فهرس الكتاب
أولًا: ... قولكم: إن أفعال العباد تحصل بحسب قصودهم ... ، غير صحيح على إطلاقه، فإنا نرى من يريد شيئًا ويقصده، ولا يحصل له ما يريده وما يقصده، فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ، وربما أراد أكلًا لقوة وصحة، فيضعف ويمرض، وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه، إلى غير ذلك، فبطل ما ذكرتموه، وصح أن فعله خلق لغيره يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة والخلق من الخالق [1] .
ثانيًا: ... إن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم لا يدل على أنه خلق لهم ... ودليل ذلك: أن مشي الفرس مثلًا.. يحصل على قصد الراكب وإرادته من عَدْوٍ وتقريب ... ووقوف إلى غير ذلك، ولا يقول عاقل: أن الراكب خلق جري الفرس ولاسرعتها ولا غير ذلك من أفعالها، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل دليلًا على أنه خلقه. ومثل ذلك السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير يمينًا وشمالًا على حسب قصد الملاح، ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها.
... فإن كابروا الحقائق وقالوا: نقول إن ذلك خلقه الملاح والفارس، فقد خرجوا عن الدين، وسووا بين الخالق والعباد في أن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح.
... وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح، وليست بخلق له، قلنا: فكذلك أفعال أحدنا قد تقع -ولا نقول أنها تقع في كل حال- على حسب قصده، ولا يدل ذلك على أنه خلقها ... يؤكد ذلك أيضًا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه، وغير ذلك، ولا يقول أحد أن نمو الزرع خلقه الزارع.. وإن كان حاصلًا على حسب إرادة القائم عليه وقصده، وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده لا يدل على أنه هو خلقه، بل الخالق له هو الله تعالى [2] .
المطلب الثاني: أفعال التولد
... تعريف أفعال التولد:
(1) ... الإنصاف: ص153 بتصرف.
(2) ... الإنصاف: ص153-154 بتصرف.