فأجاب: (( الحمد لله حق حمده. وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد الكريم نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان من بعده. اعلم: أن أقرب الطرق إلى الله، وأحبها إليه: دوام الذكر. والذكر منشور الولاية، ولابد منه في البداية والنهاية، وهو يثمر أحوالا شريفة، ومقامات عالية منيفة، وعلوما لطيفة، ويحيي عوالم طالما كانت قبل مواتا، ويلبس النفس وجنودها ذلة وسباتا. ونظيره إذا وصل للقلب كدخول الماء في الأسراب؛ فإنه يخرج ما فيها من الحشرات والدواب، فكذلك الذكر إذا صادم القلب ودخل سويداءه؛ فإنه يخلصه من مساكنة صلصال النفس، ويزيل عن ناظره الغشاوة واللبس، ويصفيه من ملاحظة الأراجيف الغيرية، والأحكام الخلقية، ويرحل به إلى المنازل الدَيْرِيَّة، ويحقق له المقامات والمراتب الإحسانية ) ).
(( فإذا ظهر أن خاصية الذكر: الانجذاب نحو المذكور، والتحقق بأن كل ما سواه غرور، والتخطي عن جميع المراتب الكونية، والدخول في الحضرات الحقية؛ فنقول: إن العبد إذا لازم الذكر بجمع الهم في المذكور، ودفع كل خاطر، ومنع كل تفرقة، وثابر عليه مستحضرا جمال مذكوره، واستصحب ذلك في وروده وصدوره؛ عامله الحق في حال سيره بصورة الاختبار، إظهارا لمزيته، أو قطعا لحجته. فتارة تتبرج له ظواهر الكائنات، وتتزخرف له أنواع المكوِّنات؛ فتناديه منه فيه بواطنها: المنهل [97] قدامك. وأخرى تلاحظ همته شيئا مما كشف لها؛ فتصيح به هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك!. وتارة يطوفه في العوالم العلوية والسفلية، ويحفظ قلبه؛ فيسمع النداء منه فيه خطابا للحق: لا حاجة لي بسواك. وتارة يفاتحه بأمور خارجة عن الحصر، ويخوله ولاية الأمر؛ فربما زاده ذلك تحرشا، وإلى الحق تعطشا، ومن هنا قيل:
ما قد رأيت؛ فقد ضيعت أيامي! إن كان منزلتي في الحب عندكمُ
(( وربما زاده ذلك خضوعا، وإلى الحق رجوعا، ومن هنا قيل:
ويأبى خضوعي كل تلك المراتبِ تُخَوِّلُني عطفا ولاية ملكها