فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 425

فلما كان من الغد؛ خرج الشيخ إلى صلاة الصبح، وإذا بالمسجون وقع على رجليه يقبلهما ويثني عليه ويحمد الله تعالى على ما من به عليه من بركته. فسمعناه يحدث أنه كان في محبسه في برج له باب مقفل، وعليه حراس، ومن دونه أبواب مقفلة وأقوام هنالك، وإذا بالشيخ قد وقف عليه وقال له: (( قم! ) ). وإذا بالحديد قد سقط عن رجليه، فقام إلى الباب؛ فوجده مفتوحا، فتخطى الحراس إلى الباب الآخر فوجده كذلك، إلى أن نفذ إلى الشارع، وقصد دار الشيخ حتى انتهى إليها، وخلصه الله تعالى وأحسن عاقبته.

ثم بعد أيام قليلة [78] جاء الأمر من مراكش بثقاف الذي سجنه، وتثقيل الحديد عليه، وإغرامه مائة ألف دينار، ولم يكن لذلك سبب ظاهر، مع عظيم حظوته. فجاء أهل داره إلى الشيخ وطلبن السمح والإقالة. فوعدهن بخلاصه؛ فكان كما قال، وظهر اللطف الباهر، وانسدل الستر الجميل.

ومنها: أنه لما كان عام اثني عشر وألف - بسبب موت الخليفة أبي العباس المنصور رحمه الله - ما كان من اختلاف بنيه وتنازعهم في الملك، وتناوبهم الظهور والاستيلاء، ووقوع ما جرت به العادة من الجانب الغالب في الجانب المغلوب، ودخل مدينة فاس في شعبان من سنة التاريخ الجيش المراكشي الموجه من السلطان أبي فارس صحبة أخيه أبي عبد الله محمد الشيخ، وخرج عنها أخوهما السلطان أبو المعالي زيدان؛ أخذ بعض أكابر الجيش الداخل المراكشي خدما وغيرهن مما كان بيد أكابر بعض الجيش الخارج الفاسي ممن كان يستند إلى الشيخ وينتسب إلى خدمته، وكان الآخذ - أيضا- يدعي حظا من ذلك مُتَقَبَّلا من والده، فكلمه الشيخ في رد ما أخذ؛ فوعد بذلك، ورأيته يقبل رجل الشيخ ويقول: (( يا سيدي؛ إنما أطلب أخلاقك، وأن يكون قلبك معي، ولا يعز علي في ذلك مالي فضلا عن مال غيري ) ). وانصرف على ذلك، وظهر منه خلافه، فلم يف بوعد، ولم يوف بعهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت