مسائلَ فقال: (المسألة الثالثة: الفقهُ الفهمُ، يقال: أوتي فلانٌ فقها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس:(فقهه في التأويل) [1] ، أي فهمه) [2] .
بعد هذا أقول: الفرق بين العلم والفهم، هو أن العلم: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع [3] ، أما الفهم فهو تصور الشيء من لفظ المخاطِب، والإفهام هو إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع [4] .
فالآية على القول بأن الفقه هو العلم يكون معناها أن هؤلاء القوم لم يستعملوا الآلة التي منحها الله تعالى لهم والتي يتوصلون بها إلى المعرفة اليقينية والاعتقاد الجازم المطابق للواقع وأقصد بالآلة العقل، فهم لم يعلموا القرآن الكريم ولم يعلموا معاني كلماته رغم أنهم من العرب والقرآن نزل بلغتهم ورغم أنهم عرفوا ألفاظه إذ هي لغتهم، وما ذلك إلا لأنهم تركوه مكابرةً بسبب عدم تحكيم عقولهم وعدم استعمالهم لها.
والآية على القول بأن الفقه هو الفهم يكون معناها أن هؤلاء القوم أدركوا معاني هذه الألفاظ؛ لأنها جاءت بلغتهم، ورغم معرفتهم بالمعاني العربية الواضحة لهذه المفردات ورغم أنهم كانوا في غاية البلاغة والفصاحة فيها، إلا أنهم لم يدركوا مقصد القرآن الكريم من هذه الخطابات؛ وذلك لإعراضهم عنه عنادا.
وعلى أي من القولين - الفهم أو العلم - فأن الآية تدل على أن مشركي العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تركوا كتاب الله تعالى رغم نزوله بأوضح الألفاظ وأفصحها، وأبلغ
(1) لم أجد الحديث بلفظ (فقهه في التأويل) ، وإنما صح عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بين كتفي، أو قال: على منكبي فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) .
مسند أحمد 2874، المستدرك على الصحيحين 6334
(2) تفسير الرازي 10/ 151.
(3) التعريفات للسيد الشريف 88.
(4) الكليات 697.