وبذلك فإننا نجد هذا الكتاب مادة أساسية لجميع من كتب بعده في تراجم أعلام المغرب في تلك الفترة؛ خاصة أعلام فاس. كحفيد أخيه المهدي بن أحمد في"ممتع الأسماع"، فقد ساق تراجم كاملة من عنده، والقادري في"نشر المثاني"و"التقاط الدرر"، والمولى سليمان في"عناية أولي المجد"، وجد جدنا الإمام محمد بن جعفر الكتاني في"سلوة الأنفاس"، والشيخ عبد الكبير بن هاشم الكتاني في"زهر الآس"، والعباس ابن إبراهيم في"الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، ومحمد داود في"تاريخ تطوان"... وغيرهم.
و - جذور مشيخة فاس في العلوم:
سبق أن تحدثت عن فترة كتابة"مرآة المحاسن"من الناحية السياسية، وأنها كانت فترة اضطرابات وقلاقل.
أما من الناحية العلمية؛ فيعد المؤرخون هذه الفترة فترة ركود علمي وانزواء [1] . ولا شك أن الدارس للتاريخ الثقافي المغربي يلاحظ أنها كانت - كذلك - فترة حاسمة في التاريخ العلمي المغربي. وذلك للأسباب التالية:
1.الاضطراب السياسي الذي دام لفترة مائة وخمسين عاما تقريبا.
2.الاستعمار الأجنبي لمختلف السواحل المغربية، والذي كان له دور في انحسار المد الثقافي خارج المدن. وإن كان المختار السوسي استثنى سوسا من هذا الانحسار [2] ، وكذلك نستثني جبال الأطلس منه كذلك (الزاوية الدلائية) .
3.التغير السكاني للمغرب نتيجة هجرة الأندلسيين إليه بمختلف أفكارهم ونزعاتهم وثقافاتهم.
4.ورود جملة من علماء الأندلس إلى المغرب بتلاميذهم، وتأثيرهم المباشر في السلوك العلمي لدى المغاربة، خاصة وأن القرن الأخير من تاريخ الإسلام في الأندلس شاهد روادا على المستوى الثقافي والعلمي والفكري؛ كأبي إسحاق الشاطبي، وابن جزي الكلبي، وابن أبي عاصم الغرناطي، وأبي عبد الله ابن المواق ... وغيرهم.
(1) مع اعتبارنا للنهضة العابرة التي شهدها عصر المنصور السعدي أواخر القرن العاشر.
(2) "سوس العالمة"ص21.