حسنًا، وقال تعالى {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (النحل:41) وفي هذه الآية يبين الله تعالى أيضًا أنه سيرزق المجاهد ويعطيه رزقًا حسنًا وليس هذا هو الأجر وحده، لأن أجر الآخرة هو أكبر حتى لو فات الرزق الحسن في الدنيا لحكمة يعلمها الله تعالى.
وفي السنة يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بأوضح عبارة وأجمل بيان، ويقرب للعبد الصورة بعرض احتمالات المصاب ليهيج النفوس على الخروج إلى الجهاد، فيقول كما جاء عند أبي داود وغيره عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه أو بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة) قال ابن مفلح في الفروع فيه بقية مختلف فيه إلا أنه حديث حسن إن شاء الله، وقال ابن أبي عاصم إسناده حسن لغيره، وقال الحاكم على شرط مسلم، وهذا الإسناد فيه بقية وعبد الرحمن بن ثوبان وهما ضعيفان، إلا أنه يعتضد بما جاء عند البيهقي في سننه قال عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله عز وجل قال من انتدب خارجا في سبيل الله ابتغاء وجهه وتصديق وعده وإيمانا برسالاته على الله ضامن فإما يتوفاه الله في الجيش بأي حتف شاء فيدخله الجنة، وإما يسيح في ضمان الله وإن طالت غيبته ثم يرده إلى أهله سالما مع ما نال من أجر وغنيمة قال ومن فصل في سبيل الله فمات أو قتل يعني فهو شهيد أو وقصة فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وله الجنة) ويعتضد أيضًا بما رواه أحمد عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله عز وجل ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة والإبهام فجمعهن وقال وأين المجاهدون فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله تعالى أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله عز وجل) وهذا أيضًا فيه محمد بن إسحاق، إلا أن الآيات المتقدمة تعضد الأحاديث ولا تعارضها، وقد فهم البخاري ذلك وبوب عليه في صحيحه وقال: {باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم وقوله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (النساء:100) (وقع: وجب) قال ابن حجر (فهو منهم) " أي من المجاهدين, قوله (ثم يدركه الموت) أعم من أن يكون بقتل أو وقوع من دابته وغير ذلك فتناسب الآية الترجمة، وقد روى الطبري من طريق سعيد بن جبير والسدي وغيرهما أن الآية نزلت في رجل كان مسلما مقيما بمكة، فلما سمع قوله تعالى {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (النساء:97) قال لأهله وهو مريض أخرجوني إلى جهة المدينة فأخرجوه فمات في الطريق، فنزلت، واسمه ضمرة على الصحيح، وقد أوضحت ذلك في كتابي في الصحابة. قوله: (وقع: وجب) قال: قوله فقد وقع أجره على الله أي وجب ثوابه" أهـ كلام ابن جحر رحمه الله مختصرًا.
فهذا ثواب الطريق إلى الجهاد فكيف يكون ثواب الجهاد نفسه، ولم يجعل الله ثواب الطريق إلى الجهاد بهذه الدرجة من الضمان إلا لأنه يعلم أن الطريق إلى الجهاد شاق لأمرين، أولًا: لأنه أول الصعوبات التي يواجهها المجاهد حينما يفارق الأهل والمال ولم تعتد نفسه المشقة، وثانيًا: لأن قطع العدو لطريق الجهاد على المسلمين أسهل عليه من قتل المجاهدين بعدما يأخذوا حذرهم وأسلحتهم.
وشحذا للهمم، وشحنًا للنفوس رتب الله على طريق الجهاد هذا الأجر العظيم وضمن أيضًا للمجاهد الأجر ضمانًا لا يتطرق إليه الشك كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة .. الحديث) فهذا الضمان الأكيد من الله سبحانه وتعالى لمن خرج في سبيله، يدل دلالة واضحة على أن الخروج إلى الجهاد شاق على الأنفس ومحفوف بالمخاطر لذا سهل الله هذه الصعاب وخففها بذلك الأجر العظيم.
وبناءً على ذلك يا عبد الله إن كنت ممن يحدث نفسه حقًا بالجهاد فإياك أن تقف عند التحديث وحده فقط فهذا لا يعذرك أمام الله بترك الخروج للجهاد بما أنك قادر على الخروج أو قادر حتى على المحاولة المحتملة للنجاح، فحاول واسلك طريق