ذلك أن الطبري عاصر هذه الحركة منذ بداية دعوتها بالتحديد سنة 249ه أي قبل اعلان الحركة عن نفسها وقبل تأسيس عاصمة الزنج (المختارة) مرورًا بسنة 255هـ حتى زوال فتنة الزنج سنة 270هـ. فابن جرير لقربه من مسرح الأحداث كان شاهد عيان، وكان يدونها بما يشبه عمل الصحف اليوم لدرجة أنه أفرد لهذه الفتنة أكثر من مائتي صفحة في كتابه الضخم (تاريخ الأمم والملوك) إذن ابن جرير شاهد على عصره وناقل أمين لفتنة الزنج التي كادت أن تقوض دعائم أرض الخلافة التي صارت مرتعًا لكل طامع .. ورغم هذه الحقيقة عن الطبري إلا أنهم أبوا إلا الطعن فيه ليسهل الطعن في كل علماء التاريخ الذين أخذوا عن الطبري، ومن ثم يتحقق لهؤلاء المبطلين مآربهم للنيل من الإسلام ومنهجه!!
فهذا هادي العلوي يسير على منهج المستشرق الفرنسي ماسنيون ويردد نفس مقولته عن الطبري:"وكان الطبري مقاطعًا للسلطة على طريقة فقهاء القرن الأول وكان يتمتع بقسط من حرية الرأي الإجتهاد مع الإتجاه إلى مطالعة كتب الفلسفة في السر لكن معالجته لثورة الزنج بدت كما لو أنها من فعل مؤسسة اعلامية وجهت لدعم حرب العباسيين ضد قائدها الذي يرجع تلقيبه بالخبيث إلى الطبري نفسه" [1] .
ويقول هادي العلوي في موضع آخر:"وقف المجتمع الإسلامي بأسره ضد صاحب الزنج فسحب منه هويته كما منحه لقب (الخبيث) الذي صار علمًا عليه في مصادر التاريخ بدءًا من الطبري ... ولم يدافع عن الثورة أحد من الفرق والشخصيات الثقافية أو الاجتماعية" [2] .
أما د. محمد عمارة فيقول متعجبًا:"فالطبري يقدم أهم أخبارها، وأكثرها ينطلق في تأريخه لها من منطلق العداء، بل والعداء الشديد ... فهو (الطبري) يطلق على قائدها: علي بن محمد، أوصافًا من مثل: (الخبيث) ! و (اللعين) ! و (الخائن) ! و (الفاسق) ! بل ويكتفي بصفة من هذه الصفات أو أكثر، عندما يريد الحديث عن صاحب الزنج، ولا يذكر اسمه إلا في القليل" [3] .
ويستنكر أحمد علبي وصف الطبري لصاحب الزنج قائلًا:"ولهذا فإن مقتل صاحب الزنج بعد جهاد جهيد كان بمثابة (البشير) كما ورد لدى الطبري (ت 310هـ) الذي هو بمنزلة"
(1) هادي علوي: شخصيات غير قلقة في الإسلام/ص224.
(2) هادي علوي: المرجع السابق/ص222.
(3) محمد عمارة: مسلمون ثوار/ص198، ص199.