... في الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان، وقد سهل الله تعالى في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصارى، فاستدركه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما في الحال، بأن حضرا سقيفة بنى ساعدة وقال عمر: كنت أُزوِّر [1] فى نفسى كلامًا في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه [2] يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسى كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدى إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة، إلا أن بيعة أبى بكر كانت فلتة [3] وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فإنها تغرةً [4] يجب أن يقتلا.
... وإنما سكنت الأنصار عن دعواهم لرواية أبى بكر عن النبى عليه الصلاة والسلام: (الأئمة من قريش) . وهذه البيعة هى التى جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال [5] الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بنى هاشم وأبى سفيان من بنى أمية، وأمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، كان مشغولًا بما أمره النبى - صلى الله عليه وسلم - من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
الخلاف السادس:
(1) ... أزور كلامًا: أحسن كلامًا وأقومه وأنمقه.
(2) ... مه: اكفف.
(3) ... فلتة: دون تدبر وتمهل.
(4) ... تغرة: غرر بنفسه تغريرًا وتغرة: عرضها للهلاك.
(5) ... انثال عليه الناس: انصبوا عليه وتكاثروا حوله.