... ثم لنستمع إلى شهادة أحد أكابر علماء الغرب القلائل الذين وضعوا أيديهم على الداء البشري وهو الدكتور أليكساس كاريل حيث يقول:"مهما كانت براعة المذاهب"النظرية"التي يبتدعها العقل، فإنها لا تعدو أن تكون نظرات جزئية، وأشباحًا باهتة للواقع. وليس هناك مذهب فلسفي قط استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس، وقوانين الحياة التي تستنبط من مثل تلك المبادئ ليست إلا فروضًا وإذا أردنا تجنب الوقوع في الخطأ وجب علينا أن نستخلص قوانين الحياة من ملاحظات الحياة نفسها".
... ويبين كاريل بعدها مسار العقل الإنساني في اختياره للمباحث النظرية السهلة وما يجلبه ذلك من ضرر فيقول:"كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والإجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي الذي ساد في القرن الثامن عشر على نتائج العلم الواضحة، فارتضينا أن نأسن [1] وسط"المعاني المجردة"ولعل كسل الإنسان الطبيعي هو الذي دفعه إلى اختيار المعاني المجردة الهينة. وذلك لأن الملاحظة أشق من الاستدلال، وهذا هو السبب في أن البشرية كانت دائمًا تميل إلى اللعب بضروب التجريد".
... ثم يؤكد على أن الفلسفة ومناهجها هي التي تزري بالمناهج الأصلية للبشرية في العلم والعمل:"ولا شك أن فلاسفة عصر النور -أي عصر النهضة- هم الذين مكنوا لعبادة الحرية في صورة عمياء في أوربا وأمريكا، فراحوا باسم العقل يزرون بجميع النظم التقليدية، وبذلك وسَمُوا هذه القيود في أعين الناس بميسم الشناعة، وحينئذ بدأت المرحلة الأخيرة من الصراع ضد القواعد التي رضي أسلافنا بأن تهيمن على سلوكهم".
... وسبحان الله العظيم! كيف يدور الزمن دورته فيحاول"فلاسفة عصرنا وعلمائه"أن يعيدوا تمثيل ما حدث في أوربا منذ ثلاثة قرون أو أكثر، فيمكنوا لعبادة"الحرية"ويزدروا مناهج سلفنا الصالح! أليس ذلك كفعل الببغاء الذي عقله في أذنيه؟!.
(1) ... نأسن: ندخل.