قصيدة

دموع التاريخ

ما بال ليلك لم تسطع به شهب وفي نهارك ما للشمس تحتجبُ ؟
أداهمتها وراء الغيب كارثة فأجفلت أم تمطّت فوقها السحبُ ؟
وما لعينيك فيها الدمع منسحق يكاد ينبئ عن سر فيضطربُ ؟
ماذا أسرّت لك الأيّام فانتزعت حلو الأماني هل الأيّام تنقلبُ ؟
بالأمس كان لك التاج الذي خضعت له الرقاب وكان الجاه والحسبُ
وكان ذكرك في التاريخ ذا ألقٍ كالشمس ما حملت أضواءه الكتب

***

عجبتُ للقدسِ يلهو في قداستها باغ ويعبث في الحرمات مغتصبُ
ويستباح الحمى من عصبة طفقت فيه تجوس وفي أعماقه تثبُ
قد عربد الحقد في أعماقها لهبًا ما كان يُطفئه إلا دم سربُ
ونقمة للصليبيين ما برحت وإن تكن غابت الرهبان والصلبُ
هناك يقبع رأس الشّر مختبئًا وهاهنا يتلوّى بيننا الذنبُ
يا أمة خدش الأبناء عزتها وخلفوها على الأبواب تنتحب
بالأمس قلدها التاريخ أوسمة من الفخار عليها يلمع القصب
وأي مجد أقلته صحائفه إلا إليها مع الأمجاد ينتسب
بدر وحطين والأيام بينهما شواهد كيف كان القادة النجب
لا يجزعون إذا ساح الوغى التطمت فيه السيوف وماجت فوقه القضب
ولا يبالون لو طاف الردى وغلت مراجل الحرب لم يهدأ لها لهب
ولا يخافون لوجاءت تبارزهم جحافل سجدت من حشدها الهضب
سل الحضارة عن بغداد ما صنعت وما بنت جلق أو شيدت حلب
في الحرب ما نزلوا إلا غطارفة مثل الأعاصير إن خاضوا وإن ضربوا
وكم لهم في ظلال السلم مملكة يرقى بها العلم أو يسموا بها الأدب
يا أمة كان للأحرار مقودها وكان فيها لأهل العزة الغلب
كم طوق الدهر بالاغلال ساعدها وأطبقت فوقها الآلام والكرب
فما استكانت ولا لانت شكيمتها ولاتسرب فيها اليأس والنصب
والحر أهون أن يلقى منيته حرا بأروع ما في الأرض ينقلب
كفاه أن تذكر الأجيال سيرته وأنها بأريج العز تختضب
نظرت والدمع في عينيّ يجرحها وفي دمي ثورة رعناء تلتهب
والافق في حمأة الاعصار ممتقع والكون منبهر والشرق مكتئب
فما رأيت سوى المأساة ماثلة من حولها يتبارى الشك والريب
وفي فمي بسمة مذ هولة جمعت من النقيضين فيها الصدق والعجب
أنكرت دنياي ما صدقت مشهدها رواية كان ظني أنها لعب
أبطالها أصبحوا أبطال معركة وهمية ليس فيها البيض واليلب
مستضعفون على باب العدا وقفوا وقد تبدلت الألفاظ والاهب
بالامس كم ملأوا الاجواء جعجعة ان صرحوا وأمادوا الارض ان خطبوا
واليوم قد ذهبوا والحب يجمعهم على جناحيه والاشفاق والحدب
أيديهموا طفحت بالورد تحمله قربى لوغد له لا تنفع القرب
وقدمته إلى الأعداء منكرة من العروبة ما يرضى به العرب
وخلفت أمة تجتر نكبتها في نكبتين وبالشحنا تنشعب
علا العويل مع التصفيق فاختلطا وأخرس الحق في غلوائه الصخب
قد عانقوا الشر ما راعتهمو يده منها بقايا دم الاحرار تنسرب
واستطعموا عنده حيفا وما حملت جناتها الخضر أو أغوارها الخصب
كأنما كل كأس من مدامعها قد فاض يشهق في أطرافه الحبب
والقدس في غمة لم يخف طالعها راياتها الخضر أو أثوابها القشب
أيهزأون أخانتهم بصائرهم وأي عار بهذا العار قد جلبوا
كأنهم لم يواروا في الثرى أحداً من البنين ولا ضمتهموا ترب
كأنهم لم يروا من قبل أرملة تنوح أو طفلة في اليتم تغترب
كأن ما وهب الاحرار من دمهم مضيع خسر الاحرار ما وهبوا
