كل ما في الإسلام من تنوع وثراء وثقافة وتعاليم وحكمة وحضارة، متضمن في تلك العبارة بالغة الإيجاز: لا إله إلا الله. فالتوحيد رؤية عامة للحقيقة، وللواقع، وللعالم، وللمكان، وللزمان، ولتاريخ الإنسانية، ولمصيرها
كان على الإسلام الذي يحتل موقعاً وسطاً بين الشرق والغرب، أن يصبح على وعي برسالته الخاصة .. وكما كان الإسلام في الماضي (الوسيط) الذي عبرت من خلاله الحضارات القديمة إلى الغرب، فإن عليه اليوم مرة أخرى -ونحن في عصر المعضلات الكبرى والخيارات- أن يتحمل دوره كأمة وسط في عالم منقسم. ذلك هو معنى الطريق الثالث، طريق الإسلام
إن الإسلام في صيغته المكتوبة (أعني القرآن) قد يبدو بغير نظام في ظاهره، ولكنه في حياة محمد صلى الله عليه وسلم قد برهن على أنه وحدة طبيعية: من الحب والقوة، المتسامي والواقعي، الروحي والبشري. هذا المركب المتفجر حيوية من الدين والسياسة يبث قوة هائلة في حياة الشعوب التي احتضنت الإسلام. في لحظة واحدة يتطابق الإسلام مع جوهر الحياة
كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالا يُعتد فيه وإن الدين قد كَمُل والسعادة الكبرى فيما وضع، والطلبة فيما شرع وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران.
ومما لا شك فيه أن حقيقة الآيات القرآنية في دلالتها الخفية، في أسلوب نزولها، في التطورات المتعاقبة لتعاليمها خلال فترة الرسول، إنما تعلن بصراحة ووضوح عن أن تلك الآيات ما هي إلا نداء حركي في أنقى ما تعنيه هذه الكلمة من خصائص
إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها.
أصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه، حتى القادة إلى الحرب، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية .
لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه صلى الله عليه وسلم والإيمان بها والاستماتة في سبيلها، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها .
ما دام العالم الإسلامي خاضعاً للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة، يمتص الغرب دمه، ويحفر أرضه فيستخرج منها ماء الحياة، وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجيوبه كل يوم فتستخرج منها كل شيء، وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منه الرجال، ليديروا حكومته، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ويدربوا جيوشه ويستورد منه البضائع ويجلب منه الصنائع، وينظر إليه كأستاذ ومرب، وسيد ورب، لا يبرم أمراً إلا بإذنه ولا يصدر إلا عن رأيه، فلا يستطيع أبداً أن يواجه الغرب.
إذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لابد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية، فتنظم لذلك جمعيات، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن .
من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة.