... ثم يعلن كاريل في قوة ووضوح أن زيف المباحث النظرية هو السبب الأصيل وراء تدهور الحضارة فيقول:"ولذلك كان انتصار المذاهب النظرية تأكيدًا نهائيًا لهزيمة الحضارة".
... وإن كان كاريل قد شهد بذلك، فإننا نسوق شهادة واحد من أعتى المستشرقين وأكثرهم حقدًا على الإسلام وأهله، وهو هاملتون جب حيث يقول:"إن تركيز الفكر العربي على الأحداث الفردية، جعل العلماء المسلمين معدين للتعمق في المنهج الاختباري العلمي أكثر من أسلافهم الإغريق والإسكندرانيين. إن الملاحظات المفصلة التي قام بها باحثوا الإسلام قد ساهمت بشكل ملموس في تقدم المعرفة العلمية، بل إنها المصدر الذي أعاد المنهج التجريبي إلى أوربا في العصر الوسيط".
... فيا للعجب! ألم يكن أجدر"بفلاسفتنا"أن يدركوا من روح الإسلام ما أدركه هذا المستشرق.
... ونكتفي بهذا القدر من الشهادة لاثنين من أكابر علماء الغرب، وما كنا لننقل عن أحد من تلك الأمم، ولكن الشهادة التي يقر بها المخالف لها أهميتها، وإن في الحضارة الغربية آفات قاتلة تتركز في مناهجها ونظرياتها وسلوكياتها، وإن كان فيها من المباحث العلمية والمناهج التطبيقية والتقدم ما يجب على المسلمين الأخذ به والتسابق في تعلمه وتطويره -إن أمكن-فهم أولى البشر بالأخذ بأسباب القوة وتجنب مواطن الضعف.
... إن القدرة على أن نفرق بين ما نأخذ وما ندع، من ذلك الحصاد الهائل للبشرية إنما يكمن في إدراك المنهج الإسلامي الصحيح وما يدعو إليه، وفي دراسة سيرة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - دراسة واعية لأحداثها وعبرة لتلك الأحداث، والله سبحانه هو القادر أن يكشف عن المسلمين الغمَّة، وأن يعيد إليهم القدرة على صحة الحكم، ودقة النقد، فهم جد محتاجين إلى ذلك في مواجهة تلك التيارات التي يعج بها العصر، إنه سميع مجيب.