فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 425

(( والمرتبة الثالثة: نتيجة بقاء وجود المحب بمحبوبه، ورجوعه عن صرف الجمع إلى مقام التفرقة مع الجمع. وصاحب هذه المرتبة يقول: أنا عبده. وبساطها: فبي يسمع، وبي يبصر. وهذه المرتبة فوق الثانية من حيث إنها لا تتحقى إلا بعد العبور على الثانية. فإن الرجوع لا يكون إلا بعد العروج ) ).

(( ووراء هذه الحقائق أسرار يطول الكلام فيها، فمن ذاق؛ عرف، ومن لم يذق؛ فلا حرج إذا سلم واعترف، فعليه أن يتلقاها بالقبول، ويعترف بعجزه عن مدارك [99] الفحول:

ثم أبصرت حاذقا؛ لا تمار

لأناس رأوه بالأبصار فإذا كنت في المدارك غِرا

وإذا لم تر الهلال فسلم

(( فهذه المعالم والمراقي لا يدرك حقائقها إلا السالكون وجدانا، والعلماء تصديقا وإيمانا، وهو: توحيد الخواص. فمن قصر عنه لعجز أو نقص؛ فلا ينبغي أن يستبعد الوصول لهذا المقام الكريم، فليس بعزيز على الفتاح العليم، فعليه القيام بحق الأسباب، ومن الله تعالى رفع الحجاب، ومن جد وجد. ثم هذه المراتب مع كونها لا تستقصى في مجلدات عديدة؛ لا رخصة في ذكرها إلا بالإيماء لأهلها؛ كما قيل:

غني عن التصريح للمتعنتِ وعنيَ بالتلويح يفهم ذائق

(( على أن من كان من أهلها؛ فهو في غنى عن سماعها، وإن سمعها؛ ينشد بلسان حاله:

والأمر أوضح من نار على عَلَمِ كم ذا تُنَوه بالركنين والعلم

(( ومن لم يكن من أهلها؛ لم ينتفع بها، بل ربما يتضرر بها؛ إذ لا يزيده سماعها إلا تعمية وتحيرا من أنه يسمع ما لا يقبل ولا يتوصل إليه فهمه، ولا يدركه عقله، إذ لا تفهم إلا بالذوق والوجدان، كما لا يفهم الأكمه حقائق الألوان، مع اتساع عالم المعاني ولطافته، وضيق عالم العبارة وكثافته، وبيان ذلك يطول ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت