الصفحة 11 من 20

يرى أصحاب هذه الفلسفة أن الإنسان يملك حقوقًا طبيعية مستمدة من ذاته بوصفه إنسانًا، ولذلك كان وجودها لازمًا لوجود الإنسان، فأمكن وصفها بأنها حقوق أو امتيازات مطلقة سابقة في وجودها وجود المجتمع والقانون، فقيام المجتمع يستلزم تعدد الأفراد، ووجود القانون الوضعي لا يقوم بغير مجتمع لأنه يحكم العلاقات، والعلاقات تستلزم تعدد الأطراف (أشخاص العلاقة) ، وتعدد الأطراف يعني قيام المجتمع. وهي من هذا المنطلق سميت حقوقًا طبيعية، فليس القانون أو المجتمع مصدرها، بل هي أساس القانون، وما القانون إلا الوسيلة المعبرة عن هذه الحقوق والحامية لها من الاعتداء.

أما السلطة القائمة على المجتمع فليس لها أن تخلق حقوقًا لأن الحقوق موجودة قديمة بقدم الإنسان، وليس لها أن تلغي حقوقًا لأنها لا تملك صلاحية ذلك من جهة، ولأن هذه الحقوق طبيعية فهي غير قابلة للإسقاط أو التعديل أو التنازل عنها من جهة أخرى، وبالتالي انحسر دور السلطة في نطاق حراسة هذه الحقوق (1) ، ولذلك عرفت بالدولة الحارسة. وإذا فرضت أحيانًا قيودًا فذلك استثناء من الأصل وجب للضرورة، والاستثناء لا يتوسع فيه، والضرورة تقدر بقدرها (2) .

ومن آثار هذا الاتجاه تعريف أنصاره الحق بأنه: القدرة الإرادية التي تخول الفرد أو الأفراد القيام أو الامتناع عن عمل معين أو أعمال معينة (3) . فجوهر الحق في السلطة الإرادية، فهي وحدها التي تصنع وتغير وتنهي الحقوق (4)

ويصح القول بأن هذه الفلسفة تنامت وتعاظمت، على أرضية مذهب القانون الطبيعي باتجاهه اللاديني (العقل المحض) الذي نادى به المفكر الهولندي كروسيوس وليس باتجاهه الديني الذي نادى به القديس توما الاكويني (5) .

( [1] ) يقول سينز في: المشرع الشهير في عهد الثورة الفرنسية:"إن الغرض الأساس من إقامة أية هيئة عامة هو ضمان الحريات الفردية"نقلًا عن سيد صبري، نظرية المذهب الفردي، مجلة القانون والاقتصاد، عدد 3 و 4 السنة العشرون، ص 161.

( [2] ) الجرف، طعيمة، نظرية الدولة والأسس العامة للتنظيم السياسي، الكتاب الأول، ص 34.

( [3] ) والنص باللغة الإنجليزية Legal right: That power wich he has to make: a person do or refrain from doing a certain act or certain acts نقلًا عن عبد المجيد العتبكي، أثر المصلحة في تشريع الأحكام بين النظامين الإسلامي والإنجليزي، ص 6.

( [4] ) غانم، إسماعيل، محاضرات في النظرية العامة للحق، ص 12. الشرقاوي، جميل، المدخل نظرية الحق، ص 232. الدريني، فتحي، الحق ومدى سلطان الدولة، ص 54.

( [5] ) يميز توما الاكويني بين ثلاثة أنواع من القوانين، يرتبط وجود الأدنى منها بالأعلى، فأسماها مكانة هو القانون الأزلي، وهو العقل الإلهي أو المطلق الذي يحكم العالم وليس في مقدور الإنسان أن يدركه، وسبب ذلك - عنده - يعود إلى انحطاط الإنسان نتيجة الخطيئة الأصلية: أكل أبينا آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة. ويأتي القانون الطبيعي في المرتبة الثانية، وهو ما يدركه الإنسان بعقله التأملي من القانون الأزلي بأن يتحسس أو يتوقع اتجاهاته. ويأتي القانون الوضعي في المرتبة الأخيرة بوصفه المترجم أو المظهر للقانون الطبيعي، ولذلك يتصور حدوث التعارض والتناقض بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي. ويرى أن الواجب هو إطاعة القانون الوضعي حال التعارض، لتجنب ما يسميه بالفضيحة والاضطراب. بينما يجب إلغاء القانون البشري (الوضعي) حال التناقض؛ لأن فيه تهجمًا مباشرًا على الإيمان. الشاوي، منذر، مذاهب القانون، ص 20، وهو بدوره أحاله إلى"روبيه"الذي ذكر في كتابه النظرية العامة للقانون، ص 133.

فقد ذهب كروسيوس، نتيجة لنمو البرجوازية ومطالبة الفرد بحماية حقوقه وحرياته، إلا أن أساس القانون الطبيعي يكمن في الطبيعة البشرية - أم القانون الطبيعي على حد تعبيره - وهي التي تقتضي منه العيش وفقًا لغريزته الاجتماعية في مجتمع هادئ منظم، وكل ما يفرزه العقل في هذا الاتجاه فهو من القانون الطبيعي. ومن هذا الأساس يُستنتج أن مبادئ هذا القانون واحدة وعالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت