والحكمة في خلق المقسم به، والذي يمكن الاطمئنان إليه بعد تأمل كل ما أقسم به القرآن وربطه بسياقه وموضوعه - أن أقسام القرآن بالواو تقبل دون تكلف أو قسر إذا اعتبرت أنها بيان للمعنوي بالحسي. وتطبيق هذه الفكرة على سورة الضحى - مع استحضار أن سبب نزولها هو إبطاء الوحي في أوائله على النبي صلى الله عليه وسلم وتأخره حتى قيل: ودّع محمدًا ربُّه وقلاه - أن يقال: إن"المقسَم به في آيتي الضحى، صورة مادية وواقع حسي، يشهد به الناسُ في كل يوم تألق الضوء في ضحوة النهار، ثم فتور الليل إذا سجا وسكن. دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكار، بل دون أن يخطر على بال أحد، أن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها إلى الظلمة والوحشة، بعد تألق الضوء في ضحى النهار، فأي عجب في أن يجيء، بعد أنس الوحي وتجلّي نوره على المصطفى صلى الله عليه وسلم، فترة سكون يفتر فيها الوحي، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يوافي بعد الضحى المتألق! [1] ".
من القضايا المهمة التي يمكن طرحها في هذا المجال، المقارنة بين أسلوب القرآن في تراكيبه وجمله، وأسلوبِ الحديث النبوي الشريف، وسيتأكد من ذلك اختلاف النمطين وإعجاز القرآن؛ لأنه لو كان من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتأليفه، لكان الأسلوب واحدًا.
فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم وسيادته على فصحاء العرب كلهم أمر لا شك فيه [2] ، كما شهد هو لنفسه في قوله:"أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد"وفي رواية:"في بني سعد بن بكر" [3] ، ولكن هذه الفصاحة تبقى لغة بشر تختلف عن أسلوب القرآن وبلاغته لأنه كلام الله، قال الباقلاني في سبيل بيان تأكيد اختلاف بيان النبي - ص- عن القرآن:"فتأمل - هداك الله - خطب الصحابة والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج خطب النبي صلى الله عليه وسلم واحد، وسبَكها سبكٌ غير مختلف، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحدّ - يُنتهى"
(1) - التفسير البياني للقرآن الكريم، للدكتورة عائشة عبد الرحمن (دار المعارف بالقاهرة ط 6) 1/ 26]
(2) - من الدراسات الحديثة المهمة في هذا الشأن"شرح أحاديث من صحيح البخاري: دراسة في سمت الكلام الأول، للدكتور محمد أبو موسى".
(3) - البيان المحمدي، الدكتور مصطفى الشكعة: 55.