فهرس الكتاب
... يقول القاضي: وقد استدل شيوخنا رحمهم الله تعالى على أنه تعالى لا يرى بالأبصار بقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: { قال رب أرني انظر إليك ... } [1] الآية، وإجابته إياه بقوله: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ... } [2] فنفى أن يراه.
المناقشة:
... والجواب على هذه الشبهة هو أن يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على نفي الرؤية باطل، فإنه لا دلالة فيها على ما تزعمون، بل هو دليل عليكم، وبيان ذلك من وجوه منها:
... الأول: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته، أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال.
... الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: { ... إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [3] .
... الثالث: أنه تعالى قال: { لن تراني } ، ولم يقل إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرأي، والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعامًا، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه لا يؤكل، أما إذا كان طعامًا صح أن يقال: إنك لن تأكله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه:
... الوجه الرابع: وهو قوله: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } [4] . فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟!.
... الخامس: أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علَّق به الرؤية، ولو كانت محالًا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندكم سواء.
(1) ... الأعراف: 143.
(2) ... الأعراف: 143.
(3) ... هود: 46.
(4) ... الأعراف: 143.