نتائج البحث عن (عثمان بن عامر) 13 نتيجة

3582- عثمان بن عامر القرشي

أسد الغابة في معرفة الصحابة

3582- عثمان بن عامر القرشي
ب د ع: عثمان بْن عَامِر بْن عَمْرو بْن كعب بْن سعد بْن تيم بْن مرة بْن كعب بْن لؤي أَبُو قحافة الْقُرَشِيّ التيمي والد أَبِي بَكْر الصديق، أمه آمنه بِنْت عَبْد العزى بْن حرثان بْن عُبَيْد بْن عويج بْن عدي بْن كعب، قاله الزُّبَيْر بْن بكار.
أسلم يَوْم فتح مكَّة، وأتى بِهِ أَبُو بَكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبايعه.
(992) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمْ يَكُنْ شَابَ إِلا يَسِيرًا "، وَلَكِنَّ أَبوْ بَكْرٍ، وَعُمَرُ بَعْدَهُ خَضَبَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
(993) قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ: " لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لأَتَيْنَاهُ "، تَكْرِمَةً لأَبِي بَكْرٍ فَأَسْلَمَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ " وقَالَ قَتَادَة: هُوَ أول مخضوب فِي الْإِسْلَام، وعاش بعد ابنه أَبِي بَكْر، وورثه، وهو أول من ورث خليفة فِي الْإِسْلَام، إلا أَنَّهُ رد نصيبه من الميراث، وهو السدس، عَلَى ولد أَبِي بَكْر.
(994) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا طُوًى، قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِبِنْتٍ لَهُ كَانَتْ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ أَيْ بُنَيَّةُ، أَشْرِفِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، مَاذَا تَرَيِّنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا، وَأَرَى رَجُلا يَشْتَدُّ بَيْنَ ذَلِكَ السَّوَادِ مُقْبِلا وَمُدْبِرًا، فَقَالَ: تِلْكَ الَخْيُل أَيْ بُنَيَّةُ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ الْوَازِعُ، ثُمَّ قَالَ: مَاذَا تَرَيِّنَ؟ قَالَتْ: أَرَى السَّوَادَ قَدْ انْتَشَرَ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ إِذًا دَفَعَتِ الْخَيْلَ، فَأَسْرِعِي بِي إِلَى بَيْتِي، فَخَرَجَتْ بِهِ سَرِيعًا حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ بِهِ إِلَى الأَبْطَحِ لَقِيَتْهَا الْخَيْلُ وَفِي عُنُقِهَا طَوْقٌ لَهَا مِنْ وَرِقٍ، فَاقْتَطَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ عُنُقِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى جَاءَ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " هَلا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَجِيئَهُ "، قَالَ: يَمْشِي هُوَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ، وَقَالَ: " أَسْلِمْ تَسْلَمْ "، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، وَبِالإِسْلامِ طَوْقَ أُخْتِي، فَمَا أَجَابَهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ: أُنْشِدُ بِاللَّهِ وَبِالإِسْلامِ طَوْقَ أُخْتِي، فَمَا أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ، احْتَسِبِي طَوْقَكِ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الأَمَانَةَ فِي النَّاسِ لَقَلِيلٌ وتوفي أَبُو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبعه وتسعون سنة.
أَخْرَجَهُ الثلاثة.

عبد اللَّه بن عثمان بن عامر

الإصابة في تمييز الصحابة

بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن
كعب بن لؤيّ القرشي التميمي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم.
أمّه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر ابنة عم أبيه.
ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر.
أخرج ابن البرقيّ من حديث عائشة: تذاكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم أكبر.
وصحب النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمرّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحجّ [في الناس] «1» في حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم سنة تسع، واستقرّ خليفة في الأرض بعده، ولقّبه المسلمون خليفة رسول اللَّه.
وقد أسلم أبوه، وروى عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم.
وروى عنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وعقبة بن عامر، ومعقل بن يسار، وأنس، وأبو هريرة، وأبو أمامة، وأبو برزة، وأبو موسى، وا بنتاه: عائشة، وأسماء، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه من كبار التابعين الصّنابحي، ومرّة بن شراحيل الطيّب «2» ، وأوسط البجلي، وقيس بن أبي حازم، وسويد بن غفلة، وآخرون.
قال سعيد بن منصور: حدثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن إسحاق، عن عائشة
بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: اسم أبي بكر الّذي سماه به أهله عبد اللَّه، ولكن غلب عليه اسم عتيق.
وفي «المعرفة» لابن مندة: كان أبيض نحيفا، خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتىء الجبهة، يخضّب بالحنّاء والكتم.
وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزّبير بن بكّار عنه بسند له إلى عائشة.
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الزّهري: كان أبيض لطيفا جعدا مشرف «1» الوركين.
وأخرج أبو يعلى، عن سويد بن غفلة، عن صالح بن موسى بهذا السند إلى عائشة، قالت: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وأصحابه بفناء البيت إذ جاء أبو بكر، فقال النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم: «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى أبي بكر» «2» ،
فغلب عليه اسم عتيق.
وأخرج ابن مندة، من طريق عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد اللَّه. فقلت: إنّ الناس يقولون عتيق؟ قالت: إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد فسمّى واحدا عتيقا، والثاني معتقا، والثالث عتيقا، أي بالتصغير.
وفي السند ابن لهيعة.
وقال عبد الرّزّاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي بكر عتيق بن عثمان.
وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا، من طريق ابن أبي مليكة: كان اسم أبي بكر عبد اللَّه، وإنما كان عتيق لقبا.
وفي «المعرفة» لأبي نعيم، من طريق الليث: سمّي أبو بكر عتيقا لجماله.
[وذكر عباس الدّوريّ، عن يحيى بن جعفر، نحوه] » .
وفي تاريخ الفضل بن دكين: سمي عتيقا لأنه قديم في الخير.
وقال الفلاس في تاريخه: سمي عتيقا لعتاقة وجهه.
وأخرج الدّولابي في الكنى، وابن مندة، من طريق عيسى بن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن جده: كانت أمّ أبي بكر لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:
اللَّهمّ إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي.
وقال مصعب الزّبيريّ: سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.
قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش بأنسابها. وقال ابن إسحاق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم مما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف.
وفي «تاريخ» محمد بن عثمان بن شيبة، عن سالم بن أبي الجعد: قلت لمحمد بن الحنفية: لأي شيء قدم أبو بكر حتى لا يذكر فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه اللَّه.
وأخرج أبو داود في «الزّهد» بسند صحيح عن هشام بن عروة: أخبرني أبي، قال:
أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم. قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك دينارا ولا درهما.
وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا فأنفقها في سبيل اللَّه، وأعتق سبعة كلهم يعذّب في اللَّه: أعتق بلالا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة «1» ، والنهدية وابنتها، وجارية بني المؤمل «2» ، وأم عبيس.
وفي المجالسة للدينوري من طريق الأصمعي: أعتق سبعة، فذكرهم، لكن قال: وأم عبيس، وجارية بن عمرو بن المؤمل.
وقال مصعب الزّبيريّ: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أعتق أبو بكر ... فذكر كالأول، ولكن قال: وأم عبيس، وجارية بن المؤمل.
وأخرج من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه: كان أبو بكر معروفا بالتجارة،
ولقد بعث النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم وعنده أربعون ألفا فكان يعتق منها ويعول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وكان يفعل فيها كذلك. وأخرجه ابن الأعرابي في «الزهد» بسند آخر إلى ابن عمر نحوه.
وأخرج الدار الدّارقطنيّ في «الأفراد» من طريق أبي إسحاق عن أبي يحيى قال: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن اللَّه عز وجل سمّى أبا بكر على لسان نبيه صلى اللَّه عليه وسلّم صدّيقا.
ومناقب أبي بكر رضى اللَّه عنه كثيرة جدّا، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه قول اللَّه تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40] فإنّ المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، إذ لا يعترض بأنه لم يتعين، لأنه كان مع النبي صلى اللَّه عليه وسلّم في الهجرة عامر بن فهيرة، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وعبد اللَّه بن أريقط الدليل، لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر لأن عبد اللَّه بن أبي بكر استمرّ بمكة، وكذا عامر بن فهيرة، وإن كان تردّدهم «1» إليهما مدة لبثهما في الغار استمرت لعبد اللَّه من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك كما في نفس الخبر.
وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك وثبت في الصحيحين،
من حديث أنس أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قال لأبي بكر وهما في الغار: «ما ظنّك باثنين اللَّه ثالثهما» «2» .
والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يشركه في هذه المنقبة غيره.
وعند أحمد، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي تميم أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» .
[وأخرج الطبراني، من طريق الوضين بن عطاء، عن قتادة بن نسي «3» ، عن عبد الرحمن بن تميم، عن معاذ بن جبل- أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم لما أراد أن يرسل معاذا إلى اليمن استشار، فقال كلّ برأيه، فقال: «إنّ اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطّأ أبو بكر» ] .
وعند أبي يعلى، من طريق أبي صالح الحيثي «4» ، عن علي، قال: قال لي رسول اللَّه
صلى اللَّه عليه وآله وسلّم يوم بدر ولأبي بكر: «مع أحدكما جبرائيل، ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال» .
وفي الصحيح عن عمرو بن العاص: قلت يا رسول اللَّه: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال:
«عائشة» . قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» . قلت: ثم من؟ فذكر رجالا.
وأخرج الترمذيّ والبغويّ والبزّار جميعا عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن خالد، عن شعبة، عن الجريريّ، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال أبو بكر: ألست أوّل من أسلم؟ ألست أحقّ بهذا الأمر؟ ألست كذا؟ ألست كذا؟ رجاله ثقات، لكن قال التّرمذيّ والبزّار: تفرد به عقبة بن خالد. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد. قال الترمذي: وهو أصح.
وأخرج البغويّ، من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مشيختنا: ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أنّ أبا بكر أوّل القوم إسلاما.
وأخرج البغويّ بسند جيّد عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة أرحم بنا وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يسمى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم من زمن «1» بحيرا الراهب. واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ.
وقال العسكريّ: كانت تساق إليه الأشناق في الجاهلية، وهي الديات التي يتحملها ممن يتقرّب لذلك من العشيرة، فكان إذا حمل شيئا من ذلك فسأل فيه قريشا مدحوه «2» وأمضوا إليه حمالته، فإن احتملها غيره لم يصدقوه.
ومن أعظم مناقب أبي بكر أن ابن الدّغنّة سيد القارة لما ردّ إليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم لما بعث، فتواردا فيهما على نعت واحد من غير أن يتواطئا على ذلك، وهذا غاية في مدحه، لأن صفات النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم منذ نشأ كانت أكمل الصفات، وقد أطنب أبو القاسم بن عساكر في ترجمة الصديق حتى إن ترجمته في تاريخه على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجلدا.
وذكر ابن سعد من طريق الزهري أنّ أبا بكر والحارث بن كلدة أكلا خزيرة أهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك، واللَّه إن فيها لسم سنة، فلم
يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.
وكانت وفاته يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ومن الأوهام ما أخرجه البغويّ عن علي بن مسلم، عن زياد البكّائي، عن محمد بن إسحاق، قال: كانت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما، توفّي في جمادى الأولى.
وهذا غلط إما في المدة وإما في الشهر، فمن ذلك ما أخرجه من طريق اللّيث، قال:
مات أبو بكر لليلة خلت من ربيع الأول. وقال البغوي: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر مولى عفرة، وعن محمد بن بزيغ: توفّي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة.
قلت: وهذا يطابق المدة التي في رواية ابن إسحاق. ويخلص الوهم إلى الشهر.
بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم «2» بن مرة القرشي التيمي، أبو قحافة، والد أبي بكر.
أمّه آمنة بنت عبد العزى العدوية- عدي قريش، وقيل اسمها قيلة.
قال الفاكهيّ: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثّمالي، قال: قال عبد اللَّه لما خرج النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم إلى الغار: ذهبت أستخبر، وانظر، هل أحد يخبرني عنه؟ فأتيت دار أبي بكر فوجدت أبا قحافة، فخرج عليّ ومعه هراوة، فلما رآني اشتدّ نحوي، وهو يقول: هذا من الصّباة «3» الذين أفسدوا عليّ ابني.
تأخّر إسلامه إلى يوم الفتح،
فروى ابن إسحاق في المغازي بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر «1» ، قالت: لما كان عام الفتح ونزل النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ذا طوى قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية، أشرفي بي على أبي قبيس، وكان قد كفّ بصره، فأشرفت به عليه ... فذكر الحديث بطوله. وفيه: فلما دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «هلّا تركت الشّيخ في بيته حتّى آتيه «2» » «3» ! فقال: يمشي هو إليك يا رسول اللَّه، أحقّ من أن تمشي إليه. وأجلسه «4» بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: «أسلم تسلم» . ثم قام أبو بكر ...
الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن إسحاق.
وروى مسلم، من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: أتي بأبي قحافة عام الفتح ورأسه ولحيته مثل الثّغامة «5» ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: «غيّروا هذا بشيء، وجنّبوه السّواد» .
وروى أحمد، من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أنه سئل عن خضاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فقال: لم يكن شاب إلا يسيرا،
ولكن خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم» .
قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه- تكرمة لأبي بكر، فأسلم ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضا، فقال: غيّروهما وجنّبوه السواد. صححه ابن حبان من هذا الوجه.
قال قتادة: هو أول مخضوب في الإسلام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام.
مات أبو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبع وتسعون سنة «7» .
بن معتّب الثقفي، مولى المنبعث من فوق.
يقال أسلم وصحب. ذكره السّهيلي كذا في التجريد، والّذي في الروض للسهيلي في غزوة الطائف: ومن أولئك العبيد الّذي نزلوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم من حصن الطائف فأعتقهم المنبعث، وكان اسمه المضطجع، فبدّله رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتّب ... وساق الكلام في ذلك إلى أن قال: وجعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا.
كلّ هذا ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام.
قلت: فدخل عثمان في عموم قوله: حين أسلموا. وسيأتي في ترجمة المنبعث النّقل عن ابن إسحاق أنه كان من موالي آل عثمان بن عامر بن معتّب، فيحتمل أن يكون المنبعث كان عبدا لعثمان.
ومات عثمان في الجاهلية فورثه ولده، فهو الّذي أسلم.
وقد ذكر ابن الكلبيّ عثمان في «الجمهرة» ، ولم يقل: إن عثمان أسلم كعادته. وقد كتبته هنا على الاحتمال.

عبد اللَّه بن عثمان بن عامر

الإصابة في تمييز الصحابة

بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن
كعب بن لؤيّ القرشي التميمي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم.
أمّه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر ابنة عم أبيه.
ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر.
أخرج ابن البرقيّ من حديث عائشة: تذاكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم أكبر.
وصحب النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمرّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحجّ [في الناس] «1» في حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم سنة تسع، واستقرّ خليفة في الأرض بعده، ولقّبه المسلمون خليفة رسول اللَّه.
وقد أسلم أبوه، وروى عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم.
وروى عنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وعقبة بن عامر، ومعقل بن يسار، وأنس، وأبو هريرة، وأبو أمامة، وأبو برزة، وأبو موسى، وا بنتاه: عائشة، وأسماء، وغيرهم من الصحابة.
وروى عنه من كبار التابعين الصّنابحي، ومرّة بن شراحيل الطيّب «2» ، وأوسط البجلي، وقيس بن أبي حازم، وسويد بن غفلة، وآخرون.
قال سعيد بن منصور: حدثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن إسحاق، عن عائشة
بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: اسم أبي بكر الّذي سماه به أهله عبد اللَّه، ولكن غلب عليه اسم عتيق.
وفي «المعرفة» لابن مندة: كان أبيض نحيفا، خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتىء الجبهة، يخضّب بالحنّاء والكتم.
وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزّبير بن بكّار عنه بسند له إلى عائشة.
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الزّهري: كان أبيض لطيفا جعدا مشرف «1» الوركين.
وأخرج أبو يعلى، عن سويد بن غفلة، عن صالح بن موسى بهذا السند إلى عائشة، قالت: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وأصحابه بفناء البيت إذ جاء أبو بكر، فقال النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم: «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى أبي بكر» «2» ،
فغلب عليه اسم عتيق.
وأخرج ابن مندة، من طريق عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد اللَّه. فقلت: إنّ الناس يقولون عتيق؟ قالت: إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد فسمّى واحدا عتيقا، والثاني معتقا، والثالث عتيقا، أي بالتصغير.
وفي السند ابن لهيعة.
وقال عبد الرّزّاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي بكر عتيق بن عثمان.
وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا، من طريق ابن أبي مليكة: كان اسم أبي بكر عبد اللَّه، وإنما كان عتيق لقبا.
وفي «المعرفة» لأبي نعيم، من طريق الليث: سمّي أبو بكر عتيقا لجماله.
[وذكر عباس الدّوريّ، عن يحيى بن جعفر، نحوه] » .
وفي تاريخ الفضل بن دكين: سمي عتيقا لأنه قديم في الخير.
وقال الفلاس في تاريخه: سمي عتيقا لعتاقة وجهه.
وأخرج الدّولابي في الكنى، وابن مندة، من طريق عيسى بن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن جده: كانت أمّ أبي بكر لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:
اللَّهمّ إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي.
وقال مصعب الزّبيريّ: سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.
قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش بأنسابها. وقال ابن إسحاق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم مما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف.
وفي «تاريخ» محمد بن عثمان بن شيبة، عن سالم بن أبي الجعد: قلت لمحمد بن الحنفية: لأي شيء قدم أبو بكر حتى لا يذكر فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه اللَّه.
وأخرج أبو داود في «الزّهد» بسند صحيح عن هشام بن عروة: أخبرني أبي، قال:
أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم. قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك دينارا ولا درهما.
وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا فأنفقها في سبيل اللَّه، وأعتق سبعة كلهم يعذّب في اللَّه: أعتق بلالا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة «1» ، والنهدية وابنتها، وجارية بني المؤمل «2» ، وأم عبيس.
وفي المجالسة للدينوري من طريق الأصمعي: أعتق سبعة، فذكرهم، لكن قال: وأم عبيس، وجارية بن عمرو بن المؤمل.
وقال مصعب الزّبيريّ: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أعتق أبو بكر ... فذكر كالأول، ولكن قال: وأم عبيس، وجارية بن المؤمل.
وأخرج من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه: كان أبو بكر معروفا بالتجارة،
ولقد بعث النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم وعنده أربعون ألفا فكان يعتق منها ويعول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وكان يفعل فيها كذلك. وأخرجه ابن الأعرابي في «الزهد» بسند آخر إلى ابن عمر نحوه.
وأخرج الدار الدّارقطنيّ في «الأفراد» من طريق أبي إسحاق عن أبي يحيى قال: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن اللَّه عز وجل سمّى أبا بكر على لسان نبيه صلى اللَّه عليه وسلّم صدّيقا.
ومناقب أبي بكر رضى اللَّه عنه كثيرة جدّا، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه قول اللَّه تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40] فإنّ المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، إذ لا يعترض بأنه لم يتعين، لأنه كان مع النبي صلى اللَّه عليه وسلّم في الهجرة عامر بن فهيرة، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وعبد اللَّه بن أريقط الدليل، لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر لأن عبد اللَّه بن أبي بكر استمرّ بمكة، وكذا عامر بن فهيرة، وإن كان تردّدهم «1» إليهما مدة لبثهما في الغار استمرت لعبد اللَّه من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك كما في نفس الخبر.
وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك وثبت في الصحيحين،
من حديث أنس أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قال لأبي بكر وهما في الغار: «ما ظنّك باثنين اللَّه ثالثهما» «2» .
والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يشركه في هذه المنقبة غيره.
وعند أحمد، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي تميم أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» .
[وأخرج الطبراني، من طريق الوضين بن عطاء، عن قتادة بن نسي «3» ، عن عبد الرحمن بن تميم، عن معاذ بن جبل- أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم لما أراد أن يرسل معاذا إلى اليمن استشار، فقال كلّ برأيه، فقال: «إنّ اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطّأ أبو بكر» ] .
وعند أبي يعلى، من طريق أبي صالح الحيثي «4» ، عن علي، قال: قال لي رسول اللَّه
صلى اللَّه عليه وآله وسلّم يوم بدر ولأبي بكر: «مع أحدكما جبرائيل، ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال» .
وفي الصحيح عن عمرو بن العاص: قلت يا رسول اللَّه: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال:
«عائشة» . قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها» . قلت: ثم من؟ فذكر رجالا.
وأخرج الترمذيّ والبغويّ والبزّار جميعا عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن خالد، عن شعبة، عن الجريريّ، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال أبو بكر: ألست أوّل من أسلم؟ ألست أحقّ بهذا الأمر؟ ألست كذا؟ ألست كذا؟ رجاله ثقات، لكن قال التّرمذيّ والبزّار: تفرد به عقبة بن خالد. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد. قال الترمذي: وهو أصح.
وأخرج البغويّ، من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مشيختنا: ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أنّ أبا بكر أوّل القوم إسلاما.
وأخرج البغويّ بسند جيّد عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة أرحم بنا وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يسمى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم من زمن «1» بحيرا الراهب. واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ.
وقال العسكريّ: كانت تساق إليه الأشناق في الجاهلية، وهي الديات التي يتحملها ممن يتقرّب لذلك من العشيرة، فكان إذا حمل شيئا من ذلك فسأل فيه قريشا مدحوه «2» وأمضوا إليه حمالته، فإن احتملها غيره لم يصدقوه.
ومن أعظم مناقب أبي بكر أن ابن الدّغنّة سيد القارة لما ردّ إليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم لما بعث، فتواردا فيهما على نعت واحد من غير أن يتواطئا على ذلك، وهذا غاية في مدحه، لأن صفات النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم منذ نشأ كانت أكمل الصفات، وقد أطنب أبو القاسم بن عساكر في ترجمة الصديق حتى إن ترجمته في تاريخه على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجلدا.
وذكر ابن سعد من طريق الزهري أنّ أبا بكر والحارث بن كلدة أكلا خزيرة أهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك، واللَّه إن فيها لسم سنة، فلم
يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.
وكانت وفاته يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ومن الأوهام ما أخرجه البغويّ عن علي بن مسلم، عن زياد البكّائي، عن محمد بن إسحاق، قال: كانت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما، توفّي في جمادى الأولى.
وهذا غلط إما في المدة وإما في الشهر، فمن ذلك ما أخرجه من طريق اللّيث، قال:
مات أبو بكر لليلة خلت من ربيع الأول. وقال البغوي: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر مولى عفرة، وعن محمد بن بزيغ: توفّي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة.
قلت: وهذا يطابق المدة التي في رواية ابن إسحاق. ويخلص الوهم إلى الشهر.
بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم «2» بن مرة القرشي التيمي، أبو قحافة، والد أبي بكر.
أمّه آمنة بنت عبد العزى العدوية- عدي قريش، وقيل اسمها قيلة.
قال الفاكهيّ: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثّمالي، قال: قال عبد اللَّه لما خرج النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم إلى الغار: ذهبت أستخبر، وانظر، هل أحد يخبرني عنه؟ فأتيت دار أبي بكر فوجدت أبا قحافة، فخرج عليّ ومعه هراوة، فلما رآني اشتدّ نحوي، وهو يقول: هذا من الصّباة «3» الذين أفسدوا عليّ ابني.
تأخّر إسلامه إلى يوم الفتح،
فروى ابن إسحاق في المغازي بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر «1» ، قالت: لما كان عام الفتح ونزل النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم ذا طوى قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية، أشرفي بي على أبي قبيس، وكان قد كفّ بصره، فأشرفت به عليه ... فذكر الحديث بطوله. وفيه: فلما دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «هلّا تركت الشّيخ في بيته حتّى آتيه «2» » «3» ! فقال: يمشي هو إليك يا رسول اللَّه، أحقّ من أن تمشي إليه. وأجلسه «4» بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: «أسلم تسلم» . ثم قام أبو بكر ...
الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن إسحاق.
وروى مسلم، من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: أتي بأبي قحافة عام الفتح ورأسه ولحيته مثل الثّغامة «5» ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: «غيّروا هذا بشيء، وجنّبوه السّواد» .
وروى أحمد، من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أنه سئل عن خضاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فقال: لم يكن شاب إلا يسيرا،
ولكن خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم» .
قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه- تكرمة لأبي بكر، فأسلم ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضا، فقال: غيّروهما وجنّبوه السواد. صححه ابن حبان من هذا الوجه.
قال قتادة: هو أول مخضوب في الإسلام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام.
مات أبو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبع وتسعون سنة «7» .
بن معتّب الثقفي، مولى المنبعث من فوق.
يقال أسلم وصحب. ذكره السّهيلي كذا في التجريد، والّذي في الروض للسهيلي في غزوة الطائف: ومن أولئك العبيد الّذي نزلوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم من حصن الطائف فأعتقهم المنبعث، وكان اسمه المضطجع، فبدّله رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتّب ... وساق الكلام في ذلك إلى أن قال: وجعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا.
كلّ هذا ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام.
قلت: فدخل عثمان في عموم قوله: حين أسلموا. وسيأتي في ترجمة المنبعث النّقل عن ابن إسحاق أنه كان من موالي آل عثمان بن عامر بن معتّب، فيحتمل أن يكون المنبعث كان عبدا لعثمان.
ومات عثمان في الجاهلية فورثه ولده، فهو الّذي أسلم.
وقد ذكر ابن الكلبيّ عثمان في «الجمهرة» ، ولم يقل: إن عثمان أسلم كعادته. وقد كتبته هنا على الاحتمال.

‏<br> عثمان بْن عَامِر،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


أَبُو قحافة القرشي التيمي، والد أَبِي بَكْر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قد تقدم ذكر نسبه عِنْدَ ذكر ابنه أَبِي بَكْر. أسلم أَبُو قحافة يَوْم فتح مكة، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي قَاسِمٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إسحاق ابن مهران، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ عَامَ الْفَتْحِ لِيُبَايِعَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَأَنَّهَا ثَغَامَةٌ- يَعْنِي شَجَرَةً - فقال رسول الله ﷺ: غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ أول مخضوب فِي الإسلام. وعاش أَبُو قحافة إِلَى خلافة عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومات سنة أربع عشرة وَهُوَ ابْن سبع وتسعين سنة، وكانت وفاة ابنه قبله، فورث منه السدس، فرده على ولد أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ع: أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اسمه عبد الله - ويقال: عتيق - بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ع: أَبُو بَكْر الصِّدِّيق، خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اسمه عبد الله - ويقال: عتيق - بن أبي قُحافة عُثْمَانَ بْن عَامِرِ بْن عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْن كعب بْن لؤي القرشي التَّيْميّ رضي الله عنه. [المتوفى: 13 ه]
-[61]-
روى عنه خلْق من الصحابة وقدماء التابعين، من آخرهم: أَنْس بْن مالك، وَطَارِقِ بْن شِهَابٍ، وَقَيْسِ بْن أَبِي حَازِمٍ، ومُرَّة الطيب.
قَالَ ابن أبي مُلَيْكَة وغيره: إنّما كان عتيق لقبًا له.
وعن عائشة قالت: اسمه الَّذِي سمّاه أهلُهُ به " عبد الله "، ولكن غَلَب عليه عَتِيق.
وَقَالَ ابن معين: لَقَبه عتيق؛ لأنّ وجهه كان جميلًا، وكذا قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد.
وَقَالَ غيره: كان أعْلم قريش بأنسابها.
وقيل: كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، يخضب شيبه بالحناء والكتم. وكان أول من آمن من الرجال.
وَقَالَ ابن الأعرابي: العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة: عتيق.
وعن عائشة قالت: ما أسلم أبوا أحدٍ من المهاجرين إلا أَبُو بكر.
وعن الزُّهْرِيّ قَالَ: كان أَبُو بكر أبيض أصفر لطيفًا جعدًا مسترق الوركين، لَا يثبت إزاره على وركيه.
وَجَاءَ أَنَّهُ اتَّجَرَ إِلَى بُصْرَى غير مرة، وأنه أنفق أمواله عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا نَفَعَنِي مَالٌ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ".
وَقَالَ عُرْوةُ بْن الزُّبَيْر: أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار.
وَقَالَ عمرو بْن العاص: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أي الرجال أحب إليك؟ قَالَ: " أَبُو بكر ". -[62]-
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمنٌ، ولا يحبُّهما منافق ".
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلَيَّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَبِي بكر وعمر فقال: " هذان سيدا كهول أهل الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ ".
وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وُجُوهٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ زَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَهَرِمٍ - عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ الترمذي، قال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الموقري عن الزهري، ولم يصح.
قال ابن مسعود: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ".
رَوَى مِثْلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَزَادَ: " وَلَكِنْ أخي وصاحبي في اللَّهِ، سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ ". -[63]-
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سيدنا وخيرنا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. صححه الترمذي.
وصحح من حديث الجريري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لعائشة: أيّ أصحاب النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالت: أَبُو بكر، قلت: ثمَّ من؟ قالت: عُمَر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم أَبُو عبيدة، قلت: ثمَّ من؟ فسكتت.
مَالِكٌ في " الموطأ " عن أبي النضر، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: " إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ! " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَدَيْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ: فَعَجِبْنَا، فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ!
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ مِنْ أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ ". مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. -[64]-
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَكَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: " أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ، وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ ".
وَرُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ ". تَفَرَّدَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
وقال مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ: " إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ ". مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو بكر الهُذلي عَنِ الحسن، عَنْ عليّ قَالَ: لقد أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر أن يصليّ بالنّاس، وإني لشاهدٌ وما بي مرض. فرضينا لدنيانا من رضي به النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا. -[65]-
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ: " ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ". هَذَا حديث صحيح.
وقال نافع بن عمر: حدثنا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ: " ادْعُوا لِي أَبَا بَكْرٍ وَابْنَهُ فَلْيَكْتُبْ لِكَيْلا يَطْمَعَ فِي أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ طَامِعٌ وَلَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ "، ثُمَّ قَالَ: " يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ ". تَابَعَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، ولفظه: " معاذ الله أن يختلف المؤمنون فِي أَبِي بَكْرٍ ".
وَقَالَ زَائِدَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَأَمَّ النَّاسَ، فَأيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نتقدم أبا بكر رضي الله عنه.
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخُولانِيّ قَالَ: سمعت أبا الدَّرْدَاء يَقُولُ: كان بين أبي بكر وعمر محاورةٌ فأغضب أَبُو بكر عُمَر، فانصرف عنه عُمَر مُغْضَبًا، فاتبعه أَبُو بَكْر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أَبُو بكر إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: ونحن عنده، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أما صاحبكم هذا فقد غَامَرَ ". قَالَ: وندم عُمَر على مَا كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقص عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: وغِضبَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجعل أَبُو بكر يَقُولُ: والله يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنَا كنتُ أظْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها النَّاس، إني رسول الله إليكم جميعًا، -[66]- فَقُلْتُم: كذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بكر: صَدَقْتَ ".
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ حرب، عن أبي خالد الدالاني قال: حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ مَوْلَى جَعْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَانِي الْبَابَ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، قَالَ: " أَمَا إِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي ". أَبُو خَالِدٍ مَوْلَى جَعْدَةَ لَا يُعْرَفُ إِلا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْعٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ "، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّنَا، فَأَمَّنَا حَتَّى مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ؛ لأَنَّ فِي الْقُرآنِ فِي الْمُهَاجِرِينَ: {{أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}}، فَمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ صَادِقًا لَمْ يَكْذِبْ، هُمْ سَمَّوْهُ وَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْبَحَ وَعَلَى سَاعِدِهِ أبْرَاد، فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَعْنِي لِي عِيَالٌ، قَالَ: انْطَلِقْ يَفْرِضْ لَكَ أَبُو عبيدة. فانطلقنا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: أَفْرِضُ لَكَ قُوتَ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَكِسْوَتَهُ، وَلَكَ ظَهْرُكَ إِلَى الْبَيْتِ.
