... وفي الخاتمة يقول محمد العبدة: إن من أعجب الأشياء أن يقال أن المعتزلة يمثلون حركة"التنوير"و"التحديث"و"العقلانية"في الفكر الإسلامي أو الحضارة الإسلامية، لأن من يغرق في النظريات المجردة وذكر المحالات، والاهتمام بالعرض والجوهر والتولد وانتقال الأجسام، لا يستطيع أن يبني أمة أو حضارة، وكيف يكون تنوير وزعماء الاعتزال يكفر بعضهم بعضًا، وعندما ملكوا شيئًا من القوة أذاقوا مخالفيهم الويلات، وكيف يكون تنوير بمعزل عن الوحي الإلهي، وهاهي البشرية في نهاية القرن العشرين تغوص في العسف والظلم والفساد، وإنما الذي يمثل روح الإسلام وحقيقته، والنظرة الصحيحة للعقل ودوره، ويدعو للاهتمام بالعمل، هم أولئك العلماء من أمثال مالك بن أنس الذي يقول:"أكره الكلام فيما ليس تحته عمل"، والإمام الأوزاعي الذي يقول:"بلغني أن الله إذا أراد بقوم شرًا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل"، ومثل ابن تيمية الذي يدعو لمنهج الاستقراء والتجربة ويهتم بالعمل المفيد، فهؤلاء ناشرو حضارة و بناة أمة، وما أظن أن الذين يدافعون عن الاعتزال من أهل العصر الحديث، وينشرون الأبحاث والمقالات عنهم ، ويتحسرون على فقدهم، ما أظن أن هؤلاء من الذين يبحثون عن الحقيقة العلمية، وأنهم أخطأوا طريق الصواب، بل غالبهم من الذين يأنفون من التسليم للوحي الإلهي، ويأنفون من الالتزام بشرائع الإسلام، ويتسترون"بالعقلانية"و"التحرر"لينفضُّوا عن القيم الإسلامية. وإن المعتزلة القدماء رغم انحرافهم -فقد كان بعض زعمائهم صاحب دين وحب لنشر الدعوة بين صفوف غير المسلمين، وأما هؤلاء فليس همهم إلا تفريغ الدين من محتواه، وخاصة أمور الشريعة.