... فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم البدعة وكثيرًا من الأحاديث: أشعرت بوصف لأهل البدعة، وهو الفرقة الحاصلة، حتى يكونوا بسببها شيعًا متفرقة، لا ينتظم شملهم الإسلام، وإن كانوا من أهله، وحكم لهم بحكمه.
... ألا ترى أن قوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شىء } [1] ، وقوله تعالى { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ... } الآية [2] ، وقوله { وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [3] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرُّق ؟
... وفى الحديث: (وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة) [4] .
... والتفرق ناشئ عن الاختلاف في المذاهب والآراء إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان، وهو الحقيقة، وإن جعلنا معنى التفرق في المذاهب، فهو الاختلاف، كقوله: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } الآية [5] .
... فلا بد من النظر في هذا الاختلاف، ما سببه؟
... وله سببان:
... أحدهما: لا كسب للعباد فيه، وهو الراجع إلى سابق القدر.
... والآخر: هو الكسبى، وهو المقصود بالكلام عليه في هذا الباب، إلا أن نجعل السبب الأول مقدمة، فإن فيها معنى أصيلًا يجب التثُّبت له على من أراد التفقه في البدع.
... قال الله تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } [6] ، فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدًا، مع أنه لو أراد أن يجعلهم متفقين، لكان على ذلك [قديرًا] ، لكن سبق العلم القديم أنه إنما خلقهم للاختلاف، وهو قول جماعة من المفسرين في الآية، وأن قوله: { ولذلك خلقهم } ، معناه: وللاختلاف خلقهم، وهو مروى عن مالك بن أنس، ونحوه عن الحسن.
(1) ... الأنعام: 159
(2) ... الروم: 31-32
(3) ... الأنعام: 153
(4) ... صححه الألبانى (الصحيحة 203، 1492) .
(5) ... آل عمران: 105.
(6) ... هود: 118-119.