فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 425

2.والباطنية والصوفية يتفقون على مسألتي وحدة الوجود والاتحاد؛ غير أن الباطنية يرون أن هذه المسألة حقيقة تقتضي عندهم مدلولات كثيرة تنفي الألوهية مطلقا، ويدخلون فيها الفلسفة اليونانية والزرادشتية وغيرهما. أما الصوفية؛ فيرون بأن تلك حالة معنوية يستشعرها السالك أثناء جولانه في مقامات السلوك، حتى لا يرى في الوجود غير الله تعالى، ويتحقق بالحديث القدسي: (( وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ... ) ) [1] . فالمقصود بذلك عندهم: انمحاق إرادة العبد وتدبيره في إرادته تعالى، واقعا لا تصورا، حتى يصبح في رتبة من رتب المشاهدة الإلهية بحيث لا يتحرك إلا بما يرضي الله تعالى، طبقا للحديث الشريف: (( الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... ) ) [2] ، مع بقاء اعتبار الفرق بين الخالق والمخلوق.

3.يرى الصوفية والباطنية بأن للشريعة ظاهرا وباطنا. غير أن الباطنية يرون أن باطن الشريعة - وهو: العمق في معاني ظاهرها - إنما هو المقصود منها، وأن الظاهر ما هو إلا ما يفهمه العامة. أما الصوفية؛ فيرون بأن ظاهر الشريعة هو المقصود بالأمر والنهي، والوجوب والمنع. أما الباطن؛ فهو: مدلولات ذلك ومستنبطاته، فلا باطن بدون ظاهر، ولا ظاهر حقيقي من غير الاستقاء والفهم للباطن. فلا شريعة بدون حقيقة، ولا حقيقة بدون شريعة، وما الحقيقة إلا البعد والعمق في فهم الشريعة ومدلولاتها وعللها، لا أنها ند لها ومخالف!. وأن هذا العمق والفهم لا يتأتى إلا بمجاهدة النفس وصقلها بالعبادة وفقا لأوامر ظاهر الشريعة على السنن المحمدي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

(1) رواه البخاري (6137) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) رواه الإمام مسلم في صحيحه (8) من حديث طويل عن ابن عمر رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت