... وهذا موجود في الواقع، فإن البدع قد نشأت إلى الآن، ولا تزال تكثر، وإن فرضنا إزالة بدع الزائغين في العقائد كلها، لكان الذى يبقى أكثر من اثنتين وسبعين، فما قاله -والله أعلم- غير مخلِّص.
... (والثانى) : أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعيَّن بعد، بخلاف القول المتقدم، وهو أصح في النظر، لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا يقتضيه.
... فالأولى ما قاله من عدم التعيين، وإن سلمنا (أن) الدليل قام له على ذلك، فلا ينبغى التعيين.
... أما أولًا: فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى أوصافهم من غير تصريح ليحذر منها، ويبقى الأمر في تعيين الداخلين في مقتضى الحديث مرجئ، وإنما ورد التعيين في النادر، كما قال عليه الصلاة والسلام في الخوارج: (إن من ضئضىء هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..) الحديث، مع أنه عليه السلام لم يعرِّف أنهم ممن شملهم حديث الفرق.
... وأما الثانية: فلأن عدم التعيين هو الذى ينبغى أن يلتزم، ليكون سترًا على الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا بها في الغالب.
... وأمرنا بالستر على المذنبين ما لم تبد لنا صفحة الخلاف.
... وأيضًا، فللستر حكمة أخرى، وهى أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة، لكان في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التى أمر الله ورسوله بها، حيث قال: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } [1] ،وقال: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } [2] ، وقال: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } [3] .
... فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم والفرقة، لزم من ذلك أن يكون منهيًا عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جدًا، كبدعة الخوارج، وذكرهم بعلامتهم، حتى يعرفوا، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما عدا ذلك، فالسكون عنه أولى.
(1) ... آل عمران: 103.
(2) ... الأنفال: 1.
(3) ... آل عمران: 105.