًا: رَهْنُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ:
وَسَبَبُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَيْنِ الصَّغِيرِ، أَوْ بِدَيْنٍ لِلْوَصِيِّ.

أَوَّلاً: الرَّهْنُ بِسَبَبِ دَيْنِ الصَّغِيرِ.
56 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَهْنِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ: أ) ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ رَهْنُ مَال الْيَتِيمِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْيَتِيمِ، وَيَكُونَ عِنْدَ ثِقَةٍ. (3)
__________
(1) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 455، وَالإِْنْصَاف 5 / 328.
(2) أَحْكَام الصِّغَار ص348 مَسْأَلَة 1193.
(3) مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 419، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 3 / 232، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 63، وَالْمُهَذَّب 1 / 330، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 122، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 322، وَالْمُغْنِي 4 / 397.

ب) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَال الصَّغِيرِ عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ بِتِجَارَةٍ بَاشَرَهَا أَوْ رَهْنٍ لِلْيَتِيمِ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ بِالتِّجَارَةِ، لأَِنَّ لِلْوَصِيِّ التِّجَارَةَ بِمَال الصَّغِيرِ تَثْمِيرًا لَهُ، وَالرَّهْنُ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَيَمْلِكُهُ إِيفَاءً وَاسْتِيفَاءً، وَزَادُوا: لَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَبِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ لاِشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ. (1)

ثَانِيًا: الرَّهْنُ بِسَبَبِ دَيْنٍ لِلْوَصِيِّ:
57 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَهْنِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لِلْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ:
أ) فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الصَّغِيرِ لأَِنَّ الرَّهْنَ إِيفَاءٌ حُكْمًا، فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ كَالإِْيفَاءِ حَقِيقَةً، وَلأَِنَّ الْوَاحِدَ لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الرَّهْنِ كَمَا لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّ مُتَّهَمٌ فِي رَهْنِهِ مَال الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ لِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. (2)
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 73، وَتَكْمِلَة الْبَحْرِ الرَّائِقِ 8 / 281، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 9 / 90.
(2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 72، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 3، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 3 / 232، أَسْنَى الْمَطَالِب 2 / 155، كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 448.

ب) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ. (1)

اخْتِلاَفُ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ:
قَدْ يَقَعُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ، وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ غَالِبًا مَا يَكُونُ حَوْل قَدْرِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل خَمْسِينَ فَقَطْ.
وَقَدْ يَكُونُ الاِخْتِلاَفُ فِي مُدَّةِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ عَشْرَ سِنِينَ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل خَمْسًا فَقَطْ.
وَقَدْ يَكُونُ الاِخْتِلاَفُ حَوْل تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: مَاتَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَيَقُول الْمُوصَى عَلَيْهِ: بَل مُنْذُ سَنَةٍ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّنَازُعُ حَوْل رَدِّ الْمَال إِلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
وَنَذْكُرُ فِيمَا يَلِي أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي كُل حَالَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ عَلَى حِدَةٍ.
__________
(1) الْمُغْنِي 4 / 397، وَالإِْنْصَاف 5 / 33، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 450.

أَوَّلاً: الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل النَّفَقَةِ أَوْ فِي قَدْرِهَا:
59 - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيُّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ أَوْ فِي أَصْلِهَا فَالْقَوْل قَوْل الْوَصِيِّ بِيَمِينِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ ـ وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الإِْسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ ـ وَلاَ يُصَدَّقُ فِي الْفَضْل، لأَِنَّهُ فِي قَدْرِ نَفَقَةِ الْمِثْل مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَالْفَضْل عَلَى ذَلِكَ إِسْرَافٌ فَلاَ يَكُونُ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ شَرْعًا، وَقَال الإِْسْتَرُوشَنِيُّ: إِنَّ الْوَصِيَّ مَتَى أَقَرَّ بِتَصَرُّفٍ فِي مَال الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَكَذَّبَهُ الصَّغِيرُ، إِنْ كَانَ تَصَرُّفًا هُوَ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِتَصْدِيقِ الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَل قَوْل الْوَصِيِّ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْنْفَاقِ بِلاَ بَيِّنَةٍ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: ادَّعَى قَضَاءَ دَيْنِ الْمَيِّتِ، أَوِ ادَّعَى قَضَاءَهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْل قَبْضِ ثَمَنِهَا، أَوْ أَنَّ الْيَتِيمَ اسْتَهْلَكَ مَالاً آخَرَ فَدَفَعَ ضَمَانَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ بِتِجَارَةٍ فَرَكِبَهُ دُيُونٌ فَقَضَاهَا عَنْهُ، أَوْ أَدَّى خَرَاجَ أَرْضِهِ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ، أَوْ جُعْل عَبْدِهِ الآْبِقِ، أَوْ فِدَاءَ عَبْدِهِ الْجَانِي، أَوِ الإِْنْفَاقَ عَلَى مَحْرَمِهِ، أَوْ عَلَى رَقِيقِهِ الَّذِينَ مَاتُوا، أَوِ الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَا مِنْ

مَال نَفْسِهِ حَال غَيْبَةِ مَالِهِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ، أَوْ أَنَّهُ زَوَّجَ الْيَتِيمَ امْرَأَةً وَدَفَعَ مَهْرَهَا مِنْ مَالِهِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، أَوِ اتَّجَرَ وَرَبِحَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُضَارِبًا.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ، لِقَبُول قَوْل الْوَصِيِّ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْنْفَاقِ دُونَ بَيِّنَةٍ شُرُوطًا ثَلاَثَةً وَهِيَ:
أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى عَلَيْهِ فِي حَضَانَتِهِ، وَأَنْ يُشَبِّهَ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَأَنْ يَحْلِفَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى عَلَيْهِ فِي حَضَانَتِهِ بِأَنْ كَانَ فِي حَضَانَةِ غَيْرِهِ وَتَنَازَعَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ الْقَوْل لَهُ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِذَا لَمْ يُشَبِّهْ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ (1) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى النَّفَقَةِ اللاَّئِقَةِ صُدِّقَ الْمُوصَى عَلَيْهِ وَضَمِنَ الْوَصِيُّ الزِّيَادَةَ لِتَفْرِيطِهِ. (2)

ثَانِيًا: الاِخْتِلاَفُ فِي مُدَّةِ النَّفَقَةِ أَوْ فِي تَوْقِيتِ مَوْتِ الْمُوصِي:
59 - إِذَا تَنَازَعَ الْوَصِيُّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي
__________
(1) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 6 / 719، وَأَحْكَام الصِّغَارِ ص362، وَمَجْمَع الضَّمَانَات 399 ـ 400 وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 155، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 202، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 320، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد 2 / 523، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 456، 447.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَالْكَافِي 2 / 523.

مُدَّةِ النَّفَقَةِ، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ (مِنْ تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي) ، فَيَقُول الصَّبِيُّ: بَل مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ، أَوْ كَانَ التَّنَازُعُ فِي تَارِيخِ مَوْتِ الْمُوصِي، كَأَنْ يَقُول الْوَصِيُّ: مَاتَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَقَال الصَّبِيُّ: بَل مُنْذُ سَنَةٍ.
فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الصَّبِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ اخْتِلاَفٌ فِي مُدَّةٍ، الأَْصْل عَدَمُهَا، وَيَسْهُل عَلَى الْوَصِيِّ الْقِيَامُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَصِيِّ (1) .

ثَالِثًا: الاِخْتِلاَفُ فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ:
60 - إِذَا وَقَعَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْمُوصَى عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
__________
(1) الشَّرْح الْكَبِير للدردير بِهَامِش حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 456، شَرْح مَنَحَ الْجَلِيل لِلشَّيْخِ عِلِيش 4 / 695، وَالْمَجْمُوع لِلنَّوَوِيِّ 6 / 437، 438، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 321، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل 2 / 523، وَحَاشِيَة رَدَّ الْمُحْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ 6 / 719، 720، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 155.

الْقَوْل الأَْوَّل: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الصَّبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} " (1) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْيَمِينِ لِقَبُول قَوْل الصَّبِيِّ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: صَدَقَ الْوَلَدُ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدِ الْمَالِكِيَّةُ قَبُول قَوْل الصَّبِيِّ بِهَذَا الشَّرْطِ. (2)
الْقَوْل الثَّانِي: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِل الْمَشْهُورِ ـ وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ وَهْبٍ ـ وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل فِي دَفْعِ الْمَال إِلَى الصَّبِيِّ قَوْل الْوَصِيِّ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي ذَلِكَ، فَيُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِ كَالْقَوْل فِي النَّفَقَةِ وَكَالْمُوَدَعِ (3) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَصِيِّ بِجُعْلٍ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ الْمُتَبَرِّعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَقَالُوا: يُقْبَل قَوْل الْوَصِيِّ إِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لأَِنَّهُ أَمِينٌ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَصِيُّ مُتَبَرِّعًا بَل بِأُجْرَةٍ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي دَفْعِهِ الْمَال إِلَيْهِ، بَل قَوْل الْيَتِيمِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء: 6.
(2) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 456، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل 4 / 695، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78.
(3) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 456، وَمَنْح الْجَلِيل 4 / 695، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 707، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 68.

قَبَضَ الْمَال لِحَظِّهِ فَلَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ (1) .

أُجْرَةُ الْوَصِيِّ وَانْتِفَاعُهُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ:
61 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا فَرَضَ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي أُجْرَةً فِي مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مُقَابِل الْقِيَامِ بِالْوِصَايَةِ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا سَوَاءٌ أَكَانَ غَنِيًّا أَمْ فَقِيرًا. (2)
كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّ الْغَنِيَّ إِذَا لَمْ يُفْرَضْ لَهُ شَيْءٌ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ (3) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} " (4) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ إِنْ كَانَ لِلْوَصِيِّ الْغَنِيِّ فِي الْوِصَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ خِدْمَةٌ وَعَمَلٌ، فَقِيل: إِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُل بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَخِدْمَتِهِ لَهُ، وَقِيل: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (5) .
62 - وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ أَخْذِ الْوَصِيِّ الْفَقِيرِ أُجْرَةً مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي شَيْئًا.
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 456، وَشَرْح الْمُنْتَهَى 2 / 180.
(2) حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 6 / 713، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص318، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَالْمُقْنِع ص126، وَالْحَاوِي 10 / 212 ـ 213.
(3) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(4) سُورَة النِّسَاء: 6.
(5) مَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 399.

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ - فِي الاِسْتِحْسَانِ - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الأَْجْرَ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ لِحَاجَةِ فَقْرٍ حَسَبَ ضَوَابِطَ تُحَدِّدُ مِقْدَارَ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَخْذُهُ، وَالْحَالاَتُ الَّتِي يَجُوزُ الأَْخْذُ فِيهَا يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي (وِلاَيَة ف 59 - 60، إِيصَاء ف17) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ - وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ - أَنَّ الْوَصِيَّ الْفَقِيرَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مُقَابِل قِيَامِهِ بِمَهَامِّ الْوِصَايَةِ إِذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهُ الأَْبُ أَوِ الْقَاضِي شَيْئًا. (1)

إِيصَاءُ الْوَصِيِّ:
63 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ إِيصَاءِ الْوَصِيِّ إِذَا عَيَّنَ الْمُوصَى لَهُ مَنْ يُوصِيهِ (2) وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَنْ يُوصِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل:
جَوَازُ إِيصَاءِ الْوَصِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ وَصِيَّ الْوَصِيِّ وَصِيٌّ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ لأَِنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِوِلاَيَةٍ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ، فَيَمْلِكُ الإِْيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجَدِّ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْوِلاَيَةَ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوصِي تَنْتَقِل
__________
(1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 6 / 713 ط الْحَلَبِيّ.
(2) الدَّرّ الْمُحْتَار 6 / 6 - 7، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل 4 / 691، وَالْحَاوِي للماوردي 10 / 198، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 575.

إِلَى الْوَصِيِّ، وَبِهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ. (1)
الْقَوْل الثَّانِي:
عَدَمُ جَوَازِ الإِْيصَاءِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِالإِْذْنِ مِنَ الْمُوصَى فَلاَ يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ كَالْوَكِيل، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَإِسْحَاقَ لأَِنَّ الْوَلِيَّ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ الثَّانِي، وَقِيَاسًا عَلَى الْوَكِيل (2) .

إِقْرَارُ الْوَصِيِّ وَشَهَادَتُهُ:
أ) إِقْرَارُ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ:
64 - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ إِقْرَارُ الْوَصِيِّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ تَرِكَتِهِ لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَالإِْقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ بَاطِلٌ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُقِرِّ لَهُ أَخْذُهُ حَتَّى يُقِيمَ بُرْهَانًا وَيَحْلِفَ يَمِينًا، وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لَوْ دَفَعَ لِلْمُقِرِّ لَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ وَارِثًا فَيَصِحُّ فِي حِصَّتِهِ. (3)
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ للزيلعي 6 / 209 - 210، وَالدَّرّ الْمُخْتَار 6 / 706 ـ 723، وَمَعَهُ حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ 6 / 701، 706، 723، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل، لِلشَّيْخِ عِلِيش 4 / 688، 691.
(2) الْحَاوِي للماوردي 10 / 198 - 202، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 314، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 574 - 575، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 575، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 2 / 522، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 532، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 76.
(3) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 6 / 714، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 3 / 535، وَالْمُغْنِي 6 / 146، وَالْمَنْثُور فِي الْقَوَاعِدِ 1 / 187.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لآِخَرَ وَلَمْ تَكُنْ مِنَ التَّرِكَةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا لِلصَّغِيرِ لاَ يُسْمَعُ إِقْرَارُهُ لِتَنَاقُضِهِ لأَِنَّ إِقْرَارَهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْضِي عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ يَمْضِي عَلَيْهِ هُوَ حَتَّى لَوْ مَلَكَهَا يَوْمًا أُمِرَ بِدَفْعِهَا لَهُ (1) .

ب) شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ لآِخَرَ بِالْوِصَايَةِ مَعَهُمَا:
65 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِزَيْدٍ مَعَهُمَا لَغَتْ لإِِثْبَاتِهِمَا لأَِنْفُسِهِمَا مُعَيَّنًا، وَحِينَئِذٍ فَيَضُمُّ الْقَاضِي لَهُمَا ثَالِثًا وُجُوبًا، لإِِقْرَارِهِمَا بِآخَرَ فَيَمْتَنِعُ تَصَرُّفُهُمَا بِدُونِهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنَ امْتِنَاعِ تَصَرُّفِ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ وَحْدَهُ إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ زَيْدٌ أَنَّهُ وَصِيٌّ مَعَهُمَا، فَحِينَئِذٍ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّهُمَا أَسْقَطَا مُؤْنَةَ التَّعْيِينِ عَنِ الْقَاضِي إِذْ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَضُمَّ ثَالِثًا إِلَيْهِمَا، وَهَذَا الثَّالِثُ لَهُ حُكْمُ وَصِيِّ الْقَاضِي لاَ حُكْمُ وَصِيِّ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُؤَثِّرْ سِوَى التَّعْيِينِ، وَكَذَا ابْنَا الْمَيِّتِ إِذَا شَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِجَرِّهِمَا نَفْعًا لِنَصْبِ حَافِظٍ لِلتَّرِكَةِ لِقَوْل شُرَيْحٍ: لاَ أَقْبَل شَهَادَةَ خَصْمٍ وَلاَ قَرِيبٍ وَلَوْ يَدَّعِي زَيْدٌ هَذَا يُقْبَل اسْتِحْسَانًا (2) .
__________
(1) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 6 / 714.
(2) الدَّرّ الْمُخْتَار 6 / 716، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 213.

ج) شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ لِوَارِثٍ:
66 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ صَغِيرٍ بِمَالٍ سَوَاءٌ انْتَقَل إِلَيْهِ مِنَ الْمَيِّتِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، لأَِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ لأَِنْفُسِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَال، فَصَارَا مُتَّهَمَيْنِ أَوْ خَصْمَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ بِمَال الْمَيِّتِ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا أَيْضًا، لأَِنَّهُمَا يُثْبِتَانِ وِلاَيَةَ الْحِفْظِ وَوِلاَيَةَ بَيْعِ الْمَنْقُول لأَِنْفُسِهِمَا عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ.
أَمَّا إِنْ شَهِدَا لِوَارِثٍ كَبِيرٍ فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ أَوْ فِي غَيْرِ مَال الْمَيِّتِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لاِنْقِطَاعِ وِلاَيَتِهِمَا عَنْهُ فَلاَ تُهْمَةَ حِينَئِذٍ، وَلأَِنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لاَ فِي غَيْرِهَا.
وَقَال الصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) : إِذَا شَهِدَ الْوَصِيَّانِ لِوَارِثٍ كَبِيرٍ جَازَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ فِيمَا تَرَكَهُ الْمُوصِي وَغَيْرُهُ، لأَِنَّ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ لاَ تَثْبُتُ لَهُمَا فِي مَال الْمَيِّتِ إِذَا كَانَتِ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَعَرِيَتْ عَنِ التُّهْمَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ صَغِيرًا. (1)
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 214، الدَّرّ الْمُخْتَار 6 / 715 ـ 716.

وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ. (1)

د) شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِمُوَلِّيهِ وَعَلَيْهِ:
67 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ وَصِيٌّ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَشْهَدَ بِغَيْرِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَصِيِّ لِمُوَلِّيهِ تُرَدُّ إِنْ كَانَ خَاصَمَ فِيهِ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى مَنْ فِي حِجْرِهِ فَتُقْبَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ. (2)

تَوْكِيل الْوَصِيِّ غَيْرَهُ:
68 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَوْكِيل الْوَصِيِّ غَيْرَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
__________
(1) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 6 / 626.
(2) رَوْضَة الْقُضَاة للسمناني 1 / 252، وَالْفَوَاكِه الدَّوَانِي 2 / 226، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 11 / 224، 6 / 322، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 73، وَكَشَّاف الْقِنَاع 6 / 430، والانصاف 12 / 72.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - قَال عَنْهُ الأَْذْرُعِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَزَالِيِّ ـ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ رَجَّحَهَا الْقَاضِي، وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: هُوَ الصَّوَابُ إِلَى جَوَازِ أَنْ يُوَكَّل الْوَصِيُّ بِكُل مَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ أَمْرِ الْيَتِيمِ، لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلاَيَةِ. (1)
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ كَانَ لِلْيَتِيمِ وَصِيَّانِ فَوَكَّل كُل وَاحِدٍ رَجُلاً عَلَى حِدَةٍ بِشَيْءٍ قَامَ وَكِيل كُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَكِيلَيْنِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (2) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي مَال الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ. لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيل عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنِ الْوَصِيَّةُ الإِْذْنَ لَهُ بِالتَّوْكِيل، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ، كَمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لَوْ نَهَاهُ عَنْهُ، أَمَّا مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ فَيَجُوزُ. (3)
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 3 / 562، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 73، وَالإِْنْصَاف لِلْمَرْدَاوَيَّ 5 / 362.
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 3 / 562.
(3) الْفُرُوق 4 / 39، وَالْمُهَذَّب 1 / 464، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 73، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 466، وَالإِْنْصَاف 5 / 362.

إِقْرَارُ الْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ:
69 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِقْرَارِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُوصَى عَلَيْهِ لأَِنَّ إِقْرَارَهُ عَلَى الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لِكَوْنِ الإِْقْرَارِ حُجَّةً قَاصِرَةً عَلَى الْمُقِرِّ لاَ تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ. (1)
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى الْمُوَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ بِالْمُوَلَّى عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (2) ، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ عَالِمَنَا (3) ، وَالإِْضْرَارُ بِالصَّغِيرِ لَيْسَ مِنَ الْمَرْحَمَةِ فِي شَيْءٍ. (4)
وَيَقُول الْمَوَّاقُ: الْوَصِيُّ لاَ يَلْزَمُ إِقْرَارُهُ عَلَى الْمَحْجُورِ، وَلَكِنْ يَكُونُ شَاهِدًا لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ عَلَى الْمَحْجُورِ
__________
(1) الْبَدَائِع 5 / 153، وَالْفُرُوق 4 / 39، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 188، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 187، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 448.
(2) حَدِيث: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (50) .
(3) حَدِيث: " لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (50)
(4) الْبَدَائِع 5 / 153.

بِحَالٍ. (1)
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِمَا بِمَالٍ وَلاَ إِتْلاَفٍ وَنَحْوِهِ، لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ فَلَمْ يَجُزْ، وَأَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ النَّافِذَةُ مِنْهُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهَا كَالْوَكِيل (2) .

دَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً:
70 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِيدَاعِ الْوَصِيِّ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ لَدَى غَيْرِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَصْلَحَةِ الصَّغِيرِ، لأَِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي فِيمَا لَهُ مِنْ وِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال، فَكَانَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ بِالإِْيدَاعِ، وَلأَِنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنِ الْحِفْظِ بِنَفْسِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ بِغَيْرِهِ خَاصَّةً إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُوصَى عَلَيْهِ. (3)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُودِعُ مَالَهُ وَلاَ يُقْرِضُهُ مِنْ
__________
(1) التَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 188.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 448.
(3) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 72، وَالْبَدَائِع 5 / 154، وَفَتْح الْقَدِير 5 / 450، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 400، وَكَشَّاف الْقِنَاع 3 / 249، وَالْمُهَذَّب 1 / 336، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 175، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 4 / 191، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 3 / 410.

غَيْرِ حَاجَّةٍ، لأَِنَّهُ يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ فَلَمْ يَجُزْ، فَإِنْ خَافَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الإِْيدَاعُ وَالإِْقْرَاضُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِْيدَاعِ دُونَ الإِْقْرَاضِ أَوْدَعَ، وَلاَ يُودِعُ إِلاَّ ثِقَةً، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِْقْرَاضِ دُونَ الإِْيدَاعِ أَقْرَضَهُ، وَلاَ يُقْرِضُهُ إِلاَّ ثِقَةً مَلِيئًا، لأَِنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ يَجْحَدُ، وَغَيْرَ الْمَلِيءِ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُ الْبَدَل مِنْهُ، فَإِنْ أَقْرَضَ وَرَأَى أَخْذَ الرَّهْنِ عَلَيْهِ أَخَذَ، وَإِنْ رَأَى تَرْكَ الرَّهْنِ لَمْ يَأْخُذْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِْيدَاعِ وَالإِْقْرَاضِ فَالإِْقْرَاضُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْقَرْضَ مَضْمُونٌ بِالْبَدَل، وَالْوَدِيعَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَكَانَ الْقَرْضُ أَحْوَطَ، فَإِنْ تَرَكَ الإِْقْرَاضَ وَأَوْدَعَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمَا تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي لاَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1) } ، وَالإِْقْرَاضُ هَاهُنَا أَحْسَنُ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِضَ لَهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَيَرْهَنُ مَالَهُ عَلَيْهِ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُ فَجَازَ. (2)
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: قَرْضُ الْوَلِيِّ مَال مَحْجُورِهِ لِثِقَةٍ أَوْلَى مِنْ إِيدَاعِهِ، لأَِنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ، فَإِنْ أَوْدَعَهُ الْوَلِيُّ مَعَ إِمْكَانِ قَرْضِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ،
__________
(1) سُورَة الأَْنْعَام: 152.
(2) الْمُهَذَّب 1 / 336.

وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ. (1)

دَفْعُ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ إِعَارَةً:
71 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِعَارَةِ الْوَصِيِّ مَال الصَّغِيرِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ إِعَارَةُ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّ الإِْعَارَةَ تَمْلِيكٌ أَوْ إِبَاحَةٌ لِلْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّبَرُّعِ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ الْحِفْظُ، وَلأَِنَّهُ لاَ حَظَّ فِيهَا لِلْمُوصَى عَلَيْهِ، فَتَكُونُ ضَرَرًا مَحْضًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ، فَلاَ يَمْلِكُهَا الْوَصِيُّ. (2)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الاِسْتِحْسَانِ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ إِعَارَةَ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ لأَِنَّ الإِْعَارَةَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ وَضَرُورَاتِهَا، فَتُمَلَّكُ بِمِلْكِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا مَلَّكَهَا الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ. (3)

خَلْطُ الْوَصِيِّ مَالَهُ بِمَال الْمُوصَى عَلَيْهِ:
72 - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ التَّصَرُّفُ فِي مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُ (4)
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 449.
(2) الْبَدَائِع 5 / 154، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص378، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 264، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 3 / 724، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 63.
(3) الْبَدَائِع 5 / 154، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 463.
(4) الذَّخِيرَة 8 / 240، وَالإِْنْصَاف 5 / 325.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي خَلْطِ مَال الْوَصِيِّ بِمَال الْيَتِيمِ تَفْصِيلٌ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِوَصِيِّ الأَْيْتَامِ أَنْ يَخْلِطَ نَفَقَتَهُمْ فَيُنْفِقُهَا عَلَيْهِمْ جُمْلَةً إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ لَهُمُ، اتَّحَدَ مُورِّثُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَ. (1)
دَلَّل الْجَصَّاصُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل ( {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ) (2) ، قَائِلاً: فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى جَوَازِ خَلْطِ مَال الْيَتِيمِ بِمَال الْوَلِيِّ، وَهَذِهِ الْمُخَالَطَةُ مَقْصُودَةٌ بِشَرِيطَةِ الإِْصْلاَحِ لِلْيَتِيمِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَقْدِيمُهُ ذِكْرَ الإِْصْلاَحِ فِيمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى ( {قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} ) (3) .
وَالثَّانِي (4) : قَوْلُهُ ( {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ) (5) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِخَلْطِ الْوَصِيِّ نَفَقَةَ يَتِيمِهِ بِمَالِهِ إِذَا كَانَ رِفْقًا لِلْيَتِيمِ،
__________
(1) مَجْمَع الضَّمَانَات لاِبْن غَانِم ص411.
(2) سُورَة الْبَقَرَة: 220.
(3) سُورَة الْبَقَرَة: 220.
(4) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 1 / 332.
(5) سُورَة الْبَقَرَة: 220.

وَيَمْتَنِعُ رِفْقًا لِلْوَلِيِّ، وَلأَِنَّ الإِْفْرَادَ قَدْ يَشُقُّ وَخَاصَّةً فِي بَيْتٍ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ خَلْطُ مَالِهِ بِمَال الْيَتِيمِ إِلاَّ فِي الْمَأْكُول كَالدَّقِيقِ وَاللَّحْمِ لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ لِلإِْرْفَاقِ (2) ، وَعَلَيْهِ حُمِل قَوْلُهُ تَعَالَى ( {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} ) (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِوَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ خَلْطُ نَفَقَةِ مُوَلِّيهِ بِمَالِهِ إِذَا كَانَ خَلْطُهَا أَرْفَقَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} ) (4) ، وَإِنْ كَانَ إِفْرَادُهُ أَرْفَقَ بِهِ أَفْرَدَهُ مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَةِ. (5)

قِسْمَةُ الْوَصِيِّ نِيَابَةً عَنِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ عَنِ الْوَرَثَةِ:
73 - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمَةَ الْوَصِيِّ نِيَابَةً عَنِ الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ الْغُيَّبِ أَوِ الصِّغَارِ مَعَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، وَلاَ رُجُوعَ لِلْوَرَثَةِ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمُوصَى لَهُ إِنْ ضَاعَ قِسْطُهُمْ مَعَهُ لِصِحَّةِ قِسْمَةِ الْوَصِيِّ حِينَئِذٍ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يُوصِيَ الرَّجُل إِلَى رَجُلٍ، وَأَنْ يُوصِيَ لآِخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ
__________
(1) الذَّخِيرَة 8 / 241 - 242.
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 322.
(3) سُورَة الْبَقَرَة: 220.
(4) سُورَة الْبَقَرَة: 220.
(5) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 3 / 413، وَالْمُغْنِي 4 / 268.

أَوْ كِبَارٌ غُيَّبٌ، فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ مَعَ الْمُوصَى لَهُ نَائِبًا عَنِ الْوَرَثَةِ، وَأَعْطَاهُ الثُّلُثَ، وَأَمْسَكَ الثُّلُثَيْنِ لِلْوَرَثَةِ، فَالْقِسْمَةُ نَافِذَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَرَثَةَ وَالْوَصِيَّ كِلاَهُمَا خَلَفٌ عَنِ الْمَيِّتِ وَيَصِحُّ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الآْخَرِ.
أَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ: وَهُوَ مُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ مَعَ الْوَارِثِ نَائِبًا عَنِ الْمُوصَى لَهُ، فَلاَ تَصِحُّ هَذِهِ الْقِسْمَةُ، لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ لِلْمَيِّتِ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَلاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ مُنَاسَبَةٌ حَتَّى يَقُومَ الْوَصِيُّ مَقَامَهُ فِي نُفُوذِ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِ.
وَحَيْثُ لاَ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ نِيَابَةً عَنِ الْمُوصَى لَهُ مَعَ الْوَرَثَةِ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ الرُّجُوعُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَال إِذَا ضَاعَ قِسْطُهُ، لأَِنَّهُ كَالشَّرِيكِ مَعَهُ أَيْ مَعَ الْوَصِيِّ، وَلاَ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ لأَِنَّهُ أَمِينٌ. (1)
وَتَصِحُّ قِسْمَةُ الْقَاضِي وَأَخْذُهُ قِسْطَ الْمُوصَى لَهُ إِنْ غَابَ الْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّهُ نَاظِرٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ، وَإِفْرَازُ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَقَبْضُهُ مِنَ النَّظَرِ، فَنَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَحَّ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ، وَهَذَا فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ، لأَِنَّهُ إِفْرَازٌ، وَفِي غَيْرِهِمَا لاَ تَجُوزُ
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ شُرِحَ كَنْز الدَّقَائِق للزيلعي 6 / 210، وَالدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 6 / 707.

