الصفحة 345 من 677

... يقول أبو الهذيل:"يجب على المكلف قبل ورود السمع ... أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدًا، ويعلم أيضًا حُسن الحَسن، وقُبح القَبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور" [1] .

... ويقول الغزالي:"ذهب المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل، كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، ومعرفة حسن الصدق وقبح الكفران.. ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذى فيه ضرر وقبح الكذب الذى فيه نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة وسائر العبادات، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، ولكن العقل لا يستقل بدركه ... ." [2] .

... من هذه الأقوال يظهر أن الأفعال عند المعتزلة قد ثبت قبحها والعقاب عليها عقلًا، كما ثبت حسنها والثواب عليها عقلًا ما عدا العبادات.

... هذا هو موجز رأي المعتزلة في هذه المسألة.

المناقشة:

... عرفنا -آنفًا- أن المعتزلة ترى أن قبح الأشياء وحسنها والعقاب عليها والثواب ثابت عقلًا، فهم يرون أن هناك تلازم بين إدراك قبحها، وبين العقاب عليها ...

... ويقال لهم: إنه لا تلازم بين هذين الأمرين، فالأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، لكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل.

... فمثلًا الكذب والزنا: كلها قبيحة في ذاتها، لكن العقاب عليها مشروط بالشرع ...

(1) ... الملل والنحل: ج1 ص55.

(2) ... المستصفى للغزالي: ج1 ص56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت