كان جالسا مطمئنا .. وكأن إهدار دمه، وإطلاق الرصاص عليه، لم يزده إلا طمأنينة ويقينا وعزما .. وكأن لسان حاله يقول؛ لقد اتخذت من الجبل بيتا .. ومن حظيرة دجاجكم مصدرا لرزقي .. ومن عتمة الليل سببا للوصول إلى مرادي .. فأنا ليس لي عندكم ثأرا أو حق ضائع كحقكم .. فليس من أرضي شبر بأيديكم .. ولا أسيرا لاستنقاذه يناديني .. فأنا كما ترونني وحيدا .. لم أستعن عليكم بأحد من إخواني، لأنني علمت أنكم من قوم لا تغضبون لحرماتكم .. ولا تردون أحدا عن حياضكم .. ولم أحمل معي سلاحا .. لأنني أخشى أن تفروا من هذه الأرض كما فررتم من غيرها .. والذين فررتم منهم ليسوا إلا قططا مثلي ...
واستأنف حديثه ساخرا؛ سمعت أنكم ذبحتم أرانبكم؟
قلت؛ وما العيب في ذلك؟
قال؛ العيب في ذلك أنكم عجزتم رغم حرسكم وأسلحتكم الفتاكة، ورغم إهداركم لدم أعزل مثلي .. عجزتم أن تحموا مني حظيرتكم .. فسارعتم إلى ذبح ما فيها مخافة أن أستلبه منكم.
يالكم من أمة .. إنه الوهن والعجز ... حتى أمام أعزل مثلي .. فكيف لو جئتكم بعدة وعدد .. أما كنتم تفرون .. ثم تسمون ذلك هجرة .. كما هي عادتكم في تبرير هزائمكم!
قلت؛ إننا لم نهاجر من أرضنا إلا لأننا مستضعفون، وعدونا عنده ما عنده من القوة المادية ..
قال؛ لعلها مثل قوتكم التي حشدتموها لصدي .. فإذا كان لطواغيت أرضكم من القوة المادية مثل ما عندكم .. فلماذا عجزتم أن تتخذوا من الجبل بيوتا .. وتكونوا قططا مثلي .. واعلموا أن ذلك لا يقدم في الآجال ولا يؤخر، ولقد رأيتم ذلك بأم أعينكم .. ولقد عشتم حياة الإضطراب و القلق بسببي .. وأنا واحد أعزل .. فكيف بكم وأنتم ألوف .. قد خرجتم من دياركم حذر الموت .. أما كان في ذلك خير لكم .. بأن تنالوا رزقكم من تحت ظل رماحكم .. وأن تجعلوه في موقف ذل يبحث عن وصالكم .. كما هو موقفكم