لأَِنَّهُ مُبَادَلَةٌ كَالْبَيْعِ، وَبَيْعُ مَال الْغَيْرِ لاَ يَجُوزُ فَكَذَا الْقِسْمَةُ. (1)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلاَ يَقْسِمُ الْوَصِيُّ عَلَى غَائِبٍ بِلاَ حَاكِمٍ، فَإِنْ قَسَمَ بِلاَ حَاكِمٍ: فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ وَتُرَدُّ، وَالْمُشْتَرُونَ الْعَالِمُونَ غُصَّابٌ لاَ غَلَّةَ لَهُمْ وَيَضْمَنُونَ حَتَّى السَّمَاوِيَّ. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَقِل بِقِسْمَةِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوصَى عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْقِسْمَةَ إِنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَيْسَ لَهُ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ إِقْرَارًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بَل يَتَوَلَّى الْحَاكِمُ الْقِسْمَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (3) .
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: وَلاَ يَسْتَقِل بِقِسْمَةِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، لأَِنَّ الْقِسْمَةَ إِنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَيْسَ لَهُ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، أَوْ إِقْرَارًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. (4)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجُوزَ لِلْوَصِيِّ قَسْمُ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ، وَقَالُوا: وَلِيُّ الْمُوَلَّى
__________
(1) الدَّرّ الْمُخْتَار، وَمَعَ حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ 6 / 707.
(2) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 210.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 322 وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 73، وَحَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ 4 / 74.
(4) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 78.

عَلَيْهِ فِي قِسْمَةِ الإِْجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ. وَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَ قِسْمَةَ التَّرَاضِي إِذَا رَآهَا مَصْلَحَةً كَالْبَيْعِ وَأَوْلَى (1) .

ضَمَانُ الْوَصِيِّ:
74 - مِمَّا تَقَدَّمَ يَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ فِيمَا وُلِّيَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالٍ مَقْرُونٌ لِمَصْلَحَةِ الصَّغِيرِ فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ فِي أَمْوَال الْمُوصَى عَلَيْهِ مُحَقِّقًا الْمَصْلَحَةَ لِلْمُوصَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَ يَكُونُ صَحِيحًا، أَمَّا إِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ غَيْرَ مُحَقِّقٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَكُونُ ضَامِنًا وَتُعْتَبَرُ يَدُهُ عَلَى أَمْوَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَدَ أَمَانَةٍ، وَيَدُ الأَْمَانَةِ لاَ تَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ. (2)

عَزْل الْوَصِيِّ وَانْعِزَالُهُ:
75 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصَى، كَمَا أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَعْزِلَهُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْل. (3)
__________
(1) الإِْنْصَاف 1 / 368، كَشَّاف الْقِنَاع 6 / 384.
(2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 275، وَجَامِع أَحْكَام الصِّغَار ص366، وَالْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص 59، وَالدُّسُوقِيّ 4 / 456.
(3) الدَّرّ الْمُخْتَار وَمَعَهُ حَاشِيَة رَدّ الْمُحْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ 6 / 701، 706، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ للزيلعي 6 / 207، وَالْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 440، 441، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل 8 / 200، 202، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل لِلشَّيْخِ عِلِيش 4 / 690، 694، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير وَمَعَهُ حَاشِيَةُ الدُّسُوقِيّ 4 / 453، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 785، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوِيِّ 6 / 312، 313، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 572، 574، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ لِلْبَهُوتِي 2 / 575.

وَأَمَّا انْعِزَالُهُ فَإِنَّهُ يَنْعَزِل بِفَقْدِ شَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْوِصَايَةَ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ الْوَصِيِّ وَبَيَانُ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ فَقْدِ كُل شَرْطٍ وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (إِيصَاء ف8، 18) .

وِلاَيَةٌ يَتَمَكَّنُ بِهَا الشَّخْصُ مِنَ إِقَامَةِ غَيْرِه مَقَامَهُ لِلْقِيامِ بِتَصَرُّفٍ مَا.
Delegation: "Wisāyah": when someone asks another person to do something on his behalf while he is absent. Original meaning: joining something to another. Other meanings: acceptance, affirmation.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت