ومنها: فصل من كتاب آخر: (( وصلنا مكتوبك، معرفا بحالك، وما أصابك، فتأملنا ذلك، وتحقق عندنا أنك مظلوم؛ فعليك بالصبر، ولا تجزع، وارجع إلى الله، والله تعالى يثيبك على قدر ذلك، ويعينك في أمورك. على أن هذه المصائب للعبد المومن خير له إن صبر، فهي على كل حال - لو علم - منحة وإن كانت في الظاهر محنة، فإن لم توجب تخصيصا؛ توجب تمحيصا، وفي الحديث: إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه؛ فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه. وفي الحديث أيضا: يقول الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المومن فتلقى ذلك بصبر جميل؛ استحييت أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا . فهذه المصائب للعبد تمحيص لذنبه، وتخليص لعيبه، وتخصيص لقلبه، فمن اعتبر هذا وأجراه على ضميره؛ يجد لا محالة راحة، وينقلب الضر نعمة، ولا يزال العبد بين تخليص وتمحيص حتى يقضي إلى الآخرة ولا ذنب عليه، وكل ذلك منوط بالصبر، وإلا؛ اجتمعت عليه مصيبتان: وجود الضر، وفقد الأجر، والرزق اثنان: معجل، ومؤجل. فما يلايمه: حظ معاشه، وما يؤلمه: رزق معاده، فاختر ما يبقى على ما يفنى، والآخرة خير وأبقى ) ).
(( فعلى العبد أن يرجع إلى ربه، ويشاهده في كل حكم نازل، كما يستدل عليه بكل نجم طالع وآفل؛ من ضر ونفع، وعطاء ومنع. فمتى أعطاك؛ أشهدك بره. ومتى منعك؛ أشهدك قهره. فهو في كلتا الحالتين متعرف إليك، ومقبل عليك؛ فإياك أن يشغلك الضرر عن معنى صنعه المقدر، فربك يخلق ما يشاء ويختار، وكل شيء عنده بمقدار، وإلى المشيئة يستند كل شيء، ولا تستند هي إلى شيء، فعلى العبد الرضى والاستسلام، والإذعان عند مجاري الأحكام، فإن أصاب العبد بعض هذه مصحوب الوسائط المكلفة؛ فللعبد القيام بها فانيا عن حظه وطبعه، وعلى أن يظهر حق ربه مدرجا حقه في حقه، يبتغي بذلك مرضاته وامتثال أمره، فإن كان هذا حاله؛ فيا حبذا. وإلا؛ فالأولى: تركه طالبا السلامة، فلا يعدل بها شيء ) ).