فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 425

فحضرت يوما بعد ذلك وبين يدي الشيخ رجلان من أهل الدولة وأهل المكانة فيها، وكانا - أيضا - ممن يخدم الشيخ ويزدلف إليه بسابق خدمة من أبيهما من قبل، فقالا له: (( يا سيدي؛ قد تبين لنا أن فلانا غير مضمر الصدق فيما وعد به، وقد خاطبناه في ذلك مرات فلم يُحَصَّل منه على طائل ) ). فقال لهما الشيخ: (( أو يكذب علي؟! ) ). فقالا له: (( نعم! ) ). فظهر أثر الغضب عليه، وقال لهما: (( قولا له: إن كان عنده من يصرخه فليستصرخ به! ) ). ثم قال: (( لكن من هو الآن؟. بل حتى يعرفه الناس كلهم، فليس سقوط الواقف على القبقاب كسقوط الساقط من أعلى السطح ) ).

فما مرت إلا أيام قليلة حتى قلد عمل شفشاون، ثم جمع له إليه عمل أَزَّاجن، وكل واحد منهما عمل جليل، ثم قلد جباية الصحفة والدينار، وهي أعظم جبايات هذا الأفق الفاسي، ثم لم تطل مدته إلا ريثما عرفه الناس بذلك، ثم لم يمتع به؛ فانزعج من محلته من غير سبب حتى دخل مدينة السلطان - وهي: فاس الجديد - فلما وصل خبره للسلطان [79] محمد الشيخ؛ ظن به الغدر إذ قدم من غير إذن؛ فأمر بثقافه، فطال سجنه إلى أواخر شوال سنة أربع عشرة وألف، فاتجهت له الحيلة في الفرار من السجن؛ ففر وقاسى شدائد في الطريق، حتى انتهى إلى مراكش، فلم يمتع بنفسه ومات قتيلا. والعياذ بالله من سوء القضاء، ونسأله سبحانه العفو والعافية.

ومنها: أن شيخنا الإمام قاضي الجماعة أبا الحسن عليا بن عبد الرحمن بن عمران جاءه يوما، فاستأذنت له؛ فأذن له، فدخل عليه وهو في مصرية في داخل داره، فلما اطمأن به المجلس قال له: (( يا سيدي؛ إني كنت رأيت في النوم كأني وقعتَ في حصير، فجئتَ وعليك ثوب أسود، فأخذت بيدي وجذبتني ) ). فقال الشيخ: (( السواد: سيادة! ) ). فأنشدتهما شطر البيت المعروف؛ وهو:

أعلامه السود إعلام بسودده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت