فقال الشيخ لرجل من أصحابه: (( ناد في الناس أن: الزموا بلادكم ودوركم؛ فإن عظيم النصارى مسجون حيث هو حتى يجيء السلطان من مراكش، والنصارى غنيمة المسلمين، ومن شاء فليعط خمسين أوقية للنصراني! ) ). يشير إلى مبلغ قيمة النصراني في الغنيمة. فما انتقل النصارى من مكانهم ذلك أزيد من شهر حتى قدم السلطان أبو مروان - وكان مريضا - فالتقى الجمعان يوم الاثنين مكمل جمادى الأولى سنة [82] ست وثمانين وتسعمائة؛ فمنح الله المسلمين النصر؛ فقتل سبستيان في ذلك اليوم، واستولى المسلمون على ما معه، فما نجا من النصارى إلا قليل، وفر مستصرخهم السلطان أبو عبد الله، واضطر إلى عبور وادي المخازن؛ فوقع في غدير؛ فمات غريقا فيها، واستخرج منها، وحصل المسلمون على غنيمة لم يكن قط مثلها بالمغرب، إذ لم يتقدم للنصارى خروج به على هذه الصورة، إلا أن الغنيمة لم تقسم، والمال تنهبها الناس كما اتفق لهم بحسب القوة والبخت الدنيوي، وكان الناس يتوقعون مغبتها؛ لاختلاط الأموال بالحرام، فظهر ذلك من غلاء وغيره. وكنا نسمع أن البركة رفعت من الأموال من يومئذ.
وقد حضر الشيخ هذه الغزوة وأبلى فيها بلاء حسنا، وتورع عن الغنيمة، فلم يتلبس بشيء منها، وبلغت قيمة النصراني ما ذكره الشيخ، وكان سبب عدم ضبط أمر الغنيمة بجمعها وقسمها: موت السلطان أبي مروان - رحمه الله - قبل هزيمة النصارى، وكان مريضا في مِحَفَّة؛ فأخفى أصحابه موته حتى أظهر الله المسلمين؛ فاشتغل أخوه السلطان أبو العباس أحمد المنصور بجمع الكلمة عليه، ولم يشتغل بأمر الغنيمة؛ فتم له ما قصد، وعُد من البخت له أن مات في يوم واحد ثلاثة من الملوك، وورث هو الملك. والله خير الوارثين.