الصفحة 334 من 677

... قال تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [1] .

... وجه الدلالة: يقول القاضي، بعد أن أورد هذه الآية:"ووجه دلالة الآية: هو ما قد ثبت من أن الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية، وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدحًا راجعًا إلى ذاته، وما كان من نفيه تمدحًا راجعًا إلى ذاته كان إثباته نقصًا والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال".

المناقشة: إن استدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية باطل من وجوه منها:

... أولًا: أن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية، وهو بمعنى الإحاطة، وليس هذا المعنى في النظر، فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة، فلا شيء يحيط به، والدليل على أن الإدراك معنى زائد قوله تعالى: { فلما ترآى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معى ربي سيهدين } [2] ، فقد فرق الله تعالى بين الإدراك والرؤية فرقًا جليًا: حيث أثبت الرؤية بقوله: { فلما ترآى الجمعان } ، وأخبر أنه رأى بعضهم بعضًا، فصحت منهم الرؤية، ونفى الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم { قال كلا إن معى ربي سيهدين } ، فأخبر تعالى أن رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم، ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى: هو غير ما أثبته: فالإدراك غير الرؤية [3] . وإذا كان الإدراك غير الرؤية فلا دلالة في الآية على نفي الرؤية، لأن المنفي إنما هو الإدراك، ولا مانع من كون الشيء مرئيًا وليس مدركًا كما في هذه الآية التي تحكي قصة فرعون وموسى. والله أعلم.

(1) ... الأنعام: 103.

(2) ... الشعراء: 61.

(3) ... الفصل ج3 ص3-4 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت