الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ} (العنكبوت:69) والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إن كثيرًا من المسلمين اليوم على قناعة تامة بأن الجهاد فرض عين على الأمة لمداهمة العدو أرض المسلمين، وعلى قناعة أيضًا بحاجة المجاهدين والأمة الإسلامية إلى الرجال الذين يذودون عن هذا الدين وعن دماء المسلمين وأعراضهم.
إلا أن هذه القناعة لم يكتب لها أن تترجم من قبل أكثر المسلمين لتكون عملًا يثمر التحاقهم بأرض المعركة، بل تتبدد تلك القناعة وتضمحل عندما يعرض لها أول سؤال مفاده: أين الطريق إلى أرض الجهاد؟ كيف نصل إلى أرض المعركة؟، والإجابة العملية على هذا السؤال لدى الكثير من أبناء المسلمين، ليس الإصرار والبحث عن الطريق، إنما القعود وترك البحث وخداع النفس بأن هذا هو العذر أمام الله.
وسأتكلم هنا عن طريق الجهاد وكيف تصل الأمة إليه، وما مفهوم الطريق.
إن الجهاد اليوم يعد هو الوحش المرعب الذي يقض مضاجع اليهود والصليبيين، وهو الغول الذي يهدد العالم وحضارته وأمنه كما يحلوا للصليبيين تسميته، وبما أن هذه هي الصورة التي يصور بها العالم الجهاد، فلا يظن المسلم أنه سيصل إلى أرض الجهاد بكل يسر وسهولة كلا، بل إنه معرض لمخاطر ينبغي عليه أن يقتحمها ليصل إلى أرض الجهاد، ولا يتوقع أحد من المسلمين اليوم أن عدوه سيفرش له طريق الجهاد بالورود والرياحين ليقول له أقبل أقبل لرضى الله والجنة، إن من يظن بعدوه هذا فهو مغفل لا يعرف طبيعة عدوه ولا يعرف حقيقة عدوه من كتاب الله سبحانه وتعالى حيث قال {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة:217) فهم يعملون ليل نهار ليصدوا الذين آمنوا عن دينهم وعن الجهاد.
وليس ما سبق هو تثبيط لهمم الرجال التي تتوق إلى الجهاد أبدًا، ولكنه تقريب للصورة التي ينبغي أن يضعها المسلم في ذهنه قبل الانطلاق إلى طريق الجهاد، وليعلم كل من حدث نفسه بالذهاب إلى الجهاد، بأن حديث النفس وحده لا يكفي ليكون لك عذرًا أمام الله، نعم حديث النفس ينفي عنك النفاق، ولكن العذر بترك الجهاد يحتاج إلى ما بعد تحديث النفس، وليعلم شباب الأمة أيضًا أن الصادقين قبلهم قد حاولوا وبذلوا الاستطاعة ودخلوا إلى أرض الجهاد ولكن بعد ماذا؟ بعدما تعبوا وخافوا وطوردوا، صدقوا الله فوصلوا.
ومن أجل ذلك فقد عد الله سبحانه وتعالى طريق الجهاد وحده جهادًا منفردًا، لذا رتب الله عليه أعظم الأجر والثواب، وعد من خرج إلى الجهاد بأنه مجاهد ولو مات مات شهيدًا، كل ذلك الفضل والثواب يأتي تحفيزًا لرجال الأمة على الجهاد، فالمجاهد ماذا يريد من جهاده؟ إنه يريد من جهاده إحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة، فإذا نال إحداهما فقد انتصر، لذا بين الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أن من خرج للجهاد فإنه سينال إحدى الحسنيين، قال الله تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء:100) فبين الله في هذه الآية أن من يخرج للجهاد فإنه سيجد مراغمًا مكانًا يأوي إليه وسعة في الرزق، وإن أدركه الموت فقد وقع أجره على الكريم الذي لن يجازيه بما دون جنة الخلد، وقال الله أيضًا {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (الحج:58) ويبين الله تعالى في هذه الآية لمن خرج للجهاد أنه إما أن يقتل أو يموت وفي كلا الحالين فقد وعده الله رزقًا