فإذا قضى القراءة؛ خرج إلى مكانه - أيضا - من الزاوية، فجلس فيه قبل فراغ الحزب الذي يقرؤه الناس. فإذا فرغوا منه؛ قاموا إلى الشيخ فسلموا عليه، فيجلس إليه بعضهم وينصرف آخرون، فيجلس هنالك ساعة يتكلم فيما يقتضيه الوقت مع أصحابه، ثم يدخل منزله.
وكان [47] يصلي صلاة الإشراق، ثم صلاة الضحى. وكان يتوضأ لكل صلاة، ولا يمر عليه وقت إلا وهو على وضوء؛ فكان دائم الطهارة إلا ما تقتضيه ضرورة البشر.
وكانت له سبحة من عود العناب [1] فيها مائة حبة، لا تفارقه، ولا سيما في طرفي النهار إلى وقت نومه.
والسبحة: من شعار القوم، وقد كانت للجنيد وغيره، ولها أصل في السنة. وقد ألف في ذلك شيخ الإسلام الأسيوطي.
وإذا كان في منزله؛ لا يكون إلا مصليا أو تاليا أو ذاكرا أو مطالعا .. ولا يضيع حق أهله في كلامه وحديثه، موانسا لهم، ومطيبا لنفوسهم. وكان من مرتباته: جزء من التفسير يطالعه كل يوم في أوائل النهار، وكان يعتني كثيرا بتفسير ابن عطية، وكان يستحضر أكثره، وكان الشيخ أبو المحاسن لا يفارقه وجيز الواحدي، وتسهيل ابن جزي [2] .
وكان في كثير من السنين في فصل الشتاء يأخذ في القرآن ختمة باللوح مع جودة حفظه؛ حتى لقد رأيت شيخنا أبا الطيب ابن مهدي - وهو من هو - يقرأ عليه القرآن. وإنما كان يفعل ذلك زيادة محبة واعتناء بكتاب الله عز وجل.
(1) العُناب: شجر معروف، يسمى بالفارسية: السنجلان، وربما يسمى عود الأراك عُنَابا، وهو الأقرب هنا.
(2) "الوجيز في تفسير القرآن العزيز". للإمام علي بن أحمد الواحدي المتوفى عام (468) طبع، و"التسهيل لعلوم التنزيل"لمحمد بن أحمد ابن جزي الكلبي المتوفى عام (741) . طبع كذلك.