لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
أي أن حديثه لا ينتفع به في احتجاج ولا استشهاد ، فلا معنى لكتابته ، وإن كان بعض الأئمة النقاد يكتبون أحاديث بعض المتروكين ليحفظوها ويعتبروا بها مرويات أقرانهم وغيرهم ، وقال أبو بكر الأثرم كما في ترجمة يحيى بن معين من (تهذيب الكمال) (31/557): (رأى أحمدُ بنُ حنبل يحيى بن مَعِين بصنعاء في زاويةٍ وهو يكتب صَحِيفة مَعْمَر عن أَبان عن أنس، فإذا اطّلَع عليه إنسانٌ كَتَمَهُ؛ فقال له أحمد: تكتب صحيفةَ مَعْمَر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلّم في أَبان ثم تكتب حديثَهُ على الوجه؟! فقال: رَحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتبُ هذه الصّحيفة عن عبد الرزاق عن مَعْمَر على الوجه فأحفظها كُلّها، وأعلمُ أنها موضوعة ، حتى لا يجيء إنسانٌ بعده فيجعل أبان ثابتاً ويرويها عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت إنما هو عن مَعْمَر، عن أَبان لا عن ثابت).
وقال أحمد بن عليّ الأبّار(1): قال يحيى بن مَعِين: كتبنا عن الكَذّابين وسَجَرنا به التّنّور، وأخرجنا به خُبزاً نَضِجاً ). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي بمعنى (يعتبر بحديثه)، فانظرها.
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (يكتب حديثه).
ليس به بأس في حديث الرقاق (أو حديث الرقائق): يؤخذ من نحو العبارة ومثيلاتها أن ذلك الراوي لين الحديث فلا يحتج به في العقائد والأحكام العملية ؛ ولكن يروى حديثه في فضائل الأعمال التي ثبت وجوبها واستحبابها ، وفي الترهيب من الأعمال التي ثبتت حرمتها ؛ انظر (ليس من جمال المحامل) ، وانظر (الرقاق). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
أي هو ضعيف ؛ فإن قيل: إن الذي يُكتب حديثه نوعان: النوع الأول: من يُكتب حديثه للاحتجاج به ، والنوع الثاني: من يكتب حديثه للاستشهاد به(1) ، فكيف يقال أن من قيل في حقه هذه الكلمة ضعيفٌ؟ كان الجواب أن أصل هذا الاعتراض صحيح ، ولكن (يكتب حديثه) اصطلاحية لها معني عرفي عند المحدثين ، فهو مقدم على المعنى اللغوي لها ، فاقتصار الناقد على هذه اللفظة يُشعر بأنه يريدُ أن ينفي عن الراوي التركَ وهو عدمُ صلاحيتةِ لكتابةِ حديثِه(2) ، فإن تسمحنا ، أو قلنا على سبيل التنزل: إن قائل تلك الكلمة قد يكون متردداً في حال ذلك الراوي: أيصلح للاحتجاج أم للاستشهاد وحده ، فعبر عن حاله بكلمة يكتب حديثه لأنه لم يقدرْ على الجزم بشيء ؛ أقول: إذا كان الأمر كذلك فإنه يتعين على من يستند إلى كلام ذلك الناقد الأخذُ بالأحوط أو المتيقَّن ، وهو أدنى المرتبتبن ، فأمر الرواية مبني على الاحتياط والتثبت.
ومما يؤيد تفسير (يكتب حديثه) بما تقدم هو أنها كثيراً ما ترِدُ في كلام النقاد مقرونة بكلمة تضعيف أو تليين ، وتأتي في أحيان قليلة مقرونة بكلمة (صدوق) أو (حسن الحديث) ، ولكن لا تأتي فيما أعلم مقرونة بكلمة توثيق تام أو ثناء عالٍ على ضبط ذلك الراوي ، فلا يقال مثلاً: (هو ثقة يكتب حديثه) أو (يكتب حديثه وهو حجة) ولا نحو ذلك(3). قال ابن عدي في (الكامل) (1/243) في ترجمة إبراهيم بن هارون: (حدثنا علي بن أحمد بن سليمان حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إبراهيم بن هارون ليس به بأس ، يكتب حديثه ؛ وقول يحيى بن معين (يكتب حديثه) معناه أنه من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثُهم(4) ، ولم أر لإبراهيم بن هارون هذا عندي إلا الشيء اليسير فلم أذكره ها هنا ) ؛ يعني أنه لم يجد له في كتبه أو حفظِه إلا أحاديث يسيرة فلم يكتبها هنا في ترجمته، لأنها بسبب قلتها غير كافية للدلالة الصحيحة على حال الرجل، وإنما يحكم على الراوي مَن وقف على أكثر أحاديثه ، أو على قدر كافٍ منها ؛ وانظر (يُعتبر بحديثه). هذا ما كنتُ كتبتُه قبلاً، ثم وقفت على (تحرير علوم الحديث) لعبد الله بن يوسف الجديع فوجدته قد قال (1/591-593) في تفسير كلمة (يُكتبُ حديثُه) ما نصُّه: (تأتي على ثلاثة أحوال: الأولى: مفردة ؛ فهي عندئذ مشعرة بضعف الراوي لذاته ، وصلاحية حديثه للاعتبار ، على أدنى الدرجات. قال أبو حاتم الرازي في الوليد بن كثير بن سنان المزَني: " شيخ يكتب حديثه "(5) ، فقال الذهبي: " قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق ، ولا هو بصيغة إهدار "(6). والثانية: مضافة إلى لفظ تعديل ، كإضافتها إلى (حسَن الحديث) أو (صدوق) ، فيكون المراد وجوبَ التحري لإثبات سلامة ما رواه من الخطأ والوهم وإثبات كونه محفوظاًَ ، كما بينتُه في (حسن الحديث). ومن مثاله: قول أبي حاتم الرازي في إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي: "يكتب حديثه ، وهو حسن الحديث"(7). وأورد ابن عدي عن يحيى بن معين قولَه في إبراهيم بن هارون الصنعاني: "ليس به بأس ، يكتب حديثه" ، فقال: " معناه: أنه في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ، ولم أر لإبراهيم هذا عندي إلا الشيء اليسير ، فلم أذكره ههنا "(8). قلت: وهذا منه مؤكِّد أنه لم يأت بمنكر ، وإلا سارع لذكره ، لكنه ليس في محل من يحتج به ، لعدم ظهور ذلك لقلة حديثه(9). والثالثة: أن تضاف إلى عبارة تجريح. فمقتضى العبارة أن ذلك التجريح لا يبلغ بالراوي درجةَ من لا يعتبر به ، فهو في عداد من يصلح حديثه في المتابعات والشواهد ، كقول أبي حاتم الرازي في إسماعيل بن مسلم المكي: "ضعيف الحديث ، ليس بمتروك ، يكتب حديثهُ "(10). ويشبه هذه العبارة قولهم "يخرَّج حديثُهُ " ، كما قال الدارقطني في عبد الملك بن أبي زهير الطائفي: " شيخ مقل ، ليس بالمشهور ، يخرَّج حديثه "(11) ؛ لا ينبغي أن تتجاوز هذه العبارة الدلالة على أن الراوي يكتب حديثه للاعتبار ، حتى يرتفع أمرُه بوصف تعديلٍ يصير معه إلى الاحتجاج) ؛ انتهى كلامه(12) ، وأزيد عليه ما يلي من نقول تبين معنى (يكتب حديثه) عند أبي حاتم. قال الذهبي في (السير) (6/360) في ترجمة هشام بن حسّان: (---- وقال أبو حاتم: كان صدوقاً، وكان يتثبت في رفع الأحاديث عن ابن سيرين؛ وقال أيضاً: يكتب حديثه ؛ قلت: قد علمتُ بالاستقراء التام أنَّ أبا حاتم الرازي إذا قال في رجل: " يكتب حديثُهُ " أنه عنده ليس بحجة). وقال الذهبي في (الميزان) (4/53)(13) في ترجمة العباس بن الفضل العدني: (ت العباس بن الفضل العدني نزيل البصرة عن حماد بن سلمة وغيره ، سمع منه أبو حاتم وقال: شيخ ؛ فقوله "هو شيخ" ليس هو عبارة جرح ، ولهذا لم أذكر في كتابنا أحداً ممن قال فيه ذلك ، ولكنها أيضا ما هي عبارة توثيق ، وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة ؛ ومن ذلك قوله "يكتب حديثه"، أي ليس هو بحجة). وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/1/126) في ترجمة الحكم بن عطية العيشي الذي وثقه ابن معين: (سألت أبي عن الحكم بن عطية ، قال: يكتب حديثه ليس بمنكر الحديث وكان أبو داود يذكره بجميل ؛ حدثنا أبو الوليد عنه ؛ قلت: يحتج به ؟ قال: لا ، من ألف شيخ لا يحتج بواحد ، ليس هو بالمتقن ، هو مثل الحكم بن سنان ) ، وقد قال في ترجمة الحكم بن سنان (2/1/117): (سمعت أبي يقول: عنده وهم كثير ، وليس بالقوي ، ومحله الصدق ، يكتب حديثه)(14). وقال ابن أبي حاتم (1/2/7) في ترجمة سعيد بن بشير: (سمعت أبي وأبا زرعة ذكرا سعيد بن بشير فقالا: محله الصدق عندنا ، قلت لهما: يحتج بحديثه ؟ فقالا: يحتج بحديث ابن أبي عروبة والدستوائي ، هذا شيخ يكتب حديثه ، وسمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء(15) وقال: يُحَوَّل منه(16) ). لذا فليس كل من قال فيه أبو حاتم: (لا يحتج به) يسقط إلى درجة من قال فيه الجمهور ذلك ، بل ينبغي مقارنة قوله بأقوال أهل النقد فإن وافقوه أُسقط إليها وإلا فلا ؛ فأبو حاتم لا تخلو أحكامه من تشدد يسير أحياناً ؛ قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة أبي حاتم (13/260): (إذا وثق أبو حاتم رجلاً فتمسك بقوله ، فإنه لا يوثق إلا رجلاً صحيح الحديث ، وإذا لين رجلاً أو قال فيه: (لا يحتج به) فتوقف حتى ترى ما قال غيرُه فيه ، فإن وثقه أحدٌ فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم فإنه متعنتٌ في الرجال ، قد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة ، ليس بقوي ، أو نحو ذلك)(17). وقال الزيلعي في (نصب الراية) (2/439): (وقول أبي حاتم "لا يحتج به" غير قادح ، فإنه لم يذكر السبب ، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات من غير بيان السبب كخالد الحذاء وغيره ، والله أعلم ) ؛ وانظر (يكتب حديثه ولا يحتج به). (18) قلت: ولكن هذا الكلام - على افتراض سلامته - يتعين أن يكون أغلبياً لا كليأ ، وأن يكون المخالف لأبي حاتم من كبار الأئمة ومعتدليهم ، وأن لا يكون قول أبي حاتم راجحاً بدليل يقوم عليه ، أو قرينة تحفه. ثم تأمل قول الذهبي فإنه قال: إذا ليَّن ، ولم يقل: اذا جرّح، أو كذّب ، أو نحوهما. __________ (1) تكميل: النقاد الأئمة يكتبون أحاديث بعض المشاهير من الكذابين والمتروكين ، لأغراض النقد والدراسة. (2) وكذلك (اكتبْ حديثه) لا تحمل على مجموع نوعي الكتابة ، بل تحمل على الكتابة للاحتجاج وحدها ؛ فهذه بخلاف تلك ؛ فتأملهما ، والفرق بينهما أن (اكتب حديثه) للإرشاد والحث ، وأما هذه فلبيان أن ذلك الراوي داخل في جملة من يُكتب حديثه فلا مانع من كتابته ؛ وانظر (يكتبُ حديثه). (3) وهذا أصل في معرفة معاني اصطلاحات المحدثين ، أعني أن تجمع كل عبارات المحدث النقدية التي قرن فيها تلك الكلمة ، المبحوث عن معناها عنده ، بغيرها ، فحينئذ قد يتيسر للدارس معرفة معنى تلك الكلمة إذا ما أُفردت أي جُردت عن الاقتران بكلمة أخرى. (4) وذكره الذهبي عن ابن عدي في ترجمة ابراهيم المذكور من (الميزان) (1/33). (5) الجرح والتعديل (4/2/14). (6) ميزان الاعتدال (4/345). (7) الجرح والتعديل (1/1/148). (8) الكامل (1/394). (9) في هذا التفسير نوع اضطراب ، وأرى أن الصحيح في تفسير هذه العبارة هو أن ابن عدي لم يجد في كتبه وحفظِه ، لهذا الراوي ، إلا أحاديث يسيرة، فلم يكتبها هنا في ترجمته، لأنها بسبب قلتها غير كافية للدلالة الصحيحة على حال الرجل، وإنما يحكُم على الراوي من وقف على أكثر أحاديثه ، أو على قدر كافٍ منها. (10) الجرح والتعديل (1/1/199) (11) سؤالات البرقاني (12). (13) وفي (سؤالات البرقاني للدارقطني) (ص58) (14): (سألته عن ليث بن أبي سليم فقال: صاحب سنة يخرج حديثه ، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب). وفيها أيضاً (ص15) (19 و 20): (سمعته يقول: ---- وإبراهيم بن هراسة: متروك لا يخرج حديثه). وفيها (ص77) (15): (وأبو عتبة سنان عن أبي أمامة: حمصي يخرج حديثه اعتباراً ، لا يعرف اسمه). (16) طبعة علي محمد معوَّض ومن شاركه. (17) قد جمع أبو حاتم في جماعة من الرواة بين كلمة (يكتب حديثه) وكلمة (لا يحتج به) ، وقرن بهما أحياناً كلمة (لا بأس به) أو كلمة (صدوق). (18) المراد هو الإمام البخاري. (19) انظر (يحوَّل من كتاب الضعفاء). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي بمعنى العبارات الثلاث التي بعدها ؛ فانظرها.
ولكن قد ترِدُ هذه العبارةُ أحياناً بغير هذا المعنى ، تأتي بمعنى أن حديثه يكتب للاستقراء والدراسة ، ولكن الأصل هو المعنى الأول ؛ فانظر (لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً ) ، أو (لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
أي أحاديثه ضعيفة ، ولكن ينظر في كل واحد منها وفي طرقه وشواهده ، ليتبين أيتقوى بها أم لا ؛ وانظر (يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً) ، و(يكتب حديثه) ، و(يعتبر بحديثه).
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً) ، و(يكتب حديثه للاعتبار وينظر فيه).
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هذه عبارة لابن أبي حاتم ، وقد رأيت أن أشرحها في سائر عبارات سياقها ، ليستبين مراده إن شاء الله ، فأقول:
قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (1/1/37): (ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى: وإذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن ثبتٌ ، فهو ممن يحتج بحديثه. وإذا قيل له: إنه صدوق ، أو محله الصدق ، أو لا بأس به ، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية. وإذا قيل: شيخ ، فهو بالمنزلة الثالثة ، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا انه دون الثانية. وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار. وإذا أجابوا في الرجل بـ(لين الحديث) فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً. وإذا قالوا: ليس بقوي فهو بمنزلة الأولى في كِتبة حديثه إلا أنه دونه. وإذا قالوا: ضعيف الحديث ، فهو دون الثاني ، لا يطرح حديثه ، بل يعتبر به. وإذا قالوا: متروك الحديث ، أو ذاهب الحديث ، أو كذاب ، فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة) ؛ انتهى كلامه. وتفسيره أنه جعل المنازل أربع: الأولى: منزلة الثقات رواة الاحاديث الصحيحة، وذكر من ألفاظها (ثقة) و(متقن ثبت). والثانية: منزلة رواة الاحاديث الحسنة، وذكر من ألفاظها (صدوق) و (محله الصدق) و (لا بأس به). والثالثة: منزلة الرواة الذين يستشهد بهم ولا يحتج بهم. وهذه المنزلة الثالثة جعلها خمس درجات، فمن أعلاها درجة (شيخ)، فهي ليست من مراتب الاحتجاج وإن كان ظاهر سياقه قد يُشعر بأنها منها؛ ويليها (صالح الحديث) ، ثم (لين الحديث) ، ثم (ليس بالقوي) ، ثم (ضعيف الحديث). والمنزلة الرابعة: منزلة متروك الحديث وذاهب الحديث وكذاب. ومقصوده بالنظر الذي ذكره في مرتبة (الصدوق) هو النظر الذي يتبين به صلاحية الحديث للاحتجاج به من عدمها، وهذا بخلاف مقصوده به في مرتبة (لين الحديث)، فإنه هناك يريد النظر المميز بين أهلية الحديث للاستشهاد به من عدمها؛ وإنما لم يقل في حديث الثقة والمتقن الثبت انه ينظر فيه ، وإن كان قد يعتريه الوهم، لأن الوهم في حديث هؤلاء نادر ولا يكاد يطلع عليه إلا علماء العلل والمتبحرون في علم الحديث. وهذا المعنى الذي بينتُه هنا تنبيه مهم قد يغفل عنه كثير من الطلبة، فيقعون في إشكالات في فهم عبارة أبي محمد ابن أبي حاتم. قال صاحبا (تحرير التقريب) (1/42): « أما ابن أبي حاتم فجعل الرواة أربعة أصناف ---- »، فذكراها ثم قالا: « فهذا اصطلاح خاص به، ويفهم من لفظة صدوق عنده أنها لا تعني الحديث الحسن بل دونه، وهو الذي يصلح للمتابعات والشواهد ». أقول: إن كانا فهما هذا من قوله (فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه) ومن كونه لم يصرح هنا بأن هذا ممن يحتج به كما صرح في المرتبة الأولى، فإن هذا الفهم فيه نظر من وجوه: الأول: أنه يَرِد عليه أن ابن أبي حاتم لم يذكر مرتبة وسطى بين مرتبتي الثقة والصدوق، فعلى فرض أن معنى الصدوق عنده هو ما ذكراه، فإن كلامه حينئذ يحتمل ثلاثة معانٍ: أولها: أن يكون ابن أبي حاتم قد أغفل مرتبة الحديث الحسن، وهذا لا يصح لأن السياق يأباه. ثانيها: أن يكون قد أدرج مرتبة الحسن في مرتبة الصحيح وجعلها قسماً منها لا قسيماً لها، وهذا قد يُقبل ، ولكن لا دليل عليه وعبارته تأباه أيضاً ؛ ولا سيما أنه في مقام تقسيم وتأصيل وشرح للاصطلاحات. ثالثها: أن يكون قد اختار للتعبير عن صاحب تلك المرتبة لفظة (لا بأس به) أو لفظة (محله الصدق) دون لفظة (صدوق)؛ وهذا غير صحيح - كسابقيه - لأن قد جمع بين هذه الألفاظ الثلاث في مرتبة واحدة، فهي إن لم تكن متساوية في معناها عنده فإنه لن يكون بينها عنده من الفروق ما يجعلها متباينة في مراتبها، بل لا بد أن تكون على الأقل متقاربة في معانيها مشتركة في مرتبتها وحكمها. الثاني: أنه يبعد أن يخالف ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة وسائر شيوخه وشيوخهما وجمهور المحدثين في معنى هذه اللفظة الاصطلاحية الشهيرة ، ولا سيما أنه لم يبين ذلك ولا صرح به مع شدة الحاجة إلى البيان والتصريح، إذ أنه - كما هو معروف - جمع كتاباً في الجرح والتعديل عظيماً أحصى فيه ما وقف عليه من أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة، وقد تكررت كلمة (صدوق) في عباراتهم مئات المرات وهو في أكثر ذلك مقر لها غير مستدرك عليهم فيها، واستعملها هو أيضاً قولاً له في مرات كثيرة جداً بطريقة تشعر بأن معناها عنده هو معناها عندهم بعينه. الثالث: أن ابن أبي حاتم هنا في هذا التقسيم ناقل لمعاني المصطلحات عند المحدثين لا عنده، كما يظهر جلياً من النظر في سياقه ، فإنه قال: (ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى ؛ وإذا قيل للواحد: إنه ثقة ----؛ وإذا قيل له: إنه صدوق ----؛ وإذا أجابوا في الرجل بـ(لين الحديث) فهو ----؛ وإذا قالوا ----). ولم يقل: إذا قلت كذا. الرابع: أن صاحبي (تحرير التقريب) لم يسبقهما إلى هذا القول الغريب الذي قالاه هنا - فيما أعلم - أحد من علماء الحديث. الخامس: أنه يبعد أن يكون معنى كلمة (صدوق) عند ابن أبي حاتم هو الضعف الذي ينجبر بالمتابعات والشواهد ، ثم يعود فيستعملها في ثقات شيوخه بمعنى ثقة مطلقاً كما جاء في تنبيهات صاحبي (التحرير) في مواضع عديدة من كتابهما منها (2/65) ؛ فإن هذا لو وقع من ابن أبي حاتم لكان كالتناقض منه، وهذا ما لا يليق به ولا يُظن وقوعه من مثله، ولا سيما أنه ليس مضطراً إليه، ولو أنه وقع لبينه ولا بد(1). يكتب حديثه ولا يحتج به: معناها أنه يستشهد به ولا يحتج به ؛ قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (1/1/133) في ترجمة إبراهيم بن مهاجر البجلي: (سمعت أبي يقول: إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي ، هو وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب قريبٌ بعضُهم مِن بعض ، محلهم عندنا محل الصدق ، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم ؛ قلت لأبي: ما معنى لا يحتج بحديثهم ؟ قال: كانوا قوماً لا يحفظون فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون ترى في أحاديثهم اضطراباً ما شئت ). قال العلامة المُعلّمي في (التنكيل) (1/238): (وهذه الكلمة [أي يكتب حديثه ولا يُحتج به] يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ ، يحدث بما لا يُتقن حفظَه فيغلط ويضطرب ، كما صرّح بذلك في ترجمة إبراهيم بن مهاجر)(2). أقول: ولكن لا بد من مراعاة أن بعض الأئمة كان شرطه في الاحتجاج في الراوي يكون أحياناً أشد من شرط غيره ؛ قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (وأما قول أبي حاتم "يكتب حديثه ولا يحتج به"، فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب؛ والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في اصطلاح جمهور أهل العلم) ؛ جاء ذلك في ثنايا كلام له طويل مفيد في مناهج بعض النقاد ومنازلهم واصطلاحاتهم وقواعد نقد الأحاديث والرواة، ولما كان هذا شأنَه رأيت أن أنقله في هامش هذا الموضع، فدونكه(3) ؛ وانظر (يكتب حديثه). __________ (1) وكتب الدكتور وليد العاني رحمه الله في كتابه (منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها) (ص154-166) مطلباً في معنى الصدوق عند ابن أبي حاتم الرازي خالف فيه ما ذهب إليه صاحبا (تحرير التقريب)، إذ انتهى في ختامه إلى هذا القول: (وبعد هذا نخلص إلى نتيجة هذا المبحث، وهو أن الصدوق عند ابن أبي حاتم ليس له حكم واحد، بل هو على مراتب، فمنهم الصدوق الضابط الذي يصحَّح حديثُه، ومنهم الصدوق الذي يهِمُ والغالب عليه الصواب، فهذا يحسن حديثه، ومنهم الصدوق الذي يغلب خطؤه على صوابه، وهذا منه ما يحسن بالمتابع، ومنه ما يلتحق بالضعيف). كذا قال، فلينظر فيه. (2) وهذا هو الصحيح في بيان معنى هذه الكلمة في استعمال أبي حاتم ، وهو خير وأقرب مما قاله الضياء المقدسي وابن القطان الفاسيُّ وأقرهما ، أو كاد أن يُقرهما عبد الله بن يوسف الجديع إذ قال في (تحرير علوم الحديث) (1/593-595): (قولهم "لا يحتج به" عبارة إنما يتبادر من لفظها أنها جرح ، مع أنها قد تطلق على راو صالح الأمر يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد ، ولا يحتج به ؛ وهي جرح مبهم ، فإذا لم يوجد تفسير مؤثر لسببها ، فالأصل: أن لا عبرة بها إذا عارضت التعديل من أهله ، إلا مراعاة معنى استثنائي يأتي التنبيه عليه ؛ قال الضياء المقدسي في شريح بن النعمان الصائدي بعد أن ذكر قول أبي إسحاق السبيعي فيه "وكان رجل صدقٍ": " وقال أبو حاتم: لا يحتج به ، وكذا عادة أبي حاتم يقول في غير واحد ممن روى له أصحاب الصحيح: لا يحتج به ، ولا يبين الجرح ، فلا نقبل إلا ببيان الجرح ". [الأحاديث المختارة 2/114]. وكذلك قال أبو الحسن ابن القطان الفاسيُّ راداً قول أبي حاتم في بهز بن حكيم: " وقول أبي حاتم: لا يحتج به ، لا ينبغي أن يُقبل منه إلا بحجة ". [بيان الوهم والإيهام 5/566]. كما قال رداً لقول أبي حاتم في أيوب أبي العلاء: " وقول أبي حاتم فيه (لا يحتج به) ، لا يلتفت إليه إذا لم يفسره ، كسائر الجرح المجمل ". [بيان الوهم والإيهام 5/402]. قلت: لكن بيَّن أبو حاتم مراده باستعمال هذه العبارة ، بما يزيح عنها بعضَ الإجمال ، فإنه قال: " إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي ----). [فذكر الأثر السابق، ثم قال:] (قلت: فهذا البيان يورد شبهة في حديث من وُصف بها ، فإن عارضها التعديل ، فمعَ قولنا ( هي جرح مجمل ) ، إلا أن هذا البيان من أبي حاتم يوجب تحوطاً في الاحتجاج بحديث مَن وُصف بها حتى تزول الشبهة ، وذلك بتحقق سلامة حديثه المعين من الخطأ ، شأن ما يشترط لقبول حديث الصدوق ، أو بتفرده بإطلاقها دون سائر النقاد ، وقد عرف بالتشدد. وفي معناها قولهم في الراوي "ليس بحجة ") ؛ انتهى كلامه. (3) قال شيخ الاسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (24/349-352) في معرض كلامه على حديثين من الأحاديث: (فإن قيل: الحديث الأول رواه عمر بن أبي سلمة وقد قال فيه علي بن المديني: تركه شعبة وليس بذاك؛ وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يُحتج بحديثه ؛ قال السعدي [يعني الجوزجاني] والنسائي: ليس بقوي الحديث. والثاني فيه أبو صالح باذام مولى أم هانىء وقد ضعفوه ؛ قال أحمد: كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح ؛ قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يُحتج به ؛ وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير وما أقل ما له في المسند ، ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه ؟ قلت: الجواب على هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: كل من الرجلين قد عدله طائفة من العلماء كما جرحه آخرون. أما عمر فقد قال فيه أحمد بن عبد الله العجلي: ليس به بأس ، وكذلك قال يحيى بن معين: ليس به بأس ؛ وابن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكيةً ؛ [ قلتُ: الحقُّ أن ابن معين كان يتشدد في مواضع دون غيرها ، وكانت مواضع تشدده يسيرة في الجملة ؛ وهو لم يكن متشدداً في أحكامه على المتقدمين من الرواة ]. وأما قول من قال: تركه شعبة ، فمعناه أنه لم يرو عنه ، كما قال أحمد بن حنبل: لم يسمع شعبة من عمر بن أبي سلمة شيئاً ؛ وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ونحوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا توجب رد أخبارهم؛ فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلاً له [ قلت: هكذا قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ، والتحقيق أن هذا ليس على إطلاقه، كما أوضحته بدلائله في غير هذا الموضع]. وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح ، وهذا معروف في غير واحد قد خُرِّج له في (الصحيح). وكذلك قول من قال "ليس بقوي في الحديث" عبارة لينة تقتضي أنه ربما كان في حفظه بعض التغير؛ ومثل هذه العبارة لا تقتضي عندهم تعمد الكذب ولا مبالغة في الغلط. وأما أبو صالح فقد قال يحيى بن سعيد القطان: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ، فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عُرف من عادة شعبة ؛ وتركُ ابن مهدي له لا يعارض ذلك ، فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن مهدي، فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدى وأمثاله. وأما قول أبي حاتم "يكتب حديثه ولا يحتج به " فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب؛ والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في اصطلاح جمهور أهل العلم. وهذا كقول من قال: "لا أعلم أنهم رضوه "؛ وهذا يقتضي أنه ليس عندهم من الطبقة العالية ؛ ولهذا لم يخرج البخاري ومسلم له ولأمثاله ؛ لكن مجرد عدم تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه. وإذا كان كذلك فيقال: إذا كان الجارح والمعدل من الأئمة لم يُقبل الجرح إلا مفسَّراً، فيكون التعديل مقدماً على الجرح المطلق. الوجه الثاني: أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يُحتج به جمهور العلماء ، فإذا صححه من صححه كالترمذي وغيره ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر كان أقل أحواله أن يكون من الحسن. الوجه الثالث: أن يقال: قد رُوي من وجهين مختلفين أحدهما عن ابن عباس ، والآخر عن أبي هريرة ، ورجال هذا ليس رجال هذا ، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر ، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ ؛ ومثل هذا حجة بلا ريب ؛ وهذا من أجود الحسن الذى شرَطَه الترمذيُّ، فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذاً أي مخالفاً لما ثبت بنقل الثقات ، وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيه متهم ولا خالفه أحد من الثقات ، وذلك أن الحديث إنما يُخاف فيه من شيئين: إما تعمد الكذب ، وإما خطأ الراوي، فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما عن الآخر وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه عُلم أنه ليس بكذب ، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب. وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف [ أي يضعف احتمالُه ] ، ولهذ كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يطلبان مع المحدث الواحد من يوافقه خشية الغلط ؛ ولهذا قال تعالى في المرأتين: {{أن تضلَّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}}. هذا لو كان عن صاحب واحد فكيف وهذا قد رواه عن صاحب وذلك عن آخر ، وفى لفظ أحدهما زيادة على لفظ الآخر. فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث في الأصل معروف----). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (يكتبُ حديثه) و(حسن الحديث).
|