الصفحة 4 من 30

ويقول د. عمارة في موضع آخر:"نعم انتهت ثورة الزنج وطافت الدولة العباسية برأس الثائر الشاعر العالم علي بن محمد في المدن والأمصار والآفاق، ولكن حلم الإنسان العربي المسلم بالعدل لم ينته بنهاية هذه الثورة" [1] .

أقول: مما لا شك فيه أن د. محمد عمارة له جهد واضح في الرد على العلمانيين وخاصة في مناظرته لفرج فودة في معرض الكتاب الذي عقد بالقاهرة عام 1992 وكذلك كتابه في الرد على العلمانيين ودحض شبهاتهم، ومناظرته لنصر حامد أبي زيد التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية. وهذا كله جهد يعلمه المتتبع لكتابات د. عمارة ومقالاته في جريدة الشعب المعارضة بمصر .. لكن الحقيقة التي لم ينكرها د. عمارة أنه يسير في أفكاره على منظومة المعتزلة في تقديم العقل على النقل، واهدار سلطة النص القرآني والإستشهاد به وأحاديث الآحاد وحتى المتواترة على سبيل الإستئناس الذي يعضد ويوافق فكرته العقلية .. فالدكتور محمد عمارة رغم أنه ليس علمانيًا بالمعنى الاصطلاحي إلا أنه ينطلق من نفس منطلقات العلمانيين في تقديم العقل على النقل .. حيث يعتبر الدكتور عمارة أن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كان في عصر المأمون والمعتصم والواثق:"ولقد كان هؤلاء الخلفاء الثلاثة من أنصار التيار العقلاني في الفكر الإسلامي، إذ كانوا على مذهب المعتزلة؛ أهل العدل والتوحيد .. وفي ظل حكمهم استخدم التيار العقلاني جهاز الدولة في إشاعة مفاهيمه، وتدعيم القسمات التي تميزت بها حضارتنا في عصرها الذهبي" [2] .

هكذا اختزل عمارة التاريخ الإسلامي في هؤلاء الخلفاء الثلاثة ناسيًا من سبقهم من خلافة راشدة وأمويين أجداد هؤلاء الخلفاء حتى هارون الرشيد خرج من العصر الذهبي طبقًا لتحديد الدكتور عمارة!! أما عصر الإنحطاط والتخلف فيأتي من بعد هؤلاء الثلاثة!! فيتهم د. عمارة الخليفة المتوكل بالتخلف والجمود لأنه نصر أهل السنة وقضى على فتنة خلق القرآن:"وهكذا تحولت الإدارة التي أرادها المعتصم حصنًا للحضارة العقلانية، ضد (العامة) ، تحولت إلى حصن للفكر المتخلف، انطلقت منه (العامة) وفقهاؤها ليصيبوا ذلك المد الحضاري العقلاني، بالتوقف، فالجمود، فالتخلف، فالتراجع، وذلك بمجرد استيلاء الخليفة المتوكل (232 هـ - 247 هـ) على السلطة بعد موت الخليفة الواثق! .. ولقد رضيت العامة وفقهاؤها من النصوصيين، لقصر نظرها، عن هذا الإنقلاب" [3] .

(1) محمد عمارة: المرجع السابق /ص235.

(2) محمد عمارة: المرجع السابق /ص201.

(3) محمد عمارة: المرجع السابق/ ص203، ص204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت