... وذهبت الكرَّامية إلى أن الإيمان هو القول باللسان، ولا يضر مع ذلك أن يبطن أى معتقد حتى وإن كان الكفر. وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، لا يغنى أحدهما عن الآخر، أى فمن صدق بقلبه وأعلن التكذيب بلسانه لا يسمى مؤمنًا. وعلى هذا قام مذهب الحنفية وهو أقرب مذاهب المرجئة إلى أهل السنة لموافقتهم أهل السنة في أن العاصى تحت المشيئة، وأنه لا يخرج عن الإيمان. وخالفوهم في عدم إدخال العمل في الإيمان وفى أن الإيمان يزيد وينقص، فلم يقولوا بذلك. هذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة من المرجئة، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن قال بقوله من فقهاء الكوفة الذين أخروا العمل عن حقيقة الإيمان وماهيته.
... على أن في نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة من الخلاف الكثير بين العلماء مالا يخفى، هل كان أبو حنيفة من المرجئة كما وصفه كتاب المقالات والفرق، أم كان ضد الإرجاء كما يصفه المدافعون عنه، لأن الإرجاء يتميز بالتساهل في الأعمال وتأخيرها عن منزلة الإيمان، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى بلغ حدًا كبيرًا في الاهتمام بالفروع، مما يدل على أنه يهتم بالعمل، وهذا عكس الإرجاء، فكيف يوصف بالإرجاء حسب هذا الدفاع عنه!!
... وأما ما جاء في الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر، من عبارات تدل دلالة واضحة على إرجائه -فقد شكك هؤلاء المدافعون عنه في صحة نسبة هذا الكتاب إليه، بل كذبوا نسبته إليه.
... ودافع عنه الشهرستانى وذهب إلى أن نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة إنما كان سببه في رأيه -المعتزلة والقدرية- عن سوء فهم منهم لرأى أبى حنيفة الذى يرى بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان، إضافة إلى أن المعتزلة -كما يرى الشهرستانى- كانوا يسمون كل من خالفهم مرجئًا [1] .
(1) ... الملل والنحل 1/141.