الصفحة 31 من 50

ما أرتفع البناء .. فبها يُقام الجدار ولا احد يشعر بوجودها ولا يُشار إليها ببنان .. تُنكر ذاتها تحقيقًا لعبوديتها لله فتغم بالغبار يغطيها .. أليس ربها يُخرج الحب في الأرض ويعلم ما تحت الثرى؟

فلذلك خرجت واسأل الله الثبات والتوفيق .. وسأكتب لك اليوم بمداد عزيز أعلم أنه سيكون بارقة أمل وسط ليلك البهيم .. ونهر حياة في أرضك القاحلة ونخلة باسقة في بستانك الهشيم.

إنني سأكتب لك بعرق أبنائك في أرض الهجرة الذين رفضوا حياة الذل واستجابوا لله رب العالمين .. إنه عرق أبنائك الذي سمعوا قوله تعالى {وأعدوا} فقالوا أتينا طائعين .. إنه عرق أبنائك الذين أرقهم ضياع الأمة وغربة الدين.

إنه عرق أبنائك الذين يصلون الليل بالنهار .. لأن حاديهم وعدٌ أُخروي .. وواجب دنيوي .. فأنى لهم الراحة وقد عاشوا غربة الإسلام؟

وسأكتب لك على رقعة نادرة، هي آثار أقدام أبنائك وهم يتسلقون الشوامخ ويقطعون الوديان .. وأنهم ليرون صنيعهم ذلك جهد مقل.

فإن الجنة قد قام سوقها .. وإن الصفقة قد تمت، وإن النفوس قد اشتاقت للقاء ربها .. ومنادي الحق ينادي .. {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} .

فلا تأسي ليبيا الحبيبة ولا تظني بنا إلا خيرًا، فما خارت عزائم أبنائك ولا كلّت ولا نكصت النفوس عن بيعها ولا تخلت .. ولا أضاعت القافلة سبيلها ولا ضلت.

فلا تأسي ليبيا الحبيبة وابشري .. فهذه الخيول قد أُسرجت، وبعضها سيُركب عريًا لقلة السروج، وهذه السيوف قد حُدّت وسُمّت ومن لا سيف له فمن سلبِ أول قتيل، وهاهم أحفاد خالد وسعد والمقداد يخرجون من بين الجبال يحملون أرواحهم على أكفهم إعراضًا عن الدنيا ورغبةً في الرضوان، وهاهم يعلنونها مدوية: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، وهاهي أبصارهم تراقب قمم الرواسي وتتقلب في السماء تناشد ربها العون والسداد، فيقول أحدهم واصفًا حالهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت