احتاج إلى طعام اخذ من بائعه أو مالكه أو مكتنزه كيلًا بكيل مثله، لأجل معلوم على أن يعطيه زيادة عليه يتفق على مقدارها، والربا المذكور هو الأصل، وأما ربا الدراهم والدنانير أي ربا العملة فمتأخر بالنسبة إليه لان الإنسان مارس التجارة قبل أن تكون لديه دراهم ودنانير وكانت تجارته مبادلة سلع بسلع وذلك قبل ضرب العملة، فكان الربا ربا سلع ومواد عينية [1] ، ولقد كانت التجارة قبل الإسلام رائجة وكان اليهود في المدينة من العناصر الممولة التي تضارب بالأموال وكانوا يتعاطون الربا لأنهم كانوا لا يرون به بأسًا مع غير اليهود، لذا كان للربا المكانة الأولى في العلاقات الاقتصادية [2] ، وهكذا انتشر الربا في مكة بسبب الحركة التجارية وفي المدينة بسبب وجود اليهود الذين كان الربا من أعمالهم الرئيسة [3] .
الربا من وسائل التملك الغير مشروعة والتي حرمها الإسلام، والربا امتصاص لدماء المحتاجين الذين تدفعهم الحاجة إلى الوقوع تحت قبضة المرابي الجشع، والإسلام لا يرضى ان تجف ينابيع الرحمة من قلوب الموسرين من المسلمين إلى الدرجة التي يستغلون معها حاجة إخوانهم المسلمين ليجعلوها وسيلة للتكسب وتنمية رؤوس أموالهم، انه يريد منهم ان يستفيدوا من حاجات إخوانهم كفرصة في تنمية أعمالهم الصالحة وذلك بان ينفقوا مما أتاهم الله من أموال لسد هذه الحاجة، فان أبو فلا اقل من القرض الحسن لا يبتغون من وراءه جزاءًا ولا شكورا، اما ان يقرضوهم قرضًا غير حسن وذلك بان يطالبوهم بزيادة على ما أقرضوهم فهذا من الكبائر التي لا يتساهل بها الإسلام أبدًا والتي أعلن عليها حربًا لا هوادة فيها [4] .
في بادئ الأمر، لم يحرم الإسلام الربا بل عمل على تكريهه إلى النفوس وكان ذلك في العهد المكي، قال تعالى وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ
(1) علي: جواد , المرجع السابق ج 7 ص 245.
(2) (( الجبوري: أبو اليقظان عطية , حكم الربا في الشريعة الإسلامية , مجلة كلية الدراسات الإسلامية , العدد 2(بغداد / 1968) ص 124.
(3) (( دروزة: محمد عزة , سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - , مطبعة عيسى البابي وشركائه(القاهرة / 1965) ج 2 ص 441 - 442؛ أبو زهرة: محمد , بحوث في الربا , دار الفكر العربي (القاهرة / د. ت) ص 4.
(4) مجيد: صلاح الدين , من ملامح الاقتصاد الإسلامي , دار النذير للطباعة والنشر والتوزيع (بغداد / د. ت) ص 34 - 35.