"فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم"المؤلف الإمام أحمد بن حنبل يتعجب من قبح أثر الناس على العلماء، ومن حسن أثر العلماء على الناس،"فما أحسن أثرهم"يعني: العلماء"على الناس، وأقبح أثر الناس على العلماء"، فما هو أثر العلماء على الناس؟ وما هو أثر الناس على العلماء؟
أثر العلماء على الناس الذي يتعجب الإمام من حسنه، ما هو؟ تعليمهم وهدايتهم وإرشادهم وإنقاذهم من ظلمات الشرك والبدع والمعاصي هذا أثر حسن، أنقذوهم من الضلال، أنقذوهم من النار هذا شيء حسن أحسن من إنقاذ أجسامهم، يفوق إنقاذ أجسامهم، فأنت إذا أنقذت غريقا أو حريقا ألا تكون أحسنت إليه؟ فالذي ينقذ المشرك والمبتدع أفضل وأعظم ممن ينقذ الغريق والحريق وأعظم أجرًا؛ لأن الغريق والحريق لو مات وهو مؤمن موحد لا يضر والموت لا بد منه، إذا مات المشرك على الشرك هلك هلاكًا أبديًا.
وبهذا يتبين أن إنقاذ العلماء للمشركين والمبتدعة والعصاة أعظم من إنقاذ رجال الإطفاء لأهل الحريق وإنقاذ الغريق وغيرهم ممن أشرف على الهلاك، وإن كان كل منه فيه فضل وأجر عظيم، لكن هذا أعظم. هذا أثر العلماء على الناس.
"فما أحسن أثر العلماء على الناس وأقبح أثر الناس عليهم"ما هو أثر الناس على العلماء؟ السب والتكفير والضرب والحبس والقتل أيضًا، ألم يقتل أحد من العلماء؟، بل الأنبياء قتلوا. قال الله سبحانه عن بني إسرائيل: فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ .
زكريا قُتل -عليه الصلاة والسلام- ويحيى قتل، هذا أثر الناس على العلماء، وفي مقدمة العلماء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - إذًا منهم من قُتل، ومنهم من سجن، ومنهم من ضرب، ومنهم من حبس، ومنهم من أوذي، ومنهم من لطم، ومنهم من سب وشتم وضلل وكفر، هذه كلها أثر الناس على العلماء،"فما أحسن أثر العلماء على الناس وأقبح أثر الناس عليهم."
"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين"هذه وظيفة العلماء ما المراد بالتحريف: التغيير والتبديل، والتغيير في القرآن قد يكون تغييرا في اللفظ وقد يكون تغييرا في المعنى، تغيير في اللفظ مثل تغيير بعض الجهمية قراءة قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا قرأها بنصب لفظ الجلالة، قال:"وكلم اللهَ موسى تكليمًا"حتى يكون موسى هو المكلّم، وقصدهم من ذلك إنكار أن يكون الله هو المكلِّم، فلما قال له بعض العلماء: هب يا عدو الله أنك استطعت أنك تحرف هذه الآية فكيف تقول في قول الله تعالى: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ما يستطيع تحريف لفظه حرف المعنى.
قال: المعنى جرحه بأظافير الحكمة، حرَّف المعنى قال: وعندي دليل أن العرب تقول: فلان كَلْمه يدمي أي: جرحه وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ جرحه بأظافير الحكمة، هذا تغيير تحريف في المعنى، ومثله تحريف المبتدعة لمعنى استوى، قالوا: معناها استولى، تحريفهم للرحمة، قالوا: معناها الإنعام، والرضا: الثواب، والغضب: إرادة الانتقام.
"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين"الغالين: أقسام: نفاة الصفات من المعتزلة والجهمية غلوا في التنزيه، زعموا أنهم ينزهون الله فزادوا وغلوا في هذا التنزيه حتى نفوا الأسماء والصفات عن الله -عز وجل-، هذا غلو فجاء العلماء ونفوا عن كتاب الله تحريف الغالين، كما أن الممثلة والمشبهة غلوا في الإثبات، حتى وصلوا للتشبيه، قالوا: نثبت الأسماء والصفات لله، ونقول إن الله يتكلم، يرضى، يغضب، لكن مثل صفات المخلوقين سواء بسواء، هذا غلو في الإثبات.
فجاء العلماء فنفوا هذا التحريف، كذلك القدر غلا فيه قوم فنفوا أفعال العباد، حتى جعلوهم لا يتحركون، جعلوهم كالريشة في الهواء، وهم الجبرية فقالوا: إن العبد لا فعل له، الأفعال هي لله، والحركات تنسب إليه مجازا، هذا إنكار للمحسوس، نرى الإنسان يتحرك ويذهب ويجيء، عنده اختيار في البيت، يستطيع أن يقوم، يستطيع أن يذهب، يستطيع أن يجلس، فجاء العلماء ونفوا هذا الغلو، وقالوا: إن العبد له فعل وله مشيئته، وله إرادة، لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادة الله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .
والقدرية النفاة غلوا بالعكس، ضد هؤلاء، غلوا في إثبات أفعال العبد حتى قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالًا من دون الله، قالوا: هو العبد هو الذي يخلق الطاعات والمعاصي، حتى يكون مستحقا للثواب إذا أطاع ومستحقًا للعقاب إذا عصى، حتى قالوا: إنه يستحق الأجر على الله، كما يستحق الأجير أجره؛ لأنه هو الذي خلق فعل نفسه، كما أنه إذا عصى وجب على الله أن يعذبه، وليس له أن يغفر له، وأن يخلده في النار إذا فعل الكبيرة.
فجاء العلماء ونفوا هذا التحريف، كذلك الخوارج والمعتزلة غلوا في الأسماء والصفات، في أسماء الدين والإيمان، فقالوا: من فعل المعصية والكبيرة كفر وخرج من الملة، ويستحلون دمه وماله، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، هذا غلو.
فنفى أهل العلم هذا التحريف، وقالوا لهم: إن العبد لا يكفر، ولكن إيمانه يضعف إذا فعل المعصية، بدليل أن الله سمى العصاة مؤمنين، وقابلهم المرجئة فالمرجئة قالوا: إن العبد إذا آمن وعرف ربه بقلبه، وإذا فعل جميع المنكرات والكبائر لا يضره، وهو مؤمن كامل الإيمان، وهو يدخل الجنة من أول وهلة، عكس الخوارج والمعتزلة
هذا غلو منهم، فجاء أهل الحق، أهل العلم، فنفوا هذا الغلو، كذلك في الصحابة الروافض كفروا الصحابة وقالوا: إنهم كفروا وارتدوا بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغلوا في أهل البيت حتى عبدوهم من دون الله، فجاء النواصب وهم الخوارج ونصبوا العداوة لأهل البيت هؤلاء غلوا، وهؤلاء غلوا، هؤلاء غلوا في أهل البيت حتى عبدوهم، والنواصب سبوا أهل البيت وآذوهم وعادوهم، وهم الخوارج
فجاء أهل الحق، وأهل العلم ونفوا غلو الرافضة وغلو النواصب وعرفوا لأهل البيت حقهم، لم يعبدوهم كما تفعل الرافضة ولم يؤذوهم ويعادوهم كما تفعل الخوارج بل أحبوهم ووالوهم، وهكذا لا يزال العلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله.
"وانتحال المبطلين"الانتحال: نسبة الشيء إلى القرآن أن ينسب إلى القرآن ما ليس منه، فهؤلاء المبطلون ينسبون إلى القرآن ما ليس منه، يقولون: إن القرآن دل على كذا، نسبوا إلى القرآن أن الله يعذب أحدا من دون جرم، واستدلوا بقوله تعالى بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا فجاء أهل العلم وبينوا ونفوا هذه النسبة الباطلة إلى القرآن، وقالوا: إن القرآن لم يدل على هذا، وإنما المعنى: أن جلودهم تتجدد، ليس المراد أنه يعذب أشخاصا آخرين.
وكذلك نفى العلماء عن كتاب الله"تأويل الجاهلين"، الذين أوّلوا القرآن على غير تأويله، والتأويل: له ثلاث معان مشهورة: معنيان صحيحان، ومعنى محدث، فالمعنيان الصحيحان: يطلق التأويل على الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كقوله سبحانه في قصة يوسف لما ذكر له الرؤيا في أول السورة إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قال في آخر الأمر وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ .
تحققت لما سجد له إخوته وأبواه قال: هذا تأويل رؤياي من قبل، هذه هي الحقيقة التي يئول إليها الكلام، وكذلك حقائق ما أخبر الله به في الجنة، في يوم القيامة تأويلها وقوعها، وكذلك الأوامر والنواهي تحقيقها تأويلها فعلها.
ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل عليه إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا كان بعد ذلك يكثر أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك! اللهم اغفر لي، قالت عائشة -رضي الله عنها-: يتأول القرآن يعني يعمل به.
ويأتي التأويل بمعنى التفسير، تأويل الكلام: تفسيره، ومنه قول ابن جرير -رحمه الله- في تفسيره: القول في تأويل قول الله تعالى. يعني في تفسير قول الله تعالى.
ويطلق التأويل على صرف الكلام أو اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، هذا أحدثه المتأخرون، صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى الآخر لدليل يقترن به، هذا باطل مثل صرفهم معنى"استوى"إلى استولى، يقولون: استوى ظاهر أنه استواء حقيقي استقرار، استوى معناها:"استقر وعلا وارتفع وصعد"، هذا المعنى اللغوي، لكن كيفية الاستواء. الله أعلم.
المعنى اللغوي معروف كما قال الإمام مالك"الاستواء معلوم"، وهو الاستقرار والعلو والصعود والارتفاع، أما الحقيقة فهذه لا يعلمها إلا الله، تأويل أهل الكلام الباطل قالوا نؤوّل استوى بمعنى: استولى، فإذا قيل لهم: لماذا تؤولون؟ الاستواء المراد به هو الاستواء الحقيقي قالوا: لا- صحيح اللفظ الظاهر أنه الاستواء الحقيقي، هذا المعنى الظاهر وهو المتبادر، لكن نصرفه إلى معنى مرجوح، إلى معنى آخر وهو الاستيلاء، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالوا: عندنا دليل، وهو العقل يمنع أن يكون الله استوى على العرش؛ لئلا يلزم عليه أن يكون الله مشابها للمخلوق، إذا قلنا: إن الخالق استوى، والمخلوق استوى، شابه الخالق المخلوق؛ فلهذا عندنا دليل، فنصرف الاستواء عن المعنى الظاهر المتبادر إلى معنى آخر مرجوح.
والدليل: العقل الذي يدل على أن الله لا يمكن أن يكون مستويًا الاستواء الحقيقي، هذا باطل من تأويل الجاهلين الذي ينفيه أهل العلم، هذا مثال على قول المؤلف:"وتأويل الجاهلين".
كذلك أيضًا النزول أولوه، قالوا: ليس نزولًا حقيقيًا، صحيح المعنى المتبادر: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا أنه نزول حقيقي، قالوا: لا نصرفه إلى معنى بعيد، نقول: جاء أمره، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالوا: عندنا دليل، العقل يمنع أن نحمل النزول على معناه الحقيقي؛ لأن الله لا يجوز عليه الانتقال، والنزول من صفات المخلوقين.
نقول: هذا باطل، نحن الآن نقول: ينزل ولا نكيف النزول، وهكذا جميع الصفات التي أوّلها أهل الجهل والمبطلون وأهل الكلام، نفاها أهل العلم عن كتاب الله -عز وجل-، هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-:"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
ثم وصفهم الإمام -رحمه الله- بقوله:"الذين عقدوا ألوية البدعة"
هذا فيه بيان لشدة تمسك أهل البدع ببدعهم، من شدة تمسكهم كأنه جيش يُعقد له لواء، فقائد الجيش إذا عقد اللواء -خلاص- تم توجيه الجيش، إذا عقد اللواء وجه الجيش، يعني: ثبت، أما قبل أن يعقد اللواء قد يوجه الجيش، وقد لا يوجه.
فإذا عقد اللواء توجه الجيش، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة يعني: صمموا ولزموا البدعة كما أن قائد الجيش يصمم حينما يعقد اللواء للجيش، يصمم على إنفاذه، فهؤلاء عقدوا ألوية البدعة. أي: لزموها وتمسكوا بها وصمموا عليها.
"وأطلقوا عقال الفتنة"يعني: أن هؤلاء المبتدعة حينما أولوا كتاب الله ونسبوا إليه ما ليس منه، هذا فتنة فتنوا الناس عن دينهم وصرفوهم عن الحق، فكأنهم فتحوا باب الفتنة على مصراعيه، أطلقوا عقال الفتنة، الفتنة كانت ممسكة ثم أطلقها هؤلاء، كما أن البعير إذا أطلقت عقاله ذهب.
معروف عند العرب أن البعير إذا أُنيخ يكون هناك عقال تربط به يده حتى لا يقوم، وإذا ربطت اليدين أوثقته، ما يتحرك، فإذا أطلقت العقال قام وذهب.
العقال: هو الخيط أو الحبل الذي يربط به يد البعير"عقل البعير"، أمسك بهذا الحبل الذي يربط به يده، حتى لا يذهب، فإذا أطلقت العقال قام ومشى، فكذلك هؤلاء، كانت الفتنة معقلة ممسكة فجاء أهل البدع فأطلقوها فانتشرت -نسأل الله السلامة والعافية.
هذا بيان من الإمام -رحمه الله- كيفية نشر هؤلاء للفتنة والبدع أطلقوا عقال الفتنة فانتشرت بين الناس، وذلك بتحريفهم الذي فيه غلو، ونسبتهم إلى القرآن ما ليس منه، وتأويلهم الباطل؛ لهذا نشروا الفتنة بين الناس؛ ولهذا قال المؤلف:"الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة،"فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب"الاختلاف في الكتاب اختلاف في تنزيله واختلاف في تأويله، فاختلاف في تنزيله بعض الناس قال: إن القرآن لم يتكلم الله به، وليس وصفًا من أوصافه، وإنما هذه الألفاظ والمعاني خلقها في غيره، فصار بها متكلما، كما يقول ذلك المعتزلة والجهمية"
يقولون: إن الله ما تكلم بالقرآن، وليس وصفًا من أوصافه، لكنه نسب إليه على سبيل المجاز، فيقولون: إن القرآن مخلوق، هذه الألفاظ والمعاني خلقها في غيره، فصار بها متكلمًا، وإن كان واقعًا بقدرته ومشيئته إلا أنه لم يتكلم به.
وقال آخرون: إن الله تكلم، إن هذا القرآن وصف من صفاته، لكنه ليس واقعًا بقدرته ومشيئته، السالمية قالوا: إن القرآن وصف قائم بالله، ألفاظه ومعانيه، لكنه لا يتعلق بقدرته ومشيئته والكلابية والأشاعرة قالوا: إنه وصف قائم بالله إلا أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ومع قولهم: إنه وصف بالله قالوا: إنه ليس حرفًا ولا صوتًا، وإنما هو معنى قائم بنفسه، كما يقوم العلم به.
فهذا اختلاف في تنزيله، وكذلك الاختلاف في تأويله، اختلفوا في تأويله، كل يؤول القرآن على تأويله الذي هو يعتقده، ويرد المعنى الذي يقوله غيره، كل منهم يجعل رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه، ويجعل رأي غيره هو المتشابه الذي يجب نفيه أو تأويله.
فالجهمية يقولون: قولنا هو الحق في نفي الأسماء والصفات، وقول المعتزلة هو الباطل.
والأشاعرة يقولون: قولنا هو الحق، وقول المعتزلة هو الباطل.
فكل منهم يتأول القرآن على غير تأويله، ويقول: إن قوله ومذهبه هو الحق، وقول غيره هو الذي يجب تأويله أو تفويضه، هذا اختلاف في الكتاب.
"فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب"خالفوا الكتاب، كل يدعي أن قوله هو الصواب وهو الحق، ويتأول القرآن على غير تأويله، ويضرب كتاب الله بعضه ببعض.
كما ثبت في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يومًا على بعض أصحابه، وهذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فُقئ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! فما علمتم منه فاعملوا به، وما لم تعلموا فكِلوه إلى عالمه أو كما قال -عليه الصلاة والسلام.
هذا اختلاف في الكتاب كل واحد ينزع بآية، كل واحد يقول: إن قولي هو الحق، فيستدل بالقرآن على قوله، والآخر يستدل بالقرآن على قوله، ويضرب كتاب الله بعضه ببعض، فهذا مخالفة للكتاب. الله تعالى أمر بالاعتصام بكتابه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فالاختلاف والتفرق هذا مخالفة للكتاب الذي أمر الله به بالاعتصام به ولزومه، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .
فالمعتزلة يقولون: إن قولنا هو الحق، وقول الجهمية هو الباطل، والخوارج كذلك يقولون: إن قولنا هو الحق، الأدلة عندنا تدل على أن العاصي مخلد في النار إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ويقولون: هذا هو الحق، وقول أهل السنة هو الباطل، الذي يجب تأويله، والمعتزلة يقولون: إن قولنا هو الحق النصوص تدل على أن العاصي خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.
والمرجئة يقولون: قولنا هو الحق والنصوص تدل على أن المؤمن لا يضره شيء مع إيمانه.
وهكذا
فكل يدعي وصلا لليلى
وليلى لا تقر لهم بذاكا
فكل من هؤلاء المبتدعة يدعي أن قوله هو الحق، وأن قول خصمه هو الباطل الذي يجب تأويله وتفويضه. فهذا مخالفة للكتاب"وهم مجمعون على مفارقة الكتاب"، حيث لم يعملوا بالقرآن، وقالوا: إن دلالة القرآن لفظية لا تفيد اليقين، فهي مظنونة. فالمتواتر القرآن والأحاديث المتواترة هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة.
فمثلًا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى يقولون: هذه قطعية ثابتة ما في إشكال، قرآن.
وكذلك السنة المتواترة، لكن كونه يدل على الاستواء الحقيقي هذا مظنون، ظني؛ لأنه قد يراد به الاستيلاء، فالدلالة ظنية، وأما أحاديث الآحاد، قالوا: هذه ظنية الثبوت وظنية الدلالة لا يحتجون بها لا من جهة السند ولا من جهة المتن، فثبوتها ظني، والدلالة ظنية.
القرآن ليس لهم حيلة فيه في أن يقولوا: ليس بثابت، يقولون: صحيح قطعي الثبوت لكن ظني الدلالة، فسدوا على القلوب معرفة الله بأسمائه وصفاته من كتاب الله -عز وجل-، وقالوا ثم إن القرآن والسنة أدلة لفظية أدلة نطقية والأدلة اللفظية والنطقية لا تفيد اليقين ما تفيد إلا الظن، ما الذي يفيد اليقين؟
قالوا: الذي يفيده اليقين هو الأدلة العقلية، يسمونها القواطع العقلية براهين يقينية، وهي المقدمات التي يرتبها أهل المنطق، ويستخرجون النتائج منها، مثل قولهم: الله ليس بجسم، وكل ما ليس بجسم لا يُرى، فالنتيجة: الله لا يرى. هذا مثلًا يركبون الدليل من مقدمتين ونتيجة: الله ليس بجسم وكل ما ليس بجسم لا يرى، فالنتيجة: الله لا يرى، يقول: هذا دليل قطعي يقيني، برهان يقيني، أما القرآن والسنة أدلة لفظية، والأدلة اللفظية لا تفيد اليقين.
إذًا أبطلوا الاحتجاج بالقرآن والسنة. هذا معنى قول المؤلف -رحمه الله-: مجمعون على مفارقة الكتاب"فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب".
"يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم"يقولون على الله بلا علم، في أسمائه وصفاته وشرعه، يقولون بغير علم، القول على الله بلا علم من أعظم الجرائم، وأعظم الكبائر، حتى إن الله -سبحانه وتعالى- جعله فوق الشرك بالله -عز وجل-، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ .
جعله في مرتبة فوق الشرك، لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، كل مشرك قد قال على الله بلا علم، بلسان المقال وبلسان الحال، من عبد مع الله غيره أو أشرك بالله أو جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة فقد قال على الله بلا علم.
والقول على الله بلا علم يشمل الشرك ويشمل الضلال والبدع، كله قول على الله بلا علم، وقد جعل الله القول بغير علم من إرادة الشيطان في قوله -عز وجل-: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فجعله من أمر الشيطان.
فالقول على الله بلا علم هذا من أعظم الجرائم والكبائر، ومن ذلك أن يقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته، كقول بعض المبتدعة: إن هذه الأسماء ليست أسماء الله وإنما هي أسماء لمخلوقاته.
هذا قول على الله بلا علم، القول بأن معنى"استوى": استولى قول على الله بلا علم، القول أن الله حرم كذا أو أباح كذا في الشرع بغير دليل قول على الله بلا علم، وهو يشمل القول على الله بلا علم في أسمائه وفي صفاته وفي شرعه، وشمل الشرك والبدع والمعاصي.
فالمشرك قائل على الله بلا علم؛ ولهذا قال المؤلف - الإمام أحمد"يقولون على الله بغير علم"في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ودينه، الذي يفتي بغير علم، قال على الله بلا علم، إن الله أباح كذا أو حرم كذا على غير بصيرة فهو قائل على الله بلا علم وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
فإذًا القول على الله بلا علم مرتبة فوق مرتبة الشرك؛ لأنه يشمل الشرك وما دونه ويشمل القول على الله بلا علم، في أسمائه وصفاته وأفعاله أو في شرعه ودينه.
"ويقولون في الله بغير علم"يقولون: إن الله ليس على العرش، هذا قول في الله بغير علم، المبتدعة يقولون: إن الله لم يستو على العرش، والحلولية يقولون: إن الله حل في كل مكان، والمعتزلة الذين ينفون أسماءه وصفاته قالوا في الله بغير علم.
كما أن القول على الله بغير علم يشمل ما يقوله القدرية وما يقوله الجبرية وما يقوله الخوارج والمعتزلة من أن القرآن دل على كذا، هذا قول على الله بغير علم.
"وفي كتاب الله"أيضًا يقولون في كتاب الله بغير علم -كما سبق- يقولون: إن كتاب الله دل على أن الله لم يتصف بالصفات؛ لأنها أسماء لمخلوقاته.
يقولون: إن كتاب الله دل على أن العاصي مخلد في النار، كما يقول الخوارج يقولون: إن كتاب الله دل على أن المؤمن يخرج من الإيمان بالمعصية، وهكذا كذلك يشمل من قال في كتاب الله ونسب إلى كتاب الله ما ليس منه كما سيتبين من ذكر المؤلف -رحمه الله- الأمثلة الكثيرة.
يقولون: إن كتاب الله دل على أنه لم يتصف بالصفات، دل على أن العاصي يخلد في النار، أن العاصي يكفر، هذا قول على الله بلا علم، هذا معنى قول المؤلف:"يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم".
"يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس"يتكلمون بالمتشابه من الكلام كما ذكر المؤلف يعني يأتون بالآيات المتشابهة ويتأولونها على غير تأويلها، يخدعون بذلك الجهال بما يشبهون عليهم.
"فنعوذ بالله من فتن المضلين"وسيسرد المؤلف -رحمه الله- أمثلة، سيذكر اثنين وعشرين مثالا في بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وهو قول على الله بلا علم، وقول في كتاب الله بغير علم. كل هذه الأمثلة أمثلة لقول الإمام -رحمه الله-:"يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين".