لعموم الحديث المتقدم وإن كان فيه منفعة فنحكم عليه بحله للآية المتقدمة وما لم تعرف فيه منفعة ولا مضرة نتوقف فيه إلى أن يتبين أحدهما فنحكم بمقتضاه وأما قوله: لأن العقل لا يدرك الأحكام فالمراد لا يدرك استقلالا وهو لا ينافي إدراكه من عموم أدلة الشارع كقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم ما فِي الأَرضِ جَميعًا} [البقرة: الآية ] المفيد حل كل ما في الأرض جميعا لأن الامتنان لا يكون إلا بالحلال المخصوص بقوله عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار» المفيد حرمة المضر فيعلم من مجموعهما حل المنافع وحرمة المضار ثم نتتبع الأشياء فما وجدنا منها مضرا حكمنا عليه بالحرمة وما وجدنا منها غير مضر حكمنا عليه بالإباحة وما لا نعرف فيه شيئا منهما نتوقف. وأما ما ورد فيه شرع فليس الكلام فيه بل نعمل فيه مقتضاه وأما ما استدل به من الصوم والحج فهو قبل إيجابهما مما لم يطلع فيهما على مضرة ولا منفعة فيتوقف فيهما إلى ورود الوجوب وهو لا ينافي أن ما كان من المنافع على الحل بمعنى مستوي الطرفين لا بمعني ما يشمل الوجوب والندب لأن كلا منهما يثبت بالطلب والكلام فيما لم يرد فيه شيء.
قوله: (أما قبل البعثة) أي قبل تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم الشريعة إلى الخلق فهو مقابل لمحذوف. التقدير هذا كله فيما بعد البعثة أما قبل البعثة الخ وهذا الظرف متعلق بقوله لا حكم ولا يرد أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها لأنه مقدم من تأخير وتقديمه لأجل الفصل بين الشرط والجواب دفعا للقبح اللفظي كما هو مقرر في محله. قوله: (فلا حكم) لا أصليا ولا فرعيا كما هو المنقول عن الأشاعرة وجمع من غيرهم ولهذا قال المصنف إذ لا تعبد أصلا ولا فرعا إلا بعد البعثة وإن اعتمد النووي خلاف ذلك تبعا للحليمي وغيره حيث قال في شرح مسلم إن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت بلغتهم الدعوة من إبراهيم وغيره عليه الصلاة والسلام. آه. وهو خلاف ما عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء أن أهل الفترة لا يعذبون وتحرير الكلام فيه أن الأحكام قسمان: أحدهما أحكام فروع وهي لا تثبت إلا في حق من بلغته الدعوة من رسول أرسل إليه باتفاق الأشعرية والماتريدية والمعتزلة. وثانيهما: أحكام أصول وقد وقع بينهم خلاف في الاكتفاء في ثبوتها بأي رسول قيل يكتفي فيه بأي رسول وقواه النووي وعزاه بعضهم للماتريدية و على هذا فكل من بلغته دعوة رسول من الرسل