... وإذا كانت المعتزلة (كفرقة) ضعفت وتلاشت، فإن أفكارها موجودة في بطون الكتب، وقد تبنى هذه الأفكار بعض الفرق الأخرى، ثم إن نزعات الهوى موجودة، وقد يتشدد الانسان ويكفر المسلمين ولو لم يطلع على فكر الخوارج، وسيظهر دائمًا من يحاول إخضاع النص لعقله، أو لما يظن أنه العقل (لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح) ، وتظهر هذه الأفكار لعدم التمكن من العلم، فعندما تثار شبهات المعتزلة يتأثر بها من له هوى معين، وتجد عنده قلبًا خاليًا، هذا إن لم تكن هناك مؤثرات خارجية، فكيف والمستشرقون يدندنون ليل نهار حول المعتزلة، ويعظمون أفكارها، وأنها تمثل مرحلة التنوير في الفكر الإسلامي، ولكن المسلمون رفضوها وانتكست الأحوال بعد ذلك، كيف وقد استبد الجهل في أهل القرن التاسع عشر في أوربا فظنوا أن العقل هو الحاكم على كل شيء، وأن الدين ذهب إلى غير رجعة، وأن البشرية تتقدم نحو الأفضل دائمًا إذا تركت نور النبوة. وما أن جاء القرن العشرين حتى اكتشف العقلاء منهم أن هذا وهم من الأوهام وخرافة كبيرة جرت أوربا إلى كوارث ومصائب، وأنه لابد من الدين. وأمام الانبهار بالغرب وتعظيمه لدور العقل، قام من المسلمين من يؤكد هذا التعظيم وأن هذا هو الإسلام، ورجع إلى آراء المعتزلة مؤيدًا لرأيه، ومقربًا الإسلام لأهل أوربا، وممن حاول هذه المحاولات الشيخ محمد عبده [1]
(1) ... محمد عبده بن حسن خير الله، مفتي الديار المصرية، ولد عام 1266هـ، وتوفي عام 1323هـ، شارك في الثورة العرابية، ونفي إلى بيروت، أصدر مع استاذه جمال الدين الأفغاني (العروة الوثقى) . انظر: الأعمال الكاملة جمع وتحقيق د/ محمد عمارة 3/282..