كوهين ينفث في مزماره نغما لراشئيل التي قد هزها الطرب
نبوءة الامس قد صارت بقوتنا حقيقة في سناها المجد يقترب
غداً يكون لنا في الشرق مملكة أحجارها ذهب أشجارها ذهب
غداً تحج لنا البلدان قاطبة وفي يدينا يسيل الخير والنشب
تجمد الدمع في عينيّ جرّحها ولم يعد طيعا كالدمع ينسكب
أيستذل إذا جاعت فرائصه حر ويدفعه للذلة السغب
أيرتضى الضيم والاعداء تنهشه ومن حماه يد الاعداء تستلب
أيطلب الحب من غول أظافره أهدافها في الضحايا اللحم والعصب
كانما هي في الالغاز حائرة تهفوا إلى سبب لو يدرك السبب
يا سادتي ذهل التاريخ وامتعضت أرواح آبائكم وانتابها الغضب
كم من شهيد أقض الأمر مضجعه قد كاد من لحده في الأرض ينتصب
يا سادتي والعبوديات ما نبتت على ضفاف عليها العز يأتشب
كم قد تنشق أحرار نسائمها روح البطولة كم من مائها شربوا
يا سادتي لا يباع السلم في زمن فيه المروءات لا تعطي ولا تهب
وليس للحق فيه راية خفقت إلا لمن قهروا إلا لمن كسبوا
يا سادتي سلب الباغون أرضكمو فهل يعيدون ما بالأمس قد سلبوا
وفوقها جنة خضراء وارفة نباتها التين والزيتون والعنب
وطور سيناء يجري تحت منكبه نهر ترسب في أعماقه الذهب
والكون يهفو لأرض تحت وطأتهم قدسية في سناها تركع الحقب
أرض النبيين من روح الجلال لها روح ومن نوره الضافي لها طنب
يا سادتي أيعيد القدس من عبث يداه في الحرم الأقصى أينسحب
بالامس أضرم فيه النار فاشتعلت أركانه وجثت من حرها القبب
يا سادتي راجعوا التاريخ إن به ان رمتموا نصبا تستطلع النصب
تذكروا يثرباً في بدء صحوتها تحبو إلى المجد رياناً وتقترب
وحولها عصبة للافك قابعة للشر ديدنها التدليس والكذب
في السلم والحرب لم تؤمن خيانتهم إن حالفوا نقضوا أو عاهدوا كذبوا
وما تعفر وجه الخزي من حدث إلا بما اقترفوا ظلما وما ارتكبوا
يا سادتي مفخرات السلم يصنعها أشاوس الحرب أنى غامروا غلبوا
يا سادتي نحن جيل لن يبر به ابن يبر ولن يرضى عليه أب
ماذا نقول وإن جادت بلاغتنا وزخرفت كلمات أو زهت خطب
مرارة اليأس قد أبلت عزائمنا حتى تلاشى الضمير الحر والدأب
كأنما النصر وهم ليس ندركه أو مستحيل تهاوى دونه الأرب
ليس الهزيمة في حرب بمنكرة وكم إلى النصر منها يشحذ الطلب
خوضوا الصعاب وشدوا من عزائمكم فلن يطاولها وهن ولا تعب
إن أطلقوها صواريخا مدمرة في الجو والبر منها يقطر اللهب
أو طائرات تجوب الأفق حاملة ما ليس يقوى عليه جحفل لجب
فواجهوا الموت شما كالجبال وإن يكن سلاحكمو الاحجار والحطب
ولا تكونوا إذا ريعت دياركمو كأنكم خشب هل ينفع الخشب
كم من شعوب رمت في الحرب زهرتها من البنين فما ولوا ولا هربوا
ما كان في يدهم إلا عزائمهم على قواعدها للمجد قد ركبوا
وسطروا في سجل الدهر رائعة من الروائع للالباب تختلب
أعتى العتاة تهاوى تحت ضربتهم وكان يرعب منه الاسم واللقب
يا سادتي أي سلم تستباح به حقوقنا وبها الاعداء تنقلب
وأي سلم به نشدو بلا خجل وأرضنا في دروب القمع تنتحب
وأي سلم وللمأساة قافلة تكاد من شاطيء التحرير تقترب
عجبت للسلم كم تشقى به أمم وكم جرائم باسم السلم ترتكب
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت