الصفحة 5 من 20

ومصلحة يتوقف تحققها الفعلي على أداء التكاليف (حكمة التشريع) (1)

والعلاقة بين النظامين قائمة مقام الدليل المرشد للإنسان إلى الحق في الاعتقاد والخلق والعمل وهذا ما تضاف عليه عمل العقل السليم مع ما نزل به الوحي.

فمن حيث الاعتقاد، فالموجودات لها موجد متصف بالوجود والقدرة. وكون كل موجود منها خصص بصفات وزمان لوجوده ومكان، فهذا يتوقف على مخصص (2) ، والتخصيص إرادة، والإرادة مسبوقة بعلم (3) ، والعلم متوقف على حياة.

( [1] ) الحكمة عند جمهور علماء أصول الفقه هي: ما يترتب على الشرائع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها. حاشية البناني على شرح جمع الجوامع 153، 2 - 154، غاية الوصول لشرح لب الأصول للإمام زكريا الأنصاري، ص 114.

( [2] ) قال تعالى: مؤيدًا لعمل العقل السليم:"وخلق كل شيء فقدره تقديرا"، الفرقان: 2."وكل شيء عنده بمقدار"الرعد: 8.

( [3] ) قال تعالى مؤيدًا لعمل العقل السليم:"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، الملك: 14.

ومن حيث كون النظام فيها متقنًا (1) مستمرًا فإن ذلك يدل على العليم الحكيم الخبير المدبر (2) .فكانت الموجودات بنظامها المتقن سببًا للبحث في خالقها ومدبرها ولحسن الاعتقاد به (3) ومن حيث الأخلاق: إذا كانت هذه صفات الموجد المدبر الذي أعطى كل شيء قدره، وهو العدل، فينبغي للوصول إلى الكمال الإنساني تخلق المكلف بهذه الأخلاق بمعنى محاكاتها والتحلي بها (4) ومن حيث العمل: إن هذا النظام المتقن هو الصورة الواجب محاكاتها من قبل الإنسان المكلف في أدائه لتكاليفه والامتناع عن كل ما يخل بميزانه (5)

وبيان هذه الصورة النظامية المتقنة يعود إلى صفة المفصّل (6) كل ذلك ليرتبط النظام التكليفي بالنظام الوجودي. عقيدة وخلقًا وعملًا. ولذلك جبل العقل على النظر في ملكوت السموات والأرض، والبحث عما وراء ذلك، أي في موجدها ومدبرها، وهذه من الفطرة التي فطر الله الناس عليها (7) . واللازم لاكتمال هذا النظر قدرة العقل على الإحاطة أو العلم الكامل بهذا النظام الوجودي وبترابط العوالم فيه، وبوجه ترابطها وميزان ذلك. والعقل يظهر كلاله عند محاولته الخروج عن المحيط المحسوس لقدرته، وهو صور المدركات في عالمه الدنيوي. لأنه جبل عليها، وهي مادته في التفكير (8) فاحتاج العقل لذلك إلى ما يحرر فيه كامل قدراته وطاقته ويسدد نظره.

وتحرر طاقات العقل يكون بجماع أمرين: أولهما قبول الوحي والإيمان بما جاء به والاستعداد للعمل به. وهذا هو الجانب العقائدي، والثاني محاربة شح النفس وفرط الشهوات؛ ليتحرر من أسرها وتسخيرها له لإشباع حاجاتها المتجددة غير المتناهية، وهذا هو الجانب الآخلاقي. والعمل يبنى على الجانبين معًا.

ومن ثم فبعد ورود الشرائع السماوية أصبح للإنسان دعامتان في نظره وتدبيره، النقل والعقل، أي أدلتهما.

( [1] ) قال تعالى في ذكر حياته وقيمومته على الخلائق:"الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، البقرة: 255.

( [2] ) قال تعالى:"يدبر الأمر في السماء إلى الأرض"، السجدة: 5.

( [3] ) ذكر ابن القيم أن من أسباب المعرفة الحقة بالله تعالى:".. التفكر في آياته المشهورة وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله قيامه بالقسط على خلقه"الفوائد، ص 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت