إجمالي الناتج الداخلي الخام خلال الستينات أصبح لا يتعدى نسبة 20 % خلال الثمانينات، و هي نفس الظاهرة تقريبا عاشها قطاع المناجم المتمثل أساسا في الحديد و النحاس، حيث تراجع نصيبهما من إجمالي الناتج الداخلي الخام من الربع في الستينات إلى حوالي 17 % في النصف الثاني من عقد الثمانينات.
على غرار الاتحادات الاقتصادية و الجهوية المتواجدة هنا و هناك عبر العالم التي تتميز بكثافة و متانة الروابط و الصلات الاقتصادية و التجارية السائدة بين أعضائها، فإن بلدان المغرب العربي نجدها في وضعها الراهن لاتمثل إلا مجموعة هشة، حيث أن حجم المبادلات و الروابط الاقتصادية و التجارية بينها ضعيف جدا، إذ لم تتجاوز على العموم نسبة 5 % في نهاية عقد الثمانينات، و عليه يظهر التكامل الاقتصادي المغاربي في هذه الدراسة و خاصة في جانبه الصناعي على أنه مجرد مشروع مستقبلي رغم المحاولات التي تمت حتى الآن، إلا أنه يظل مشروع قابل للتحقيق إذا ما توافرت الإرادة السياسية الصادقة و استحدثت التغيرات و التحولات اللازمة لذلك على مستوى البنى الإنتاجية و الاختيارات الاقتصادية و التطورات السياسية.
و يتطلب هذا توحيد الجهود بالدرجة الأولى على إقامة صناعة غذائية تسمح بتغطية العجز الغذائي على مستوى المنطقة و التقليل من التبعية الغذائية، و هو الأمر الذي يستلزم استصلاح الملايين من الهكتارات الزراعية الجديدة و توفير التجهيزات و المعدات الزراعية لتحسين السلالات الحيوانية و النباتية.
مما سبق يظهر أن بلدان المغرب العربي هي بصدد مواجهة ثلاثة اختيارات لكل منها انعكاساتها و عواقبها على المستقبل التنموي للمنطقة و لمعاناتها في العلاقات الاقتصادية الدولية:
1 -إما اكتفاء بلدان المنطقة بالبقاء في عزلة تؤول بكل واحد منها إلى المزيد من الركود و التخلف و هو ما أثبتته التجارب التاريخية للعديد من البلدان في العالم
2 -أو الانخراط في فلك التكامل التبعي و الخضوع للقوى الاقتصادية الكبرى و هي الحالة التي توجد عليها بلدان المنطقة اليوم
3 -الدخول في تكامل متكافئ ما بين بلدان المنطقة مع بعضها البعض
و هناك مجموعة من العوامل الموضوعية و الواقعية التي تدعو إلى اختيار البلدان المغاربية الشكل الثالث من الاختيارات السابقة الذكر تتمثل فيما يلي:
-حالة التخلف و التفكك التي توجد عليها اقتصاديات هذه الأقطار
-تفاقم التبعية الاقتصادية و التجارية للخارج
-ضعف الإنتاج في المنطقة
و يبدو من خلال تحليلنا للمسيرة التنموية للبلدان المغاربية في جانبها الصناعي و من خلال الإمكانيات و القدرات التي تتوافر عليها البلدان، أن المنطقة مازالت من حيث مستوى و كيفية استغلالها بعيدة عن معايير الاستخدام العقلاني، و أن مستوى التطور الاقتصادي و الوضع الاجتماعي السائدين في كل بلد لا يمكن تحسينهما و تسريع وتائر نموها إذا لم تتم إعادة النظر في أساليب التخطيط و التنفيذ و التنظيم و الإدارة السائدة على مستوى اقتصاديات هذه البلدان، لأن الوضع الحالي لمنطقة المغرب العربي على الساحة الاقتصادية الدولية لا يتماشى مع الطاقات و الموارد الاقتصادية الهائلة التي تزخر بها المنطقة، فنصيب بلدان المنطقة الخمسة في نهاية الثمانينات كان أقل من 1 % من إجمالي التجارة العالمية، كان نصيب الصادرات منها حوالي 20736,42 مليون دولار أمريكي (0,88 %) و الواردات 19558,68 مليون دولار أمريكي
(0,80 %) من إجمالي التجارة العالمية، و يمكن إرجاع أسباب هذا الضعف من جهة إلى الفترة الاستعمارية الذي ربط اقتصاديات هذه البلدان بالبلد المستعمر، و إلى السياسات التي انتهجت و الاختيارات التي تتحمل فيها سلطات البلدان مسؤولية كبيرة من جهة أخرى.