الصفحة 12 من 20

وللتعرف على قواعد القانون الطبيعي بالعقل المحض، يتبع كروسيوس طريقتين إحداهما: الطريقة الاستنباطية؛ أي أنّ العقل يستنبط شرية قواعد القانون الطبيعي من الطبيعة البشرية. والثانية: الطريقة الاستقرائية أو طريقة الحكم اللاحق بمعنى تتبع تطبيقات الشعوب التي يمكن عدها طبيعية، لكونها تعبر عن مبدأ الغريزة الاجتماعية بشكل واضح (1) ، ومن ثمّ التعرف من خلالها على قواعد القانون الطبيعي.

وبنا ءعلى ذلك قيل أن كروسيوس قد قطع الصلة بين القانون الطبيعي واللاهوت، وبين القانون الطبيعي والأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية الكاثوليكية (2) . وهذا يعني أن العقل الذي زعم كروسيوس استنباطه من الطبيعة البشرية، قد فُرغ من مضمونه واصطبغ بالصبغة المادية البحتة؛ بسبب فصله عن العقيدة السماوية والأخلاق. وبذلك يلتقي هذا المذهب مع مذهب الوضعية القانونية في دعواه بفصل القانون عن الدين والأخلاق.

الفلسفة الاجتماعية (مذهب التضامن الاجتماعي) :

ينطلق هذا المذهب في رؤيته لطبيعة الحق ومصدره، من معتقده بأن القانون بوصفة ظاهرة اجتماعية، يجب أن يبنى على أساس واقعي معلوم بالمشاهدة أو التجربة. فخرجت بذلك الأسس المبنية على مثل عليا ميتافيزيكية، وهو ما يذهب إليه أنصار مذهب القانون الطبيعي، وكذلك ما كان محض افتراض وتخيل لا يشهد به الواقع، وهو ما عليه أنصار الفلسفة الفردية. فما يشهد به الواقع، وهو مشاهد معلوم، أن الإنسان كائن اجتماعي لا يسعه العيش إلا في جماعة يتضامن أفرادها لإشباع حاجاتهم وأن هذا التضامن يفضي

( [1] ) أرى أن هذا المذهب يمتد بجذوره إلى الرواقيين أنصار مذهب أرسطو (أبو القانون الطبيعي) ، وهم الذين طوروا مذهبه ودعوا إلى الوحدة الإنسانية بل الوحدة الكونية بأن يعيش الإنسان على وفاق مع الطبيعة، وأن يكون الفرد مواطنًا في جمهورية عالمية تشمل الأرض كلها: الموسوعة الفلسفية، ص 163. ومصطفى عمر ممدوح، تاريخ أصول القانون، ص 108.

( [2] ) الشاوي، مذاهب القانون، ص 23 - 24. وقد ذكر أندريه كرسون في كتابه: المشكلة الأخلاقية والفلاسفة، ص 35، أن السعادة أو الخير المطلق عند سقراط ما هي إلا حالة الانسجام بين ما يرغب به الإنسان وبين الظروف التي يوجد فيها. وأرى أن كروسيوس قد تأثر بهذا الاتجاه.

إلى نظام ينتظم سلوك الأفراد وفقه، وهذا يفضي عندهم إلى نتيجة مفادها، أن التضامن الاجتماعي هو الأساس الوحيد والمعقول للقانون بوصفه القاعدة الضرورية لحياة الجماعة، ويمكن صياغة قاعدة التضامن الاجتماعي على النحو الآتي: إن الفرد - حاكمًا كان أو محكومًا - ملزمًا بالامتناع عما يخل بهذا التضامن، وعليه إنجاز كل فعل يؤدي إلى صيانته وتنميته.

هذه القاعدة الأساسية بناحيتيها، الإيجابية والسلبية، يجب أن يصاغ القانون وفقها ليكون تطبيقًا لها (1) وبالتالي فإن التشريعات القانونية وكذلك العرف، لا ينشئان الحقوق لأنها مراكز قانونية أو وظائف اجتماعية تخلقها حالة التضامن الاجتماعي، ودورها ينحصر في الكشف عنها.

وتأسيسًا على ما تقدم يرى أصحاب هذه الفلسفة أن الحقوق من الجماعة وإلى الجماعة وليس للفرد حظ فيها أصالة على وجه الاستقلا ل، وأن ما يتمتع به الأفراد من حقوق إنما هي: اختصاصات أو وظائف اجتماعية، وأصحابها موظفون عامون موكلون باستعمالها على وجه يحقق الصالح العام (2) وبمعنى آخر: إنّما هي سلطة أو مكنة تمنحها الجماعة لأفرادها ليقوموا بالواجبات التي تقتضيها حالة التضامن الاجتماعي.

على أن الإفراط والغلو في الأخذ بهذا المذهب أفضى إلى قهر جميع الأفراد المكونين للمجتمع؛ لأنه افترض أن السلطة هي المعبرة عن المجتمع ومصالحه، فانتهى المطاف إلى أن حكمت السلطة بموجب فلسفتها ونفذت بذلك بالقوة المفرطة، فأصبح هذا المذهب صورة من صور الوضعية القانونية التي تتميز، بصورة عامة، بأمرين؛ أحدهما: أن القانون هو القانون الوضعي المكتوب، وبالتالي فإنه من وضع إرادة بشرية حاكمة. والثاني: أن القانون يكون نظامًا منطقيًا مستغلقًا؛ بمعنى أن الحلول - عندهم - لا تستقى إلا من القواعد القانونية الوضعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت