دموع التاريخ
| ما بال ليلك لم تسطع به شهب | وفي نهارك ما للشمس تحتجبُ ؟ |
| أداهمتها وراء الغيب كارثة | فأجفلت أم تمطّت فوقها السحبُ ؟ |
| وما لعينيك فيها الدمع منسحق | يكاد ينبئ عن سر فيضطربُ ؟ |
| ماذا أسرّت لك الأيّام فانتزعت | حلو الأماني هل الأيّام تنقلبُ ؟ |
| بالأمس كان لك التاج الذي خضعت | له الرقاب وكان الجاه والحسبُ |
| وكان ذكرك في التاريخ ذا ألقٍ | كالشمس ما حملت أضواءه الكتب |
*** | |
| عجبتُ للقدسِ يلهو في قداستها | باغ ويعبث في الحرمات مغتصبُ |
| ويستباح الحمى من عصبة طفقت | فيه تجوس وفي أعماقه تثبُ |
| قد عربد الحقد في أعماقها لهبًا | ما كان يُطفئه إلا دم سربُ |
| ونقمة للصليبيين ما برحت | وإن تكن غابت الرهبان والصلبُ |
| هناك يقبع رأس الشّر مختبئًا | وهاهنا يتلوّى بيننا الذنبُ |
| يا أمة خدش الأبناء عزتها | وخلفوها على الأبواب تنتحب |
| بالأمس قلدها التاريخ أوسمة | من الفخار عليها يلمع القصب |
| وأي مجد أقلته صحائفه | إلا إليها مع الأمجاد ينتسب |
| بدر وحطين والأيام بينهما | شواهد كيف كان القادة النجب |
| لا يجزعون إذا ساح الوغى التطمت | فيه السيوف وماجت فوقه القضب |
| ولا يبالون لو طاف الردى وغلت | مراجل الحرب لم يهدأ لها لهب |
| ولا يخافون لوجاءت تبارزهم | جحافل سجدت من حشدها الهضب |
| سل الحضارة عن بغداد ما صنعت | وما بنت جلق أو شيدت حلب |
| في الحرب ما نزلوا إلا غطارفة | مثل الأعاصير إن خاضوا وإن ضربوا |
| وكم لهم في ظلال السلم مملكة | يرقى بها العلم أو يسموا بها الأدب |
| يا أمة كان للأحرار مقودها | وكان فيها لأهل العزة الغلب |
| كم طوق الدهر بالاغلال ساعدها | وأطبقت فوقها الآلام والكرب |
| فما استكانت ولا لانت شكيمتها | ولاتسرب فيها اليأس والنصب |
| والحر أهون أن يلقى منيته | حرا بأروع ما في الأرض ينقلب |
| كفاه أن تذكر الأجيال سيرته | وأنها بأريج العز تختضب |
| نظرت والدمع في عينيّ يجرحها | وفي دمي ثورة رعناء تلتهب |
| والافق في حمأة الاعصار ممتقع | والكون منبهر والشرق مكتئب |
| فما رأيت سوى المأساة ماثلة | من حولها يتبارى الشك والريب |
| وفي فمي بسمة مذ هولة جمعت | من النقيضين فيها الصدق والعجب |
| أنكرت دنياي ما صدقت مشهدها | رواية كان ظني أنها لعب |
| أبطالها أصبحوا أبطال معركة | وهمية ليس فيها البيض واليلب |
| مستضعفون على باب العدا وقفوا | وقد تبدلت الألفاظ والاهب |
| بالامس كم ملأوا الاجواء جعجعة | ان صرحوا وأمادوا الارض ان خطبوا |
| واليوم قد ذهبوا والحب يجمعهم | على جناحيه والاشفاق والحدب |
| أيديهموا طفحت بالورد تحمله | قربى لوغد له لا تنفع القرب |
| وقدمته إلى الأعداء منكرة | من العروبة ما يرضى به العرب |
| وخلفت أمة تجتر نكبتها | في نكبتين وبالشحنا تنشعب |
| علا العويل مع التصفيق فاختلطا | وأخرس الحق في غلوائه الصخب |
| قد عانقوا الشر ما راعتهمو يده | منها بقايا دم الاحرار تنسرب |
| واستطعموا عنده حيفا وما حملت | جناتها الخضر أو أغوارها الخصب |
| كأنما كل كأس من مدامعها | قد فاض يشهق في أطرافه الحبب |
| والقدس في غمة لم يخف طالعها | راياتها الخضر أو أثوابها القشب |
| أيهزأون أخانتهم بصائرهم | وأي عار بهذا العار قد جلبوا |
| كأنهم لم يواروا في الثرى أحداً | من البنين ولا ضمتهموا ترب |
| كأنهم لم يروا من قبل أرملة | تنوح أو طفلة في اليتم تغترب |
| كأن ما وهب الاحرار من دمهم | مضيع خسر الاحرار ما وهبوا |
| كوهين ينفث في مزماره نغما | لراشئيل التي قد هزها الطرب |
| نبوءة الامس قد صارت بقوتنا | حقيقة في سناها المجد يقترب |
| غداً يكون لنا في الشرق مملكة | أحجارها ذهب أشجارها ذهب |
| غداً تحج لنا البلدان قاطبة | وفي يدينا يسيل الخير والنشب |
| تجمد الدمع في عينيّ جرّحها | ولم يعد طيعا كالدمع ينسكب |
| أيستذل إذا جاعت فرائصه | حر ويدفعه للذلة السغب |
| أيرتضى الضيم والاعداء تنهشه | ومن حماه يد الاعداء تستلب |
| أيطلب الحب من غول أظافره | أهدافها في الضحايا اللحم والعصب |
| كانما هي في الالغاز حائرة | تهفوا إلى سبب لو يدرك السبب |
| يا سادتي ذهل التاريخ وامتعضت | أرواح آبائكم وانتابها الغضب |
| كم من شهيد أقض الأمر مضجعه | قد كاد من لحده في الأرض ينتصب |
| يا سادتي والعبوديات ما نبتت | على ضفاف عليها العز يأتشب |
| كم قد تنشق أحرار نسائمها | روح البطولة كم من مائها شربوا |
| يا سادتي لا يباع السلم في زمن | فيه المروءات لا تعطي ولا تهب |
| وليس للحق فيه راية خفقت | إلا لمن قهروا إلا لمن كسبوا |
| يا سادتي سلب الباغون أرضكمو | فهل يعيدون ما بالأمس قد سلبوا |
| وفوقها جنة خضراء وارفة | نباتها التين والزيتون والعنب |
| وطور سيناء يجري تحت منكبه | نهر ترسب في أعماقه الذهب |
| والكون يهفو لأرض تحت وطأتهم | قدسية في سناها تركع الحقب |
| أرض النبيين من روح الجلال لها | روح ومن نوره الضافي لها طنب |
| يا سادتي أيعيد القدس من عبث | يداه في الحرم الأقصى أينسحب |
| بالامس أضرم فيه النار فاشتعلت | أركانه وجثت من حرها القبب |
| يا سادتي راجعوا التاريخ إن به | ان رمتموا نصبا تستطلع النصب |
| تذكروا يثرباً في بدء صحوتها | تحبو إلى المجد رياناً وتقترب |
| وحولها عصبة للافك قابعة | للشر ديدنها التدليس والكذب |
| في السلم والحرب لم تؤمن خيانتهم | إن حالفوا نقضوا أو عاهدوا كذبوا |
| وما تعفر وجه الخزي من حدث | إلا بما اقترفوا ظلما وما ارتكبوا |
| يا سادتي مفخرات السلم يصنعها | أشاوس الحرب أنى غامروا غلبوا |
| يا سادتي نحن جيل لن يبر به | ابن يبر ولن يرضى عليه أب |
| ماذا نقول وإن جادت بلاغتنا | وزخرفت كلمات أو زهت خطب |
| مرارة اليأس قد أبلت عزائمنا | حتى تلاشى الضمير الحر والدأب |
| كأنما النصر وهم ليس ندركه | أو مستحيل تهاوى دونه الأرب |
| ليس الهزيمة في حرب بمنكرة | وكم إلى النصر منها يشحذ الطلب |
| خوضوا الصعاب وشدوا من عزائمكم | فلن يطاولها وهن ولا تعب |
| إن أطلقوها صواريخا مدمرة | في الجو والبر منها يقطر اللهب |
| أو طائرات تجوب الأفق حاملة | ما ليس يقوى عليه جحفل لجب |
| فواجهوا الموت شما كالجبال وإن | يكن سلاحكمو الاحجار والحطب |
| ولا تكونوا إذا ريعت دياركمو | كأنكم خشب هل ينفع الخشب |
| كم من شعوب رمت في الحرب زهرتها | من البنين فما ولوا ولا هربوا |
| ما كان في يدهم إلا عزائمهم | على قواعدها للمجد قد ركبوا |
| وسطروا في سجل الدهر رائعة | من الروائع للالباب تختلب |
| أعتى العتاة تهاوى تحت ضربتهم | وكان يرعب منه الاسم واللقب |
| يا سادتي أي سلم تستباح به | حقوقنا وبها الاعداء تنقلب |
| وأي سلم به نشدو بلا خجل | وأرضنا في دروب القمع تنتحب |
| وأي سلم وللمأساة قافلة | تكاد من شاطيء التحرير تقترب |
| عجبت للسلم كم تشقى به أمم | وكم جرائم باسم السلم ترتكب |