وجاء عند أبي داود ما هو أوضح منه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ (ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما) ، فستقولان هذان الحديثان وغيرهما نص في موطن النزاع ورد لزعمك أنه لا طاعة للوالدين في الجهاد!!
وأنا لن أجيبكما ولكن يجيبكما أهل العلم قرنًا من بعد قرن، ليبينوا لكما أن تعميم حكمكما على كل زمان أنه خطأ يعارض الأدلة الأخرى.
ومن الأدلة المعارضة لرأيكما ما روى ابن حبان 5/ 8 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه "أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال قال فقال رسول الله الصلاة، قال ثم مه؟ قال ثم الصلاة قال ثم مه؟ قال ثم الصلاة ثلاث مرات قال ثم مه؟ قال ثم الجهاد في سبيل الله، قال فإن لي والدين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمرك بوالديك خيرًا فقال والذي بعثك نبيًا لأجاهدن ولأتركنهما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت أعلم".
وبناءً على هذا الحديث قال ابن حجر في الفتح6/ 140 "قال جمهور العلماء يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين لأن برهما فرض عين عليه والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن ويشهد له ما أخرجه بن حبان .. ثم ذكر الحديث المتقدم وقال .. وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين، وهل يلحق الجد والجدة بالأبوين في ذلك؟ الأصح عند الشافعية نعم ".
قال محمد الزرقاني في شرحه على موطأ مالك في شرح الزرقاني 3/ 20 "قوله (فبرهما) قال الجمهور يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن، ففي ابن حبان .. ثم ذكر الحديث المتقدم .. "
قال الشوكاني في الدراري المضية 1/ 481 "وأما اعتبار إذن الأبوين فلحديث عبد الله بن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال (أحي والداك؟) قال نعم قال (ففيهما فجاهد) وفي روايه لأحمد وأبي داود وابن ماجة قال يا رسول الله إني جئت أريد الجهاد معك ولقد أتيت وإن والدي يبكيان؟ قال (فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) وقد أخرج هدا الحديث مسلم رحمة الله تعالى من وجة آخر وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال (هل لك أحد باليمن؟) فقال أبواي فقال (أذنا لك؟) قال لا، فقال (ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما) وصححه ابن حبان وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي من حديث معاوية ابن جاهمة السلمى أن جاهمة أتى النبي صلى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك؟ فقيل (هل لك من أم؟) قال نعم قال (ألزمها فإن الجنة عند رجليها) وقد اختلف في اسناده اختلافا مثيرا، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد ويحرم إذا لم يأذنا أو أحدهما لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، قالوا وإذا تعين الجهاد فلا إذن ويدل على ذلك ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال؟ فقال (الصلاة قال ثم مه قال الجهاد قال فإن لي والدين قال آمرك بوالديك خيرا قال والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال فأنت اعلم) قالوا وهو محمول على الجهاد فرض العين أي حيث يتعين على من له أبوان أو أحدهما توفيقا بين الحديثين ".
قال ابن قدامة في المغني 9/ 171 "إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه لأنه صار فرض عين وتركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل ما وجب مثل الحج والصلاة في الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب، قال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال لأنها عبادة تعينت عليه فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة ولأن الله تعالى قال {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران:97) ولم يشترط إذن الوالدين".