وقالت عائشة: لمّا استُخْلِفَ أَبُو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال، وَقَالَ: قد كنتُ أتَّجِرُ فيه وألْتَمِسُ به، فلمّا وُلِّيتُهُم شغلوني. -[67]-
وَقَالَ عطاء بْن السائب: لمّا استُخْلِف أَبُو بكر أصبح وعلى رقبته أثوابٌ يتجر فيها، فلقيه عُمَر وأبو عبيدة فكلَّماه، فَقَالَ: فمن أين أطْعِم عيالي؟ قالا: أنْطِلقْ حتى نفرض لك. قَالَ: ففرضوا له كل يومٍ شطر شاة، وماكسوه في الرأس والبطن. وَقَالَ عُمَر: إليَّ القضاء، وَقَالَ أَبُو عبيدة: إليَّ الفيء. فَقَالَ عُمَر: لقد كان يأتي عليّ الشهرُ مَا يختصم إليّ فيه اثنان.
وعن ميمون بن مهران قال: جعلوا له ألفين وخمسمائة.
وَقَالَ محمد بْن سيرين: كان أَبُو بكر أعْبَرَ هذه الأمة لِرُؤْيَا بعد النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بكار، عن بعض أشياخه قَالَ: خُطَباء الصحابة أَبُو بكر وعليّ.
وَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ شِعْرًا فِي جَاهِلِيَّةِ وَلا فِي إِسْلامٍ، وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَالَ كثير النَّواء، عَنْ أبي جعفر الباقر: إنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي: {{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا}} الآية.
وَقَالَ حُصَيْن، عَنْ عبد الرحمن بْن أبي ليلى أن عُمَر صعِد المنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أَبُو بكر، فمن قَالَ غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مُفْتَرٍ، عليه مَا على الْمُفْتَرِي.
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وجماعة: حدثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ اسْتَوَى النَّاسُ، فيبلغ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلا ينكره. -[68]-
وقال علي رضي الله عنه: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْر وعمر. هذا والله العظيم قاله عليّ وهو متواتر عنه، لأنه قاله على منبر الكوفة، فلعن الله الرّافضة مَا أجهلهم.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ عبد خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الْمَصَاحِفِ أَبُو بَكْرٍ؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَقَالَ عقيل، عَنِ الزُّهْرِيّ أنّ أبا بكر والحارث بْن كِلْدَةَ كانا يأكلان خزيرةً أُهْدِيَت لأبي بكر، فَقَالَ الحارث: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إنّ فيها لَسمّ سنةٍ، وأنا وأنت نموت في يومٍ واحد، قَالَ: فلم يزالا عليلَيْن حتى ماتا في يومٍ واحد عند انقضاء السنة.
وعن عائشة قالت: أول ما بدئ مَرَضُ أبي بكر أنّه اغْتَسَلَ، وكان يومًا باردًا، فحُمّ خمسة عشر يومًا لَا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألْزمهُم له في مرضه. وتُوُفِّيَ مساءَ ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة. وكانت خلافته سنتين ومائة يوم.
وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلَّا أربع ليالٍ، عَنْ ثلاث وستين سنة.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا بُرْدَانُ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ محمد بن إبراهيم التيمي. وأخبرنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عن عبد الله النخعي، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا ثَقُلَ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ إِلا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، قَالَ: وَإِنْ، فَقَالَ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَان فَسَأَلَهُ عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: عِلْمِي فِيهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ لَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُكَ، وَشَاوَرَ مَعَهُمَا سَعِيد بْن زَيْدٍ، وَأُسَيْد بْن الْحُضَيْرِ، وَغَيْرهمَا، فَقَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا سَأَلَكَ عَنِ -[69]- اسْتِخْلافِكَ عُمَرَ وَقَدْ تَرَى غِلْظَتَهُ؟ فَقَالَ: أَجْلِسُونِي، أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُونِي! أَقُولُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ.
ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ دَاخِلا فِيهَا، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ، وَيُوقِنُ الْفَاجِرُ، وَيَصْدُقُ الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَإِنِّي لَمْ آلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَنَفْسِي وَإِيَّاكُمْ خَيْرًا، فَإنْ عَدَلَ فَذَلِكَ ظَنِّي بِهِ وَعِلْمِي فِيهِ، وَإِنْ بَدَّلَ فَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ {{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}} وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ: لَمَّا أَنْ كَتَبَ عُثْمَانُ الْكِتَابَ أُغْمِيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ اسْمَ عُمَرَ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: اقْرَأْ مَا كَتَبْتَ، فَقَرَأَ، فَلَمَّا ذَكَرَ (عُمَرَ) كَبَّر أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ إِنْ افْتَلَتَتْ نَفْسِي الاخْتِلافَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا، وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَهَا أَهْلا.
وَقَالَ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُلْوَانَ، عَنْ صَالِحٍ نَفْسِهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، أَمَّا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنِّي لا آسَى عَلَى شَيْء إِلا عَلَى ثَلاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلاثٍ لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ؛ وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الخرب، وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الأَمْرَ فِي عُنُقِ عُمَرَ أَوْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ -[70]- وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَأَقَمْتُ بِذِي الْقِصَّةِ، فَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ وَإِلا كُنْتُ لَهُمْ مَدَدًا وَرِدْءًا، وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالأَشْعَثِ أَسِيرًا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ لا يَكُونُ شَرٌّ إِلا طَارَ إِلَيْهِ، وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته، وَوَدِدْتُ أَنِّي حَيْثُ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الشَّامِ وَجَّهْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَكُونُ قَدْ بَسَطْتُ يَمِينِي وَشِمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَوَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْ هَذَا الأَمْرُ وَلا يُنَازِعُهُ أَهْلَهُ، وَأَنِّي سَأَلْتُهُ هَلْ للأنصار في هذا الأمر شيء؟ وأني كنت سَأَلْتُهُ عَنِ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ الأَخِ، فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهَا حَاجَةً. رَوَاهُ هَكَذَا وَأَطْوَلَ مِنْ هَذَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ ابْنُ عَائِذٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ، فَأَخَذَتْهُ غشْيَةٌ فتمثَّلْتُ:
مَنْ لا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا ... فَإِنَّهُ لا بُدَّ مَرَّةً مَدْفُوقُ
فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}} وَقَالَ موسى الجُهنيُّ، عَنْ أبي بكر بْن حفص بْن عُمَر إنّ عائشة تمثَّلَت لمّا احتضر أَبُو بكر:
لَعَمْرُكَ مَا يُغْني الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصَّدْرُ
فَقَالَ: ليس كذاك، ولكن: {{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}}، إنّي قد نَحَلْتُكِ حائطًا وإنّ في نفسي منه شيئًا، فرديه على الميراث، قالت: نعم، قَالَ: أما إنّا مُنْذُ وُلِّينا أمر المُسْلِمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنّا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبِسْنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المُسْلِمين شيءٌ إِلَّا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهنّ إلى عُمَر، ففعلت.
وَقَالَ القاسم، عَنْ عائشة: أن أبا بكر حين حَضَرهُ الموت قَالَ: إنّي لَا

أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-أَبُو قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ التَّيْمِيُّ [المتوفى: 14 ه]
فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَتَى بِهِ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَقُودُهُ لِكِبَرِهِ وَضَرَرِهِ وَرَأْسُهُ كَالثُّغَامَةِ، فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ حَتَّى نَأْتِيَهُ " إِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: " غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ ".

س ق: محمد بن أبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيره ومؤنسه في الغار وصديق الأمة أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي التيمي المدني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-س ق: مُحَمَّد بْن أبي بَكْر الصِّدِّيق خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووزيره ومُؤْنِسُه فِي الغار، وصِدِّيق الأمة أبي بَكْر عَبْد الله بْن أبي قحافة عُثْمَان بن عامر القرَشيّ التَّيْميّ الْمَدَنِيّ. [المتوفى: 38 ه]
الَّذِي ولدته أسماء بِنْت عُمَيْس فِي حجة الوداع، وكان أحد الرؤوس الذين ساروا إِلَى حصار عُثْمَان كما قدَّمنا، ثُمَّ انضمّ إِلَى عليّ، فكان من أعيان أمرائه، فبعثه على إمارة مصر فِي رمضان سنة سبعٍ وثلاثين، وجمع له صلاتها وخَرَاجها، فسار إليها فِي جيش من العراق.
وسيَّر مُعَاوِيَة من الشام مُعَاوِيَة بْن حُدَيْج على مصر أيضًا، وعلى حرب مُحَمَّد. فالتقى الجمعان، فكسره ابن حُدَيْج، وانهزم عسكر مُحَمَّد، واختفى هُوَ بمصر فِي بيت امْرَأَة، فدلّت عليه فقال: احفظوني لأبي بَكْر، فقال مُعَاوِيَة بْن حُدَيْج: قتلت ثمانين رجلًا من قومي فِي دم عُثْمَان، وأترُكُكَ وأنت صاحبُهُ، فقتله ثُمَّ جعله فِي بطن حمار وأحرقه.
وقال عَمْرو بن دينار: أُتي عمرو بن العاص بمحمد بْن أبي بَكْر أسيرًا، فقال: هَلْ معك عقد من أحد؟ قَالَ: لَا. فأمر به فقُتِل.
روى مُحَمَّد عن أَبِيهِ مُرْسلًا. وعنه ابنه القاسم بْن مُحَمَّد، ولم يسمع منه.

210 - ع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي المدني الفقيه أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

210 - ع: الْقَاسِمُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْن عَامِرِ بْن عمرو بْن كعب بن سعد بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، [الوفاة: 101 - 110 ه]
أَحَدُ الْأَعْلَامِ.
وُلِدَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِيهِ بِكَثِيرٍ،
نَشَأَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ فِي حِجْرِ عَمَّتِهِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَسَمِعَ مِنْهَا، وَمِنْ: ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَصَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَطَائِفَةٍ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وجعفر بن -[139]- مُحَمَّدٍ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَأَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَآخَرُونَ.
وَحَدِيثُهُ أَعْلَى شيءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ رَوَى فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ أَفْلَحَ عَنْهُ أَحَادِيثَ.
وَكَانَ فَقِيهًا إِمَامًا مُجْتَهِدًا وَرِعًا عَابِدًا ثِقَةً حُجَّةً، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: مَا أَدْرَكْنَا أَحَدًا بِالْمَدِينَةِ نُفَضِّلُهُ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَا رَأَيْتُ رَجُلا أَفْضَلَ مِنَ الْقَاسِمِ، لَقَدْ تَرَكَ مِائَةَ ألفٍ هِيَ لَهُ حَلالٌ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةَ خزٍ، رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، سَمِعَ أَيُّوبَ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلاثَةٌ: الْقَاسِمُ، وعروة، وعمرة.
وقال علي ابن المديني: حدثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ: وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ: فَذَكَرَ حَدِيثًا.
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ فَقِيهًا أَعْلَمَ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالسُّنَةِ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْجَمَةً مُشَبَّكَةً بِالذَّهَبِ.
ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سبعةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ نُظَرَاءُ، إِذَا اخْتَلَفُوا أُخِذَ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: صَارَت الْفَتْوَى إِلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ.
وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ عَشَرَةٌ، فَذَكَرَ مِنْهُمُ القاسم.
يونس بن بكير: حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: جَاءَ أعرابيٌ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَمْ سَالِمٌ؟ قَالَ: ذَاكَ مَنْزِلُ سَالِمٍ، لَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذا. -[140]-
ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحَدَّ ذِهْنًا مِنَ الْقَاسِمِ، إِنْ كَانَ لَيَضْحَكُ مِنْ أَصْحَابِ الشُّبَهِ كَمَا يَضْحَكُ الفتى.
خالد بن خراش: حدثنا مَالِكٌ قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ رَجُلا عَاقِلا، وَكَانَ ابْنُهُ يُحَدِّثُ عَنْهُ أَنَّ الذُّنُوبَ لاحقةٌ بِأَهْلِهَا.
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَسْأَلُ الْقَاسِمَ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، لا أَعْلَمُ. فَلَمَّا أَكْثَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَا عَنْهُ.
حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: لِأَنْ يَعِيشُ الرَّجُلُ جَاهِلا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لا يَعْلَمُ.
قَالَ مَالِكٌ: مَا حَدَّثَ الْقَاسِمُ مِائَةَ حديثٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَوْ كَانَ لِي فِي الأَمْرِ شَيْءٌ لَوَلَّيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْخِلافَةِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا بَايَعُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْخِلافَةِ مَشْرُوطًا بِأَنَّ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ لِيَزِيدَ، فَلِهَذَا قَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنَ الأَمْرِ.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ كَانَ إِلَيَّ أَنْ أَعْهَدَ مَا عَدَوْتُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: صَاحِبُ الأعوص، يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَّيَةَ، وَكَانَ خِيَارًا، أَوْ أُعَيْمِشُ بَنِي تَيْمٍ، يَعْنِي الْقَاسِمَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: فَبَلَغَتِ الْقَاسِمَ فَقَالَ: إِنَّ الْقَاسِمَ لَيَضْعُفُ عَنْ أَهْلِيهِ فَكَيْفَ بِأَمْرِ الأُمَّةِ.
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: كَانَ الْقَاسِمُ ممن يأتي بالحديث بحروفه.
ابن وهب: حدثنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ لا يَكَادُ يَرُدُّ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَعِيبُ عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، فَلَمَّا قام القاسم وهو متكئ عَلَيَّ قَالَ لِي: لا أَبًا لِغَيْرِكَ، أَتَرَى النَّاسَ كَانُوا غَافِلِينَ عَمَّا يَقُولُ صَاحِبُنَا؟
حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ إلى القاسم بخمس مائة دِينَارٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. -[141]-
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ لا يُفَسِّرُ، يَعْنِي الْقُرْآنَ.
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: مَا كَانَ الْقَاسِمُ يُجِيبُ إِلا فِي الشَّيْءِ الظَّاهِرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: إِنَّ الْقَاسِمَ قَالَ فِي شَيْءٍ: أَرَى وَلا أَقُولُ إِنَّهُ الْحَقُّ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، وَسَالِمًا يَلْعَنَانِ الْقَدَرِيَّةُ.
قَالَ زيد بن يحيى الدمشقي: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ يُمْلِي عَلَيَّ أَحَادِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ الأَحَادِيثَ كَثُرَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَنْشَدَ النَّاسَ أَنْ يَأْتُوهُ بِهَا، فَلَمَّا أَتَوْهُ بِهَا أَمَرَ بِتَحْرِيقِهَا، ثُمَّ قَالَ: مَثْنَاةَ كَمَثْنَاةِ أَهْلِ الْكِتَابِ! قَالَ: فَمَنَعَنِي الْقَاسِمُ يومئذٍ أَنْ أَكْتُبَ حَدِيثًا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مَجْلِسُ الْقَاسِمِ وسالمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَاحِدًا، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُمَا مَالِكٌ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ.
أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ قال: اختلاف الصحابة رحمة.
محمد بن معاوية النيسابوري: حدثنا ابْنُ أَبِي الْمَوَّالِ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ يَأْتِي الْمَسْجِدَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَسْأَلُونَهُ.
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ قَدْ ضَعُفَ جِدًّا، فَكَانَ يَرْكَبُ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَسْجِدَ مِنًى، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، فَيَمْشِي مِنْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْجِمَارِ وَيَرْمِيهَا.
قَالَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: رَأَيْتُ عَلَى الْقَاسِمِ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ حَلَقَةً فِيهَا اسْمُهُ، فِي خِنْصَرِه الْيُسْرَى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ هِلالٍ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ لا يحفي شاربه جداً.
وقال أبو نعيم: حدثنا خالد بن إياس قال: رأيت على القاسم جُبَّةَ خزٍ، وَكِسَاءَ خَزٍّ، وَعِمَامَةَ خَزٍّ.
وَقَالَ أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ: كَانَ الْقَاسِمُ يَلْبِسُ جُبَّةَ خز. -[142]-
وَقَالَ الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ وَعَلَيْهِ جبة خز صفراء، ورداء مبتت.
وقال أبو نعيم: حدثنا مُعَاذُ بْنُ الْعَلاءِ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَرَأَيْتُ عَلَى رَحْلِهِ قَطِيفَةً مِنْ خزٍ غبراء، وعليه رداءٌ ممصر.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ زَيْدٍ: دَخَلْتُ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ فِي قبة معصفرةٍ، وَتَحْتَهُ فِرَاشٌ مُعَصْفَرٌ.
وَقَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الْقَاسِمِ عِمَامَةً بَيْضَاءَ، قَدْ سَدَلَ خَلْفَهُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الْقَاسِمُ يَخْضِبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ.
وَقَالَ آخَرُ: لَمْ أَرَهُ يَخْضِبُ.
وَقَالَ فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ: رَأَيْتُ القاسم يصفر لحيته.
وقال القعنبي: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَاتَ الْقَاسِمُ بِقُدَيْدٍ، فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِي ثِيَابِي الَّتِي كُنْتُ أُصَلِّي فِيهَا، قَمِيصِي وَإِزَارِي وَرِدَائِي، هَكَذَا كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْحَيُّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَوْصَى الْقَاسِمُ أَنْ لا يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ: مَاتَ بِقُدَيْدٍ وَدُفِنَ بِالْمُشَلَّلِ، وَبَيْنَهُمَا ثَلاثَةُ أَمْيَالٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ سَنَةَ ثمانٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرهُ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ستٍ، أَوْ أَوَّلِ سَنَةِ سبعٍ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ، وَابْنُ بُكَيْرٍ: سَنَةَ سَبْعٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ: سَنَةَ ثمانٍ.
وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشَرَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ قولٌ شاذٌ.

أبو بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي التيمي

ترجمة المصطلحات الاسلامية إلى الإنجليزية - موقع أرشيف الإسلام

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت